الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الفخّي عليهم
السلام وقتله
حدثنا أبو العباس الحسني، ﵁، بإسناد الرواة (١) عن عبد الله بن نمير، رفع الحديث إلى النبيّ ﵌ [١]:
انتهى إلى موضع فخّ، فنزل عن راحلته، فأمر أصحابه فصفّوا خلفه فصلّى بهم صلاة الجنازة، فسألوه عن ذلك فقال: يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصبة من المؤمنين لم يسبقهم أهل بدر.
حدثنا أبو العباس عن يحيى بن الحسن العلوي صاحب الأنساب عن النضر بن أوس [٢] قال (٢): أكريت (٣) جعفر بن محمد ﵇ من المدينة إلى مكة فلما ارتحلنا من بطن مرّ قال لي: يا نضر إذا انتهينا إلى
_________________
(١) ص: بإسناده عن رجاله.
(٢) السند في د: أخبرنا أبو العباس باسناده عن رجاله روا عن يعقوب بن نصر بن اوس عن أبيه قال. .
(٣) ص: اكريت من
(٤) قارن بالإفادة ٢٢، (Berlin،Glaser ٧٣) أ-٢٢ ب؛ والترجمان ٢٨ أ.
(٥) الخبر في مقاتل الطالبيين ٤٣٧ (ط ٢.٣٦٧)، وينتهي السند فيه إلى النضر بن قرواش.
[ ٢٧٩ ]
فخ فأعلمني، فقال (١)، قلت: أو ليس تعرفه؟ قال: بلى ولكني أخشى أن تغلبني عيني، قال: فلما انتهينا إلى فخّ دنوت من المحمل فإذا هو نائم فتنحنحت فلم ينتبه، فحرّكت المحمل فانتبه فجلس، فقلت: قد بلغت، فقال: حلّ محملي، فحللته ثم قال: خلّ القطار، قال: فتنحيّت به عن الجادة وأنخت بعيره، فقال: ناولني الإداوة والركوة، قال: فتوضأ للصلاة وأقبل ثم دعا، فقلت جعلت فداك رأيتك فعلت شيئا، أهو من المناسك؟ قال: لا ولكن يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنّة، وذكر من فضلهم.
وحدّثنا أبو العباس الحسني قال، حدثنا سليم بن الحسن البغدادي
قال، حدثنا أبو العباس (٢) أحمد بن عبيد بن سليمان الموصلي
/ قال حدثني أبي قال [١]: كان علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن أبو الحسين (٣) صاحب فخ مجتهدا فحبس مع عمّه/عبد الله بن الحسن بن الحسن، فكانوا في محبس لا يرون (٤) ضوءا ولا يسمعون نداء، ولم (٥) تكن معرفتهم أوقات الصلاة إلا بتسبيح (٦) علي وقراءته فيما بين كلّ صلاتين، فإنه كان (٧) فراغه منها عند وجوب كلّ صلاة.
_________________
(١) «فقال»، ليست في د.
(٢) السند في ص: وحدثني أبو العباس الحسني بإسناده عن أحمد بن عبيد. .
(٣) د: الحسن.
(٤) د: يرون فيه.
(٥) د: فلم.
(٦) د: بانقطاع تسبيح.
(٧) د: قد كان.
(٨) قارن بمقاتل الطالبيين ١٩٢،١٩٤ (ط ٢.١٧٦،١٧٧)؛ والحدائق الورديّة (مصورة) ١/ ١٧٦.
[ ٢٨٠ ]
فنشأ ابنه الحسين أحسن نشوء، له فضل في نفسه وصلاح وسخاء وشجاعة، فقدم على المهدي فرعى حرمته وحفظ قرابته، ووهب له عشرين (١) ألف دينار، ففرّقها ببغداد والكوفة على قرابته ومواليه ومحبّيه، فما (٢) خرج من الكوفة إلاّ بقرض، وما كسوته إلاّ جبّة عليه وإزار كان لفراشه، ثم قدم المدينة.
وأقام بها حتى ولي موسى الهادي، فأقرّ على المدينة رجلا من أولاد (٣) عمر بن الخطاب، فأساء إلى الطالبيين وسامهم خسفا، فاستأذنه فتى منهم في الخروج إلى موضع لبعض أمره، فأجله أجلا (٤) وأخذ به كفالة الحسين بن علي، فلما مضى الأجل طالبه به، فسأله النطرة (٥)، فأبى وغلّظ عليه وأمر بحبسه وأسمعه؛ فلما أمسى قال أؤجلك هذه الليلة وأخلّي سبيلك وآخذ عليك يمينا مؤكدة لتأتيني غدا، فحلف له على ذلك ليأتينّه حتى يلقاه، وأضمر الخروج، فلما أعتم خرج إلى البقيع، وجمع أهله وأعلمهم بما عزم عليه فبايعوه.
قال أبو الحسن المدائني:
كان مخرج الحسين بن علي صاحب فخ ليوم السبت لبضع عشرة ذي القعدة سنة تسع وستين ومائة. وكان رجلا سخيا متوسّعا، لا يكبر شيئا تسأله إيّاه، وكان يأتيه (٦) ناس كثير، فكان يحمل على نفسه المؤن حتى أجحف ذلك به، فصار إلى أن باع مواريثه
_________________
(١) ص: عشرون.
(٢) د: وما.
(٣) د: ولد.
(٤) ص: رجلا.
(٥) ص: النظرة.
(٦) ص: يأتي.
[ ٢٨١ ]
في كلّ وجه كان له فيه شيء. وكانت له عين ذي النخيل، وكان ذو النخيل منزلا ينزله من خرج من المدينة إلى العراق، ومن قدم من العراق إلى المدينة من الحاج وغيرهم. وكانوا يشربون من عين حسين فتناشفها الناس وحرصوا عليها (١)، فكان حسين يدّان عليها فلم ينزع عن الدين فيها حتى صار عليه/سبعون ألف دينار-وفي رواية أخرى تسعون ألف دينار-وأمسك [دينه] (٢) عنده فلم يكن يبايع-فبعث المعلّى مولى المهدي فاشتراها منه بسبعين ألف دينار، وكان غرماؤه قد وعدوه الصلح والوضيعة، فكتب البريد بمكة والمدينة، فدعا المهدي بالمعلّى فسأله عن العين وشرائه إياها (٣)، فأقرّ له به؛ فقال/الربيع: يا أمير المؤمنين هذه قوّة الحسين بن علي على الافساد، وهو من لا يؤمن على حدث يحدثه، فقال المهدي للمعلّى: لا تحدث فيها حدثا، ودعا ببشار (٤) البرقي فأتاه، فأنفذه إلى الحسين فقدم عليه به، فلما وصل إلى المهدي سأله عن أمر العين وشراء المعلّى إيّاها، فأقرّ له به، ولم يختلف قوله وقول المعلّى في أمرها؛ وقال الحسين: يا أمير المؤمنين والله ما بقيت لي خضراء ولا عذق غيرها إلاّ صدقات عليّ والحسن بن الحسن، وانّ عليّ الثمن الذي بعتها به، ولولا الحاح الغرماء ما بعتها؛ فقال له المهدي: أتدّان سبعين (٥) ألف دينار أما تتقي الله، قد أهلكت نفسك، فقال الحسين، وكان بليغا منطيقا (٦): وما سبعون (٧) ألف دينار يا
_________________
(١) ص: عليه.
(٢) ص: عنه عنده؛ د: وامسك عنده.
(٣) ص: شراؤه إياها؛ د: شرائه لها.
(٤) ص: بشار.
(٥) د: تسعين.
(٦) د: منطقا.
(٧) د: تسعون
[ ٢٨٢ ]
أمير المؤمنين وسبعون ألف دينار، وأنا ابن رسول الله وابن عم أمير المؤمنين وشريكه في نسبه وشرفه (١)؟ فقال له المهدي: ردّ الله عليك عينك وقضى عنك دينك، ثم أقبل على (٢) عمر بن بزيع، فقال: يا عمر ادفع إليه سبعين ألف دينار، وأمره بالانصراف إلى منزله. فلما خرج من عنده أقبل الربيع على المهدي فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تثير على المسلمين من قبل هذا شرا، أما تسمع كلامه، فمتى يملأ جوفه شيء، والله لئن وصل إليه هذا المال ليثورنّ عليك به، فرجع عن ذلك وأمر له بمعونة (٣) عشرين ألف درهم. وبلغ الخبر حسينا فكتب به إلى صديق له بالكوفة [من جعف] (٤)، وإلى (٥) أخيه الحسن وأهل بيته وعدّة من غرمائه ووكلائه لما يتم له (٦) ذلك المييع (٧)، وأعطاهم خمسة آلاف درهم صلة لهم يتحملون بها وعوضا من سفرهم، فانصرفوا إلى المدينة.
قال: وأقام الحسين، وكان ابن عمه علي بن العباس بن الحسن محبوسا عند المهدي، وكان/وجده ببغداد قد واعد (٨) وبايع بها بشرا كثيرا، (٩) فوعد المهدي حسينا أن يدفع ابن عمه إليه، فأقام على وعده؛
_________________
(١) ص: نسبه وقهره.
(٢) «على»، ليست في د.
(٣) «بمعونة»، ليست في د.
(٤) من ص وحدها.
(٥) ص: إلى.
(٦) «له»، ليست في د.
(٧) د: البيع.
(٨) د: أوعد.
(٩) ليست في د.
[ ٢٨٣ ]
وتوفي المهدي وحسين بن علي مقيم ببغداد [نازل في دار] (١) محمد بن إبراهيم، فلمّا جاء نعي المهدي وضع الربيع على الحسن الحرس والرصد، فلم يزل على ذلك حتى قدم أمير المؤمنين موسى من جرجان، فذكر له الربيع حسينا ومكانه، فدعا به فلما دخل إليه أذن له في الانصراف فكلّمه في علي بن العباس، فأمر بتخليته، فشخص حسين ولم يؤمر له بدرهم فما فوقه، فقدم الكوفة فجاءه عدّة من الشيعة في جماعة كثيرة فبايعوه ووعدوه الموسم للوثوب بأهل مكة، وكتبوا بذلك إلى ثقاتهم بخراسان والجبل وسائر النواحي.
وقدم/حسين المدينة، ومعه ابن عمّه علي بن العباس، وأمير المدينة عمر بن عبد العزيز العمري من ولد عمر بن الخطاب، وكان إسحاق بن عيسى بن علي استخلفه على المدينة حين شخص إلى موسى ليعزيه عن المهدي.
حدّثنا أبو العباس العلوي بإسناده عن أحمد بن سهل الرازي (٢)، قال [١]: حدّثنا الحسين بن القاسم بن إبراهيم، ﵇، عن أبيه قال، قال لي أبي: عوتب الحسين بن علي-يعني الفخّي (٣) -فيما يعطي، وكان من أسخى الناس، العرب والعجم (٤)، فقال: والله ما أظنّ أنّ لي
_________________
(١) ص: مقام.
(٢) د: حدّثنا أبو العباس العلوي، قال حدثنا عيسى بن محمد العلوي.
(٣) «الفخي»، ليست في د.
(٤) د: من اسخا العرب والعجم.
(٥) يرد في هذا السند أحمد بن سهل الرازي وهو مؤلف «أخبار فخ»، ولم يرد هذا الخبر هناك (انظر المقدمة ص ١٨)؛ والخبر عن أحمد بن سهل في تيسير المطالب ١١٥ - ١١٦.
[ ٢٨٤ ]
فيما أعطي أجرا وذلك أن الله تعالى (١) يقول لَنْ تَنالُوا اَلْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّاتُحِبُّونَ (آل عمران ٣/ ٩٢)، والله (٢) ما هي عندي وهذا الحصى إلا بمنزلة، يعني الأموال [٢].
قال المدائني:
وأخذ العمري الطالبيين بالعرض وضمّن بعضهم بعضا، فضمن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي (٣)، وحسين بن علي بن (٤) الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵈، وكانوا يعرضون عرضا دائما، واشتدّ عليهم العمري، فلمّا أفطر الناس من رمضان ألحّ عليهم إلحاحا شديدا (٥) بالعرض، فكانوا على ذلك حتى أهلّوا بهلال ذي القعدة، وقدم أوائل/الحاج من المشاة وأصحاب الحمير، فنزلوا بالبقيع، وقدم عدّة من الشيعة الكوفيين نحو من سبعين (٦) رجلا فنزلوا دار (٧) ابن أفلح بالبقيع، فأقاموا بها أياما، فأنكرهم بعض الناس، ولقوا (٨) حسينا وغيره، فبلغ ذلك العمري فأنكره وأمر بعرضهم غدوة وعشية؛ وإنّ الحسين بن محمد غاب عن العرض يومين، فلما انصرفوا من
_________________
(١) «تعالى»، ليست في د.
(٢) ص: وو الله.
(٣) د: يحيى بن عبد الله بن الحسن وحسين. .
(٤) «بن»، ليست في ص.
(٥) «شديدا»، ليست في ص.
(٦) ص: بخط الناسخ في الهامش الأيسر أعلى الورقة: «نحو من سبعين رجلا».
(٧) ص: على دار.
(٨) د: والعوا (غير معجمة).
(٩) أورد في مقاتل الطالبيين ٤٣٨ - ٤٤٢ (ط ٢.٣٦٨ - ٣٧٢) أخبارا في سخائه.
[ ٢٨٥ ]
الجمعة دعاهم للعرض (١)، فلما دخلوا المقصورة أمر بها فأغلقت عليهم، فلم يخرج منها أحد حتى صلّوا العصر ثم عرضهم، فلمّا دعا باسم حسن بن محمد فلم يحضر، قال ليحيى بن عبد الله والحسين بن علي لتأتياني به أو لأحبسنّكما، فإنّ له ثلاثة أيام لم يحضر العرض ولقد خرج أو تغيّب، فرادّاه بعض المرّادة، وكان الحسين أتقاهما في الردّ عليه، وأمّا يحيى فإنّه شتمه، فخرج حتى دخل على العمري فأعطاه الخبر، فدعاهما العمري فوبّخهما وتهدّدهما، فتضاحك الحسين في وجهه، وقال: أنت مغضب يا أبا حفص، فقال له العمري: وتهزأ بي أيضا وتخاطبني بكنيتي؟ فقال له (٢): قد تكنّى من هو خير منك أبو بكر وعمر وكانا يكرهان أن يدعيا بالولاية، وأنت تكره كنيتك وهي الكنية التي اختارها لك أبوك.
قال يحيى بن عبد الله: لمّا بايعناه خرجت على دابتي راكضا مسرعا (٣) حتى أتيت حدبا (٤)، وبها موسى بن جعفر، وهو على ميلين/من المدينة. وكان موسى بن جعفر شديد الغيرة فكان يأمر بإغلاق أبوابه والاستيثاق (٥) منها، فدققت (٦) بابه فأطلت حتى أجبت وخبّرت باسمي، فأخبر الغلمان بعضهم بعضا من وراء الأبواب وهي مقفلة، حتى فتحت
_________________
(١) زاد في ص فوق السطر: «يعني المتوكّل»، يعني متوكل العرض كما سوف يتضح لاحقا، إذ إنّه بعد أن شتمه يحيى ذهب إلى العمري والي المدينة.
(٢) ص: قال.
(٣) د: مسرعا راكضا.
(٤) كذا في د ص، ولم أقع على موضع بهذا الإسم.
(٥) ص: والا استيثاق.
(٦) د: فدفعت.
[ ٢٨٦ ]
وأذن لي فدخلت، فقال: أي أخي في هذه الساعة؟ قلت: نعم، حتى متى لا يقام لله بحق وحتى متى نضطهد ونستذلّ؟ فقال: ما هذا الكلام؟ قلت: خرج الحسين وبايعناه، فاسترجع، قلت: جعلت فداك، في أمرنا هذا شيء؟
وانصرفت إلى حسين، فلمّا أصبح جاء إلى مسجد رسول الله، ﵌، فصلّى بالناس الصبح، وبلغ العمري خبره، فزعم بعض أهل المدينة عنه أنّه قال: وقد نخب قلبه (١): / «أطعموني ماء واردفوا البغلة بالباب»، وهرب.
وروي أنّه حج من أهل واسط شيخ تلك السّنة قال: فلما قدمت المدينة رأيت للناس حركة أنكرتها، وأتيت مسجد رسول الله، ﵌، وهو غاصّ بالناس والحسين على المنبر يخطب وهو يقول: أيها الناس أنا ابن رسول الله على منبر رسول الله، صلّى الله عليه وآله، أدعوكم إلى سنّة رسول الله، فقلت قولا أسرّه: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ما يصنع هذا الرجل بنفسه؟ وبالقرب منّي عجوز من عجائز أهل المدينة، فنهرتني وقالت: تقول هذا لابن رسول الله؟ فقلت:
يرحمك الله والله ما قلت هذا إلاّ للاشفاق عليه.
وروى النوفلي قال، حدثني محمد بن عبّاد البشري وكان رجلا من خزاعة، قال [١]: صليت صلاة الصبح في مسجد رسول الله، صلى الله
_________________
(١) غير معجمة في ص؛ ونخب أي جبن (لسان ١/ ٧٥٢).
(٢) قارن بالطبري ٨/ ٢٠٠ - ٢٠١ (-٣/ ٥٦٤ - ٥٦٥)؛ والإفادة (برلين، (٧٣ Glaser ق ٢٢؛ وغاية الاختصار ٥٣.
[ ٢٨٧ ]
عليه وآله وسلّم، خلف الحسين، فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر وقعد على مقعد رسول الله، ﵌، منه، وعليه قميص أبيض وعمامة بيضاء قد شدّ بها بين يديه ومن خلفه، وسيفه مسلول قد وضعه بين رجليه، وكان أهل الزيارة قد كثروا في ذلك العام وقد ملئوا (١) المسجد، فتكلم وقال في كلامه: أيها الناس أنا ابن رسول الله وعلى منبره، أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه.
وفي غير هذه الرواية أنّه قال في خطبته:
أيها الناس أتطلبون آثار رسول الله، ﵌، في الحجر والمدر والعود وتمسحون بذلك وتضيّعون بضعة من رسول الله؟
أخبرنا أبو العباس الحسني
قال، أخبرنا ابن عافية قال، حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي عن أحمد بن عثمان بن حكيم قال، حدثنا عمي دينار بن حكيم (٢) قال: رأيت الحسين بن علي صاحب فخّ، ﵇، على منبر رسول الله، ﵌، يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمد النبيّ ﵌:
يا أيّها النّاس/أنا ابن رسول الله في مسجد رسول الله على منبر رسول الله، ﵌، أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسوله والاستنقاذ مما تعلمون، ومدّ بها صوته.
قال ابن عبّاد:
وأقبل/خالد البربري، وكان مسلحة للسلطان بالمدينة، في السلاح معه أصحابه حتى وافوا باب المسجد الذي يقال له
_________________
(١) ص: ملو؛ د: ملوا.
(٢) السند في ص: «أخبرنا أبو العباس الحسني بإسناده عن دينار بن حكيم». .
[ ٢٨٨ ]
باب جبريل، فنظرت إلى يحيى بن عبد الله قد قصده في يده السيف، فأراد خالد أن ينزل وبدره يحيى بالسيف، فضربه على جبينه وعليه البيضة والمغفر والقلنسوة، فقطع ذلك كلّه حتى أطار قحف رأسه وسقط عن دابّته، وشدّ على أصحابه فتفرّقوا وانهزموا.
قال أبو الحسن النوفلي
، قال أبي: وكان محمد بن سليمان بن علي خرج في ذلك العام حاجّا، وكان الطريق مخوفا فاستعدّ بالرجال والسلاح؛ قال: وحج في ذلك العام العباس بن محمد وسليمان بن أبي جعفر وموسى بن عيسى وهو على الموسم وولاية مكّة إليه، وحجّ فيمن حجّ مبارك التركي وقصد المدينة ليبدأ بالزيارة ومعه جمع كبير، فلما قرب من المدينة دسّ إلى (١) الحسين: إني والله ما أحبّ أن أبلى بك، فابعث إليّ من أصحابك ولو عشرة أناس يبيّتون عسكري فأني أنهزم، وسيّر إليه الرسالة بذاك وأعطاه على قوله عهودا، فأرسل إليه نفيرا (٢) فطرقوا عسكره وجعجعوا به وبأصحابه وصيّحوا به، فخرج هاربا وابتغى دليلا يعدل به عن المدينة حتى يصير بين مكة والمدينة، فورد على موسى بن عيسى فاعتذر إليه من انهزامه في البيات (٣)، ثم اجتمعوا في عسكر واحد.
وتهيأ الحسين فيمن بايعه ودفع مالا إلى مولى لآل الحسين يقال له يوسف، وكانت جدّته مولاة فاطمة بنت الحسين، وأمره أن يكتري له ولأصحابه، وهو يريد في تقديره أن يسبق الجيوش إلى مكّة، فأقام أياما
_________________
(١) د: إليه.
(٢) مشكولة في ص: نفيرا.
(٣) د: بابيات.
[ ٢٨٩ ]
ويوسف يخبره أن قد اكترى له، ثم توارى عنه وذهب بالمال.
قال أبو الحسن النوفلي:
فلما وقف حسين على ما صنع يوسف طلب الكراء فلم يجده لضيق الوقت، فلم يزل يحتال للمال وللإبل حتى وجد في ذلك ما وجد وقد فاته الوقت. وقدمت (١) الجيوش مكّة ممن خرج من البصرة والكوفة وبغداد، وخرج معه ممن تبعه ومن أهل بيته زهاء ثلاثمائة رجل، فلما قربوا من مكة، وصاروا//إلى فخ ويلدح (٢) تلقّته الجيوش.
رجعنا إلى رواية غيره:
فأتاهم إدريس بن عبد الله بن الحسن، وأخوه سليمان بن عبد الله بن الحسن الأفطس، وعلي بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن فباتوا ليلتهم، فلمّا كان السحر (٣) خرجوا إلى المسجد وقد أذّن من المؤذنين مؤذّن واحد، فحين أذّن الثاني فبلغ التشهّد أحسّ بهم (٤)، فقطع الأذان لما سمع الأصوات، وتوافوا في المسجد وهم خمسة وسبعون رجلا، الفاطميّون منهم سبعة والباقون ثمانية وستون؛ فلمّا طلع الفجر دخل الناس المسجد من كلّ ناحية، فأقام يحيى بن عبد الله الصلاة، وتقدّم الحسين فصلّى بالناس، ثم انصرف إلى المنبر فخطب الناس ودعاهم إلى البيعة فتفرّقوا عنه ولم يعرّج عليه أحد من أهل المدينة، ودخل ناس من أهل خراسان وغيرهم فسمعوا مقالته، فمنهم من تقدّم فبايعه ومنهم من لم يفعل.
_________________
(١) ص: فتقدمت.
(٢) ص: وبلد فخ.
(٣) ص: كان من السحر.
(٤) د: أخبرهم.
[ ٢٩٠ ]
قال: وتصايح الناس واعتزل أحبّاء آل العباس واجتمعوا إلى خالد البربري وهو يومئذ قائد الجند بالمدينة (١) وكانوا مائتي (٢) رجل، وصار إليه وزير بن إسحاق الأزرق وكان (٣) على صوافي الخاصة، ومحمد بن واقد مولى أمير المؤمنين وكان شريكا للعمري في الأعمال وإليه ديوان العطايا، فأقبل خالد البربري فيمن معه وخرج معه حسن بن جعفر بن حسن بن حسن على حمار له حتى دخل المسجد وأتى من ناحية موضع (٤) الجنائز، فحمل عليه (٥) أولئك المبيّضة فأمرهم الحسين بالكفّ عنه وإخراجه من المسجد-يعني حسن بن جعفر-وأقبل خالد البربري ومن معه من ناحية بلاط الفاكهة، فخرج الحسين وأصحابه إلى رحبة دار القضاء، فجلس فيها وجلس معه أصحابه إلاّ من تقدّم منهم للقتال، وهم زهاء ثلاثين رجلا فإنهم تقدّموا في نحور أصحاب خالد فرموهم بالنشّاب، وأقبل خالد راجلا سالا سيفه يصيح بالحسين ويشتمه ويقول:
«قتلني الله إن لم أقتلك»، فلمّا دخل الرّحبة وثب إليه يحيى وإدريس إبنا عبد الله، وبدره يحيى وكان شديد الكف والذراع مجتمع القلب، فضربه على أنف البيضة فقطعه وخلص السيف إلى أنفه فشرقت عيناه بالدم، وقد ضرب خالد يحيى بسيفه فأسرع في (٦) الترس حتى وصل إلى إصبعه الوسطى والتي تليها من يده اليسرى؛ قال: ولما ثار الدم في عين
_________________
(١) ص: الذي في المدينة.
(٢) د: مائتا.
(٣) ص: فكانوا.
(٤) ص: من موضع ناصبه.
(٥) ص: إليه.
(٦) ص: إلى.
[ ٢٩١ ]
خالد/برك وعلواه بأسيافهما حتى برد، وأخذ إدريس درعين كانتا عليه وسيفه وعمود حديد كان في منطقته، ثم جرّا برجله فطرحاه بالبلاط على باب مروان.
قال مصعب:
وكان/خالد متعلقا بستر من شعر يعتصم به فإذا حمل عليه يحيى تراجع، ثم يحمل هو على يحيى فيتراجع، وقد نال كلّ واحد من صاحبه جرحا؛ ثم إنّ إنسانا من أهل الجزيرة كان مع الطالبيين خرج مصلتا سيفه متوجها نحو القتال، وخالد يراه، ولم يرياه يقصده، فحمل خالد على يحيى وهو لا يعلم ما يريد الجزيري، فعطف عليه الجزيري من ورائه وهو لا يشعر فضرب ساقيه وعرقبه ونزع البيضة عن رأسه، فضربه يحيى حتى قتله. قال مصعب: وكان هذا الجزيري أشجع من كان معهم، وقطعت يده ليلة المسابرة ثم قتل بفخّ في المعركة. ثم حمل (١) يحيى وإدريس ومعهما أولئك المبيّضة وعبد الله ابن الحسن الأفطس فقتلوا من الجند الذين كانوا مع خالد في رحبة دار يزيد ثلاثة عشر رجلا، وانهزم الناس وتفرّقوا في كل وجه، والحسين جالس محتب ما حلّ حبوته.
قال: ولم يقم يومئذ سوق بالمدينة.
قال: فركب إدريس في نحو من ثلاثين من أولئك المبيّضة، وقد كانت الجراح فشت فيهم للرمي الذي نالهم بالحجارة والنّشّاب، فداروا ساعة في المدينة، فأشرف لهم رجل من بني مخزوم أو غيره من قريش، فسألوه الكفّ عنهم وعن غشيان دورهم ومنازلهم ففعل، ورجع إلى الحسين فأخبره.
_________________
(١) ص: دخل.
[ ٢٩٢ ]
قال: فأقاموا ذلك اليوم، فلمّا كان من الغدّ جاءهم عمر بن حسن ابن علي بن علي بن الحسين، وإبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن، وإسماعيل وهو طباطبا، وحسن بن محمد بن عبد الله بن حسن.
قال: ولزم أهل المدينة منازلهم فلم يأتوا المسجد ولم يصلّوا فيه، وغدا إليهم ذلك اليوم جماعة من موالي آل العباس وأحبابهم، وخرج معهم عبد الله بن عثمان المخرمي، /وعمرو بن الزبير وغيرهما، فقاتلوا المبيّضة مراماة.
قال: وقد كان سليمان بن أبي جعفر مع موسى بن عيسى، فتلقّاهم الخبر فأقاموا وتقدّم موسى بن عيسى في جماعة من مواليه حتى نزل بطن نخل، وأمر مبارك التركي أن يمضي إلى المدينة، فنزل ببئر المطّلب على خمسة أميال من المدينة، ثم أرسل إلى أهل المدينة رسولا يقول: من كان يرى لأمير المؤمنين طاعة فليخرج إلى مبارك، فغدا إلى مبارك: زيد بن حسن بن علي بن حسين، وغدا إليه علي بن عبد الله بن جعفر وغيرهما من الناس، وجاءه العمري وابن واقد ووزير بن إسحاق والمخرمي، فاجتمعوا إليه، فقال مبارك لزيد بن حسن: إن كنت جئت سامعا مطيعا تريد قتال القوم فقد رأستك على/هؤلاء فتقدّم فقاتل، فقال له زيد: والله ما انصفتني، تأمرني أن أقاتل بني (١) عمّي وإخوتي بين يديك، وأنت متخلّف لا تقاتل عن سلطانك وعن مولاك، ولكن يدك في يدي، ويدي في يدك حتى تعلم أجئت سامعا مطيعا أم لا، فقال
_________________
(١) -ص: ابني.
[ ٢٩٣ ]
العمري وابن واقد (١): صدقك الرجل وأنصفك، فتقدّم أنت فإنه أحرى أن يقاتل الناس معك إذ رأوك وأن يخرج إليك من لا يجترأ على الخروج إذا لم يرك؛ قال: فأقبل مبارك معهم واجتمع (٢) إليه خلق كثير حتى كانوا زهاء ثلاثة آلاف رجل مع من ضوى (٣) إليهم؛ والمبيضة نحو من أربعمائة رجل فيهم الخراساني والكوفي والجبلي، وأقبل الآخرون كالمقتدرين عليهم فارتموا ساعة.
قال: وأتوهم من نحو دار يزيد، وخرج عليهم المبيّضة قد أصلتوا سيوفهم، فحملوا عليهم حملة محقّقة فقاتلوهم على باب الزوراء، وذلك يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، حتى انتصف النهار، ثم قال لهم مبارك: لا بدّ من الراحة والقائلة، فلما تفرّق الناس عنه جلس على رواحله فلحق بموسى بن عيسى ببطن نخل، فأعطاه الخبر وذكر له من أتاه ومن تخلّف عنه، ومضى العمري وابن واقد ووزير بن إسحاق الأزرق فصاروا إلى معدن بني سليم حتى لقوا العبّاس /ابن محمد وكان القوم بالرّبذة إلى أن قدم عليهم مبارك، فمضوا جميعا يريدون مكة، فأقاموا بالمعدن ثلاثا وهمّوا بالرجوع إلى العراق حين ورد عليهم كتاب محمد بن سليمان يأمرهم بالمضي، فلمّا ورد موسى غمرة ونزلها كتب إليهم منها أن العجل العجل، فتوافوا بغمرة وأمروا العمري بالانصراف نحو المدينة وأن يكون مقيما على ليلة منها، فإذا خرج منها الحسين دخلها بعد خروجه.
_________________
(١) د: لمبارك.
(٢) ص: واجتمعوا.
(٣) ص: ضوا؛ وضوى إليه: انضمّ ولجأ ومال (لسان ١٤/ ٤٩٠).
[ ٢٩٤ ]
وأقام الحسين بالمدينة وأصحابه في المسجد ودار مروان، ولزم أهل المدينة منازلهم وتركوا حضور المسجد، لا يجتمعون (١) معهم.
وخرجت الأشراف في اليوم الرابع من القتال فتسوّقوا، وقدم الحاج، ومرّ عظم الناس من الحاج (٢) على طريق نجد وتركوا المدينة، وأخذ أهل الشام وأهل مصر على الساحل إلى مكة، فأقاموا إلى أربع وعشرين ليلة مضت من ذي القعدة، وكان عدّة أيّام مقامهم بالمدينة ثلاثة عشرم يوما، ثم توجّهوا إلى مكة، فتبعهم ناس من الأعراب (٣)، من جهينة ومزينة وغفار وضمرة وغيرهم، ولقيهم عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن حسن بالأبواء، وكان/غائبا فلم يكن حضر مخرجهم.
وترأس على العباسيّين العبّاس بن محمد فهو يدبّر أمرهم، فلمّا قدموا مكّة وجدوا بها من أحبابهم ومواليهم مع من قدم مع سليمان بن علي؛ وبعث العباس العيون والطلائع.
وأقبل الحسين في أصحابه، فلمّا كانوا بسرف تلقّته أوائل الخيل، وجنح إلى العباس بن محمد مولى لمحمد بن سليمان كان مع الحسين، فساروا حتى إذا صاروا بفخ تلقّاهم العباس بن محمد بالخيل والرجل.
وكان ممّن اجتمع إلى الطالبيّين سبعمائة رجل، فصفّوا لهم على الطريق؛ قال: فدعاهم العبّاس إلى الأمان وضمن للحسين قضاء دينه والأمان لمن معه من أهل بيته، ولم يترك شيئا من حسن العرض إلاّ بذله له؛ فأبى ذلك أشدّ الإباء.
_________________
(١) ص: يجمّعون (مشكولة).
(٢) ص: الحاج والناس.
(٣) د: الأعراض.
[ ٢٩٥ ]
قال مصعب:
كان الرئيس سليمان بن أبي جعفر لأنّه كان على الموسم، فأمر موسى بن عيسى بالتعبئة فصار/محمد بن سليمان في الميمنة، وموسى في الميسرة، وسليمان بن أبي جعفر والعبّاس بن محمد في القلب. فكان أوّل من بدأهم موسى فحملوا عليه، فاستطرد لهم شيئا حتى انحدروا في الوادي، وحمل عليهم (١) محمد بن سليمان من خلفهم وطحنهم طحنة واحدة.
وقال النوفلي:
إنّهم لما صاروا بفخ قدّم موسى بن عيسى بين يديه محمد بن سليمان وقال له: قد عرفت فرارك وفرار أخيك من إبراهيم بن عبد الله، وإنّما تداري هؤلاء القوم وتبغي عليهم لأنهم أخوالك، فألهبه بهذا القول. فأقبل محمد في خيله (٢) ومن ضمّ إليه من الجند، فأرسل موسى إلى حسين يخيّره (٣) خصلة من خصال ثلاث: أن يعطيه الأمان، ويضمن له على الخليفة القطائع والأموال، أو أن ينصرف إلى المدينة حتى ينقضي الحج؛ أو أن يهادن بعضهم بعضا، فيدخل فيقف ناحية ويقفون ناحية، فاذا انقضى الحج تناظروا فإمّا كانوا سلما أو حربا؛ فأبى ذلك كلّه وتهيّأ للحرب، ونقض هو وأصحابه الإحرام ونشبت بينهم الحرب بفخ، واقتتلوا أشدّ قتال (٤)، أصحاب محمد وأصحابه؛ وصبر المبيّضة فلم ينهزم منهم أحد حتى إذا أتي (٥) على أكثرهم جعل أصحاب محمد يصيحون لحسين «الأمان الأمان» يبذلونه له، فيحمل عليهم
_________________
(١) د: عليه.
(٢) ص: خوله (مشكولة).
(٣) ص: خبره.
(٤) ص: واقتتلوا قتالا شديدا أشد قتال.
(٥) د: حتى اتى.
[ ٢٩٦ ]
ويقول: «الأمان أريد»، حتى قتل وقتل معه رجلان من أهل بيته.
ورمي الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن [١] بنشّابة فأصابت عينه، فجعل يقاتل أشدّ قتال والنّشابة مرتزة في عينه، فصاح به محمد:
يا ابن خال اتّق الله في نفسك، فلك/الأمان، فقال: أتؤمنني على أن تمنعني ممّا تمنع به نفسك؟ فأعطاه على ذلك العهود والمواثيق، فألقى سيفه وأقبل نحوه، فأمر بالنّشابة فنزعت من عينه وأمر بقطنة فغمست في دهن بنفسج وماء ورد، ووضعت في عينه وعصبت، فاستسقى فأمر محمد أن يسقى سويق لوز بثلج، ثم أرسل إلى موسى بن عيسى يخبره بأمره، فقال موسى: أتقطع أمرا دون العبّاس بن محمد، وكان العباس (١) متقدما لموسى، بينه وبين محمد، فبعثه يستشيره في أمره، /فقال العبّاس: لا ولا كرامة، أنت أمير الجيش وليس لمحمد إمرة يعطي فيها أحدا أمانا، ووجّه بالرسالة إلى موسى مع ابنه عبيد الله (٢)، فقال موسى:
القول ما قال العبّاس، يقتل ولا ينفذ له أمان؛ فجاء عبد الله يركض مسرورا بذلك فلما صار حيث يرونه استعجل، فجعل يريهم يده أن قد أمر بقتله، وبعث العباس إلى محمد أن (٣) أبعث به إلينا، فجدله وبعث به فأمر بضرب عنقه.
فلما فرغ منهم انصرف الجيش إلى مكّة.
_________________
(١) ص: العباس بن محمد.
(٢) ص: عبد الله؛ والكلمة غير معجمة في د: عبد الله.
(٣) «ان»، ليست في د.
(٤) قارن بمقاتل الطالبيين ٤٥١ (ط ٢.٣٧٩)؛ واتحاف الورى ٢٢٠.
[ ٢٩٧ ]
قال: وكان موسى بن جعفر، ﵇، شهد الحج ذلك العام، فأرسل إليه موسى بن عيسى ليحضر (١) الأمر، فجاء متقلدا سيفه على بغل-أو بغلة-فوقف مع موسى بن عيسى حتى انقضى أمر القوم.
قال النوفلي
، قال أبي: وكان سليمان بن عبد الله بن حسن مضعوفا، فلما انهزم من انهزم بعد أن قتل أكثر القوم، انهزم وصعد جبلا قريبا من موضع الوقعة، فلمّا جاء ابن أخيه الحسن بن محمد بن عبد الله إلى محمد بن سليمان في الأمان قال له: هذا ابن خالك سليمان بن عبد الله وقد عرفت ضعفه وقد سلك هذا الجبل، وأخاف أن يلقاه من يقتله، فإن رأيت أن ترسل إليه من يؤمنه ويأتيك به، فصاح محمد بخيله (٢): ويحكم الرجل في الجبل (٣)، اذهبوا إليه فأعطوه الأمان وأتوني به، فصعدوا وقتلوه وجاءوا برأسه.
وروى النوفلي
قال، حدّثني شيخ من الشيعة قال: كنت جالسا (٤) مع موسى بن جعفر بن محمد فإذا رجلان قد أقبلا، أحدهما على برذون أدهم والآخر على برذون أشهب، وفي يد كل واحد منهما رمح، على أحد الرمحين رأس الحسين وعلى الآخر رأس الحسن بن محمد.
وروي: أنّ حماد التركي كان فيمن حضر وقعة الحسين صاحب فخّ فقال للقوم وهم في القتال: أروني حسينا (٥)، فأومؤا إليه فرماه بسهم فقتله (٦)، فوهب له محمد بن سليمان مائة ألف درهم ومائة ثوب.
وروي عن/بعضهم
، قال: كنّا بالعقيق فمرّت بنا جماعة زهاء
_________________
(١) د: يحضر.
(٢) ص: بخوله.
(٣) ص: بالجبل.
(٤) ص: جالسا يمنى.
(٥) ص: حسنا.
(٦) ص: وصله.
[ ٢٩٨ ]
أربعين فيهم الحسين بن علي متوجّها نحو مكّة، وأصحابه قد خذلوه، وهو على بغلة له على رأسه برطلة من الشمس، وأخته بين يديه في قبّة، وحواليه الجماعة وعليهم السلاح، فلمّا كان من الغد، خرج جواري أهل/المدينة في العقيق، فإذا هذه جاءت بذرع وهذه ببيضة وهذه بساعد، وإذا الصحابة قد خذلوه، فلمّا صار إلى العقيق جعلوا ينزعون سلاحهم ويدفنونه في الرمل، وتفرقوا عنه كي لا يعرفوا.
وكان شعارهم ذلك اليوم: «يا وفاء»، جعلوا ذلك علامة بينهم وبين المبيّضة الذين عقدوا بينهم ما عقدوا من أهل الكوفة ليعرف كلّ رجل منهم صاحبه لينصره فما أتوهم ولا وفوا لهم (١).
وروي عن سفيان بن عيينة:
أنّه حدث يوما بحديث علي بن أبي طالب، ﵇، أنّه قال: «يأتيكم صاحب الرّعيلة (٢) قد شدّ حقبها بوضينها لم يقض نفثا من حج ولا عمرة يقتلونه، فتكون شرّ حجّة حجّها الأولون والآخرون»؛ فقال سفيان: هذا الحسين بن علي بن أبي طالب، فقال له بعض من حضر: يا أبا محمد على رسلك الحسين بن علي خرج من مكة محلا غير محرم متوجّها إلى العراق، وإنما قال: لم يقض نفثا من حج ولا عمرة، قال: فمن تراه؟، قال: الحسين بن علي صاحب فخ، قال: فامسك ساعة، ثم قال: «اضربوا عليه».
ويقال: إنّه سمع على مياه غطفان كلّها ليلة قتل الحسين بن علي هاتفا يهتف ويقول [١]: [من الطويل]
_________________
(١) ص: ولا وافوهم ولا وفوا لهم.
(٢) التأنيث غريب هنا، والرّعيل والرعلة: القطعة المتقدمة من الخيل (لسان العرب ١١/ ٢٨٦ - ٢٨٨).
(٣) مقاتل الطالبيين ٤٥٩ (ط ٢.٣٨٥)؛ والحدائق (مصورة) ١/ ١٨١؛ معجم البلدان ١/ ٤٨١.
[ ٢٩٩ ]
ألا يا لقومي للسواد المصبح ومقتل أولاد النبيّ ببلدح
ليبك حسينا كلّ كهل وأمرد من الجنّ إذ لم تبكه الأنس نوّح
وإنّي لجنّي وإنّ معرّسي لبلبرقه (١) السّوداء من دون رحرح
فسمعها الناس لا يدرون ما الخبر، حتى أتاهم قتل الحسين.
[قال النوفلي:
حدّثني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور عن الطلحي، قال] (٢)، سمعت ابن السوداء يقول [١]: تأخر قوم بايعوا الحسين بن علي صاحب فخّ، فلما فقدهم في وقت المعركة أنشأ يقول:
وإنّي لأنوي (٣) الخير سرا وجهرة واعرف معروفا وأنكر منكرا
ويعجبني المرء الكريم نجاره ومن حين أدعوه إلى الخير شمّرا
يعين على الأمر الجميل وإن ير فواحش لا يصبر عليها وغيّرا
قال المدائني:
وخرج مع حسين من أهل بيته: يحيى وسليمان/ وإدريس بنو عبد الله بن حسن/وعلي بن إبراهيم بن (٤) الحسن بن الحسن، وإبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا [، وحسن بن محمد بن عبد الله، وعبد الله وعمر ابنا الحسن بن علي وهما ابنا الأفطس] (٥)، ولقيهم في الطريق عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن
_________________
(١) «لبلبرقة»، ليست في د.
(٢) د: بإسناد الرواة عن الطّلحي قال.
(٣) ص: لانو.
(٤) د: و.
(٥) د: وحسن بن محمد بن عبد الله وعدي بن الحسن بن علي وهما بن الأفطس.
(٦) الخبر بالسند في تيسير المطالب ١١٧.
[ ٣٠٠ ]
الحسن بن الحسن فصار معهم، فلمّا التقوا كان الذين قتلوا (١) في المعركة الحسين (٢) وهو الرئيس (٣)، وسليمان بن عبد الله، والحسن بن محمد بن عبد الله وهو أبو الزّفت (٤) قتل صبرا، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم.
وتفرّق الآخرون وأخذ بعضهم واستؤمن لهم (٥) ومنهم من حبس فأفلت، فممّن حبس فأفلت من الحبس: عبد الله بن الأفطس، وموسى بن عبد الله [١]، أفلت من الحبس فدخل على موسى بن عيسى فجلس في أخريات النّاس وعن يمينه موسى بن جعفر وعن يساره الحسين (٦) بن زيد، فقال موسى بن عيسى: كيف ترى صنع الله بكم؟، فقال موسى بن عبد الله (٧): قلت شعرا (٨) وهو: [من الطويل]
فإنّ الأولى تثني عليهم تعيبني أولاك بني عمّي وعمّهم أبي (٩)
وإنّك إن تمدح أباهم بمدحة تصدّق وإن تمدح أباك تكذّب
فأمر به موسى، فضرب بين العقابين (١٠) خمسمائة صوت، فما تأوّه
_________________
(١) ص: الذي قتل؛ د: الذين التقوا.
(٢) «الحسين»، لم ترد في د.
(٣) ص: الرمس.
(٤) د: أبو الز، ثم ترك بياضا؛ وكتب في ص «كذا» فوق الإسم؛ وسميّ «أبو الزفت» لشدّة سواده.
(٥) د: له.
(٦) ص: الحسن.
(٧) ص: فقال موسى.
(٨) ص: بيت شعر.
(٩) البيت من ص وحدها.
(١٠) مشكولة في ص.
(١١) قارن بمقاتل الطالبيين ٣٩٣ - ٣٩٤ (ط ٢.٣٣٥ - ٣٣٦).
[ ٣٠١ ]
من ذلك، ثم أمر به فقيّد وأتى فطرق كعابه بالمطرقة فما نطق بحرف، فقالوا له: لم لا تتكلّم؟، فقال [١]: [من الطويل]
وإنّي من القوم الذين يزيدهم شماسا وبأسا شدّة الحدثان
ثم استأمن عبد الله بن الأفطس فأومن؛ واستأمن علي بن إبراهيم فأومن؛ ولحق يحيى بن عبد الله بالديلم بعد استخفائه بالكوفة ثم ببغداد وبعد أن جال (١) البلاد؛ ولحق إدريس بن عبد الله بأقصى المغرب.
وأنشد بعضهم يرثي من قتل بفخ [٢]: [من البسيط]
يا عين بكّي بدمع منك منحدر فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن/
صرعى بفخ تجرّ الريح فوقهم أذيالها وغوادي دلّج (٢) المزن
حتى عفت أعظم لو كان شاهدها محمد ذبّ عنها ثم لم تهن
ماذا يقولون والماضون قبلهم على العداوة والشحناء والإحن
ماذا نقول إذا (٣) قال الرسول لنا (٤): ماذا صنعتم بهم في سالف الزمن
لا الناس من مضر حاموا ولا غضبوا ولا ربيعة والأحياء من يمن
يا ويحهم كيف لم يرعوا لهم حرما وقد رعى الفيل حقّ البيت والركن/
_________________
(١) د: تجول.
(٢) مقاتل الطالبيين: الدلج.
(٣) ص: إذ.
(٤) مقاتل الطالبيين ماذا يقولون إن قال النبي لهم.
(٥) مقاتل الطالبيين ٣٩٤ (ط ٢.٣٣٦): «قسوا وصبرا»؛ وفي زهر الآداب ١/ ١٢٩: «جلدا وصبرا قسوة السلطان».
(٦) مقاتل ٤٥٩ (ط ٢.٣٨٥) وقد نسبت في روايتين مرّة لداود بن علي العباسي ومرة لداود السلمي؛ والحدائق (مصورة) ١/ ١٨٠؛ ومنها ٣ أبيات في معجم البلدان ٤/ ٢٣٨ (فخ).
[ ٣٠٢ ]