ويجدر بنا هنا أن نتوقّف قليلا كي نحاول تحديد التواريخ؛ لقد خرج يحيى بالديلم سنة ١٧٦، ولا نعلم متى كان صلحه مع الرشيد. فقد أورد الطبري خبر يحيى
_________________
(١) أخبار فخ ٢١٦ - ٢١٨.
(٢) ما يلي ٢٢٨ - ٢٣٤.
[ ٧٨ ]
بطوله في أخبار عام ١٧٦ [١]، ومن المؤكد أن يحيى لم يمت/يقتل في ذلك العام، وأنّ حبسه قد استغرق وقتا طويلا، وقد اقترن ذكر محنة يحيى ومقتله باسم الزبيري الذي كان شاهدا على يحيى عند الرشيد [٢]. وقد اختلط الأمر على المصادر في اسم هذا الزبيريّ؛ ففي أخبار فخ والطبري [٣] بسند واحد عن ابن النّطاح عن المدائني عن الضبيّ صاحب الأمثال عن بعض النوفلييّن أنّ بكار بن مصعب هو الذي كان في حضرة الرشيد وأنّ يحيى اتهمه بالخروج مع أخيه محمد النفس الزكيّة وأنّه قال قصيدتين في التحريض على الخروج معه. غير أنّ الطبري يورد في رواية أخرى بسنده عن ابن زبالة [٤] هاتين القصيدتين على أنّهما لعبد الله بن مصعب وليس لبكار بن مصعب، وهما تنسبان لعبد الله كذلك في مقاتل الطالبييّن وغيره من المصادر [٥]. وورد اسم هذا الزبيري في رواية أخرى في «أخبار فخ» تتصل بعمر بن فرج الرخجي، على أنّه عبد الله ابن مصعب [٦]؛ وأجمعت سائر المصادر على أنّه عبد الله بن مصعب كذلك [٧] وذكر المسعودي اسمه كاملا فقال: عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، غير أنه ذكر أنّ الخبر وقع بينه وبين موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، ثم قال في آخره: «وقيل إنّ صاحب هذا الخبر هو يحيى بن عبد الله
_________________
(١) تاريخ الطبري ٨/ ٢٤٢ - ٢٥٠ (-٣/ ٦١٢ - ٦٢٤).
(٢) انظر نص «أخبار فخ» فيما يلي ص ٢٣٧ وما بعدها.
(٣) أخبار فخ؛ تاريخ الطبري ٨/ ٢٤٤ (-٣/ ٦١٦).
(٤) تاريخ الطبري ٧/ ٦٠١ - ٦٠٣ (-٣/ ٢٥٥ - ٢٥٧)؛ ويذكر صاحب العيون والحدائق ٢٩٣ انه بكار بن مصعب بن ثابت.
(٥) أخبار فخ ٢٤١ - ٢٤٥.
(٦) أخبار فخ ٢٦٠.
(٧) في تاريخ الطبري ٨/ ٢٤٧ - ٢٥٠ (-٣/ ٦٢٠ - ٦٢٤) بسنده عن أبي يونس إسحاق بن إسماعيل انه عبد الله بن مصعب؛ وانظر كذلك مقاتل الطالبيين ٤٧٤ (ط ٢.٣٩٦)؛ والمنتزع من كتاب التاجي للصابي ٣٩؛ والإفادة (في: أخبار أئمة الزيدية ٨٢)؛ وتاريخ بغداد ١٤/ ١١١؛ والحدائق الوردية (في: أخبار أئمة الزيدية ١٩٨،٢٠٠ - ٢٠٤)؛ وعمدة الطالب ١٢٤.
[ ٧٩ ]
أخو موسى. . .» [١]؛ فيما تجنّب ابن الطقطقا تحديد الاسم فقال: «أحد الزبيريين» [٢]. ويجدر التنبيه هنا أنّه لم يعرف في الزبيريّين من اسمه بكار بن مصعب إنّما هناك بكار بن عبد الله بن مصعب وهو ابن عبد الله بن مصعب بن ثابت ووالد الزبير بن بكار صاحب «جمهرة النسب».
ويمكننا تحديد تاريخ تولّي بكار بن عبد الله بن مصعب للمدينة بشيء من الاطمئنان، إذ يذكر الفسوي أنّ عبد الله بن مصعب كان واليا على المدينة سنة ٧٩٨/ ١٨٢ وانّ ابنه بكار ولي سنة ١٨٣/ ٧٩٩ [٣]؛ غير أنّ هذا التاريخ ليس دقيقا تماما إذ ولي بكار المدينة حينما عيّن الرشيد والده على اليمن [٤]؛ وقد عدّد خليفة بن خيّاط عمّال الرشيد على اليمن وذكر فيمن ذكره. . . العباس بن سعيد (مولى الرشيد) ثم عبد الله بن مصعب ثم إبراهيم بن عبيد الله الحجبي [٥]، أي أن ابن مصعب اديل بإبراهيم الحجبي الذي قدم صنعاء بحسب الهمداني سنة ١٨٢ فأقام بها سنة وشهرا ثم صرف [٦]، ممّا يوحي أن بكارا ولي المدينة قبل عام ١٨٢؛ ويذكر ابنه أنّه أقام عاملا على المدينة اثنتي عشرة سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما [٧]، ولا نعرف متى صرف عن المدينة تجديدا، إلا أنّ أبا البختري وهب بن وهب كان العامل عليها بعده [٨] إلى أن صرفه محمد بن هارون سنة ١٩٤ [٩]؛ ويبدو أنّ أبا البختري ولي على المدينة سنة ١٩٣/ ٨٠٨ مما يظهر بعملية حسابيّة بسيطة أنّ ولاية بكار على المدينة تعود إلى أوائل
_________________
(١) مروج الذهب ٤/ ٢٠٢.
(٢) الفخري ١٩٥.
(٣) المعرفة والتاريخ ١/ ١٧٤.
(٤) جمهرة نسب قريش للزبير ١٣٢.
(٥) تاريخ خليفة بن خياط ٤٦١.
(٦) صفة جزيرة العرب ٨٨.
(٧) جمهرة نسب قريش ١٦٣.
(٨) تاريخ الطبري ٨/ ٣٤٦ (-٣/ ٧٣٩).
(٩) تاريخ خليفة بن خياط ٤٦١؛ وتاريخ الطبري ٨/ ٤٩٨ (-٣/ ٧٣٩).
[ ٨٠ ]
عام ١٨١، هذا يناسب ما ذكره الهمداني من أن الحجبي قدم اليمن سنة ١٨٢؟؟؟ عبد الله بن مصعب، فيكون ابن مصعب أقام في اليمن نحوا من سنة وهذا ما تذكره المصادر الأخرى. غير أن هذه المصادر تجعل بداية؟؟؟ ١٨٠/ ٧٩٦ و١٨١/ ٧٩٧ [١]. لنعد إلى يحيى بن عبد الله فقد وشى به بكار بن عبد الله بن مصعب وكان واليا على المدينة-كما مرّ معنا-يعني في وقت بين أوائل سنة ١٨١ إلى ١٨٣ وقبل ١٨٤ لأنّ عبد الله بن مصعب الذي شهد ضدّه عند الرشيد في بلاطه بالرقّة توفي يوم الأحد لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الأوّل سنة ١٨٤ في الرقّة [٢].
لقد كان لكلا الزبيرييّن، الأب والابن، دور في السّعاية بيحيى، فالابن بكّار وشى به حين ولايته المدينة والأب سعى عليه وشهد ضدّه، إذ كان بعد تركه لولاية اليمن من صحابة الرشيد في بلاطه.
وثمّة «أدلة خارجية» قد تفيدنا في التأكّد من أنّ عبد الله بن مصعب كان هو الذي شهد على يحيى عند الرشيد، أعني رسائل بشر بن أبي كبار البلوي، إذ يظهر نصّ الرسائل نقائص فاضحة في شخصية عبد الله بن مصعب من فسالة وحقارة وبخل وحنث في الحلف [٣]. والرسائل الأربع التي أوردها بشر بن أبي كبار في عبد الله بن مصعب ليست وليدة فترة واحدة: فالأولى التي يذكر أنه ارسلها للإمام الشافعي تعود لفترة تولّي عبد الله لليمن أي حوالي سنة ١٨١/ ٧٩٧ كما يوحي النص [٤]. أمّا الرسائل الثلاث الأخرى فهي تعود لفترة تالية لم يكن فيها عبد الله
_________________
(١) قارن ب A .al-Mad'aj،The Yemen in Early Islam،Table ٨،p .١٩١ and ٦٩١(xxvii): وقد اختار عبد المحسن المدعج سنة ١٨٠.
(٢) جمهرة نسب قريش ١٤٦؛ ونسب قريش للمصعب ٢٤٢؛
(٣) بشر بن أبي كبار البلوي: نموذج من النثر الفنّي المبكر في اليمن للدكتورة وداد القاضي، ونصّ الرسالة ص ١٦٦ - ١٦٧؛ وتذكر المصادر الزيديّة أن موت عبد الله الزبيري إنّما كان سببه حنثه في الحلف وإمراره يمينا غموسا، فضربه الفالج ومات.
(٤) ص ١٦٣ - ١٦٤.
[ ٨١ ]
واليا إذ أنّ الثانية والثالثة تبدأ بصيغة «فكان» [١] مما يشير إلى زمن مضى حينما كان عبد الله واليا ولم يعد كذلك عند كتابة الرسالة؛ أما الرسالة الرابعة فلا نستطيع أن نجزم بزمن كتابتها رغم أنّها تظهر أنّه كان ما زال حيّا. ويبدو لي أنّ الرسالتين الثانية والثالثة قد كتبتا في فترة ما بين الوشاية بيحيى والسعي به عند الرشيد من قبل بكار ابن عبد الله ووالده وبين موت عبد الله سنة ١٨٤/ ٨٠٠. وهاتان الرسالتان ليستا موجّهتين إلى شخص بعينه، فهل لنا أن نفترض أنهما كانتا جوابا على رسائل من الامام الشافعي، الذي عرفت عنه ميول علوية والذي ذكر المدائني والمصادر الزيديّة أنّه كان من دعاة يحيى بعد أن درس عليه في اليمن في وقت ما حوالي سنة ١٧٤ كما بيّنا.
وقد تنبّهت الدكتورة قاضي أن البلوي كان يرى القيام ضدّ الظلم وأنّه يلمّح إلى أن استعمال السيف ليس مستحيلا [٢]؛ ونحن نعرف أنّ الزيديّة كانت ترى الخروج بالسيف. غير أنّ الدكتورة قاضي رأت أنّ البلوي كان يقول بشرعية الخلافة وأنّه «ينطلق من منطلق «سنّي». . وتسنّنه لا شك فيه» [٣]، وقد حدا بها لهذا الافتراض أمران استدلت عليهما من نصّ رسائله، أولهما: قوله في رسالة له في عبد الله بن مصعب «برأي جدّه خرجت أمّنا، وبشؤم والده هدمت قبلتنا» [٤]؛ وهذا لا يشير بالضرورة إلى ميول سنيّة، فعائشة خرجت على الإمام علي، وابن الزبير ادّعى منصب الخلافة وهو لا يستحقّه فبشؤمه هذا هدمت الكعبة؛ وثانيهما: هو عداؤه لهشام بن يوسف الابناوي القاضي، الذي رأت في عداء البلوي له عداء للأبناء عامّه وعدم استطاعته كسني «أن يتعاطف مع أي حركة علوية فكيف به مع
_________________
(١) ص ١٦٦ - ١٦٨.
(٢) بشر بن أبي كبار ٨١.
(٣) المصدر نفسه ٨٠.
(٤) المصدر نفسه ١٦٧.
[ ٨٢ ]
حركة علوية خارجية يسندها الأبناء وترتكب باسمها الجرائم والآثام» [١]. وهذه الحركة العلوية هي حركة إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق [٢] الذي ولي اليمن لأبي السرايا ووصلها بعد مقتل أبي السرايا ومحمد بن محمد العلوي. وإبراهيم هذا حسيني وليس حسنيا، ويبدو أنه أخذ يعمل لحسابه الخاص بعد فشل ثورة أبي السرايا ومحمد بن محمد بن زيد، ويذكر الطبري خبرا يوحي أنه هو الذي خرج من مكة إلى اليمن مع من كان معه من أهل بيته وذلك حين بلغه خبر أبي السرايا وأنّ أحدا لم يكلّفه بذلك [٣]. ونراه يرسل بعض ولد عقيل بن أبي طالب من اليمن في موسم الحج سنة ٢٠٠/ ٨١٥ ليحجّ بالناس [٤]، كما أنه ضرب دنانير باسمه [٥]. وقد عينّه المأمون على الحج في سنة ٢٠٢/ ٨١٧ فدعا لأخيه علي الرضا بولاية العهد بعد المأمون [٦]. كل هذا يشير إلى أنّ إبراهيم بن موسى لم يكن زيديا؛ إذن فعداء البلوي لم يكن عداء للعلويين بعامّة، وليس في رسالته أو رسائله ما يشير إلى «تسنّنه»، أمّا عداؤه لهشام بن يوسف الأبناوي فقد كان ذا طابع شخصي، ولا ننسى أن هشاما كان ممن تقرّب من السلطان [٧]، أي أنّه لم يجار بقيّة الأبناء ميولهم العلويّة. وقد ذكرنا أنّ الإمام يحيى نزل عند أحد الأبناء حينما كان في صنعاء، ولم يكن كلّ الأبناء ذوي ميول علوية.
_________________
(١) المصدر نفسه ٨٣.
(٢) انظر في أخباره تاريخ اليعقوبي ٢/ ٤٤٥ - ٤٤٩؛ تاريخ الطبري ٨/ ٥٣٤ - ٥٣٦؛ (-٣/ ٩٨٥ - ٩٨٩،٩٩٥،١٠٢٩)، بشر بن أبي كبار البلوي لوداد القاضي ٢٦ - ٣٢. وانظر فهارسه، و A .al-Mad'aj،The Yemen in Early Islam ٥٠٢ ff .
(٣) تاريخ الطبري ٨/ ٥٣٦ (-٣/ ٩٨٧ - ٩٨٨).
(٤) تاريخ الطبري ٨/ ٥٤٠ (-٣/ ٩٩٥).
(٥) A .al-Mad'aj،op .cit .٦٠٢ and ٥٢٢،fn .٥٣.
(٦) تاريخ الطبري ٨/ ٥٦٧ (-٣/ ١٠٢٩).
(٧) سير اعلام النبلاء ٩/ ٥٨١؛ وبشر بن أبي كبار لوداد القاضي ٤٣ - ٤٤.
[ ٨٣ ]
هل نستطيع أن نخرج من كل هذا أنّ البلوي كان ذا ميول زيديّة. وإن لم تكن واضحة تمام الوضوح في رسائله؟ لقد نبّهت الدكتورة قاضي إلى أن البلوي كان قد «أبعد قسريا» عن خدمة الدولة، ورغم ذلك فقد استطاع أن يظلّ امرأ ذا نفوذ بعد الخروج من السلطة بمعنى أنّه كان يكاتب ليؤخذ رأيه في أمور الولاة [١]؛ وممّن كاتبه الشافعي ويحيى البرمكي. هل كان «إبعاده القسري» إذن بسبب من ميوله الزيديّة؛ وهل هذه الميول العلوية هي التي كانت تجمعه بالشافعي والتي حدت بالأخير أن يكتب للبلوي إثر سعاية الزبيري به في المدينة؟ إذا كان افتراضنا صحيحا فإنه يفسّر لنا رأي البلوي السلبي في عبد الله بن مصعب وحقده الشديد عليه وعلى الزبيريين عامّة.
لنعد إلى مصير يحيى بن عبد الله بعد هذه الوقفة التي وقفناها لنناقش مسعى عبد الله بن مصعب الزبيري وابنه بكار ضده والتي كانت سببا مباشرا في سجنه وموته/مقتله.