الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈
وأمه [قريبة] (١) بنت محمد بن أبي عبيدة (٢) بن عبد الله بن زمعة، تزوجها عبد الله بن حسن بعد هند بنت أبي عبيدة عمتها (٣)، فهند أم محمد وإبراهيم وموسى وزينب وفاطمة بني عبد الله بن الحسن، وأمّ يحيى بنت أخيها.
وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الميلي قال، حدثنا محمد بن القاسم بن إبراهيم عن مشايخ أهله من آل الحسن وآل الحسين (٤).
خبر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن
أبي طالب ﵈
، قالوا:
خرج/يحيى بن عبد الله في سنة سبعين ومائة في ولاية موسى أطبق، وبايعه أهل الحرمين وجميع أهل الحجاز وتهامة وأرض اليمن وأرض مصر والعراقين، وبثّ دعاته في جميع الآفاق، وصحّت إمامته، ووردت الكتب بإجابته من أهل المشرق والمغرب من الفقهاء والعلماء والوجوه والقواد والعامة.
_________________
(١) لم يرد إسم في د ص، ولم يترك بياض؛ والزيادة عن مقاتل الطالبيين والحدائق؛ وانظر نسب قريش ٥٤؛ وجمهرة نسب قريش ٥٠٥ - ٥٠٦ وفيهما قريبة بنت ركيح، وفي المقاتل: بنت عبد الله؛ ويضبط قريبة وقريبة.
(٢) ص: بن عبيدة.
(٣) د: خالتها.
(٤) السند في ص: وذكر إسحاق بن إبراهيم بن محمد الميلي بإسناده عن محمد بن القاسم بن إبراهيم عن مشايخ أهله من آل الحسن والحسين.
[ ٣٠٣ ]
قال أبو العباس الحسني [١]: فمن (١) العلماء عبد ربّه بن علقمة،
ومحمد بن إدريس الشافعي
، ومحمد بن عامر، ومخوّل بن إبراهيم (٢)، والحسن بن الحسين (٣) العرني، وإبراهيم بن إسحاق، وسليمان بن جرير، وعبد العزيز بن يحيى الكناني، وبشر بن المعتمر، وفليت بن إسماعيل، ومحمد بن أبي نعيم، ويونس بن إبراهيم، ويونس البجلي/ وسعيد بن خثيم (٤)، وغيرهم من الفقهاء.
قال غيره: والحسن بن صالح بن حي.
وصار يحيى بن عبد الله بنفسه إلى اليمن وأقام بها مدة، ثم صار إلى مصر وأرض المغرب ونواحيها، فاشتدّ له الطلب من موسى أطبق، ومات موسى سنة إحدى وسبعين ومائة، واستخلف هارون بن محمد أخوه وهو شرّ (٥) منه، فأنفذ في طلب يحيى بن عبد الله ودسّ إليه الرجال وبذل لهم (٦) الأموال. وانصرف يحيى بن عبد الله إلى العراق ودخل بغداد، وعلم به هارون فأخذ عليه الطرق والمراصد (٧) وفتّش المنازل والقصور والأسواق والسكك والمحالّ بجميع (٨) بغداد، فنجا منه وخرج
_________________
(١) د: من.
(٢) ص: ومخول بن إبراهيم بن إسحاق وسليمان بن جرير. .
(٣) د: الحسن بن الحسن الغربي.
(٤) د ص: خسم.
(٥) د: اشر.
(٦) د: له.
(٧) ص: المقاصد.
(٨) ص: وجميع.
(٩) الخبر في تيسير المطالب ١٢٧؛ وورد خبر يحيى مختصرا في الإفادة ٢٢، (Glaser ٧٣) ب-٢٤ ب؛ والترجمان ٧٧ أ-٧٧ ب.
[ ٣٠٤ ]
إلى الرّي فأقام بها شهرا وزيادة، ثم صار إلى خراسان، ثمّ صار (١) إلى ناحية جوزجان وبلخ، فاشتدّ به الطلب من هارون-وكان صاحب خراسان حينئذ هرثمة بن أعين قريبا (٢) من ثلاث سنين-وصار يحيى (٣) إلى وراء (٤) النهر، ووردت كتب هارون إلى صاحب خراسان بطلبه، فصار إلى خاقان ملك الترك [ومعه من شيعته وأوليائه ودعاته من أهل المدينة والبصرة والكوفة وأهل خراسان مقدار مائة وسبعين رجلا، فأكرمه خاقان ملك الترك وأنزله أفضل منازله وقال له: «ممالكي كلها لك وأنا بين يديك»، وأوسع عليه وعلى أصحابه من الخيرات والمعونة بكلّ ما يحتاجون إليه، حتّى اتصل الخبر بهارون بمكانه عند خاقان، فأنفذ إلى خاقان ملك الترك] (٥) رسولا يقال له النّوفلي، وسأل خاقان أن يسلم إليه يحيى بن عبد الله، فأبى ملك الترك ذلك وقال له (٦): لا أفعل ولا أرى في ديني الغدر والمكر وهو رجل من ولد نبيكم عالم (٧) زاهد قد أتاني والتجأ إلي وهرب منكم وهو عندي عزيز مكرم.
فأقام يحيى بن عبد الله عنده سنتين وستة أشهر ثم خرج، وقال له ملك الترك: «لا تخرج/فلك عندي ما تريد»، فقال يحيى بن عبد الله: لا يسعني المقام في ديني وقد رجع إليّ دعاتي وثقاتي وقد
_________________
(١) د: وصار.
(٢) أخبار الزيدية ٥٦: فأقام قريبا.
(٣) د: هو.
(٤) زاد المحقق في أخبار أئمة الزيدية: [ما].
(٥) من ص وحدها.
(٦) ص: فقال.
(٧) د: شيخ عالم.
[ ٣٠٥ ]
بايعني أهل المشرقين (١) والعراقين وخراسان/ووردت كتبهم عليّ، وجزاه خيرا. وكان يحيى بن عبد الله لم يزل يعرض عليه الإسلام والتوحيد ويرغبه فيما عند الله في السر والعلانية فأسلم سرا، وقال له:
لا أجسر أن أظهر الإسلام خوفا على نفسي من أصحابي وقوادي وأهل مملكتي، فإنّهم إمّا أن يقتلوني (٢) أو يزول هذا الملك عني. فخرج يحيى بن عبد الله من عنده، وصار إلى قومس ودخل إلى جبال طبرستان التي (٣) كان يملكها شروين بن سرخاب (٤)، ثم خرج إلى ملك الديلم.
ووقع الخبر إلى العراق بمصيره إلى هناك، فأنفذ هارون في طلبه الفضل بن يحيى البرمكي وأنفذ معه ثمانين (٥) ألف رجل وقاضيه وهو أبو البختري (٦)، فنزلوا الري وكاتبوا ملك الديلم وخدعوه بالأموال الخطيرة حتى انخدع.
قال أبو الحسن النوفلي
، قال أبي: قلت ليحيى لمّا قدم العراق وقد أعطي الأمان: كيف كانت حالتك بالديلم، ولم قبلت الأمان؟ فقال: أما صاحب الديلم فكانت زوجته غالبة على أمره فلم تكن أموره تورد ولا تصدر إلا عن رأيها، فلم تزل به حتى تقاعد عن معونتي وحتى
_________________
(١) ص: المشرقين والمغربين.
(٢) د: أما يقتلاني.
(٣) ص: الذي.
(٤) ص: سرحان؛ د: سرو بن سرحان.
(٥) ص: مائتي.
(٦) ص: وقاضيه وأبو البختري؛ د: وقاضيه وهو البختري.
[ ٣٠٦ ]
انخذل عني وكره مقامي عنده، حتّى خفته على نفسي واختلف عليّ (١) أصحابي.
فكتب له الرشيد أمانا محكما وحلف له بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك والأيمان المغلّظة أن لا يناله منه مكروه، وكتب له نسختين نسخة عنده ونسخة عند يحيى. فلما خرج إليه أظهر برّه وإكرامه وأعطاه مالا وهو ألف ألف درهم، فلم (٢) يزل آمنا إلى أن سعى به إلى الرشيد (٣) الزّبيري وأصحابه.
قال النوفلي:
وحدثني أحمد بن سليمان عن أبيه (٤): أنه حج في السنة التي قدم فيها يحيى بن عبد الله بعد الأمان وقد أذن له في الحج، قال: فرأيته جالسا في الحجر/وبإزائه بعض مواليه وموالي أبيه ونعليه (٥) بين يديه، وأنا لا أعرفه غير أني ظننت أنه من ولد فاطمة رضوان الله عليها، وهو أسمر نحيف خفيف العارضين، فشغل قلبي الفكر فيه وأنا في ذلك الطواف إذ مرّت بي عجوز من عجائز أهل المدينة تطوف (٦)، فلما وقعت عينها عليه أثبتته فقالت: بأبي وأمي أنت يا ابن رسول الله، الحمد لله الذي أرانيك في هذا الموضع آمنا، فلما عرفه الناس ازدحموا عليه فمدّ يده إلى نعليه فانتعلهما وخرج من المسجد إلى منزله.
قال أبو إسحاق إبراهيم بن رباح في حديثه:
سمعت عبد الله بن
_________________
(١) د: إلى.
(٢) ص: ولم.
(٣) ص: سعى به الرشيد.
(٤) «عن أبيه»، ليست في ص.
(٥) د: نعلته
(٦) «تطوف»، ليست في د.
[ ٣٠٧ ]
محمد بن الزبير، وكان أبوه/خاصة الرشيد، وذلك أنه كان صاحب رقيق بالمدينة وكان الرشيد يبتاع منه الجواري، فصار عدّة منهن (١) أمهات أولاد. وكان الفضل بن الربيع يأنس به.
قال إبراهيم: فحدثني (٢) عبد الله عن أبيه
قال: دخلت مع الفضل يوما إلى الرشيد فرأيت يحيى بن عبد الله بين يديه والرشيد يقرّعه ويعتدّ عليه بأشياء وفي كمّ يحيى كتب، فجعل يحيى (٣) يدخل يده فيخرج كتابا ثم يناوله الرشيد ويأخذ بطرفه ويقول: اقرأ هذا يا أمير المؤمنين، فإذا أتى على قراءته أدخله كمه وأخرج كتابا آخر، ففعل (٤) مثل ذلك، قال:
واعلم أن تلك الكتب حجج ليحيى، فعرض لي أن تمثلت بقول الشاعر [١]: [من البسيط]
أنّى أتيحت (٥) له حرباء تنضبة (٦) لا ترسل الساق إلا ممسكا ساقا
_________________
(١) ص: من.
(٢) ص: حدثني.
(٣) «يحيى»، ليست في د.
(٤) د: ففعل بذلك.
(٥) د: اتحت؛ والبيت مشكول في ص.
(٦) شكلها في ص بكسر السين وهو خطأ؛ والتنضب شجر ينبت بالحجاز ليس له ورق يخرج له خشب ضخام وأوراق كثيرة. (النبات لأبي حنيفة ٦٧ وفيه البيت، ولسان العرب ١/ ٧٦٣ «نضب»).
(٧) قارن بمقاتل الطالبيين ٤٧٢ - ٤٧٤ (ط ٢.٣٩٥ - ٣٩٦).
(٨) البيت في الحيوان ٦/ ٣٦٧؛ وعيون الأخبار ٣/ ١٩٢؛ والنبات للدينوري ٦٧؛ وتاريخ بغداد ١٤/ ١١١؛ ولسان العرب ١/ ٧٦٣ (نضب)، وهو ينسب في بعض المصادر لأبي داود الأيادي؛ وقارن بحاشية «النبات» لمزيد من التخريج.
[ ٣٠٨ ]
قال: فأقبل علي الرشيد مغضبا فقال: تؤيده وتلقّنه وتؤازره، فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ما هكذا أنا ولا كنت على هذا قط، ولكني رأيته فعل شيئا في هذه الكتب أذكرني هذا الشعر، يناول الكتاب فلا يخليه في يدك ويمسك طرفه بيده ثم يرده إلى كمه ويخرج غيره فأذكرني هذا البيت قال: فلما فرغ من قراءة تلك الكتب قال له: دعني من هذا أيّنا أحسن وجها (١) أنا أو أنت؟ فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين أحسن وجها وأنصع لونا وأتم قامة وأحسن خلقة، وما أنا من هذه الطريق في شيء، قال الرشيد: فندع ذا، أينا أسخى أنا أو أنت؟ فقال يحيى: أجبتك يا أمير المؤمنين في الأولى (٢) بما قد علمه الله وعلمه/ كل مستمع وناظر، فأما في هذه (٣) فأنا رجل أهتمّ بمعاشي أكثر السّنة التي تأتي عليّ، وأتقوّت ما يصير إليّ على حسب السّعة والضيق، وأنت يا أمير المؤمنين يجبى إليك خراج الأرض، والله ما أدري ما أجيب به (٤) في هذا؛ قال: لتجيبنّي وما بهذا عليك جفاء (٥)، قال: والله صدقتك يا أمير المؤمنين ما أدري كيف ذاك؟، قال: فندع هذا، فأيّنا أقرب إلى رسول الله، ﵌، قال يحيى: يا أمير المؤمنين النسب واحد وله أصل واحد والطينة واحدة (٦)؟ وأنا أسألك يا أمير المؤمنين/ لما أعفيتني من (٧) الجواب في هذا، فحلف له بالطّلاق والعتاق والصدقة
_________________
(١) ص: وأنصع لونا وأتم قامة وأحسن خلقة.
(٢) ص: فقال يحيى يا أمير المؤمنين في الأول أجبتك.
(٣) ص: فاما هذه.
(٤) ص: فيه.
(٥) ص: وما عليك بهذا جفاء.
(٦) ص: النسب واحد والطينة واحدة والأصل واحد.
(٧) ص: عن.
[ ٣٠٩ ]
أن لا يعفيه، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين بحق الله وبحقّ رسوله وقرابتك منه (١) لما أعفيتني، قال: قد حلفت بما علمت فهبني أحتال لكفارة اليمين في (٢) المال والرقيق، كيف الحيلة في الطلاق وبيع أمهات الأولاد؟ فقال يحيى: إن (٣) في نظر أمير المؤمنين وتفضله علي ما يصلح هذا، قال: لا والله لا أعفيك. قال: أما إذا لا بدّ يا أمير المؤمنين فأنا أنشدك الله لو بعث فينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الساعة أكان له أن يتزوج فيكم، فقال (٤) الرشيد: نعم، قال يحيى: أفكان له أن يتزوج فينا، قال الرشيد: لا، قال يحيى: فهذه حسب (٥)؛ قال: فوثب الرشيد ومضى فقعد غير ذلك المجلس. وخرج الفضل وخرجنا معه وهو ينفخ غما فسكت مليا ثم قال: ويحك سمعت شيئا أعجب مما كنا فيه قط؟ والله لوددت أني فديت هذا المجلس بشطر ما أملك/.
وذكر في غير هذه الرواية:
أنه (٦) لما انقضت مناظرة الرشيد يحيى، سأل (٧) الرشيد الفقهاء عن أمانه وأمرهم بالنظر فيه، فقال محمد بن الحسن الفقيه: بعث إليّ أبو البختري وإلى عدّة (٨) من الفقهاء، فيهم عبد الله بن صخر قاضي الرقة، فأتيناه فقال: إن أمير المؤمنين
_________________
(١) د: وقرابته منه؛ أخبار أئمة الزيدية: وقرابته.
(٢) ص: الكفارة في اليمين وفي.
(٣) «ان»، ليست في د.
(٤) ص: قال.
(٥) أخبار أئمة الزيدية ٦١: حسبك.
(٦) ص: انها.
(٧) د: فسأل.
(٨) ص: جماعة، وكتب فوقها: عدة.
[ ٣١٠ ]
باعث إليكم أمان يحيى بن عبد الله فاتقوا الله وانظروا لأنفسكم وقولوا الحق، قال (١): فغدونا فبدىء (٢) بنا في الإذن، فلما سلّمنا وجلسنا، ألقى الأمان إلينا، فنظرنا فيه فقلنا جميعا ما نرى فيه شيئا يخرجه من أمانه، فأخذه أبو البختري/فنظر فيه، ثم قال: ما أراه إلا خارجا من أمانه، فأمرنا بالقيام فقمنا وانصرفنا، فلما كان من الغد (٣) بعث الرشيد بالأمان مع مسرور الخادم إلى أبي البختري فأتاه، فقال: إن أمير المؤمنين يقول لك: إني ظننت أنك قلت في أمان يحيى بعض ما ظننته يقرب من موافقتي، ولست أريد فيه إلا الحقّ، فأعد (٤) النظر فيه فإن رأيته جائزا فاردده، وإن لم تره جائزا فخرّقه. قال مسرور: فأبلغته الرسالة، فقال:
أنا على مثل قولي فيه (٥) بالأمس، فقلت له: هذا الأمان معي، فنظر إليه، ثم قال: ما أرى فيه إلا ما قلته، فقلت له: فخرقه إذا، فقال (٦): يا غلام هات المدية (٧) فقلت لغلام (٨) كان معي يقال له محبوب: يا محبوب هات سكينا، فأخرجها من خفّه فدفعها إلى أبي البختري فشق بها الأمان ويده تضطرب حتى جعله سيورا، فأخذته ووضعته في كمي، ثم أتيت به هارون، فقال: ما وراءك؟ فأخرجته إليه (٩)، فقال لي: (١٠) يا مبارك، قال:
ثم حبس يحيى بعد ذلك بأيام.
_________________
(١) «قال»، ليست في د.
(٢) د: فبدا؛ والكلمة مشكولة في ص؛ وفي أخبار أئمة الزيدية ٦١: فنودي.
(٣) د: كان الغد.
(٤) د: فاعاد.
(٥) «فيه»، ليست في ص
(٦) د: قال.
(٧) د: يا غلام المدية.
(٨) د: لخادم.
(٩) «إليه»، ليست في ص.
(١٠) ص: فقال يا مبارك.
[ ٣١١ ]
قال محمد بن الحسن الفقيه:
لما ورد الرشيد الرقّة وكنت قلدت القضاء، دخلت أنا إليه والحسن بن زياد اللؤلؤي وأبو البختري وهب بن وهب، فأخرج إلينا الأمان الذي كتبه ليحيى بن عبد الله بن الحسن فدفعه إليّ فقرأته، وقد علمت الأمر الذي أحضرنا له وعلمت ما ينالني من موجدة الرشيد إن لم أطعن عليه، فآثرت أمر (١) الله والدار الآخرة، فقلت: هذا أمان مؤكّد لا حيلة في نقضه، فانتزع الصكّ من يدي ودفع إلى اللؤلؤي، فقرأه فقال كلمة ضعيفة لا أدري أسمعت أم لم تسمع:
هو أمان؛ فانتزع من يده ودفع (٢) إلى أبي البختري، فقرأه ثم قال: ما أوجبه الله وما أمضاه، هذا رجل قد شقّ العصا وسفك/دماء المسلمين وفعل ما فعل لا أمان له، ثم ضرب بيده إلى خفه-وأنا أراه- (٣) فاستخرج منه سكينا، فشقّ الكتاب نصفين، ثم دفعه إلى الخادم، ثم التفت إلى الرشيد فقال: اقتله ودمه في عنقي يا أمير المؤمنين، قال: فنهضنا عن المجلس وأتاني رسول الرشيد أن (٤) لا أفتي أحدا ولا أحكم. فلم أزل/ على ذلك إلى أن أرادت أم جعفر أن تقف وقفا، فوجّهت إليّ في ذلك، فعرّفتها أنّي قد نهيت عن الفتيا وغيرها (٥)، فكلّمت الرشيد فأذن لي (٦)، قال محمد بن الحسن: فكنا وكل من كان في دار الرشيد نتعجب من أبي البختري وهو حاكم وفتياه بما أفتى به وتقلده (٧) دم رجل من المسلمين،
_________________
(١) ص: فآثرت الله.
(٢) ص: فانتزع من يده إلي.
(٣) «وأنا أراه»، ليست في ص.
(٤) «ان»، ليست في د.
(٥) «وغيرها»، ليست في د.
(٦) د: لي له.
(٧) د: وأقلده.
[ ٣١٢ ]
ثم من حمله في خفّه سكينا، قال: ولم يقتل الرشيد يحيى في ذلك الوقت وإنما (١) مات في الحبس بعد مدة.
قال محمد بن سماعة:
وقرّب الرشيد محمد بن الحسن بعد ذلك وتقدّم عنده وأحضره ليوليه قضاء القضاة؛ قال: وأشخصه معه إلى الري فاعتلّ (٢) وتوفي هو والكسائي (٣) فماتا في يوم واحد، فكان الرشيد يقول:
دفنت الفقه والنحو بالري.
وذكر أن محمد بن الحسن لما أفتى (٤) بصحّة أمانه ثم أفتى أبو البختري بنقضه وأطلق (٥) له دمه، قال له يحيى: يا أمير المؤمنين يفتيك محمد بن الحسن وموضعه من الفقه موضعه بصحّة أماني ويفتيك هذا بنقضه، وما لهذا والفتيا؟ إنما كان أبو هذا طبّالا بالمدينة.
قال النوفلي، حدثني زيد بن موسى
قال، سمعت مسرورا الكبير يقول: إن لآل أبي طالب أنفسا عجيبة؛ أرسلني الرشيد إلى عبد الملك بن صالح (٦) حين أمر (٧) بحبسه، فجئته (٨) فقلت له: أجب، فقال: يا أبا هاشم وماذا، وأظهر جزعا وخوفا شديدا، فقلت له (٩): لا
_________________
(١) ص: بل إنما.
(٢) موضع «فاعتل» بياض في د.
(٣) د: وتوفي الكسائي.
(٤) موضع «لما أفتى» بياض في د.
(٥) ص: بصحة الأمان أفتى أبو البختري بما ينقضه.
(٦) انظر في تفصيل خبره تاريخ الطبري ٨/ ٣٠٣ - ٣٠٦ (-٣/ ٦٨٩ - ٦٩٤).
(٧) د: أمره.
(٨) «فجئته»، ليست في د.
(٩) «له»، ليست في د.
[ ٣١٣ ]
علم لي، قال: فدعني (١) أدخل وأجدّد طهورا، قلت: لا، قال: فدعني أوصي، قلت: لا؛ قال: فدعا بثياب يلبسها، فقلت: لا إلا ثيابك التي عليك، قال: فحملته معي على الدّابة (٢) وقنّعت رأسه بردائه ومضيت به سريعا، فناداني طول طريقه (٣): يا أبا هاشم الله لما أخبرتني لم دعي بي؟ فأعرض عنه، ثم أحضرته الباب، فأمر الرشيد بدفعه إلى الفضل بن الربيع بحبسه عنده.
وقال مسرور: وأمرني بإتيان يحيى بن عبد الله/في اليوم الذي حبسه فيه، فجئته فقلت له: أجب، فو الله ما سألني عن شيء ولا قال أجدد طهورا/ولا ألبس قميصا، حتى نهض فركب معي فما كلمني في طريقه كلمة واحدة (٤) حتى صرت به إلى الباب؛ وأمرني الرشيد بحبسه عندي في سرداب ووكّلت به. وكنت أدخل إليه في كل (٥) يوم قوته، فبينما الرشيد يوما قد دعا بغدائه، إذ أقبل علي فقال: يا مسرور اذهب فانظر أيّ (٦) شيء يصنع يحيى بن عبد الله وأعجل إلي، فمضيت ففتحت عنه السرداب فوجدته يطبخ قدرة عدسية ببصل مع لحم (٧) أدخلناه إليه مما كنا نقوته به (٨)، قال: فأعرضت عنه وخرجت إلى الرشيد، فأخبرته فقال:
_________________
(١) ص: فقال دعني.
(٢) د: فحملته على الدابة.
(٣) ص: في طريقي.
(٤) «واحدة»، ليست في د.
(٥) د: كل يوم.
(٦) ص: فانظر لي أي.
(٧) د: ببصل من لحم.
(٨) «به»، ليست في ص.
[ ٣١٤ ]
إذهب فقل له أطعمنا من قدرك، فجئته فقلت له ذلك، فتناول جويما كان بين يديه فأفرغ القدر فيه، قال: فغطيته ودفعته إلى خادم، فركض به حتى وضعه بين يدي الرشيد على مائدته، قال: فتشاغل والله الرشيد (١) بأكله عن الأطعمة كلّها، وأكل ما كان في الجام أجمع حتى لقد رأيته يمسح بلقمته بصلا قد (٢) لصق بجانب الجام فيأكله. ثم أقبل علي فقال (٣):
يا مسرور أحضرني الساعة مائة خلعة من خاص ثيابي في مائة منديل، ولتكن من أصناف الثياب كلها من ثيابي المقطعة المخيطة، وائتني بمائة وصيف [، فأعجلت ذلك عليه، قال: ليحمل كل وصيف] (٤) منديلا وائت بها يحيى وقل له: أطعمتنا من طعامك ونكسوك من كسوتنا، فإن (٥) أبى أن يقبل منها شيئا فاعرضها عليه منديلا منديلا وثوبا ثوبا. قال: فمضيت بها إليه وأبلغته الرسالة، فقال (٦) يحيى: قل له يا أمير المؤمنين هذا من لباس أهل العافية ولست من أهلها، فليس بي إليها حاجة فاردده إلى موضعه، قلت: فإنه (٧) قد أحب أن تنظر إلى هذه الثياب، قال: إصنع ما بدا لك، قال: فجعلت أعرضها عليه ثوبا ثوبا، فما ينظر إليها ولا يحفل بها حتى فرغت منها، فأقبل علي فقال: يا أبا هاشم، أرى أمير المؤمنين قد ذكرني، فإن رأيت أن تخبره بما أنا (٨) فيه من الضيق وتسأله/الصفح
%٤٢٣
_________________
(١) «الرشيد»، ليست في ص.
(٢) «قد»، ليست في د.
(٣) ص: وقال.
(٤) سقط من ص.
(٥) ص، قال فإن.
(٦) ص: قال.
(٧) «فانه»، ليست في ص.
(٨) ص: فان رأيت تخبره ما أنا.
[ ٣١٥ ]
والتفضل فافعل، فقلت له: لا ولا كرامة لك، لست لذلك بأهل مع خروجك على أمير المؤمنين وتمنّيك (١) ما ليس لك. ورجعت إلى الرشيد فخبرته بعرض الثياب عليه وبما قال لي (٢)، قال: فرآها/كلها؟ قلت:
نعم: فبكى حتى رأيت الدموع تنحدر على خديه، فقلت له (٣): إنه قال كذا، فرأيته قد غضب وذهبت الرقة وقلصت الدموع من عينيه وارتفعت، ثم نهرني وقال: فما قلت له، فخبرته بما قلت، فسكن وقال (٤): أحسنت بارك الله فيك (٥).
قال النوفلي وخبرني أبي وغيره:
أنه أقام في الحبس حتى بعث إليه من خنقه فمات.
قال إبراهيم بن رباح:
أخبرني (٦) جماعة من القوّاد منهم سلم الأحدب، وكان يقول إنه مولى المهدي، وكان مع طاهر بالرقة، قال:
لما صار طاهر إلى الرافقة احتاج إلى مرمّة المنازل السلطانية التي يسكنها (٧) وأن يهدم بعضها فيوسّع ما كان ضيقا فأمر بذلك، فكان فيما أمر بهدمه منارة مرتفعة من الأرض بجص وآجرّ لم ير لها معنى في وسط ذلك البناء، فلما هدمت أتاه القيم وهو مذعور، فقال: إني هدمت هذه المنارة فهجمت على رجل أقيم فيها ثمّ بنيت عليه، فقام طاهر حتى صار
_________________
(١) د. وتمنيك نفسك.
(٢) «لي»، ليست في د.
(٣) «له»، ليست في د.
(٤) ص: قال.
(٥) ص: عليك.
(٦) د: محو لم يبق منه سوى «ني».
(٧) أخبار أئمة الزيدية: سكنها.
[ ٣١٦ ]
إلى الموضع وأشرف عليه، فلما نظر إليه قال: نعم هذا يحيى بن عبد الله بن حسن، بلغنا أنه صيّر أيام الرشيد هاهنا بالرافقة، وأمر بدفنه رحمة الله عليه.
قال الأمير أبو الفضل بن الداعي، ﵀:
هذا الفعل من هارون يدلّ على حمقه وقلة تمييزه، هب (١) أنه قتل ابن عمه لأنه خاف على نفسه وملكه ولم يراقب الله ﷿ فأية فائدة كانت في بناء منارة عليه؟
روى أبو العباس الحسني، ﵁
، بإسناده عن يحيى بن خالد البرمكي، قال: بعث إليّ هارون ذات ليلة بعد العتمة فصرت إليه، فقيل لي إنه على السطح (٢)، فصعدت فإذا هو على كرسي حديد قاعد وجهه (٣) إلى المشرق وظهره إلى المغرب، /فوقفت بين يديه وسلمت (٤)، فرد عليّ السلام ثم قال لي: صر إلى ذلك الموضع الذي أومىء إليه، فما رأيت إلا خيال بياض في صحن الدار، [فانصرفت إليه فقال: ما رأيت؟ فقلت: ما رأيت إلا خيال بياض في صحن الدار] (٥)، فقال لي:
إجلس، فجلست بين يديه فما زلت أسامره ويجيبني عن كلامي حتى قال: إن هذا الصبح قد تنفس، فقلت: يا أمير المؤمنين هذا العمود الأول، فقال لي: صر إلى ذلك الموضع فتطلع إلى الصحن/فانظر
_________________
(١) ص: وهب.
(٢) ص: الصرح.
(٣) ص: ووجهه.
(٤) ص: فسلمت.
(٥) سقط من د.
[ ٣١٧ ]
ماذا ترى، قال فعدت إلى الموضع فلم أر إلا خيال ذلك البياض قائما (١) في صحن الدار، فقال: أو تدري (٢) ما ذلك؟ قلت لا، قال: ذلك يحيى بن عبد الله بن الحسن، إذا صلى العتمة سجد فلا يزال ساجدا حتى يقوم لصلاة الغداة يقطع (٣) ليله بسجدة واحدة. قال: فقلت في نفسي: انظر ويلك (٤) أن لا تكون المبتلى به، فقال لي: (٥) إذا كان كل يوم عند الغداء فأمر الطباخ أن يجمع على مائدة من كل شيء في المطبخ وأمر (٦) من يحملها إليه، وكن معه حتى يأكل بحضرتك. ففعلت ذلك أياما، فقال لي (٧) يحيى بن عبد الله يوما من الأيام: يا أبا علي، قلت:
لبيك جعلت فداك، قال: إنّ لصاحبك هذا فينا (٨) إرادة، وهذه أمانة الله بيني وبينك على (٩) أن تكتم عليّ هذه القرطاسة حتى تمضي إرادته فينا، فإذا كان ذلك (١٠) فناولها إيّاه، قال: فأخذتها منه فإذا قرطاسة قدر أصبع مختومة، قال: فأخذتها منه، ثم قال: حرّجت عليك بوقوفك بين يدي الله لما كتمتها عليّ إلى ذلك الوقت، قال: فكتمتها وأحرزتها، قال (١١):
فما مضى لذلك أيام حتى رفعت جنازة من الدار، وقيل جنازة يحيى بن
_________________
(١) د: قائم.
(٢) ص: اتدري.
(٣) ص: ويقطع.
(٤) ص: ويلك انظر.
(٥) «لي»، ليست في ص.
(٦) ص: ومر.
(٧) «لي»، ليست في د.
(٨) أخبار أئمة الزيدية ٦٨: قبلنا.
(٩) «على»، ليست في ص.
(١٠) ص: كذلك.
(١١) «قال»، ليست في ص.
[ ٣١٨ ]
عبد الله، فلما فرغ من دفنها حملت القرطاسة إليه وأخبرته الخبر (١) ففكّها، فإذا فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، يا هارون: المستعدي قد تقدّم والخصم بالأثر (٢) والقاضي لا يحتاج إلى بيّنة».
فبكى حتى بلّ طرف ذيله، ثم قال لي: ألا ناولتنيها في/حياته، فقلت: إنه خرّج عليّ بالعظيم من الأيمان.
قال زيد بن الحسين أبو أحمد:
حدثت صالح بن هامان بهذا الحديث كاتب عبد الله بن طاهر، فقال لي: رفعت الجنازة يا أبا أحمد؟ ولا (٣) والله ما كانت جنازة يحيى بن عبد الله، فقلت: وكيف (٤) ذلك؟ قال: لما قدمنا مع المأمون بغداد أمر بخراب الخلد والقرار، قصري أم جعفر، فوكّلت بخرابهما (٥)، فكان فيما خربت مجلسا، فإذا يحيى بن عبد الله في جوف بعض الأساطين، مصحفه معلق في عنقه.
وذكر أنه لما أمر الملقب بالمعتضد بخراب قصر جدّه أبي جعفر المعروف بقصر الذهب، ليزيده في مسجد جامع أهل بغداد الغربي، وكّل شيخ بخراب القصر، ففيما يهدم (٦) من البيوت (٧) والمجالس ظهر بيت
_________________
(١) د: بالخبر.
(٢) ص: في الأثر.
(٣) ص: لا.
(٤) ص: فكيف.
(٥) د: فيما خربت.
(٦) ص: هدم.
(٧) «البيوت»، بياض في د.
[ ٣١٩ ]
في قبلة مسجد الجامع (١) الغربي الأول، وكان يلي (٢) قصر الذهب/ينزل إلى ذلك البيت بمراق وهو أزج، وإذا في (٣) ذلك الأزج آثار رجال قد سمّروا في حيطانه، وإذا المسامير في مواضع الأيدي والأرجل والرؤوس، وإذا (٤) العظام بالية قد نخرت وتناثرت إلى الأرض وبعضها منوط بالمسامير في الحائط، وإذا قباب صغار مبنية في ذلك الأزج من أوله إلى آخره، فهدم بعضها فإذا رجال في الحديد مقيّدين ومغلّلين قد بنيت عليهم وهم جلوس، وإذا في البيت جابية ضيقة الرأس، وإذا فيها رجل قد بلي وانتثرت عظامه بعضها من بعض، وإذا جمجمة في الجابية، فجهدت أن أخرج الجمجمة من تلك الجابية فما قدرت على ذلك. فقال لي بعض من كان معي: فكيف أدخل هذا الميت إلى (٥) هذه الجابية مع رأسه، والرأس لا يخرج بعد أن بلي؟ فقلت له: لم يدخل إلا بجهد جهيد ومشقة على المدخل (٦). فكتب في ذلك/مؤامرة (٧) إلى السلطان فأخبره الخبر، فأجابه (٨) بتوقيع في مؤامرته: أن سدّ باب هذا البيت وأدخله (٩) في البناء، فهو اليوم في وسط مسجد أهل بغداد الغربي.
_________________
(١) د: جامع.
(٢) د: مما يلي.
(٣) ص: وفي.
(٤) ص: فاذا.
(٥) «إلى»، ليست في ص.
(٦) د: المدخول.
(٧) د: وامره.
(٨) ص: فاجاب هو.
(٩) د: ويدخل.
[ ٣٢٠ ]