لا نعرف ما هي الخطة التي وضعها يحيى وإدريس مع الدّعاة في شعب الحضارمة وقد عادت الدعوة إلى مرحلة السريّة والكمون بعد أن منيت بفشل ذريع وتمّ ضرب المعارضة المتعاطفة معها وكشف بعض مواقعها في الأمصار. ولعل قرار إرسال إدريس إلى المغرب كان القرار الأكثر حكمة وتخطيطا بعد عقود من العمل الفاشل في الحجاز والعراق.
وتكاد المصادر تغفل كل أخبار يحيى قبل ظهوره في الديلم. وكانت بداية تحرّكه في الديلم سنة ١٧٥/ ٧٩١ بحسب ما أورده الطبري [٤]، وكنا قد رأينا أنّ انطلاق إدريس نحو مصر والمغرب كان إثر موسم الحج سنة ١٧١/ ٧٨٧ أي في آخر العام
_________________
(١) M،Jarrar،in:Asiatische Studien ٧٤(٣٩٩١)،p .٨٨٢ - ٠٩٢.
(٢) انظر حول تحديد سنة وفاته: المغرب للبكري ١٢٢ (سنة ١٧٥ بسنده عن النوفلي)؛ والحلة السيراء ١/ ١٠٠ (سنة ١٧٥ أو ١٧٤؛ وأخباره عن ادريس أخذها من كتاب المعرب لابن الوكيل القيرواني)؛ والأنيس المطرب ٢٣ (ربيع الثاني سنة ١٧٧)؛ وانظر دولة الأدارسة لاسماعيل العربي ٧٠ (ربيع الأول ١٧٥)؛ ودولة الأدارسة لسعدون نصر الله ٨٣ (ربيع الأول ١٧٧)؛ والأدارسة لمحمود اسماعيل ٦٣ (سنة ١٧٧).
(٣) الدولة الأغلبيّة ٤٠٤ - ٤٠٧.
(٤) تاريخ ٨/ ٢٤١ (-٣/ ٦١٢).
[ ٦٨ ]
وأوائل سنة ١٧٢/ ٧٨٨، مما يعني أنّ ثمة ثلاث سنوات بين هذا التاريخ وبين ظهور يحيى في الديلم، فأين كان طوال هذه السنوات؟ هنا تختلف المصادر-وكلّها مصادر زيدية: أمّا أبو الفرج فيذكر نصا عاما [١]: «استتر مدّة يجول في البلدان ويطلب موضعا يلجأ إليه، وعلم الفضل بن يحيى بمكانه في بعض النواحي فأمره بالانتقال عنه وقصد الديلم وكتب له منشورا لا يتعرض له أحد». أمّا «كتاب المصابيح» فروايته أكثر تفصيلا إلاّ أنّه لا يمكن الوثوق بها تماما [٢]، فهو يذكر أنّ يحيى خرج في سنة ١٧٠ في ولاية موسى وبايعه أهل الحرمين وجميع أهل الحجاز وتهامة وأرض اليمن وأرض مصر والعراقين وبث دعاته في جميع الافاق. . . الخ، ثم يذكر أنّه صار إلى اليمن وأقام بها مدّة ثم صار إلى مصر وأرض المغرب ونواحيها. . . ثم دخل بغداد فخرج إلى الريّ فأقام شهرا أو زيادة، ثم صار إلى خراسان فأقام قريبا من ثلاث سنين، ثم إلى خاقان ملك الترك وأقام عنده سنتين وستّة أشهر ومن هناك خرج إلى طبرستان والديلم [٣]. وقصّة الخروج هذه ليست بحاجة لتعليق كي تظهر أنها موضوعة، إذ أنّ يحيى اعتبر من أئمة الزيديّة ولا تصح الإمامة إلا بالخروج؛ ومبايعة أهل الأمصار له أوهى من أن تضعّف خاصة بعد فشل معركة فخ، أما هذا التجوال فجزء منه صحيح إذا استثنينا مصر وأرض المغرب وإذا صححنا التواريخ. وتبقى رواية «أخبار فخ» التي سوف أعالجها هنا [٤]، وخطوطها
_________________
(١) مقاتل الطالبيين ٤٦٥ (ط ٢.٣٩٠).
(٢) أو قل اني أتحفّظ على روايات الجزء الثاني من الكتاب وهو الذي أكمله علي بن بلال لغرابة معلوماته ولطابعها القصصي وعدم اتساقها من الناحية الزمنية والتاريخية كما لاحظنا في خبره عن عيسى بن زيد والكتاب بحاجة لدراسة خاصة.
(٣) كتاب المصابيح (انظر ما يلي ص ٣٠٥)؛ وهذه هي الرواية التي يعتمدها فان ارندونك van Arendonk،Opkomst ٩٥ f .
(٤) في الحدائق الوردية (ومصادره هي «أخبار فخ» و«مقاتل الطالبيين» و«المصابيح» و«الإفادة») محاولة للجمع بين الروايات فيذكر أنه ذهب إلى صنعاء وأقام بها شهورا ثم دخل بلاد الحبشة وخرج منها وصار إلى بلاد الترك ثم خرج إلى الديلم (مصورة دمشق ١/ ١٨١ - ١٨٢؛ وأخبار أئمة الزيدية ١٧٤).
[ ٦٩ ]
العامّة أنه دخل اليمن فطلب ففرّ إلى بلاد الجزيرة وأرمينية ثم ألجأه الطلب إلى أن دخل بغداد حيث ضيّق عليه فتوجه إلى صنعاء وبقي فيها ثمانية أشهر ثم خرج إلى خراسان ثم طبرستان فالديلم. ويبدو خروجه إلى اليمن بعد موسم سنة ١٧١/ ٧٨٧ معقولا، وخاصة أنّه التقى أثناء الموسم بجماعة من الحضارمة قد يكون لهم دور في إقناعه بالتوجّه معهم إلى بلادهم البعيدة عن مركز الخلافة والتي كانت مضطربة، كما أنّ لآل البيت أتباعا ومحبّين في اليمن ومنه انطلقت دعوات كثيرة.
المصدر ما ذكره عن تجوال يحيى أثناء اختفائه
أخبار فخ [١] الحبشة، الحجاز، اليمن، الجزيرة الفراتيّة، أرمينية، بغداد، اليمن، خراسان، طبرستان، الديلم.
مقاتل الطالبيين [٢] استتر مدّة يجول في البلدان، الديلم.
المصابيح [٣] اليمن، مصر وأرض المغرب ونواحيها، بغداد، الري، خراسان، جوزجان وبلخ، ماوراء النهر، الديلم.
الإفادة [٤] استتر مدّة وبلغ بلاد الترك ثم اختار جبل الديلم.
الحدائق الوردية [٥] أقام مستترا مدة طويلة يطوف في الآفاق، صنعاء، الحبشة، بلاد الترك، الديلم
المعرفة والتاريخ [٦] (مصدر غير زيدي) فارس، فسا، الديلم
_________________
(١) انظر ما يلي ص ١٩٠ - ١٩٦.
(٢) ٤٦٥ (ط ٢.٣٩٠).
(٣) انظر ما يلي ص ٣٠٣ - ٣٠٥.
(٤) الإفادة (برلين ٢٧ (Glser ٣٧ أ؛ أخبار أئمة الزيدية ٨٠.
(٥) مصورة دمشق ١/ ١٨١ - ١٨٢؛ أخبار أئمة الزيدية ١٧٤.
(٦) ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
[ ٧٠ ]