وحدّثني (٥) أبو زيد عن المدائني قال: لما ظهر يحيى بن عبد الله صلى الله عليه أيّام الرشيد بالديلم، [علا صوته في الآفاق] (٦) وكثر الدعاة إليه وأجابه النّاس، وسارع (٧) إليه كلّ من له رغبة في الدين وأهل النيّات من المسلمين. وكان له سبعون رجلا (٨) من علماء زماننا، دعاة إليه وإلى نصرته، يتفرقون القرى (٩) يدعون إلى حكم الكتاب ونصرة الدين ودفع الجور ومنع الظالمين، وإظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منهم [١]: محمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن عامر، ومخول بن إبراهيم فقيه أيضا، وحسن بن الحسين (١٠)، وإبراهيم بن إسحاق،
_________________
(١) ص: يؤديه.
(٢) ص: فارجوا أن لا.
(٣) ليست في م ص.
(٤) في هامش ص الأيمن: «دخوله ﵇ الديلم وحسن تلقي جستان له».
(٥) م ص: حدثني.
(٦) ليست في ص.
(٧) ر: وسارعوا إليه رغبة من كل. . .
(٨) في هامش الأيسر: «ذكر جماعة من دعات يحيى ﵇ منهم الشافعي ﵀».
(٩) ر: سعرون القرا.
(١٠) أخبار أئمة الزيدية (الحدائق): الحسن العرني؛ وفي الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٢ الحسين العرني.
(١١) قارن بكتاب المصابيح (ص ٣٠٣ - ٣٠٤ فيما يلي)؛ والحدائق الورديّة (مصورة) ١/ ١٨٢.
[ ١٩٧ ]
وسليمان بن جرير (١)، وعبد العزيز بن يحيى الكناني (٢)، وبشر بن المعتمر، وفليت بن إسماعيل، ومنصور البخاري، ومحمد/ابن أبي نعيم، ويونس بن إبراهيم الرازي، ويونس ابن البجلي (٣)، وابن عون (٤) اللهبي، وحبيب بن أرطاة، وسعيد بن خثيم الهلالي، وغيرهم من فقهاء المدائن وعلماء الأمصار [وأهل البصائر] (٥). فلما [١] انتهى ذلك إلى هارون هاله (٦) وعظم عليه (٧) وبلغ به الهم (٨) أن ترك شرب الخمر ولبس الصّوف أيام يحيى كلّها حتى انقضى أمره.
قال أبو زيد:
/ فوجّه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في سبعين ألف رجل من صناديد رجاله ووجوه قوّاده وولاّه الجبل (٩) كلّه والريّ وكورها وجرجان وقومس ودنباوند (١٠) والرويان، وجمع له أجنادا
_________________
(١) ص: جريره.
(٢) ص: الكتابي.
(٣) م ص: يونس البجلي.
(٤) ص: ابن عي رك؛ م ر: ابن عورك.
(٥) من ر وحدها.
(٦) م ص: هاله ذلك.
(٧) في هامش ص الأيسر: «ذكر ما نزل بهرون من ذلك وتوجيه الفضل بن يحيا ولبسه الصوف».
(٨) م ص: الغم.
(٩) في هامش ص الأيمن: «بلاد الجبل عبارة عن عراق العجم الفاصل بين عراق العرب وخراسان وبلاده المشهورة أصبهان وجرجان والري وزنجان، ذكره ابن خلكان» (وفيات الأعيان ٥/ ٣٤١).
(١٠) ص: ودينار.
(١١) قارن بتاريخ الطبري ٨/ ٢٤٢ (-٣/ ٦١٣).
[ ١٩٨ ]
لم تجمع إلاّ له، وأمدّه (١) بخمسين ألف ألف، فعسكر (٢) بالنهروان، وجاء الرشيد فعرض الجيش بنفسه فرأى كراعا ورجالا ما رأى مثلهم (٣)، وسلاحا وآلة أعجبته (٤) وردّت بعض رجائه، وأمره بالرّحيل من ساعته، وأمدّه بالأموال يتبع بعضها بعضا، ولم يخله من خلعه وتقليده وإمداده في كلّ يوم منذ (٥) توجّه من عنده؛ وكان أكثر ما يقوم إليه فيه استمالة جستان ومراسلته وملاطفته ومواصلة سائر قوّاده ووزرائه، ويوجّه إليهم (٦) بالهدايا والألطاف ويبسط آمالهم (٧) ويعدهم بكل جميل.
فلما [١] نزل الفضل الطالقان (٨) وجّه إلى جستان بالبرّ العظيم من الخزّ والديباج والحرير والأموال وإلى (٩) جميع أصحابه، وضمن له أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم قفلة، وألف (١٠) ثوب خزّ، وألف ثوب حرير وديباج، وغير ذلك وكثر عليه في الأطماع (١١) له (١٢)، وواتر في
_________________
(١) م: وامر له.
(٢) ص: فصار.
(٣) ص: مثله.
(٤) م ص: عجيبة.
(٥) من ص وحدها.
(٦) م ص: إليهم رغبهم.
(٧) م: اموالهم.
(٨) «الطالقان»، ليست في ر.
(٩) ر: إلى.
(١٠) ص: والف الف.
(١١) ر: في أطماع.
(١٢) في هامش ر الأيمن: «ما وجه الفضل إلى جستان من الرغائب ليسلم إليه يحيى وامتناع جستان من ذلك وتشدده».
(١٣) قارن بالوزراء للجهشياري ١٨٩ - ١٩٠؛ والعيون والحدائق ٣/ ٢٩٣.
[ ١٩٩ ]
برّه وملاطفته وجميع أسبابه، وسأله (١) أن يحمل إليه يحيى/. فقال له (٢) (٣) جستان: لو أعطيتني جميع ما تملكه ملوك الدّنيا لم أسلّمه إليكم، فاعمل ما بدا لك/أن تعمله. فلم ييئس (٤) ذلك الفضل وواتر برّه له ولحاشيته، وكتب إلى يحيى بن عبد الله كتابا يعرض عليه فيه الأمان (٥) ويبذل ليحيى من المال ألف ألف وألف ألف وألف ألف ومن القطائع كذا وكذا، وأن ينزله (٦) من البلاد [حيث أحبّ، ويوليه من الولايات (٧) والبلاد] (٨) ما أراد، ويقضي (٩) له من الحوائج كلّما طلب. فكتب يحيى إلى هارون جواب كتابه (١٠) وهو معتصم بما وكّد له الديمليّ (١١) من ذمّته، راج منه الوفاء وحسن المدافعة، ولما (١٢) أظهر من منعه وعقد من ذمّته.
[وهذا كتابه] (١٣):
_________________
(١) زادها في ر في الهامش الأيسر.
(٢) ص: صلى الله عليه.
(٣) «له»، من ص وحدها.
(٤) م ص: يأيس.
(٥) م: الأمان له.
(٦) م ص: ينزلوه.
(٧) م: ويولوه من الولايات ما أراد.
(٨) ليست في ص.
(٩) م ص: ويقضوا.
(١٠) م ص: جواب كتابه بكاتبه هذا.
(١١) م ص: يوكد الديلمي.
(١٢) ر: لما.
(١٣) (-١٣) من ر وحدها.
(١٤) ورد الكتاب في الحدائق الوردية (مصورة) ١/ ١٨٣ - ١٨٧ (وأظنه ينقل عن أحمد بن سهل الرازي من هذا الكتاب، انظر المقدمة ص ١٦،١٨).
[ ٢٠٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد (١)، فقد فهمت ما عرضت (٢) عليّ من (٣) الأمان على أن تبذل لي أموال المسلمين وتقطعني (٤) ضياعهم التي جعلها الله لهم دوني ودونك ولم يجعل لنا فيها نقيرا ولا فتيلا، / فاستعظمت الاستماع له فضلا عن الرّكون إليه، واستوحشت منه تنزّها عن (٥) قبوله. فاحبس أيّها الإنسان عنّي (٦) مالك وإقطاعك وقضاءك حوائجي، فقد أدّبتني إذن خالف (٧) ناقصا، وولدتني عاقا قاطعا؛ فو الله لو أنّ من قتلته (٨) من أهلي تركا وديالم على بعد أنسابهم منّي وانقطاع رحمهم عنّي لوجبت عليّ نصرتهم والطلب بدمائهم إذ كان منكم قتلهم ظلما/وعدوانا، والله لكم بالمرصاد لما ارتكبتم من ذلك، وعلى الميعاد لما سبق فيه من قوله ووعده ووعيده (٩)، وكفى بالله جازيا ومعاقبا وناصرا لأوليائه ومنتقما من أعدائه. وكيف لا أطلب بدمائهم وأنام عن ثأرهم، والمقتول بالجوع والعطش والنّكال وضيق (١٠) المحابس وثقل الأغلال وعدو العذاب وترادف الأثقال (١١) أبي: عبد الله بن الحسن النفس
_________________
(١) ر: بعد.
(٢) ص: شرطت.
(٣) أخبار أئمة الزيدية ١٧٩: فيه من؛ الحدائق (مصورة دمشق) ١/ ١٨٣: فيه مع.
(٤) م الحدائق (مصورة دمشق) ١/ ١٨٤: تعطيني.
(٥) م ص: من.
(٦) في الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٤؛ (خ) ١/ ١٠٢ ب؛ وأخبار أئمة الزيدية: فاحبس عني أيها الإنسان.
(٧) أي امرأة لا خير فيها.
(٨) م ص: قتلتم.
(٩) م ص: من قوله ووعيده.
(١٠) م ص: في ضيق.
(١١) م ص: الأسواط؛ ر: «الأمشاط» ثم رسم فوقها ثلاثة وصححها في الهامش الأيمن: «الأثقال»؛ وفي الحدائق الوردية بنسختيه وأخبار أئمة الزيدية: «الأثقال».
[ ٢٠١ ]
الزكيّة (١) والهمّة السنيّة والدّيانة المرضيّة والخشية والتّقيّة، شيخ الفواطم [١] وسيّد أبناء الرّسل (٢) طرّا، وأرفع أهل عصره قدرا، وأكرم أهل بلاد الله فعلا؛ ثم يتلوه أخوته وبنو أبيه ثم اخوتي وبنو عمومتي، نجوم السّماء وأوتاد الدّنيا، وزينة الأرض، وأمان الخلق، ومعدن الحكمة وينبوع العلم، وكهف المظلوم، ومأوى الملهوف، ما منهم أحد إلاّ لو (٣) أقسم على الله لبرّ قسمه؛ فما أنسى من شيء (٤) فلا أنسى مصارعهم وما حلّ بهم من سوء مقدرتكم ولؤم ظفركم، وعظيم إقدامكم (٥) وقسوة قلوبكم، إذ جاوزتم قتلة من كفر بالله إفراطا، وعذاب من عاند الله إسرافا، ومثلة من جحد الله عتوّا. وكيف أنساه وما أذكره ليلا إلاّ أقضّ عليّ مضجعي وأقلقني عن/موضعي، ولا نهارا إلاّ أمرّ عليّ عيشي وقصّر إلى نفسي، حتى لوددت أنّي أجد السبيل إلى الاستعانة بالسّباع عليكم فضلا عن
_________________
(١) في الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٤؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٨٠: عبد الله بن الحسن ذو الشيبة الزكية.
(٢) في الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٤؛ وأخبار أئمة الزيدية: أبناء هاشم.
(٣) م ص: الا ولو؛ الحدائق (مصورة) وأخبار أئمة الزيدية ١٨٠: إلا من لو.
(٤) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٤: وأخبار أئمة الزيدية ١٨٠: من الأشياء.
(٥) ر: مقدرتهم. . . اقدامهم.
(٦) فاطمة بنت عمرو بن عائذ أم عبد الله بن عبد المطلب، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ، وفاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب زوج الحسن المثنى وأم الحسن المثلث، وقد افتخر النفس الزكية بذلك على الخليفة المنصور، قارن بالطبري ٧/ ٥٦٧ (-٣/ ٢١٠)؛ وانظر في الفواطم اللاتي ولدن رسول الله ﷺ المحبّر ٥١ - ٥٢.
[ ٢٠٢ ]
الناس (١)، /وآخذ (٢) منكم حقّ الله الذي وجب (٣) عليكم، وانتصر (٤) من ظالمكم فأشفي (٥) غليل صدر قد كثرت بلابله، وأسكن قلبا جمّا وساوسه من المؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم (٦) ولو يوما واحدا ثم يقضي الله فيّ ما أحب، وإن (٧) أعش فمدرك ثأري (٨) داعيا إلى الله على سبيل رشاد (٩) أنا ومن اتّبعني، فسالك (١٠) قصد من سلف من آبائي وإخوتي وإخواني (١١) القائمين بالقسط، الدّعاة إلى الحقّ، وإن أمت فعلى سنن ما (١٢) ماتوا غير راهب لمصرعهم ولا راغب عن مذهبهم (١٣) فلي بهم/أسوة حسنة وقدوة هادية، فأوّل قدوتي منهم أمير المؤمنين، رضوان الله عليه، إذ كان ما زال قائما وقت القيام مع الأمكان (١٤) حتما والنهوض لمجاهدة الجبّارين (١٥)
_________________
(١) م ص: الانس.
(٢) ص: فاخذ.
(٣) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٤: أوجبه.
(٤) في الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٤؛ (خ) ١/ ١٠٢ ب؛ وأخبار الزيدية ١٨١: وانتصف.
(٥) في الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٤؛ (خ) ١/ ١٠٢ ب؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٨١: واشفي.
(٦) م ص: غيظهم.
(٧) م ص: فإن.
(٨) ليست في م ص.
(٩) في الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٤؛ (خ) ١/ ١٠٢ ب: رشادي.
(١٠) في م وأخبار أئمة الزيدية ١٨١: نسلك.
(١١) في الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٤؛ (خ) ١/ ١٠٢ ب؛ وأخبار أئمة الزيدية: وإخواني وإخوتي.
(١٢) في أخبار أئمة الزيدية ١٨١: من ماتوا.
(١٣) ص: هديهم.
(١٤) م ص: حين القيام على المؤمن مع الإمكان.
(١٥) م: الجائرين.
[ ٢٠٣ ]
فرضا، فاعترض عليه من كان كالظّلف مع الخفّ ونازعه من كان كالظّلمة مع الشمس، فوجدوا لعمر الله من حزب الشّيطان مثل من (١) وجدت، وظاهرهم من أعداء الله مثل من ظاهرك (٢)، وهم لمكان الحقّ عارفون وبمواضع الرّشد عالمون، فباعوا عظيم جزاء الآخرة بوالج (٣) عاجل الدنيا، ولذيذ الصّدق (٤) بغليظ مرارة الإفك، ولو شاء أمير المؤمنين لهدأت له/وركنت إليه بمحاباة الناكثين وإنجاد المضلّين (٥) وموالاة المارقين، ولكن أبي الله ورسوله (٦) أن يكون للخائنين متّخذا (٧) ولا للظالمين مواليا ولم يكن أمره عندهم مشكلا (٨)، فبدّلوا نعمة الله كفرا (٩) واتّخذوا آيات الله هزوا، وأنكروا كرامة الله وجحدوا فضيلة الله (١٠)، فقال رابعهم: «أنّى تكون لهم الخلافة والنبوة» حسدا وبغيا، فقديما ما حسد
_________________
(١) أخبار أئمة الزيدية ١٨١: مثل ما وجدت.
(٢) م: ظاهر معك.
(٣) ص: بواتح وكتب في الهامش الأيسر: «الواتح بالمثناة من فوق والحاء المهملة هو السيء التافه المقبر والله أعلم»؛ وفي الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٤؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٨١: عظيم أجر الآخرة بحقير عاجل الدنيا.
(٤) م ص: ولذيذ الولاء والصدق.
(٥) ص: واتخاذ المظلين.
(٦) «ورسوله»، ليست في الحدائق.
(٧) أخبار أئمة الزيدية ١٨١: منجدا.
(٨) ر: مشكلا فيه؛ والإشارة إلى سورة إبراهيم ١٤/ ٢٨.
(٩) إشارة إلى سورة البقرة ٢/ ٢٣١ وانظر الكهف ١٨/ ٥٦،١٠٦ والجاثية ٥٤/ ٩ و٣٥.
(١٠) ص: فضيلة الله لنا؛ الحدائق (مصورة ١/ ١٨٥؛ وأخبار أئمة الزيدة ١٨٢: فجحدوا كرامة الله وأنكروا فضيلة الله.
[ ٢٠٤ ]
النبيون وآل (١) النبيّين الذين اختصهم الله بمثل ما اختصنا وأخبر عنهم (٢) ﵎ فقال أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنّاسَ عَلى ماآتاهُمُ اَللهُ مِنْ فَضْلِهِ (٣) فَقَدْ آتَيْناآلَ إِبْراهِيمَ اَلْكِتابَ وَاَلْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (النساء ٤/ ٥٤)، فجمع لهم المكارم والفضائل والكتاب والحكمة والنبوّة والملك العظيم، فلما أبوا إلاّ تماديا في الغيّ وإصرارا على الضلال، جاهدهم أمير المؤمنين حتى لقي الله شهيدا، رضوان الله عليه، ثم تلاه الحسن (٤) سليل رسول الله ﵌ وشبيهه (٥) وسيّد شباب أهل الجنّة إذ كلّ أهلها سادة، فكيف بسيّد السّادة (٦)، فجاهد من كان أمير المؤمنين جاهده، وسكن إليه من المسلمين من كان شايعه من ذوي السّابقة وأهل المأثرة، فكان أوّل من نقض ما عقد له (٧)، ونكث عمّا عاهده، عمّك (٨) عبيد الله بن العباس/حين اطمأن إليه وظنّ أنّ سريرته لله مثل علانيته وجّهه على مقدّمته في نحو من عشرين ألف من المسلمين (٩)، فلما نزل مسكنا (١٠) من سواد العراق باع دينه وأمانته من ابن
_________________
(١) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٥؛ وأخبار أئمة الزيدية:١٨٢: أبناء.
(٢) ر: وأخبرهم.
(٣) ص: تظله؛ أتاهم من فضله.
(٤) م ص: الحسن ابنه، وفي هامش ص الأيمن: «الحسن السبط ﵇».
(٥) أخبار أئمة الزيدية ١٨٢: وشبله.
(٦) م ص: السادات.
(٧) ص: فكان نقض ما عقد له؛ ر: من بعض من عقد له، ثم كتب في الهامش الأيسر وصوابه: ممن نقض.
(٨) في هامش ص الأيمن: «مفارقة عبيد الله بن العباس للحسن ﵇».
(٩) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٥؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٨٢: مقاتل من المسلمين.
(١٠) ص: مسكا.
[ ٢٠٥ ]
آكلة الأكباد بمائة ألف درهم، وفرّق (١) عسكره ليلا ولحق بمعاوية [١]، فدلّه على عورات/عسكر ابن رسول الله ﵌/ وأطمعه في مبارزته بعد أن كانت نفسه قد أحيط بها وضاق عليه مورده ومصدره وظنّ أن لا مطمع له حين استدرج وأمهل له (٢)، فارتحل الحسن بنفسه باذلا لها في ذات الله، ومحتسبا ثواب الله حتى إذا كان بالمدائن وثب عليه أخو أسد فوجأه في فخذه [٢]، فسقط لما به وأيس الناس من إفاقته فتبدّدوا شيعا، وتفرّقوا قطعا، فلما قصرت طاقته وعجزت قوّته وخذله أعوانه، سالم (٣) هو وأخوه معذورين (٤) مظلومين موتورين (٥)، فاستثقل (٦) اللعين ابن اللعين حياتهما واستطال مدّتهما فاحتال بالاغتيال لابن رسول الله ﵌ حتى نال مراده وظفر بقتله، فمضى مسموما شهيدا (٧) مغموما فقيدا، وغير شقيقه (٨) وأخوه وابن
_________________
(١) الحدائق (مصورة)؛ وأخبار أئمة الزيدية: وفارق.
(٢) «له»، ليست في م.
(٣) في هامش ص الأيسر: «مهادنة الحسن ﵇ معاوية لعنة الله وأجزاه».
(٤) أخبار أئمة الزيدية:١٨٣: مغدورين.
(٥) م ص: مؤثرين؛ الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٥: ماتورين.
(٦) أخبار أئمة الزيدية:١٨٣: فاستقل.
(٧) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٥: شهيدا مسموما.
(٨) في هامش ص الأيسر: «ذكر الحسين ﵇».
(٩) قارن بأنساب الأشراف (المحمودي) ٣/ ٣٧ - ٣٩،٥٠، (الدوري) ٣/ ٥٨؛ والطبري ٥/ ١٦٣ - ٦١٤ (-٢/ ٧ - ٨)؛ ومقاتل الطالبيين ٦٤ (ط ٢.٧٣)؛ وعنه الحدائق الوردية (مصورة) ١/ ١٠٢.
(١٠) في مقاتل الطالبيين (ط ٢.٧٢): «رجل من بني أسد من بني نصر بن قعين يقال له الجراح بن سنان، وكان الجراح فيمن ألّب على سعد بن أبي وقاص أثناء فتح نهاوند»، انظر الطبري ٤/ ١٢١ (-١/ ٢٦٠٦ - ٢٦٠٧)؛ وانظر أنساب الأشراف (المحمودي) ٣/ ٣٥.
[ ٢٠٦ ]
أمه وأبيه، شريكه في فضله ونظيره في سؤدده (١)، على مثل ما انقرض عليه أبوه وأخوه، حتّى إذا ظنّ أن قد أمكنته محبّة (٢) الله من بوارهم ونصرة الله من/افترائهم (٣)، دافعه عنها أبناء الدنيا، واستدرج بها أبناء الطلقاء، فبعدا للقوم الظالمين، وسحقا لمن آثر على سليل النبيّين وبقية المهتدين الخبيث ابن الخبيثين (٤) والخائن ابن الخائنين، فقتلوه ومنعوه ماء الفرات وهو مبذول لسائر السباع، وأعطشوه وأعطشوا أهله وقتلوهم ظمأ (٥)، يناشدونهم فلا يجابون، ويستعطفونهم فلا يرحمون، ثم تهادوا رأسه إلى يزيد الخمور والفجور تقرّبا إليه، فبعدا للقوم الظالمين.
ثم توجّهت جماعة من أهل العلم والفضل إلى سجستان في جيش (٦)، فتذاكروا ما حلّ بهم من ابن مروان فخلعوه وبايعوا الحسن بن الحسن ورأسوا عليهم ابن الأشعث [١] إلى أن يأتيهم أمره، فكان رئيسهم (٧) غير طائل ولا رشيد، نصب العداوة للحسن قبل موافاته،
_________________
(١) في هامش ص الأيسر: «السؤدد بالهمز كقنفذ السيادة».
(٢) أخبار أئمة الزيدية:١٨٣: محنة.
(٣) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٥؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٨٣: اخترامهم؛ وفي ص: افترايهم؛ واقترائهم من قولهم قروت بني فلان واقتريتهم واستقريتهم، مررت بهم واحدا واحدا وهو من التتبع (لسان العرب ١٥/ ١٧٥).
(٤) م ص: ابن الأخبثين؛ وفي الحدائق (مصورة) كتب فوق الخبيث: يعني يزيد، وفوق الخبيثين: يعني معاوية وهند.
(٥) م ص: ظلما.
(٦) م ص: في جيش إلى سجستان.
(٧) ص والحدائق وأخبار أئمة الزيدية: رأسهم.
(٨) انظر كتاب المصابيح (دار الكتب ٨١):٦٦ ب-٦٧ أ؛ والحدائق الورديّة (مصورة) ١/ ١٣٥.
[ ٢٠٧ ]
فتفرّقت عند ذلك كلمتهم وفلّ حدّهم فمزّقوا (١) كلّ ممزّق؛ فلما هزم جيش الطواويس احتالوا لجدي الحسن بن الحسن فمضى مسموما، يتحسّى الحسرة ويتجرّع الغيظ، رضوان الله عليه، حتى إذا ظهر الفساد في البرّ والبحر وشرى زيد بن علي، صلوات الله عليهما، لله (٢) نفسه فما لبث أن قتل ثم صلب ثم أحرق، /فأكرم بمصرعه مصرعا. ثم ما كان إلاّ (٣) طلوع ابنه يحيى ثائرا بخراسان (٤)، فقضى نحبه وقد أعذرا (٥)، رضوان الله عليهما. وقد كان أخي محمد بن عبد الله/دعا بعد (٦) زيد وابنه يحيى، فكان أوّل من أجابه وسارع إليه جدّك محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وأخوته وأولاده، فخرج-زعم (٧) -يقوم بدعوته حتى خدع بالدّعاء إليه طوائفا. ومعلوم عند الأمّة أنّكم كنتم لنا تدعون، وإلينا ترجعون، وقد أخذ الله عليكم (٨) ميثاقا لنا، وأخذنا عليكم ميثاقا لمهديّنا محمد بن عبد الله النفس/الزكية الخائفة التقية المرضيّة، فنكثتم ذلك وادّعيتم من إرث الخلافة ما لم تكونوا تدّعونه قديما ولا حديثا ولا ادّعاه أحد لكم (٩) من الأمّة إلا تقوّلا كاذبا، فها أنتم الآن تبغون دين الله
_________________
(١) ص: جدهم ومزقوا.
(٢) «لله»، ليست في ص.
(٣) م ص: ثم ما راعهم إلا.
(٤) «ثائرا» ليست في م ص، وفيها: «من خراسان».
(٥) ص: اعذر.
(٦) في ر م: قبل، ثم ضرب عليها وكتب فوقها «بعد» وإشارة التصحيح؛ وفي الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٥؛ وأخبار أئمة الزيدية:١٨٤: قبل.
(٧) في الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٥: بزعمه؛ وفي أخبار أئمة الزيدية: ابن عمه.
(٨) «عليكم»، ليست في ص.
(٩) م ص: لكم أحدا.
[ ٢٠٨ ]
عوجا وذريّة رسول الله قتلا واجتياحا، والآمرين بالمعروف صلبا (١) واستباحا، فمتى ترجعون وأنّى تؤفكون، أولم يكن لكم خاصة وللأمة عامّة في محمد بن عبد الله فضلا (٢)، إذ لا فضل يعدل فضله في الناس (٣)، ولا زهد يشبه زهده، حتى ما يتراجع فيه اثنان، ولا تردّد (٤) فيه مؤمنان، ولقد أجمع عليه أهل الأمصار من أهل الفقه والعلم في كل البلاد، لا يتخالجهم فيه الشّكّ، ولا تقفهم عنه الظّنون، فما ذكر عند خاصّة ولا عامّة إلا اعتقدوا محبّته، وأوجبوا طاعته، وأقرّوا بفضله، وسارعوا إلى دعوته، إلاّ ما كان من عناد أهل الإلحاد (٥) الذين غلبت عليهم الشّقوة وغمطوا (٦) النّعمة، وتوقّعوا النّقمة من شيع أعداء الدّين، وأفئدة المسلمين (٧)، وجنود الضّالين، وقادة الفاسقين، وأعوان الظّالمين، وحزب الخائنين؛ وقد كان الدّعاء إليه منكم ظاهرا والطلب له قاهرا بإعلان اسمه وكتاب إمامته على أعلامكم «محمد يا منصور» [١]، يعرف
_________________
(١) ر: طلبا.
(٢) م ص: آية.
(٣) م ص: يعدل في الناس فضله.
(٤) ر: نرد؛ الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٦؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٨٥: لا يتراد فيه.
(٥) ر: إلا من كان من عباد الله هل الالحاد، ثم ضرب على «لله» فصارت أهل؛ وفي الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٦؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٨٥: إلا من كان من عتاة أهل الالحاد.
(٦) م: وغبطوا؛ وفي الحدائق (مصورة)؛ وأخبار أئمة الزيدية: غمصوا، والمعنى واحد أي استصغر وازدرى.
(٧) م ص: أفكة المسلمين؛ الحدائق (مصورة): أفئدة المضلّين؛ أخبار أئمة الزيدية: فئات المضلين، وفي حاشيته قراءات أخرى. وأفئدة المسلمين تعني الجبناء منهم.
(٨) ارتبط لقب المنصور بظهور المهدي، وقد استخدم هذا الشعار في أكثر من مناسبة، - انظر عبد العزيز الدوري، في: دراسات عربية وإسلامية مهداة لإحسان عباس ١٣٠ - ١٣٢؛ ومارتن هايندز، في: الأبحاث ٢٤ (١٩٧١)،١٧.
[ ٢٠٩ ]
ذلك ولا ينكر (١)، ويسمع ولا يجهل، حتّى/صرفتموها إليكم وهي تخطب عليه، وكفحتموها عنه وهي مقبلة إليه، حين (٢) حضرتم وغاب، وشهدتم إبرامها ورأى (٣) قلّة رغبة ممن حضر، وعظم (٤) جرأة ممّن اعترض؛ حتى إذا حصلت لكم (٥) بدعوتنا، وهدأت عليكم بخطبتنا (٦)، وقرّت لكم بنسبتنا، قالت (٧) لكم اجرامكم إلينا وجنايتكم علينا، إنّها لا تتوطأ لكم إلا بإبادة غضرائنا (٨)، ولا تطمأن لكم دون استئصالنا، فأغرا بنا جدّك المتفرعن في قتلنا لا حقا بإثرة فينا عند المسلمين (٩)، لؤم مقدرة ورضاعة (١٠) مملكة، حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر قبل بلوغ شفاء قلبه من فنائنا. وهيهات أن (١١) يدرك الناس ذلك ولله فينا خبيئة لا بدّ من
_________________
(١) م: ينصر.
(٢) م ص: حينما.
(٣) م ص: وناى.
(٤) م ص: وعظيم.
(٥) كتب في هامش ص الأيمن: «وحين حصلت لكم».
(٦) م: وهدأت بخطبتنا.
(٧) ر: قال.
(٨) ص: خضرائنا.
(٩) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٦؛ (خ) ١/ ١٠٣ أ؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٨٦: المتفرعن فقتلنا ولا يخفي أثره فينا عند المسلمين.
(١٠) الرّضاعة: اللؤم؛ وفي الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٦؛ (خ) ١/ ١٠٣ ى؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٨٦: ضراعة، والضراعة: الذل والخضوع.
(١١) م ص: هيهات لو.
[ ٢١٠ ]
ظهورها (١)، وإرادة لا بدّ من بلوغها/فالويل له. فكم من عين طال ما غمضت (٢) عن محارم الله، [وسهرت متهجّدة لله، وبكت في ظلم الليل خوفا من الله] (٣)، قد أسحّها بالعبرات باكية، وسملها بالمسامير المحمّاة فألصقها بالجدرات (٤) المرصوفة قائمة، وكم من وجه طال ما ناجى الله مجتهدا، وعنا لله متخشّعا (٥)، مشوّها بالعمد، مغلولا مقتولا ممثولا به معنوقا؛ وبالله (٦) إن لو لم يلق الله إلا بقتل النفس الزكيّة، أخي محمد بن عبد الله، ﵀، للقيه بإثم عظيم وخطب كبير، فكيف وقد قتل قبله النفس النقية (٧) أبي عبد الله بن الحسن وأخوته وبني أخيه، ومنعهم روح الحياة في مطابقه (٨)، وحال بينهم وبين خروج النفس في مطاميره، لا يعرفون الليل من النهار، ولا مواقيت الصلاة إلا بقراءة أجزاء القرآن تجزئة [١]، لما عانوا (٩) في آناء الليل والنهار، حين الشّتاء والصّيف، حال أوقات الصلاة/قرما منه إلى قتلهم، وقطعا لأرحامهم، وترة لرسول
_________________
(١) ر: اظهارها.
(٢) ر ص: غضت.
(٣) مزيدة فوق السطر في ر.
(٤) أخبار أئمة الزيدية: بالمدرات.
(٥) افترض بروفسر مادلونغ محقق أخبار أئمة الزيدية وجود «سقطة في النصّ» في هذا الموضع، وتتفق الأصول جميعها على هذه القراءة.
(٦) م ص: تالله.
(٧) م والحدائق (مصورة) ١/ ١٨٦: التقية.
(٨) ص: مضايقه.
(٩) م: من دراسته في آناء. . .؛ ص: ما عانوا؛ الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٦؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٨٧: قد عرفوه لما غابوا.
(١٠) قارن بكتاب المصابيح ص ٢٨٠ فيما يلي.
[ ٢١١ ]
الله فيهم، فولغ في دمائهم ولغان الكلاب (١) وضري (٢) بقتل صغيرهم وكبيرهم ضراوة الأسود (٣) ونهم بهم نهم الخنزير، والله له ولمن عمل بعمله بالمرصاد.
فلمّا أهلكه الله قابلتنا أنت وأخوك الجبّار الفظّ الغليظ العنيد (٤) بأضعاف فتنته، واحتذاء بسيرته، قتلا وعذابا (٥) /وتشريدا وتطريدا، فأكلتمانا أكل الرباء (٦) حتى لفظتنا الأرض خوفا منكما، وتأبّدنا في الفلوات هربا منكما، فأنست بنا الوحوش وأنسنا بها، وألفتنا البهائم وألفناها، فلو لم يجترم أخوك إلاّ قتل الحسين بن علي وأسرته بفخّ، لكفى بذلك عند الله وزرا (٧) عظيما، وسيعلم، وقد علم ما اقترف، والله مجازيه وهو المنتقم لأوليائه من أعدائه. ثم امتحننا الله بك من بعده (٨)، فحرصت على قتلنا، وطلبت من فرّ عنك منّا، لا يؤمّنك منهم (٩) بعد دار، ولا نأي جار، تتبعهم حيلك وكيدك حيث سيّروا من بلاد الترك والدّيلم، لا تسكن نفسك ولا يطمئنّ قلبك دون أن تأتي على آخرنا،
_________________
(١) م ص: الكلب.
(٢) ر: صرا.
(٣) م ص: الأسد؛ الحدائق (مصورة)؛ وأخبار أئمة الزيدية: الذئاب.
(٤) م ص: العنيد الغليظ الفظ.
(٥) م: وعدوانا وتشريدا وتطريدا؛ ص: وعذابا وعدوانا وتشريدا.
(٦) م ص: الدّبا.
(٧) «وزرا»، من ر وحدها.
(٨) م ص: من بعده بك.
(٩) في الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٧: فحرصت على قتلنا وظلمت الأول والآخر منا لا يؤمنك منهم؛ وفي أخبار أئمة الزيدية ١٨٧: لا يؤمنهم منك، وقد تكرر الاضطراب في الأصول جميعها. قارن بالحاشية ١٦ ص ١٨٧ من أخبار أئمة الزيدية.
[ ٢١٢ ]
ولا تدع صغيرنا ولا ترثي لكبيرنا لئلا (١) يبقى داع إلى حق ولا قائل بصدق (٢) ولا أحد من أهله، حتّى أخرجك الطّغيان وحملك (٣) الشنئان أن أظهرت بغضة أمير المؤمنين، وأعلنت بنقصه وقرّبت مبغضيه وأدنيت (٤) شانئيه حتى أربيت على بني أميّة في عداوته وأشفيت غلّتهم في تناوله، فأمرت (٥) بكرب قبر الحسين صلّى الله عليه وتعمية موضعه وقتل زوّاره واستئصال محبّيه وتوعّدت فيه وأرعدت وأبرقت على ذكره؛ فو الله لقد كانت بنو أمية الذين وضعنا (٦) آثارهم/مثلا لكم وعددنا مساويهم احتجاجا عليكم على بعد أرحامهم أراف بنا منكم، وأعطف علينا قلوبا من جميعكم، وأحسن استبقاء لنا ورعاية من قرابتكم؛ فو الله ما بأمركم خفاء ولا بشأنكم (٧) امتراء. ولم لا نجاهد، وأنت معتكف على معاصي الله صباحا ومساء، مغترا بالمهلة، آمنا من النّقمة، واثقا بالسّلامة، تارة تغري بين البهائم بمناطحة كبش، ومناقرة ديك، ومخارشة (٨) كلب،
_________________
(١) ر: لان لا.
(٢) م ص: ولا قائل به.
(٣) م ص: الحسد والشنئان.
(٤) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٧؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٨٨: وآويت.
(٥) في هامش ص الأيسر: «نكتة، أن الوليد لعنه الله أمر بكرب قبر الحسين صلوات الله عليه وسلامه، وأن المتوكل العباسي لعنه الله الذي اشتهر عنه ذلك إنما اقتدى بجده هذى لعنهما الله وأبعدهما». ولا يعرف عن هارون الرشيد أنّه أمر بكرب قبر الحسين، وذكر أبو الفرج أن المتوكل أمر بكربه (مقاتل ٥٩٧ - ٥٩٩؛ ط ٢.٤٧٨ - ٤٧٩). وهذا ما أشار إليه الناسخ في هامش ص.
(٦) م: وصفنا.
(٧) ص: في شأنكم.
(٨) في الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٧: أو مناقرة ديك؛ وفي أخبار أئمة الزيدية ١٨٨: أو بمناقرة ديك أو مخارشة.
[ ٢١٣ ]
وتارة تفترش الخصيان وتأتي الذّكران، وتترك الصلوات صاحيا وسكران، ثم لا يشغلك ذلك/عن قتل أولياء الله وانتهاك (١) محارم الله، فسبحان الله ما أعظم حلمه وأكثر أناته عنك وعن أمثالك، ولكنّه ﵎ لا يعجّل بالعقوبة، وكيف يعجّل من لا يخاف الفوت وهو شديد العقاب.
فأمّا (٢) ما دعوتني إليه من الأمان، وبذلت لي من الأموال، فمثلي لا تثني الرّغائب عزمه (٣)، ولا تنحلّ لخطير همّته، ولا يبطل سعيا باقيا على الأيّام أثره، ولا يترك (٤) جزيلا عند الله أجره بمال فان وعار باق، هذه صفقة خاسرة، وتجارة بائرة أستعصم الله منها وأسأله أن يجيرني (٥) من مثلها/بمنّه وطوله. أفأبيع المسلمين وقد سمت إليّ أبصارهم، وانبسطت نحوي آمالهم بدعوتي، واشرأبّت أعناقهم نحوي، إنّي إذن لدنيّ الهمّة، لئيم الرّغبة، ضيّق العطن؛ هذا والأحكام مهملة، والحدود معطّلة، والمعاصي مستعملة، والمحارم منتهكة، ودين الله محقور (٦)، وبصيرتي (٧) مشحوذة، وحجّة الله (٨) قائمة في إنكار المنكر؛ أفأبيع خطيري (٩)
_________________
(١) م: ولا انتهاك.
(٢) م ص: وأما.
(٣) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٧: عزمته.
(٤) م ص: يؤثر عنه.
(٥) ص: يعيذني.
(٦) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٧: مخفور.
(٧) ر: بصيرته؛ الحدائق وأخبار أئمة الزيدية: بصيرتي.
(٨) م ص: عليّ قائمة؛ الحدائق الوردية: حجة الله قائمة.
(٩) ص: أفبيع خطر مقامي.
[ ٢١٤ ]
بمالكم، وشرف موقفي بدراهمكم، وألبس العار والشّنار بمقامكم ل قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا (١) وَماأَنَا مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ (الأنعام ٦/ ٥٦). ووالله ما أكلي إلا الجشب، ولا (٢) لباسي إلا الخشن، ولا شعاري إلاّ الدّرع، ولا صاحبي إلا السّيف، ولا فراشي إلاّ الأرض، ولا شهوتي من الدّنيا إلاّ لقاؤكم والرّغبة (٣) في مجاهدتكم ولو موقفا واحدا، إنتظار إحدى الحسنيين في ذلك كلّه، من (٤) ظفر أو شهادة.
وبعد، فإنّ لنا على الله وعدا لا يخلفه، وضمانا سوف ينجزه، حيث يقول وَعَدَ اَللهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا (٥) يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا (النور ٢٤/ ٥٥)، وهو الذي يقول (٦): وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اَلْوارِثِينَ (القصص ٢٨/ ٥) (٧).
_________________
(١) الأصول جميعها: اذن.
(٢) م ص: وما.
(٣) م ص: الرغبة إلى الله.
(٤) ر والحدائق: في.
(٥) م ص: لا.
(٦) استشهد محمد النفس الزكية بهذه الآية في رسالته لأبي جعفر المنصور (الطبري ٧/ ٥٦٧ - ٣/ ٢٠٩).
(٧) في هامش ص الأيسر في أعلى الصفحة: «آخر كتاب يحيى ﵇ إلى هارون».
[ ٢١٥ ]
قال [١] المدائني (١):
فلما ورد جواب (٢) يحيى ضاق ذرع هارون وعظم عليه أمره وساء ظنّه وخاف أن تكون قد انقضت مدّتهم، فشاور أهل الرأي من الوزراء والعمّال والقوّاد والقضاة وغيرهم، فقال أبو البختري (٣): لا يغمّك الله يا أمير المؤمنين، عليّ أن أحتال لجستان حتّى يسلّمه إليك. قال له هارون: ويلك، كيف تعمل؟ قال: أسير إلى جستان بجمع من وجوه أهل دستبا (٤) وقزوين وزنجان وأبهر والريّ وهمذان وجميع علمائها، ويشهدون (٥) عنده بأنّي قاضي القضاة، فأشهد له أنّ (٦) يحيى عبد لك. وقال (٧) سليمان بن فليح، وكان على ديوان الخراج: وأنا أسير معه يا أمير المؤمنين فيشهدون عنده أنّي صاحب ديوان خراج الأرض، ثمّ أشهد معه أنّه عبد لك. قال أبو البختري:
ويأمر أمير المؤمنين بمن لم يشهد لنا ومعنا فنضرب عنقه ونستصفي (٨) ماله، فإنّ أمير المؤمنين إذا فعل ذلك بهم شهدوا جميعا، وعليّ (٩)
_________________
(١) «المدائني»، ليست في ص.
(٢) ص: كتاب.
(٣) هامش ص الأيسر: «ما قاله أبو البختري قبحه الله ولعنه لعنا وبيلا»؛ وفي هامش آخر: «أبو البختري بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح المثناة من فوق وكسر الراء ثم مثناة من تحت واسمه وهب بن وهب بن عبد الله».
(٤) ص: دستيان؛ م: دسينا.
(٥) م ص: فيشهدون.
(٦) م ص: عنده بان.
(٧) ص: فقال.
(٨) م ص: ونصطفي.
(٩) م ص: علي.
(١٠) الحدائق الوردية (مصورة) ١/ ١٨٨.
[ ٢١٦ ]
استمالة جستان وردّه إلى ما يحبّ أمير المؤمنين. فوقع الكلام من هارون موقعا عجيبا وأمر لأبي البختري، لعنه الله (١)، بجائزة ثلثمائة ألف درهم، وأمر لسليمان بن فليح بمائة ألف درهم، ووجّههما على البريد إلى الفضل بن يحيى وأمره أنّ من امتنع أن يشهد (٢) معهما عند جستان، أن تضرب عنقه كائنا من كان ويستصفى ماله، ومن يشهد أكرم وأجيز وأسقط عنه الخراج، قال: ففعل الفضل بن يحيى ما (٣) أمره هارون، وقدم أبو البختري إلى دستبا ووجّه إلى وجوه البلدان فأحضرهم وقال (٤) لهم (٥): إنّ هذا يحيى بن عبد الله قد دخل/الديلم ويريد أن يقاتل بأهل الشّرك أهل الإسلام ويخرج يده (٦) من طاعة أمير المؤمنين، وقد جاءت الرّخصة بالكذب (٧) والخديعة/في الحرب، وقد رأينا (٨) أنّه عبد لأمير المؤمنين، نطلب بذلك الثواب عند الله لترجع ألفة المسلمين (٩) وتسكن النائرة (١٠)، ولا غنى بكم عن حسن جزاء أمير المؤمنين وهذا كتابه، فقرأ
_________________
(١) «لعنه الله»، من ر وحدها.
(٢) ص: ان من لم يشهد.
(٣) ص: بما.
(٤) ص: فقال.
(٥) في الحدائق (مصورة) ١/ ١٩٠؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٩٦، ورد كلام أبي البختري هذا دون إسناد بعد خطبة يحيى أمام جستان والتي سترد فيما بعد هنا.
(٦) ر: به.
(٧) م ص: في الكذب.
(٨) م ص: رأينا أن نشهد أنه.
(٩) ص: المؤمنين.
(١٠) الحدائق وأخبار أئمة الزيدية: الثائرة.
[ ٢١٧ ]
عليهم ما فيه من الإيعاد لمن امتنع/والاطماع لمن أجاب، فأجابوه بأجمعهم على (١) أن يشهدوا معه.
فخبرني حريث بن ميسرة الكنانيّ
، من وجوه أهل مدينة أبهر، عن مشايخ أهله (٢): أنّ أبا البختري وسليمان بن فليح (٣)، لمّا قدما من عند هارون وجّهوا إلى (٤) كور الجبل إلى أهل الفقه والعلم والمعدّلين ممّن يعرفهم جستان من أهل قزوين وزنجان وأبهر وشهربرد وهمذان والريّ ودنباوند والرويان، فأتاهم فجمع (٥) له منهم تسعمائة رجل، ومن أهل طبرستان أيضا أربعمائة رجل، فشهدوا بأجمعهم عند جستان أنّه عبد لهارون؛ وكلّ هؤلاء من أهل الشّرف والقدر والعرب المتمكّنين في بلاد الجبل، ليس فيهم وضيع إلاّ يسير. قال: وقالوا لجستان ليس هو ابن بنت نبيّنا، هو مدّع فيما يقول، إنّما هو عبد للرشيد.
وسمعت السميدع بن عبد الرحمن المراديّ
من أهل قزوين، وغيره يقول ذلك ويرويه عن مشايخه، قال (٦): فلمّا شهدوا عند جستان
_________________
(١) م: الى.
(٢) وردت هذه الفقرة في الحدائق (مصورة)، وأخبار أئمة الزيدية بتصرف دون ذكر إسناد.
(٣) م ص: وسليمان.
(٤) م ص: في.
(٥) في هامش ص الأيمن: «عدة من اجتمع لأبي البختري على شهادة الزور ألف وثلثمائة من الأعيان».
(٦) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٨؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٩١ وردت هذه الفقرة منقولة بتصرف ودون ذكر سند أو مصدر.
[ ٢١٨ ]
ملك الديلم قال جستان ليحيى (١): يا يحيى ما وجدت أحدا تخدعه بدعوتك غيري؟ فقال له يحيى: أيها الرجل إنّ لك عقلا، فإن لم يكن دين (٢)، فتدبّر ما يقول القوم وما تقدّم منهم (٣) إليك فردّده (٤) على قلبك وعقلك واجعل عقلك حكما دون هواك، إني لو كنت كما قالوا ما وجّهوا/لك (٥) هذه الأموال [وما أردفوها بهذه العساكر ولا بذلوا في دفعك إيّاي إليهم هذه الأموال] (٦) ولا جمعوا لك من ترى من وجوه الجبل وفقهائهم ومعدليهم ليشهدوا عندك بالزور، وما كان عليهم من رجل جاء إلى عدوّهم أو وليّهم ينتمي إلى نسب ليس منه؟ فمال الدّيلمي إلى الدنيا فقال: دعني من هذا، ما كان هؤلاء ليشهدوا (٧) عندي بالزور! فقال يحيى ﵇: هنا خصلة، تبعث رجلين ممن تثق بهما (٨) من رجالك مع رسولي إلى مكة والمدينة فيسألون عنّي، قال: هذا يطول! قال: فدع هذا وابعث رسولا إلى الري ورسولا إلى بغداد ورسولا إلى قزوين وسائر المدن فيسأل (٩) عن هؤلاء الشهود فتعرف حالهم وأنّهم [شهود زور وأنهم] (١٠) أكرهوا على شهادتهم وأنهم إن أبوا قتلوا واستصفيت
_________________
(١) في هامش ص الأيمن: «مقاولة يحيى ﵇ لجستان».
(٢) م ص: وإن لم يكن لك دين.
(٣) ر: منهم من القول.
(٤) م ص: ورده.
(٥) م ص: إليك.
(٦) ليست في ر.
(٧) ص: يشهدون.
(٨) ص: بهم.
(٩) م ص: فيسألون.
(١٠) ليست في ر.
[ ٢١٩ ]
أموالهم/وسبيت ذراريهم، قال: ما نصنع بهذا الكلام؟ لم يشهد هؤلاء كلهم على زور. فأيس يحيى من منعه وعلم أنّه مسلّمه، وظهر ميله إلى ما بذل له؛ قال: فاجمع بيني وبينهم/حتّى أكلّمهم بحضرتك، قال:
ذلك لك. وطمع يحيى إن يذكّرهم (١) الله أن يرجعوا أو تختلف كلمتهم.
قال جستان لأبي البختري: اجمع [أصحابك واحضروا حتى يشهدوا] (٢) على يحيى في وجهه، فاجتمعوا ونصب ليحيى كرسيّ فجلس عليه، فلما أخذوا مجالسهم ابتدأ يحيى فقال:
الحمد لله على ما أولانا من نعمه، وأبلانا من محنه، وأكرمنا بولادة نبيّه. نحمده على جزيل ما أولى، وجميل ما ابتلى (٣)، وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له [شهادة مقرّ بوحدانيته، خاضع متواضع لربوبيته] (٤)، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، انتخبه واصطفاه، واختاره واجتباه، /صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين.
أمّا بعد معاشر العرب، فإنّكم كنتم من الدّنيا (٥) بشرّ دار، وضنك (٦) قرار، ماؤكم أجاج، وأكلكم لماج (٧) من العلهز والهبيد (٨). الأعاجم لكم
_________________
(١) م ص: إذا ذكرهم.
(٢) م ص: احضروا أصحابك يشهدوا على يحيى.
(٣) م ص: ابلى.
(٤) من ص وحدها.
(٥) م ص: كنتم في حمض من الدنيا.
(٦) م ص: واضنك.
(٧) م ص: ثماج؛ والأكل اللماج هو أدنى ما يؤكل.
(٨) العلهز: وبر يخلط بدماء الحلم كانت العرب تأكله في الجدب (لسان ٥/ ٣٨١)؛ والهبيد: الحنظل يكسر ويستخرج حبّه وينقع لتذهيب مرارته ويتّخذ منه طبيخ يؤكل عند الضرورة (لسان ٣/ ٤٣١)؛ وفي هامش ص الأيمن: «الثمج بالمثلة والجيم التخليط؛ والعلهز بكسر العين المهملة وسكون اللام وكسر الهاء وآخره زاي القراد الضخم وصغارى الدم والوبر كانت العرب تخلطه بعضه ببعض وتدقه وتأكله، والهبيد بفتح الهاء وكسر الموحدة وسكون المثناة من تحت والدال المعجمة الحنظل أو حبّة والمراد أن طعامكم مجموع من هذه الأمور»
[ ٢٢٠ ]
قاهرة، وجنودهم عليكم ظاهرة، لم يمنعهم من تحويلكم (١) إلاّ قلّة خير بلدكم، أنتم مع الدّنيا بمنزلة السّقب (٢) مع النّاب الصّعبة (٣) الضّروس متى دنا إليها لينال من درّها منعته، إن أتاها (٤) من أمامها خبطته، أو من (٥) ورائها رمحته، أو من عرضها عضّته، فما عسى أنّ يصيب منها؛ هذا على تفرّق شملكم واختلاف كلمتكم، لا تحلّون حلالا ولا تحرّمون حراما، ولا تخافون آثاما، قد ران الباطل على قلوبكم فلا تعقلون، وغطّت (٦) الحيرة على أبصاركم فما تبصرون، وأسكّت (٧) الغفلة على (٨) أسماعكم فما تسمعون؛ على أنّ عودكم نضار، وأنتم (٩) ذوو الأخطار، ثم منّ الله عليكم (١٠) وخصّكم دون غيركم، فبعث (١١) فيكم محمدا صلى
_________________
(١) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٨؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٩٢: تحويلكم من بلدكم.
(٢) ص: الصقب، ثم كتب فوقها «السقب»، وفي الهامش الأيمن: «السقب بالسين والصاد ولد الناقة».
(٣) م ص: الضبعة.
(٤) م ص: أتى إليها.
(٥) ص: ومن.
(٦) م:؟؟؟.
(٧) اسكت أي أصمّت؛ والسكك: الصمم.
(٨) «على»، ليست في م.
(٩) م: وأنكم.
(١٠) م ص: ثم منّ عليكم.
(١١) م: فابتعث.
[ ٢٢١ ]
الله عليه منكم خاصّة، وأرسله إلى النّاس كافّة، وجعله بين أظهركم ليميّز به بينكم، وهو ﵎ أعلم بكم منكم بأنفسكم، فاستنقذكم من ظلمة الضّلال إلى نور الهدى، وجلا غشاوة العمى عن أبصاركم بضياء مصابيح الحقّ، واستخرجكم من عمى بحور الكفر إلى جدد أرض الأيمان، وجمّل برفقه ما انفتق من رتقكم، ورأب بيمنه ما انصدع من شعبكم، ولمّ بإصلاحه (١) ما فرّقت الأحقاد/والجهل من قلوبكم، ثم اقتضب برمحه لكم الدّنيا الصعبة (٢) فذلّت بعد عنت (٣)، ثم أبسّها بسيفه فأرزمت (٤) وتفاجّت واجتّرت بعد ضرس/ودّرت، ومرى ضرعها بيمين كفّه فأحفلت أخلاقها (٥) وانبعثت أحالبها (٦)، فرئمتكم كما ترأم النّار (٧) المقلاة، طلاها فشربتم عللا بعد نهل، وملأتم أسقيتكم فضلا بعد اكتظاظ؛ وتركها، صلّى الله عليه، تدور حولكم وتلوذ بكم كما تلوذ الزّجور (٨) بسقبها، فلمّا أقام أود قناتكم بثقاف الحقّ، ورحض بظهور
_________________
(١) م ص: إصلاح.
(٢) م ص: الضبعة.
(٣) م ص: فاذلت بعد واشمها بسيفه فارزمت.
(٤) في الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٩؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٩٢: وأبسها فارزمت.
(٥) م: فاختلفت اخلافها.
(٦) ص: احلابها.
(٧) ص والحدائق وأخبار أئمة الزيدية: الناب؛ وفي أصلين من مخطوطات الحدائق: النار (انظر أخبار أئمة الزيدية:١٩٣، حاشية ٢)، وفي اللسان (١٢/ ٢٢٤): «الروائم: الأثافي لرئمانها الرماد، وقد رئمت النار الرماد، فالرماد كالولد لها»؛ قلت: ورئمان النار المقلاة منه.
(٨) والزجور من الإبل التي تدرّ على الفصيل إذا ضربت فإذا تركت منعته، وقيل هي التي لا تدرّ حتى تزجر وتنهر (اللسان ٤/ ٣١٩).
[ ٢٢٢ ]
الإسلام عن أبدانكم درن الشّرك، ولحب لكم الطريق وسنّ لكم السّنن وشرّع لكم الشّرائع، خافضا في ذلك جناحه، يشاوركم/في أمره ويواسيكم (١) بنفسه ولم يبغ منكم على ما جاءكم به أجرا إلا أن تودووه في قرباه، وما فعل ذلك، صلى الله عليه، حتى أنزل الله قرآنا (٢) فقال ﵎ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى (الشورى ٤٢/ ٢٣). فلما بلّغ رسالة ربّه، وأنجز الله له ما وعده (٣) من طاعة العباد والتمكّن (٤) في البلاد، دعي، صلّى الله عليه، فأجاب فصار إلى جوار ربّه وكرامته، وقدم على البهجة والسرور، وقد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فوعده الشفاعة عنده (٥) والمقام المحمود لديه، فخلّف بين أظهركم ذرّيته فأخّرتموهم وقدّمتم (٦) غيرهم ووليتم أموركم (٧) سواهم، ثمّ لم يلبث إلا يسيرا حتى جعل (٨) مال ولده حوزا، وظلمت ابنته فدفنت ليلا، وقتل فيكم وصيّه وأخوه وابن عمّه وزوج ابنته (٩)، ثم خذل وجرح وسمّ سبطه الأكبر أبو محمد، ثمّ قتل سبطه الأصغر أبو
_________________
(١) ص والحدائق (مصورة): يوسيكم.
(٢) م ص: عليه قرآنا؛ الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٩؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٩٣: فيه قرآنا.
(٣) الحدائق وأخبار أئمة الزيدية: وأنجز ما وعده.
(٤) م ص: والتمكين.
(٥) «عنده»، ليست في ر.
(٦) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٩: وقدمتم عليهم.
(٧) ر: أمركم.
(٨) الحدائق (مصورة): جعلتم.
(٩) م ص: وابن عمه وأبو بنيه.
[ ٢٢٣ ]
عبد الله مع ثمانية عشر رجلا (١) من أهل بيته الأدنين في مقام واحد، ثمّ على اثر ذلك نبش وصلب وأحرق بالنّار ولده (٢) وولد ولد، ثمّ هم بعد ذلك يقتلون ويطردون ويشرّدون في البلاد إلى هذه الغاية. قتل كبارهم، وأوتم أولادهم (٣)، /وأرملت نساؤهم؛ سبحان الله ما لقي عدو من عدوّه ما لقي أهل بيت نبيّكم (٤) منكم من القتل والحرق والصّلب، وليس فيكم من يغضب لهم إلا هزوا بالقول، وإنّ غضبتم لهم (٥)، زعمتم، وقمتم معهم كي تنصروهم لم يلبثوا إلا يسيرا حتى تخذلوهم وتتفرّقوا (٦) عنهم، فلو كان محمد صلى الله عليه من السّودان، البعيدة أنسابهم المنقطعة أسبابهم، إلاّ أنّه قد جاوركم (٧) لوجب له عليكم (٨) حفظه في ذرّيته، فكيف وأنتم شجرة هو أصلها، وأغصان/هو فرعها، تفخرون على العجم وتصولون على سائر الأمم؛ وقد عاقدتموه وعاهدتموه أن تمنعوه ممّا تمنعون منه أنفسكم وذراريكم، فسوءة لكم ثمّ سوءة، بأيّ وجه تلقونه غدا، وبأيّ عذر تعتذرون إليه؟ أبقلّة، فما أنتم بقليل، أفتجحدون
_________________
(١) «رجلا»، ليست في ر.
(٢) ليست في م ص.
(٣) في ر: وانتم صغارهم، ثم ضرب على صغارهم «وكتب أولادهم»؛ وفي الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٩؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٩٤: صغارهم.
(٤) م ص: بيت محمد.
(٥) «لهم»، ليست في الحدائق وأخبار أئمة الزيدية.
(٦) الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٩: تفرقوا، أخبار أئمة الزيدية ١٩٤: تتفرقون.
(٧) م ص: قد جاوركم بمثل ما جاوركم به.
(٨) م والحدائق وأخبار أئمة الزيدية: لوجب عليكم.
[ ٢٢٤ ]
فذلك يوم لا ينفع (١) جحد، ذلك (٢) يوم تبلى فيه السّرائر (٣)، أم تقولون (٤) قتلناهم فمصدّقون (٥)، فيأخذكم الجليل أخذ عزيز مقتدر؛ لقد هدمتم ما شيّد الله من بنيانكم (٦)، وأطفأتم ما أنار من ذكركم، فلو فعلت السّماء ما فعلتم لتطأطأت إذلالا، والجبال (٧) لصارت دكا (٨)، أو الأرض لمارت مورا (٩)، إنّي عجب (١٠)، من أنّ أحدكم يقتل نفسه في معصية الله ولا ينهزم، يقول بزعمه: لا تتحدث (١١) نساء العرب بأني فررت، وقد تحدّثت نساء العرب بأنكم خفرتم أمانتكم ونقضتم عهودكم ونكصتم على أعقابكم وفررتم بأجمعكم عن أهل بيت نبيّكم، فلا أنتم تنصرونهم للديانة/وما افترض الله عليكم، ولا من طريق العصبيّة والحميّة، ولا لقرب جوارهم وتلاصق دارهم منكم، ولا أنتم تعتزلونهم فلا (١٢) تنصرونهم ولا تنصرون عليهم عدوّهم، بل صيّرتموهم لحمة لسيوفكم،
_________________
(١) أخبار إئمة الزيدية ١٩٤: لا ينفع فيه.
(٢) ص: ذاك.
(٣) انظر سورة الطارق ٨٦/ ٩.
(٤) م ص: وتقولون.
(٥) م ص: فتصدقون.
(٦) م ص: بنائكم.
(٧) م وأخبار أئمة الزيدية ١٩٤: أو الجبال.
(٨) انظر سورة الأعراف ٧/ ١٤٣؛ والحاقّة ٦٩/ ١٤.
(٩) انظر سورة الملك ٦٧/ ١٦.
(١٠) م ص: أي عجب أعجب؛ أخبار أئمة الزيدية ١٩٥: أني لأعجب من أحدكم.
(١١) كذا في ص؛ وفي الحدائق (مصورة) ١/ ١٨٩؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٩٥: لا تتحدثن.
(١٢) الحدائق (مصورة) ١/ ١٩٠: ولا. .
[ ٢٢٥ ]
/ونهزة لتشفي غيظكم من قتلهم واستئصالهم، وطلبتهم (١) في مظانّهم ودارهم وفي غير دارهم، فصرنا طريدة لكم من دار إلى دار، ومن جبل إلى جبل، ومن شاهق إلى شاهق، ثمّ لم يقنعكم ذلك حتى أخرجتمونا من دار الإسلام إلى دار الشّرك، ثمّ لم ترضوا بذلك من حالنا حتّى تداعيتم علينا معشر العرب خاصة من دون العجم من جميع (٢) الأمصار والمدائن والبلدان، فخرجتم إلى دار الشّرك طلبا لدمائنا دون دماء أهل الشّرك، تلذّذا منكم بقتلنا، وتقرّبا إلى ربّكم باجتياحنا، زعمتم، لئلا (٣) يبقى بين أظهركم من ذرّية نبيّكم عين تطرف ولا نفس تعرف، ثمّ لم يقم بذلك منكم إلاّ أعلامكم ووجوهكم وعلماؤكم وفقهاؤكم؛ والله المستعان.
قال [١] حريث، وأراه ذكره عن أبيه (٤):
فلمّا سمعنا كلامه وخطبته بكينا حتى كادت أنفسنا أن تخرج، قال: فقمنا وتشاورنا فقلنا ويلكم (٥) هل بقي لكم حجة أو علّة؟ لو قتلتم عن آخركم وسبيت ذراريكم واصطفيت أموالكم كان خيرا لكم من أن تشهدوا على ابن نبيّكم بالعبوديّة وتنفوه (٦) عن نسبه. قال فعزمنا على أن لا نشهد؛ قال:
_________________
(١) م ص: وطلبتموهم؛ الحدائق وأخبار أئمة الزيدية: وطلبهم.
(٢) م ص: من دون جميع العجم من أهل.
(٣) ر: لان لا.
(٤) م ص: قال حريث قال أبي.
(٥) «ويلكم»، من ص وحدها.
(٦) م ص: تنفونه.
(٧) وردت هذه الفقرة في الحدائق (مصورة) ١/ ١٩٠؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٩٦ منقولة بتصرف دون ذكر سند أو مصدر.
[ ٢٢٦ ]
فصاح بنا أبو البختري وسليمان: ما تنتظرون؟ خدعكم فانخدعتم وملتم معه على أمير المؤمنين/والله لئن امتنعتم من الشهادة عليه لتقتلنّ عن آخركم ولتسبينّ ذراريكم ولتؤخذنّ أموالكم. قال: فتقدّمنا فشهدنا عليه بأجمعنا أنّه عبد لهارون ليس ابن بنت النبيّ، صلى الله عليه وآله.
وسمعت السّميدع بن عبد الرحمن المرادي (١) يقول عن أبيه عن جدّه قال: نظر إليّ يحيى بن عبد الله فقال ممّن الرّجل؟ قلت من مراد، قال: مالنا ولمراد؟
قال: فبان لجستان حاله (٢) وأنّهم مكرهون، ولكنّه مال إلى الدراهم؛ وطمع يحيى أن يختلفوا فاجتمعوا وأقدموا، فلما شهدوا قال يحيى: ما لكم فرّق الله بين كلمتكم وخالف بين أهوائكم ولا بارك لكم في أنفسكم وأولادكم، أما والله لولا خوف الله ومراقبته لقلت ما لا تنكرون، ولكن أمسك مخافة/أن تقتلوا وأن أشرك في دمائكم. ولكن لئن أكون مظلوما أحبّ إليّ من أن أكون ظالما، ثم قال: وقد علمت أنّكم مكرهون وأنّكم ضعفتم عن الصّبر على القتل، فوسّع الله عليكم، وسلّمنا وإيّاكم من هذا الجبّار العاتي.
قالوا: كان عامّة من حضر وشهد (٣) عليه قد بايعه وكان سببه إلى جستان وكان يقتل بالظنّة والنّميمة (٤)، فلو ذكر يحيى من هذا شيئا لقتلوا عن آخرهم، وهذا مشهور عنهم.
_________________
(١) «المرادي»، ليست في ر.
(٢) م ص: حولتهم.
(٣) م ص: وشهدوا.
(٤) م ص: والتهمة.
[ ٢٢٧ ]
وكان ﵀/عظيم الحلم، طويل السكوت، شديد الاجتهاد. قال: (١) فلما شهدنا (٢) قال جستان (٣): بقي لك (٤) علّة تعتلّ بها بعد شهادة هؤلاء؟ قال يحيى: قد بان لك بكاؤهم (٥) وترددهم أنهم مكرهون، فإذا أبيت إلاّ غدرا فانظرني (٦) آخذ لي ولأصحابي الأمان على نسخة أنشئها (٧) أنا وأوجهها (٨) إلى هارون، حتى يكتب إقراره ذلك بخطه ويجمع الفقهاء (٩) والمعدلين وبني هاشم فيشهدون عليه بذلك.