بسم الله الرحمن الرحيم [الحمد لله ربّ العالمين] (١) وصلّى الله على محمد خاتم (٢) النبيّين، وآله الطيّبين (٣) الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا.
قال أبو عبد الله أحمد بن سهل الرّازي:
وبعد، فإنّي إنّما (٤) ابتدأت بذكر الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه، المقتول بفخّ لأنّ أوّل حركة يحيى بن عبد الله وطلب القوم له إنّما كان بسبب خروجه مع الحسين بن علي، صلوات الله عليه، فاحتجت إلى أن أذكر طرفا (٥) من خبر الحسين والسبب الذي هاج ذلك ليتّصل آخر خبر الحسين بن علي بأوّل خبر يحيى بن عبد الله، صلوات الله عليه، فيأتي بذلك ما أردت سرده مستقصى (٦) إن شاء الله تعالى.
قال أبو عبد الله: حدثنا حسن بن عبد الواحد الكوفي، قال: حدثنا
_________________
(١) ليست في ص.
(٢) ر: محمد وآله خاتم.
(٣) ص: الطاهرين.
(٤) «إنما»، ليست في ر.
(٥) ر: إلى ذكر طرفا.
(٦) ر: مستقصا؛ م ص: فنأتي من ذلك بما أردنا شرحه مستقصى.
[ ١٣١ ]
محمد بن علي بن إبراهيم، قال: حدثني بكر بن صالح الرازي، قال:
حدثني عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد (١) بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (٢) قال: حدثنا عبد الله بن الفضل مولى عبد الله بن جعفر قال:
كان [١] بدوّ (٣) خروج الحسين بن علي هو (٤) أنّ الهادي موسى بن المهدي بن المنصور ولّى إسحاق بن عيسى (٥) بن علي بن عبد لله بن عباس [٢] المدينة، فكتب إسحاق إلى العمريّ المعروف بحبّتي (٦) ماء، واسمه عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب (٢)، يأمره أن يصلّي بالنّاس وأن يضبط العمل إلى قدومه/.
قال: فوقع بين الحسن بن محمد بن (٧) عبد الله بن الحسن بن الحسن وبين رجل من آل عمر كلام، فوكزه (٨) الحسن وكزة فأصابته شجيجة، فاستعدا العمريّ على الحسن، فطلب الحسن بن محمد فلم يوجد وقته ذلك،
_________________
(١) ص: إبراهيم بن عبد الله بن محمد. . .
(٢) ص: جعفر بن علي بن أبي طالب.
(٣) في هامش ص الأيمن: «بدء خروج الفخي علي بن الحسين (كذا) وأمره».
(٤) «هو»، ليست في م ص؛ وهي مرفوعة فوق السطر في ر.
(٥) م: موسى.
(٦) في الأصول جميعها: بحبتين؛ وسيرد شرح اللقب فيما يلي.
(٧) «بن»، ليست في ص.
(٨) في القرآن فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ (القصص ٢٨/ ١٥).
(٩) قارن بتاريخ الطبري ٨/ ١٩٢ - ١٩٤ (-٣/ ٥٥٢ - ٥٥٥)؛ ومقاتل الطالبيين ٤٤٣ - ٤٤٧ (ط ٢.٣٧٢ - ٣٧٥). والحدائق الوردية ١/ ١٧٧ - ١٧٩.
(١٠) انظر ترجمته في آخر الكتاب في معجم الأعلام المذكورين في المتن.
[ ١٣٢ ]
فوجّه العمريّ إلى الحسين بن علي فجيء به متعتعا (١) قد عنف به ولبّب (٢) حتى أدخل على العمري، فقال له: ايتني بالحسن بن محمد وإلاّ والله ملئت ظهرك وبطنك (٣) ضربا، فقال (٤) الحسين: إن الحسن بسويقة وأنا مقيم بالمدينة، ولست أقدر عليه لأنه رجل حرّ لا يمكنني اقتضاؤه (٥) وما أنا له بكفيل [١]. فقال له: ما يصنع بهذا الكلام، والله لتأتينّي به وإلاّ ملأت (٦) ظهرك وبطنك ضربا؛ قال: إنّ بيني وبينه ستة وثلاثين ميلا، فأمهلني إذا وافتح لي حتى أخرج إليه وأجيئك (٧) به.
قال: فقال (٨) العمري:
يا هؤلاء اشهدوا أنّ امرأته طالق، وكلّ مملوك له حرّ إن لم يأته (٩) به غدا [قبل الزوال] (١٠)، إن (١١) لم يضرب
_________________
(١) غير منقوطة في ر؛ وتعتعه إذ عتله وأقلقه وتلّه؛ وقد تقرأ متعنّقا، والتعنيق أن يأخذ بعنقه ويعصر؛ وقد تقرأ متعنّفا، أي أخذ بشدة ومن غير قصد في الطلب.
(٢) لبّبت فلانا إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره ثم جررته.
(٣) ص: بطنك وظهرك.
(٤) م ص: فقال له.
(٥) ر ص: اقتصائه؛ م: اقتضابه.
(٦) م: او لأملان.
(٧) ر:؟؟؟.
(٨) ص: قال.
(٩) م ص: يأت.
(١٠) (-١٠) ليست في ر.
(١١) ص: وان.
(١٢) في مقاتل الطالبيين ٤٤٣ (ط ٢.٣٧٢) أن العمريّ: «حمل على الطالبيين وأساء إليهم وأفرط في التحامل عليهم وطالبهم بالعرض كل يوم. . . وأخذ كل واحد منهم بكفالة قرينه ونسيبه»؛ وقارن بكتاب المصابيح (ص ٢٨٥ و٢٨٦ فيما يلي)؛ والحدائق الوردية (مصورة دمشق) ١/ ١٧٧؛ (خ) ١/ ٩٨ ب؛ والطبري ٨/ ١٩٣ (-٣/ ٥٥٢).
[ ١٣٣ ]
الحسين بن علي ألف سوط عاش منها أو مات، وإن لم يركب إلى سويقة فيخرّبها ويأتي بنسائهم حسّرا حتى يولجهنّ الحبس، وليعودنّ عليه (١) إنّ لم يجده، واستحلف (٢) العمريّ الحسين بن علي بحقّ القبر ومن فيه ليأتينّه به إلى المدينة إلى دار/مروان، فإن (٣) لم يجده في الدار أشهد على موافاته به (٤) شهودا [١].
قال: فانصرف الحسين بن علي فركب حتى أتى سويقة، فبعث إلى الحسن بن محمد فجاءه (٥) واجتمع إليه، آل عبد الله بن الحسن:
يحيى (٦) وإدريس وسليمان ومن حضر منهم، فقال الحسين للحسن: قد بلغك يا ابن عمّ ما كان بيني وبين هذا الفاسق، قال: فامض، جعلت فداك، لما أحببت؛ إن أحببت جئت معك حتى أضع يدي في يده الساعة. فقال له الحسين: ما كان الله ليطّلع على أن يكون محمد صلى الله عليه، حجيجي (٧) في دمك [٢]. ولكنّي أقيك بنفسي ثم نشاور القوم.
_________________
(١) م ص: وليعودن اليه.
(٢) م ص: فاستحلف.
(٣) ر: وان.
(٤) ليست في ص.
(٥) ر: فجاءه ومن حضر معهم، ثم ضرب عليها.
(٦) م ص: يحيى بن عبد الله بن الحسن.
(٧) م ص: حجيجي غدا.
(٨) في الطبري ٨/ ١٩٣ (-٣/ ٥٥٣)؛ ومقاتل الطالبيين ٤٤٥ (ط ٢.٣٧٤)؛ والحدائق الوردية (مصورة دمشق) ١/ ١٧٧؛ (خ) ١/ ٩٨ ب نقلا عن المقاتل: أن يحيى بن عبد الله هو الذي أعطى عهدا وحلف أن يأتيه بالحسن بن محمد أو لا يجده فيضرب عليه بابه حتى يعلم أنه قد جاءه. . .
(٩) في مقاتل الطالبيين ٤٤٦ (ط ٢.٣٧٥)، وعنه الحدائق الوردية (مصوّرة دمشق) -وينسب قتله في مقاتل الطالبيين ٤٤٨ (ط ٢.٣٧٦ - ٣٧٧) وعنه الحدائق الوردية (مصورة دمشق) ١/ ١٧٨ - ١٧٩؛ (خ) ١/ ٩٩ ب ليحيى بن عبد الله وحده؛ وانظر كتاب المصابيح (ص ٢٨٩ فيما يلي).
[ ١٣٤ ]
وبعث إلى موسى بن جعفر بن محمد فحضر وإلى (١) عبد الله بن الحسن الأفطس، فاجتمع رأيهم جميعا على أن لا يعطوا بأيديهم وأن يبلوا عذرا في جهادهم. إلاّ/أنّ موسى بن جعفر قال: أنا ثقيل الظّهر فلو (٢) خرجت (٣) معكم لم يتركوا من ولداني أحدا إلاّ قتلوه، فاجعلوني في حلّ من تخلّفي عنكم. فعرفوا عذره، فجعله الحسين (٤) في حلّ فودّعهم وقال لهم: يا بني عمّي أجهدوا أنفسكم في قتالهم وأنا شريككم في دمائهم فإنّ القوم فسّاق يسرّون كفرا ويظهرون إيمانا [١].
قال، فقال الحسين بن علي ليحيى:
هلمّ نبايعك، قال (٥) له يحيى: أنت أحقّ بالبيعة منّي لأنّك الممتحن به دوني، وأنا لك عون حتى يقضي الله من أمورنا (٦) ما هو قاض.
_________________
(١) م: فحضروا إلى.
(٢) م ص: ولو.
(٣) م: أخرجت.
(٤) ص: الحسين بن علي.
(٥) م ص: فقال.
(٦) م: أمرنا.
(٧) قارن بمقاتل الطالبيين ٤٤٧،٤٥٣،٤٥٤ (ط ٢.٣٧٦،٣٨٠،٣٨١)؛ وانظر رواية الشيعة الإثني عشرية فيما يخص موقف الإمام موسى الكاظم من خروج الحسين الفخي في الكافي ١/ ٣٦٦ (كتاب الحجة رقم ١٨)؛ وعنه بحار الأنوار ٤٨/ ١٦٠ - ١٦١؛ وفي كتاب المصابيح أن يحيى ركب إلى موسى بن جعفر وأخبره (انظر ص ٢٨٦ - ٢٨٧ من هذا الكتاب).
[ ١٣٥ ]
فبايعه (١) يحيى وإدريس وسليمان بنو عبد الله بن الحسن [بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعلي بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن] (٢)، وعبد لله بن الحسن بن (٣) علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الأفطس، وكان أسد بني هاشم وأشجع أهل زمانه؛ وبعثوا إلى فتيانهم فأتوهم فبايعه جميعهم، منهم: إبراهيم (٤) بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، والحسين/بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (٥)، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن الحنفيّة [١]، والحسن وطاهر ابنا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (٦)، وحمزة بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي (٧) بن أبي طالب؛ فاجتمع من أنفسهم خمسة عشر رجلا، ومن مواليهم خمسة وعشرون
_________________
(١) في هامش ص الأيمن: «من بايعه من أهله ﵈».
(٢) سقطت من م.
(٣) ليست في ر؛ قارن عنه مقاتل الطالبيين ٤٠٩ - ٤١١ (ط ٢.٣٩٢ - ٣٩٥)؛ وورد الاسم في الحدائق الوردية (مصورة دمشق) ١/ ١٦٤؛ وجمهرة ابن حزم ٥٣: «عبد الله بن الحسين»؛ وفي نسب قريش للمصعب ٧٢ «الحسن».
(٤) كتب فوق الاسم في ص «طباطبا».
(٥) م ص: بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
(٦) زاد في م ص: «وطاهر بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن»؛ ولم يذكر أبو الفرج طاهر بن محمد وطاهر بن إبراهيم فيمن خرج في فخ.
(٧) «بن علي»، ليست في ر؛ ولا يعرف لعبد الله الأشتر ولد بهذا الاسم.
(٨) الحسن بن محمد بن الحنفية لم يعقب؛ انظر تراجم الأعلام المذكورين في النص في آخر الكتاب.
[ ١٣٦ ]
رجلا فصاروا أحد وأربعين رجلا (١). ثم جاءهم بعد من أفناء (٢) النّاس من له بصيرة ومائرة (٣) نحو من خمسين رجلا فصاروا تسعين رجلا (٤)، فلم تمنعهم قلّتهم من النهوض بما (٥) وجب لله، ﷿، عليهم من الوفاء بالبيعة، والمدافعة عن الذي وجبت المدافعة عنه. فانطلقوا (٦) بعدما أذّن المؤذّن بالصبح (٧) حتى دخلوا المسجد ثم نادى (٨) «أحد أحد» [١] وذلك (٩) كان شعارهم. ومضى الحسين بن علي بمن معه/حتى جاوز (١٠) دار
_________________
(١) في هامش ر الأيمن بين السطر ٥ والسطر ١٠ كتب الناسخ: «ينبغي أن تكون الخمسة في أحد الموضعين ستة ليصح العدد»؛ وفي مقاتل الطالبيين ٤٤٦ (ط ٢. ٣٧٥) وعنه الحدائق الوردية (مصورة دمشق) ١/ ١٧٨؛ (خ) ١/ ٩٩ أ: «فاجتمعوا ستة وعشرين رجلا من ولد علي وعشرة من الحاج ونفر من الموالي».
(٢) من م ص.
(٣) م: مأثرة؛ والمائرة: النشاط.
(٤) «رجلا»، ليست في ر.
(٥) م ص: لما.
(٦) في هامش ص: «دخولهم المسجد وشعارهم».
(٧) م ص: الصبح.
(٨) م ص: ونادوا.
(٩) م ص: وذاك.
(١٠) م ص: جاوزوا.
(١١) كانت شعار محمد النفس الزكية عند خروجه وكذلك شعار أخيه إبراهيم، انظر مقاتل الطالبيين ٢٧٦،٢٨٤،٣٤٩،٤٦٦ (ط ٢.٢٤٣،٢٥٠،٣٠٠،٣٧٥)؛ والطبري ٧/ ٥٨٨ (-٣/ ٢٣٧)؛ والحدائق الوردية (مصورة دمشق) ١/ ١٧٤،١٧٨.
[ ١٣٧ ]
الإمارة وأصلتوا سيوفهم، وصعد/عبد الله بن الأفطس إلى المنارة التي عند رأس النبي، صلّى الله عليه، عند موضع الجنائز وقال للمؤذن: أذّن وقل في أذانك «حيّ على خير العمل» فتمنّع؛ فلما رأى السيف مصلتا أذّن برعب، وسمعها العمريّ فاقتحم دار عمر بن الخطاب ثم خرج في زقاق عاصم حتى نفذ منها (١) هاربا ولم يطلب [١]. وصلّى الحسين بالنّاس الصبح [٢] وبعث إلى أهل العدالة من أهل المدنية وفتح دار مروان، وهي دار الإمارة، ودعا الحسن بن محمد فأدخله الدار ثم قال للشّهود: هذا الحسن بن محمد قد وافيت به الدار قبل الزّوال فاشهدوا، وخرج من
_________________
(١) م ص: منه؛ والزقاق يذكر ويؤنّث.
(٢) قارن بمقاتل الطالبيين ٤٤٦ (ط ٢.٣٧٥) وعنه الحدائق الوردية (المصورة) ١/ ١٧٨، (خ) ١/ ٩٩ أ. وفي الطبري ٨/ ١٩٣ (-٣/ ٥٥٣ - ٥٥٤): «وجاء يحيى بن عبد الله حتى ضرب باب دار مروان على العمري فلم يجده فيها فجاء إلى منزله في دار عبد الله بن عمر فلم يجده أيضا فيها وتوارى منهم، فجاؤوا حتى اقتحموا المسجد حين أذّنوا بالصبح فجلس الحسين على المنبر. . .»؛ وكذلك ورد في الإفادة للناطق بالحق (برلين (Glaser ٧٣ ق ٢١ ب-٢٢ أ، (برلين ١٣٠٠) ق ٢٤ أ: أن يحيى بن عبد الله هو الذي صاح بالمؤذّن وقال أذّن بحيّا على خير العمل فلما لاح للمؤذن السيف أذّن به، ثم نزل، ﵇، وصلّى بالناس صلاة الصبح وكان العمري حضر المسجد فلما أحس بالأمر دهش [ليست في مخطوط [Glaser ٧٣ ولم يدر بأي شيء يتكلم فصاح أغلقوا البغلة، وهو يريد الباب واطعموني حبّتي ماء [في مخطوط برلين ١٣٠٠ حبتي، وجاء في الهامش: أظنه حبتي ماء] فولده يعرفون بالمدينة ببني حبتي ماء واقتحم إلى دار عمر بن الخطاب وخرج في الزقاق المعروف بزقاق عاصم. . .».
(٣) في الإفادة (برلين (Glaser ق ٢٢ أ، (برلين ١٣٠٠) ٢٤ أ: «وصعد الحسين، ﵇، المنبر، وخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: أنا ابن رسول الله على منبر رسول الله وفي حرم رسول الله أدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وإلى أن استنقذكم مما يعملون». وقارن بمقاتل الطالبيين ٤٤٨ (ط ٢.٣٧٦) وعنه الحدائق الوردية (المصورة) ١/ ١٧٨؛ وانظر غاية الاختصار ٥٣.
[ ١٣٨ ]
يمينه التي استحلفه بها العمريّ أن يوافيه به؛ قال، وقال للشّهود: دلّوني على العمريّ حتى أسلّمه إليه، لأنّه استحلفه على ذلك، وبعث الحسين إلى أصحاب العمريّ: من أراد (١) أنّ يدخل في هذه البيعة ويبايعنا (٢) على عدوّ الله وعدوّنا فعل. وبعث إلى من كان في المدينة (٣) من آل أبي طالب فامتنع عليه الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
حدّثنا (٤) عيسى بن مهران
قال، حدّثنا محمد بن مروان، قال حدثنا أرطاة بن حبيب قال: كانت بيعة الحسين بن علي الفخّي ﵀:
«أبايعكم على كتاب الله وسنّة نبيّه، والعدل في الرعية والقسم بالسّوية، نحلّ ما أحل القرآن والسّنة العادلة، ونحرّم ما حرّم القرآن والسنّة العادلة. على ذلك (٥) دعوانا بجهدنا وطاقتنا، وتتسلحوا/معنا وتجاهدوا عدوّنا (٦) فإن وفينا لكم وفيتم لنا، وإن خالفنا فلا طاعة لنا عليكم.
وعليكم عهد الله أن تجاهدونا فيمن جاهدنا إن نحن خالفنا [١]. ثم قال:
_________________
(١) م ص: أحبّ.
(٢) م ص: ويعيننا.
(٣) م ص: إلى من بالمدينة.
(٤) في هامش ص الأيسر: «صفة بيعته ﵇».
(٥) م ص: ونكون على ذلك.
(٦) ص: بجهدنا وطاقتنا وتجاهدوا عدونا وتفلحوا معنا.
(٧) في مقاتل الطالبيين ٤٤٩ - ٤٥٠ (ط ٢: ٣٧٧ - ٣٧٨) بسند الحسن بن محمد عن محمد بن مروان عن أرطاة قال: لما كانت بيعة الحسين بن علي صاحب فخ قال: «أبايعكم على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى أن يطاع الله ولا يعصى، وأدعوكم إلى الرضا من آل محمد وعلى أن نعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيّه، ﷺ، والعدل في الرعيّة، والقسم بالسويّة وعلى أن تقيموا معنا وتجاهدوا عدوّنا، فإن نحن-
[ ١٣٩ ]
اللهم إشهد به (١). قال: ولحق العمريّ بخالد البربريّ، /وكان عاملا على الصوافي وكان فارسا، أحد رجال السلطان، فأقبل خالد مع العمريّ في ستمائة فارس وألف راجل [١] حتى اقتحم المسجد يقدم أصحابه، قد اعتمّ بعمامة (٢) حمراء على بيضته، واقتحمت خيله المسجد فانحاز أصحاب الحسين جميعا ناحية (٣) إلا ولد أبيه، ودخل إدريس بن عبد الله وموليان له ودرباس الخزاعي ورجلان من جهينة من ناحية المصلّى ينادون «أحد أحد» (٤) والحسين على المنبر لم يزل، فضرب (٥) إدريس صاحب الصوافي وعرقب فرسه وخرّ (٦) صريعا وضربه يحيى وسليمان فاشتركوا في قتله [٢]، ومالوا على أصحابه فأخرجوهم من
_________________
(١) «به»، من ر وحدها.
(٢) م ص: بعصابة.
(٣) «ناحية»، ليست في ص.
(٤) م ص: أخذا أخذا؛ وفي الهامش الأيمن «كذا ضبطه في الأم أخذا أخذا بالخاء والذال المعجمتين، والمعروف في شعار النبي ﵌ أحدا أحدا بالمهملتين».
(٥) ص: وضرب.
(٦) م ص: فخرّ.
(٧) في الطبري ٨/ ١٩٤ (-٣/ ٥٥٤): «مائتين من الجند»؛ وذكر الذهبي في تاريخ الإسلام (الطبقة ١٧،١٦١ - ١٧٠ هـ)،٣٥ وهو ينقل عن الطبري بتصرّف، أنه أقبل معه مائتا فارس.
(٨) قارن بالطبري ٨/ ١٩٤ (-٣/ ٥٥٤) ولم يرد أن سليمان اشترك معهم في قتله، -
[ ١٤٠ ]
المسجد وقتلوا منهم جماعة ولم يتّبعوا أحدا أدبر. وفي ذلك اليوم يقول العمري: «أطعموني حبّتي ماء» (١)، فسمّي حبّتي ماء فلا يعرف إلاّ به [١].
فأقام العمري مع ذلك الجمع ومن (٢) انضمّ إليهم (٣) ثلاثة أيام يحاربون/الحسين [بن عليّ ومن معه] (٤)، ومع العمريّ الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن وجماعة ممن تثاقل عن الحسين. وقتل (٥) من أصحاب العمريّ جماعة ومن أصحاب الحسين نفر (٦)، وعلت للحسين (٧) على المدينة، وأخذ بيت المال فوجد فيه (٨) ثلاثة ألف (٩) الف، فقسمها على الفقراء والمساكين؛ كما أخبرني أبو زيد عمر بن شبّة عن المدائني.
_________________
(١) م ص: حبتين.
(٢) ر: وما.
(٣) م: إليه؛ زاد في ص فوق السطر «ومن ضم اليهم نحو».
(٤) ليست في م.
(٥) ر: فقتل.
(٦) م ص: نفير.
(٧) م ص: وغلب الحسين.
(٨) م: وأخذ المال فوجد ثلاثة.
(٩) م ص: آلاف.
(١٠) يروى عن خالد القسري أنّه لما أخبر بخروج المغيرة بن سعيد، وكان على المنبر قال: «أطعموني ماء»؛ الطبري ٧/ ١٢٩ (-٢/ ١٦٢١).
[ ١٤١ ]
وقد بلغني أن الهادي ارتجع بهذا المال [على أهل المدينة] (١) وفاء (٢) ذلك لما تقرر عنده (٣) أن الحسين لم يستأثر من المال بشيء، حتى امتدح (٤) بعض شعراء المدينة العمريّ واستعفاه أن يلزمه وعشيرته من غرامة المال شيئا فأعفاه من ذلك بشعر قد ذكر لي.
قال أبو عبد الله:
وبايع/الحسين نحو (٥) من ثلاثين ألف رجل من أهل البصائر والنيّات (٦) [والمشهورين بجميل الديانات وغيرهم] (٧)، وواعدهم عرفات، وجعل الأمارة بينهم وبينه صاحب الجمل الأحمر [١] وكاتب أهل الأمصار فلم يتثاقل عنه ذو نهضة، إلاّ أنّ ميعاد جميعهم مكّة، فتوجّه (٨) الحسين بمن معه من أهل بيته وأصحابه عند وقت الحج إلى مكة (٩)، واستخلف على المدينة درباس (١٠) الخزاعي.
_________________
(١) ليست في ص.
(٢) م ص: وأرى، ر: واء.
(٣) ر: وتقرر له.
(٤) م ص: نعم حتى امتدح.
(٥) ص: نحوا.
(٦) ص: الثبات.
(٧) ليست في ر.
(٨) م ص: وتوجه.
(٩) في الهامش الأيمن والأيسر من ص: «توجّهه ﵇ إلى مكة ومن خرج معه».
(١٠) في مقاتل الطالبيين ٤٤٩ (ط ٢.٣٧٧): «دينار»؛ وفي الإفادة (برلين؛ (Glaser ٦٣ ق ٢٢ أ: «رياشا».
(١١) قارن بتاريخ اليعقوبي ٢/ ٤٨٨.
[ ١٤٢ ]
كما أخبرني، قال:
وكان/الحسين في أربعمائة رجل [١] ليس معهم (١) إلاّ فرس يحيى بن عبد الله بن الحسن (٢). ووجّه (٣) الهادي (٤) بجيوشه تترى جيشا في إثر جيش، قال: ووجّه (٥) محمدا وجعفرا ابني سليمان في جند البصرة، والخولي والعبّاس بن محمد وموسى بن عيسى في جيش كثيف [٢]، وأتبعهم بعبيد (٦) بن يقطين في أصحابه وأمدّهم بجيش آخر مع
_________________
(١) م: معهم فرس.
(٢) في ر: الحسين بن محمد بن عبد الله؛ وفي مقاتل الطالبيين ٤٥٠ (ط ٢.٣٧٨) أن الحسين كان يركب على حمار ادريس بن عبد الله.
(٣) م ص: فوجه إليه.
(٤) في الهامش الأيمن والأيسر من ص: «توجيه موسى الهادي جيوشه».
(٥) م ص: فوجه.
(٦) ر: سعيد.
(٧) في مقاتل الطالبيين ٤٤٩ (ط ٢.٣٧٧) أنه خرج معه زهاء ثلاثمائة؛ وفي الإفادة (برلين (Glaser ٦٣ ق ٢٢ أ، و(برلين ١٣٠٠) ق ٢٤ ب: «وخرج إلى مكة ومعه فيمن بايعه وهم زهاء ثلاثمائة» وفي الحدائق الوردية (مصورة دمشق) ١/ ١٧٩؛ (خ) ١/ ٩٩ ب: وهم زهاء ثلاثمائة.
(٨) في الشافي ١١ - ١٢؛ والمقاتل ٤٥٢ - ٤٥٣: عن أبي العرجاء الجمّال قال: «دعاني موسى بن عيسى وأمرني بإحضار جماله، قال: فجئته بمأة جمل، فتهيّأ للمسير إلى الحسن بن علي، ﵇، صاحب فخ، قال: فلما قربنا منه قال لي: اذهب إلى عسكر الحسين حتى تراه وتخبرني بما ترى، فمضيت ودرت قال: فما رأيت إلا مصليّا ومبتهلا أو ناظرا في مصحف أو معدّ السلاح، فأخبرته بما رأيت فضرب يده على يده فقال: وهم والله أكرم خلق الله على الله وأحقّ بما في الدّنيا ولكن الملك عقيم، ولو أن صاحب القبر-يعني رسول الله صلى الله عليه وآله-نازعنا الملك لضربنا خيشومته بالسيف. فسار وحارب حتى قتل الحسين وأهل بيته سلام الله عليهم وأصحابه ﵃».
[ ١٤٣ ]
حسن الحاجب، [وأردفهم بمبارك التركي إلاّ أن مباركا تثاقل عن إدراكهم شيئا] (١)، وكان مبارك التركيّ قريبا من المدينة في جيش كثيف، فأقبل، ولقي الحسين يوم الثالث من خروجه، فدخل المدينة وخرج إليه أهل المدينة فكلّموه في أن يقاتل، فقاتل يوما إلى الزوال وكانت (٢) حربهم سجالا، ثم انصرف عنه وكلّمه (٣) أهل المدينة فوعدهم ثم مضى (٤) ولم يحارب ولم يحضرهم في حروبهم، فنقم ذلك موسى الهادي [بن محمد المهدي] (٥) على مبارك [١].
فأخبرني أبو زيد قال، حدثني المدائني
قال، حدثني عبد الرحمن ابن يقطين قال: حججت أنا وجماعة إخوتي ذلك العام فحصرنا، وكان عبيد بن يقطين في بقيّة من علّة كان وجدها، فأتاه حجر فأصاب وجهه وأدماه (٦) شيئا، فدعا بقوسه وأوترها (٧) فرمى سليمان بن عبد الله بن الحسن/بن الحسن بن علي فقتله. قال: فلقد رأيت أباه (٨) يقطين بن
_________________
(١) ليست في ر.
(٢) م ص: فكانت.
(٣) م ص: فكلمه.
(٤) م ص، ثم لم ينصر.
(٥) من ر وحدها.
(٦) م ص فأدماه.
(٧) م ص فأوترها.
(٨) ر: أبا.
(٩) قارن عن موقف مبارك التركي، الطبري ٨/ ١٩٥ (-٣/ ٥٥٥ - ٥٥٦) و٨/ ١٩٨ (- ٣/ ٥٦٠)؛ ومقاتل الطالبيين ٤٤٩ (ط ٢.٣٧٧)؛ والمصابيح (انظر ما يلي ص ٢٨٩).
[ ١٤٤ ]
موسى وكان حاضرا مشمّرا وهو يقول: «سيعلم الناس اليوم يقطين طالبي أو عبّاسي»، /فمرّة يقبل إلى عباس بن محمد فيقول (١): «عزما يا ابن ساداتي»، ومرّة ينحرف إلى موسى بن عيسى فيقول: «قدما يا ابن المنعمين عليّ»، ومرّة يقول لعبيد: «ايها فداك أبي وأمي»، حتى انقضت الحرب وحزّ رأس الحسين بن علي، ﵀، فتسلّمه يقطين وبنوه وقدموا به (٢) على موسى بن عيسى (٣)، وعلي بن يقطين وزيره، فقال [لهم موسى] (٤): أسرعتم كأنكم أتيتم برأس طاغوت، أما انّ أقلّ ما أجازيكم به أن (٥) أحرمكم جوائزكم [١]؛ قال عبد الرحمن: فحرمناها.
_________________
(١) ر: ويقول.
(٢) م ص: فقدموا.
(٣) «بن عيسى»، من ر وحدها.
(٤) ليست في ر.
(٥) -م ص: اني.
(٦) في الطبري ٨/ ٢٠٣ (-٣/ ٥٦٧): أن يقطين بن موسى جاء برأس الحسين بن علي فوضع بين يدي الهادي [وليس موسى بن عيسى كما في روايتنا] فقال: «كأنكم والله جئتم برأس طاغوت من الطواغيت، إن أقلّ ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم. قال: فحرمهم ولم يعطهم شيئا». وعنه ابن الأثير في الكامل ٦/ ٩٤؛ والذهبي في تاريخ الإسلام (الطبقة،١٦١ - ١٧٠ هـ)،٣٨ باختلاف يسير؛ وفي مروج الذهب ٤/ ١٨٦: «فسخط الهادي على موسى بن عيسى لقتل الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن وترك المصير به إليه ليحكم فيه بما يرى، وقبض أموال موسى. وأظهر الذين أتوا بالرأس الاستبشار، فبكى الهادي وزجرهم وقال: أتيتموني مستبشرين كأنكم أتيتموني برأس رجل من الترك أو الديلم، إنّه رجل من عترة رسول الله، ﷺ، ألا أن أقل جزائكم عندي ألاّ أثيبكم شيئا». وانظر الفخري ١٩١؛ والروض المعطار ٤٣٧.
[ ١٤٥ ]
قال محمد بن علي بإسناده (١): فلما وافى الحسين بن علي فخّ، وقد كانت عساكرهم لقيته بسرف، فحاجزهم مدافعا إلى قرب مكّة ليصل إليه من أراده من أهل بيعته ومن واعده بها، أحاطت به العساكر.
وقد حدّثني بذلك أبو زيد عن المدائنيّ
عليّ (٢) بن محمد عن (٣) عبد العزيز بن عبد الملك بن عيسى؛ وأخبرنا سليمان بن موسى/عن أبيه عن مشايخ أهل بيته، وبعضهم يزيد على بعض؛ ومحمد بن القاسم بن إبراهيم قد أخبرني ببعضه، فاختصرت من ذلك حسب ما رجوته من القصّة مؤدّيا، قال (٤):
فتوافت العساكر على ما ذكرنا ولحقهم مفضّل الوصيف، وأبو الورد وصاعد في جيش كثيف، وحسن الحاجب، ومناره (٥)، واستخلفوا على مكة (٦) عبيد الله بن قثم في جماعة كثيرة تمنع الحاجّ أن يتوجّه أحد منهم (٧) إلى الحسين أو يكاتبه. وبثّوا في الناس من أنهى (٨) إليهم أخبارهم، وقطعوا (٩) الطريق إلى الحسين وحا/لوا بين كلّ أحد وبين الوصول إليه.
_________________
(١) في هامش ر الأيمن: «موافته (كذا) ﵇ فخ وإحاطة العسكر به ﵇».
(٢) م: إلى علي.
(٣) م ص: بن.
(٤) م ص: قالوا.
(٥) ص: وشاره.
(٦) ر: على الناس على مكة، ثم ضرب على «على الناس».
(٧) ص: منهم أحدا.
(٨) ص: نهى؛ م: ينهي.
(٩) م ص: قطعوا عليهم.
[ ١٤٦ ]
وقال الحسن بن عبد الواحد، قال الجعفري:
صار يحيى بن عبد الله إلى مكة مستترا، فوقف على الصّفا فجعل ينادي: رحم الله من يعرف الجمل الأحمر، قال: فكان يمرّ به من بايعه فيعرفه يحيى فيعرض عنه وقد رآه وسمع صوته.
قال الجعفري:
وحدّثني إدريس ويحيى بذلك فأظنّ، والله أعلم، أنّ القوم لم يكونوا يطمعون (١) في الوصول إلى عسكر الحسين، وما أظنّ ذلك يعذر لهم، والله وليّ العفو عن كلّ (٢) مقصّر.
قال: وكان (٣) المتولّي لتدبير الحرب يقطين بن موسى. فجعل محمدا وجعفرا إبني سليمان، مع من حضر من آل سليمان بن علي، ومفضّل الوصيف وصاعد (٤) في الميمنة؛ وجعل موسى بن عيسى [وحسن الحاجب] (٥) ومنارة في الميسرة؛ ويقطين وأولاده في القلب [١]. وذلك يوم التروية [٢]، والتقوا (٦) واقتتلوا بفخّ يومهم ذلك.
_________________
(١) ر: يطمعوا.
(٢) ر: لكل.
(٣) م ص: قالوا فكان.
(٤) م ص: ومفضلا الوصيف وصاعدا.
(٥) من ص وحدها.
(٦) ص: فالتقوا؛ م: فالتقوا فاقتتلوا.
(٧) في مقاتل الطالبيين ٤٥٠ (ط ٢.٣٧٨): «ولقيته الجيوش بفخ وقادها: العباس بن محمد وموسى بن عيسى وجعفر ومحمد ابنا سليمان ومبارك التركي ومنارة والحسن الحاجب والحسين بن يقطين، فالتقوا يوم التروية وقت صلاة الصبح، فأمر موسى بن عيسى بالتعبئة، فصار محمد بن سليمان في الميمنة وموسى في الميسرة وسليمان بن أبي جعفر والعباس بن محمد في القلب». وقارن بالطبري ٨/ ١٩٦ (-٣/ ٥٥٧) حيث ذكر أن الهادي أمر بتولية محمد بن سليمان على الحرب.
(٨) وهو يوم الثامن من ذي الحجّة، يوم قبل يوم عرفة.
[ ١٤٧ ]
قال الحسن بن عبد الواحد (١) حدّثني أحمد بن كثير قال، حدثني إسحاق بن إبراهيم قال (٢): سمعت الحسين ليلة الجمعة حين لقينا أصحاب يقطين، فابتدأ الحسين في كلامه هذا حين لقيناهم، وهو على حمار إدريس والنّاس منصتون له، فقال: يا أهل القرآن، والله إنّ خصلتين أدناهما الجنّة/لشريفتان، وإن يبقكم (٣) الله ويظفركم ليعملنّ (٤) بكتاب الله وسنّة نبيّه، /ولتشبعنّ الأرملة واليتيم (٥)، وليعزّن من أعزّه الله (٦) وأولياؤه، وليذلّن من أذلّه الحقّ وليحكم (٧) من أعدائه (٨). وإن تكن الخصلة الأخرى، فأنتم تبع لسلفكم الصّالح تقدمون عليهم وأنتم داعون إليهم، رسول الله وحمزة وعليّ وجعفر والحسن والحسين وزيد بن عليّ ويحيى بن زيد وعبد الله بن الحسن ومحمد وإبراهيم إبنا (٩) عبد الله؛ فمن أيّ الخصلتين تجزعون! فو الله إن لو لم (١٠) أجد غيري لحاكمتهم إلى الله حتى ألحق بسلفي [١].
_________________
(١) م: قال بن عبد الواحد.
(٢) في هامش ص الأيسر. «كلام الحسين ﵇ حين لقي القوم».
(٣) م ص: يبقيكم.
(٤) م ص: لنعملن. . . ولنشعبن. . . ولنذلن، إلخ.
(٥) م ص: وليعيشن اليتيم.
(٦) م ص: كتاب الله.
(٧) م ص: والحكم.
(٨) كذا في الأصول جميعها.
(٩) كذا في الأصول، والصواب: إبني.
(١٠) كذا في ص ر «إن لو لم».
(١١) في مقاتل الطالبيين ٤٥٠ (ط ٢.٣٧٨): «قال الحسن بن محمد في حديثه: فحدّثني كثير عن إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت الحسن ليلة الجمعة ونحن ببطن مرّ، ولقينا عبيد بن يقطين، ومفضل الوصيف وهما في سبعين فارسا، والحسين راكب على حمار إدريس بن عبد الله، وهو يقول: يا أهل العراق [كذا، واقرأ: القرآن] إنّ خصلتين-إحداهما الجنة لشريفتان، والله لو لم يكن معي غيري لحاكمتكم إلى الله ﷿ حتى ألحق بسلفي».
[ ١٤٨ ]
وقد حدّثني أيضا أحمد بن حمزة/الرازيّ
قال، حدّثنا أحمد بن رشيد عن سعيد بن خثيم الهلالي قال: (١)
كنت مع الحسين بن علي (٢)، ﵀، فاجتمعنا إليه قبل اللقاء فقام [فينا خطيبا] (٣)، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا إخوتي وإخواني (٤) وشيعة أبي (٥) ومحبّي جدّي رسول الله، صلى الله عليه، قد (٦) تبيّن لكم ظلم هؤلاء القوم وفسقهم وفجورهم وعداوتهم لله ولرسوله، وسيرتهم في أمّة محمد وارتكابهم المحارم وتعطيلهم الحدود، وشربهم الخمور [وارتكابهم الشرور] (٧) وهتكهم السّتور، واستئثارهم بالفيء، وأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف؛ دعاهم الشيطان فأجابوه واستصرخهم فاتّبعوه، يسيرون فيكم بسيرة القياصرة والأكاسرة، / يقتلون خياركم ويستذلّون فقهاءكم (٨)، يقضون بالهوى ويحكمون بالرّشا، ويولّون السّفهاء ويظاهرون أهل الرّيب والرّدى، يقلّدون إمرة (٩) المسلمين
_________________
(١) في هامش ص الأيمن: «خطبته ﵇ قبل اللقاء».
(٢) ص: مع الحسين.
(٣) ليست في ص.
(٤) ص: إخواني وإخوتي؛ م: يا إخوتي ويا إخواني.
(٥) م ص: وشيعة جدي وشيعة أبي.
(٦) م ص: فقد.
(٧) من م ص.
(٨) ر: معراكم.
(٩) ص: يقلدوا؛ م: يقلدون أمر.
[ ١٤٩ ]
اليهود والنّصارى، جبابرة عتاة، يلبسون الحرير، وينكحون الذّكور، فكيف لا يغضب أولو النّهى، أم كيف يسوغ (١) الطعام لأهل البرّ والتّقوى، قد درس الكتاب فأوّل على غير تأويله، وغنّي به على المعازف فحرّف عن تنزيله، فلم يبق من الإسلام إلاّ اسمه، ولا من القرآن إلاّ رسمه، فلو أنّ مؤمنا تقطّعت نفسه قطعا، ما كان ذلك (٢) لله رضا بل كان بذلك جديرا عندي (٣). فروحوا بنا إلى الله، واصطبروا لله، فو الله إنّ الراحة منهم ومن المقام معهم في دارهم لراحة، والجهاد عليكم فريضة فقاتلوهم (٤) فإنّ الله تعالى قد فرض قتالهم (٥)، واصبروا أنفسكم ف إِنَّ اَللهَ يُحِبُّ اَلَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (الصف ٦١/ ٤) وكونوا ممّن أحبّ الله والدار الآخرة، وباين اعداءه وآثر لقاءه، عصمنا الله وإيّاكم.
قال: وحدثني هارون الوشاء
، قال حدثني عبد العزيز بن يحيى الكنانيّ، ويقال إنّه كان من الدّعاة إلى يحيى بن عبد الله، قال:
لمّا صار الحسين إلى فخّ (٦)، خرج يحيى على فرسه يحرّض النّاس؛ قال بعد (٧) حمد الله (٨):
_________________
(١) م: يسيغ؛ ص: يسيغه.
(٢) ص: لله ذلك.
(٣) م ص: عندي جديرا.
(٤) ليست في ر.
(٥) ص: قد فرض عليكم جهادهم.
(٦) م: بفخ.
(٧) م ص: فقال بعدما.
(٨) في هامش ص الأيسر: «كلام يحيى بن عبد الله ﵇ يحرّض الناس».
[ ١٥٠ ]
أبشروا معشر (١) من حضر من المسلمين فإنّكم أنصار/الله وأنصار كتابه وأنصار/رسوله ﷺ وأعوان الحقّ، وخيار أهل الأرض، وعلى ملّة الإسلام ومنهاجه الذي اختاره (٢) لأنبيائه المرسلين وأوليائه الصّابرين؛ أو ما سمعتم الله يقول إِنَّ اَللهَ اِشْتَرى مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ [بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي اَلتَّوْراةِ وَاَلْإِنْجِيلِ وَاَلْقُرْآنِ/وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اَللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ اَلَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ، اَلتّائِبُونَ اَلْعابِدُونَ اَلْحامِدُونَ اَلسّائِحُونَ اَلرّاكِعُونَ اَلسّاجِدُونَ اَلْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَاَلنّاهُونَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَاَلْحافِظُونَ لِحُدُودِ اَللهِ] (٣) وَبَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ (التوبة ٩/ ١١١ - ١١٢). ثم قال: والله ما أعرف على وجه الأرض (٤) سواكم، إلاّ من كان على مثل رأيكم، حالت بينكم وبينهم (٥) المعاذير، إمّا فقير لا يقدر على ما يتحمّل به إلينا فهو يدعو الله في آناء ليله ونهاره، أو غني بعدت داره منّا فلم تدركه دعوتنا، و(٦) محبوس عند الفسقة وقلبه عندنا [ممن أرجو أن يكون ممّن وفى لله بما اشترى منه] (٧)، فما تنتظرون عباد الله بجهاد من قد أقبل إلى ذرّية نبيّكم (٨) ليسبوا ذراريهم ويجتاحوا بقيّتهم (٩).
_________________
(١) م: معاشر.
(٢) ر: اختار.
(٣) لم يرد في م ص إذ أورد طرف الآية وقال: «إلى قوله: وبشر المؤمنين».
(٤) م: على الأرض؛ ص: ظهر الأرض أحدا.
(٥) م ص: وبينه.
(٦) م ص: أو.
(٧) ليست في ر.
(٨) م: نبيهم.
(٩) م: يجتاحون أنفسهم.
[ ١٥١ ]
ثم قال: اللهم احكم بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الحاكمين.
قال: فبرز للقتال (١)، ووجّه إليه موسى بن عيسى وإلى جميع أصحابه يعرض عليهم الأمان [١]، فقال (٢) الحسين: وأيّ أمان لكم يا فجرة؟ المغرور من غرّرتموه بأمانكم، وكيف لا (٣) وأنتم تغرّونه عن دينه بحيلة (٤) يسيرة تطمعونه فيها، /فإذا ركن إليها قتلتموه؛ أليس من وصيّة آبائكم، زعمتم، قتل كلّ متّهم ومن سأل الأمان عند الظّفر به؟ فخرج إليه جميع (٥) من حضر من بني العباس ومواليهم والجند ونقضوا إحرامهم ولبسوا (٦) الأقبية، وبعثوا إليه ثانية (٧) وبذلوا له مالا فأبى إلاّ قتالهم أو (٨) الرجوع عمّا هم عليه من الإثم والعدوان ومعونة (٩) الظالمين.
قال: فشدّوا عليه عندما أيسوا (١٠) من خديعته بأمانهم، وحملوا عليه وعلى أصحابه حملة شديدة فثبتوا لهم وقتل منهم جماعة.
_________________
(١) في هامش ص الأيمن: «بروزهم للقتال وعرض الأمان عليهم وجواب الحسين ﵇».
(٢) ر: قال.
(٣) ليست في ص.
(٤) م ص: بحياة.
(٥) «جميع»، ليست في ر.
(٦) م: ثم لبسوا.
(٧) م ص: بأمانه.
(٨) ر: و.
(٩) م ص: ومعاونة.
(١٠) م ص: بعدما يئسوا.
(١١) قارن بكتاب المصابيح (ص ٢٩٥ - ٢٩٦ فيما يلي).
[ ١٥٢ ]
فحدثني محمد بن القاسم بن إبراهيم
، وكان إبراهيم بن إسماعيل طباطبا ممن خرج مع الحسين بن علي (١)، قال: كان محمد بن سليمان ابن علي ممّن بعث مع موسى بن عيسى، وكانت أمّه حسنيّة، وهي زينب ابنة جعفر بن الحسن بن الحسن، قال: فلمّا تصافّوا بفخ (٢) خرج محمد من عسكر المسوّدة ولقي (٣) الحسين وسلّم عليه (٤) وقال: والله يا خال ما أشخصني إلى هذه البلد (٥) إلاّ الشفقة عليك والظّنّ بك، ورجاء أن يحقن الله دمك. فقال له الحسين: ما/أعرفني بما (٦) تحاول من خديعتي عن ديني ودنياي، إليك عنّي! فقال له: يا خال لا تفعل، إقبل نصحي (٧) ولا تعرّض نفسك للهلكة فإنّ معي كتابا قد أخذته لك من ابن عمّك الخليفة موسى الهادي بن محمد المهدي بأمانك، وجعل إليّ أن أعرض عليك (٨) كلما أحببت، فصر إلى أيّ بلد من البلدان/شئت (٩) وسمّ ما شئت من الأموال والقطائع والضياع. قال: وأقبل (١٠) عليه الحسين فقال: يا عبد خيزران وخالصة (١١)، أتظنّ أنّي إنّما خرجت في طلب
_________________
(١) م ص: مع الحسين.
(٢) «بفخ»، ليست في ر.
(٣) م ص: فلقي.
(٤) في هامش ص الأيسر: «مقاولة الحسين ﵇ ومحمد بن سليمان».
(٥) م: هذا البلد؛ ص: إلى البلد.
(٦) ر: ما.
(٧) م ص: نصيحتي.
(٨) ليست في ص.
(٩) م ص: إلى أي بلد شئت.
(١٠) ص: فأقبل.
(١١) ر: يا عبد خيزران خالصة.
[ ١٥٣ ]
الدّنيا/التي تعظّمونها أو للرغبة فيما تعرضون عليّ من أموال المسلمين؟ ليس ذلك كما تظنّ، إنّما خرجت غضبا لله ونصرة لدينه وطلبا للشهادة وأن يجعل مقامي هذا حجّة على الأمّة، واقتديت في ذلك بأسلافي الماضين المجاهدين، لا حاجة لي في شيء ممّا عرضت عليّ، وأنا نافذ فيما خرجت له وماض على بصيرتي حتى ألحق بربّي.
قال: فلما رأت المسوّدة ثبات أصحاب الحسين وصبرهم، جعلوا لهم (١) كمينا من ورائهم ثمّ استطردوا لهم حتى خرجوا من (٢) الموضع الذي كانوا فيه، وقد الجئوا ظهورهم (٣) إلى الجبل الذي شيّده الحسين بنفسه وأصحابه وقطع مجاز الجّبل فيه بالصخر، وهو على تلك الحال إلى اليوم. فلما خرج عليهم الكمين قاتل الحسين وأصحابه قتالا شديدا حتى كثر فيهم القتل (٤) في الفريقين جميعا، ثم حملت العساكر بأجمعها فصبروا لهم حتى أبيدوا بأجمعهم وقتل الحسين، ﵀، وسط المعركة (٥) وصرع أهله حوله بعد منازلة ومدافعة وصبر عظيم على وقع الحديد.
ولقد أخبرني حمدان بن منصور (٦) قال، حدّثني القاسم بن إبراهيم الإمام (٧)، رحمة الله عليه، عمّن ذكره من أصحابه، قال: رأيت (٨) الحسين
_________________
(١) م ص: له.
(٢) م: عن.
(٣) ص: كانوا قد الجئوا فيه ظهورهم.
(٤) م ص: كثر القتل في.
(٥) م: صلوات الله عليه ولعن قاتليه وثبت في المعركة.
(٦) أحسب أنّ الصواب: محمد بن منصور، انظر ص ٢٤ من المقدمة.
(٧) م ص: الإمام العالم صلوات الله عليه.
(٨) م ص: رأينا.
[ ١٥٤ ]
والناس في القتال يدفن شيئا (١)، فأتبع ذلك الدّفين فإذا هو (٢) بعض وجهه، ضربة (٣) برت عامّته [١]، فاعتزل حتّى دفنه ثم تلثّم على وجهه وعاود الحرب، رحمة الله عليه.
وحدثني أيضا عن محمد بن منصور عن القاسم عن أبيه
[٢]: قال قيل للحسين بعدما أثخن الإثخان: فقد أعذرت؛ /فقال: قال رسول الله، ﷺ: «إن الله ليبغض العبد يستأسر (٤) إلاّ من جراحة مثخنة (٥)».
_________________
(١) م ص: في المعركة اعتزل فدفن.
(٢) في هامش ر الأيمن: فإذا الدفين.
(٣) م ص: ضرب في وجهه ضربة.
(٤) ص: يستأثر، ر: بساسر؛ والتصويب عن تيسير المطالب.
(٥) ص: كتب فوقها «تثخنه».
(٦) في مقاتل الطالبيين ٤٥٢ (ط ٢.٣٧٩ - ٣٨٠): «حدثني علي بن إبراهيم العلوي قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم قال: حدثني محمد بن منصور، عن القاسم بن إبراهيم، عمّن ذكره قال: رأيت الحسن صاحب فخ وقد دفن شيئا، فظننت أنّه شيء له مقدار، فلما كان من أمره ما كان نظرنا فإذا هو قطعة من جانب قد قطع فدفنه ثم عاد فكرّ عليهم»؛ والحدائق الوردية (المصورة) ١/ ١٨٠، (خ) ١/ ١٠٠ أ، وهو ينقل عن أبي الفرج وفيه: «فإذا هو قطعة من جانب وجهه قد قطع. . .». وقد روي شبيه به عن محمد النفس الزكيّة، قارن بأنساب الأشراف (ط. المحمودي) ٣/ ١٠٩.
(٧) في تيسير المطالب ١١٩ عن أبي زيد عيسى بن محمد العلوي «قال، حدثنا محمد بن منصور، قال حدثنا القاسم بن إبراهيم، ﵇ قال، حدثني أبي قال، حدثني أبي قال: بايعنا الحسين بن علي الفخي ﵇، على أنّه هو الإمام، قال: وأصابته جراحة والدم يرقى فقلنا له: أنت في هذه الحال لو تنحيّت فقال، قال رسول الله ﷺ: إن الله يبغض العبد يستأسر إلا من جراحة مثخنة»؛ وقارن بالحدائق الوردية (مصورة) ١/ ١٧٩، (خ) ١/ ١٠٠ أ.
[ ١٥٥ ]
قال: وقال لهم الحسين: يا بني عمّي انحازوا وامضوا إلى بعض النواحي فعسى أن تدركوا بثأرنا يوما من الدهر فإني غير مفارقهم حَتّى يَحْكُمَ اَللهُ بَيْنَناوَهُوَ خَيْرُ اَلْحاكِمِينَ (الأعراف ٧/ ٨٧) فأبوا وصبروا حتى قتلوا قدّامه واحدا واحدا.