يجد الدارس صعوبة في تحديد سبب موت يحيى وطريقته وتاريخه إذ أكثر ما ذكر في ذلك يدخل في باب الحكايات. ولا نعرف تأريخا مؤكدا ليحيى بعد مناظرته مع عبد الله بن مصعب الذي مات سنة ١٨٤. ويمكننا تقسيم هذه الأخبار في صنفين:
الأول صنف يذكر أنّه قتل في محبسه دون تحديد تاريخ واضح وباختلاف حول طريقة موته؛ والثاني يقرن موته بتهريب جعفر بن يحيى البرمكي له ويربط ذلك بنكبة البرامكة.
أ-فيذكر الطبري عن أبي الخطّاب أنّ يحيى مات في حبس الرشيد بعد أشهر من نقض أبي البختري للأمان [٢]. أما أبو الفرج الإصبهاني فيورد عدّة أخبار عن مصادر مختلفة [٣]:
-مات في الحبس بعد أن ضرب وانقصت جراية طعامه؛
_________________
(١) أخبار فخ ٢٤٧ - ٢٤٨.
(٢) تاريخ ٨/ ٢٤٧ (-٣/ ٦٢٠).
(٣) مقاتل الطالبيين ٤٨٠ - ٤٨٣ (ط ٢.٤٠١ - ٤٠٣)؛ وقارن بكتاب المصابيح (ص ٣١٦ - ٣٢٠ فيما يلي)؛ والحدائق الوردية (في: أخبار أئمة الزيدية ٢٠٦ - ٢٠٨).
[ ٨٥ ]
-خنق؛
-سمّ؛
-بنيت عليه أسطوانه بالرافقة وهو حي؛
-ألقي للسباع فأكلته.
وقال المسعودي [١]: «وروي من وجه آخر، على حسب تباين النسخ وطرق الرواية في ذلك في كتب الانساب والتواريخ، أن يحيى ألقي في بركة فيها سباع قد جوّعت فأمسكت عن أكله ولاذت بناحية وهابت الدنوّ منه، فبني عليه ركن بالجصّ والحجر وهو حيّ»؛ ولا يخفى هنا (Topos) السّباع وخوفها بما يؤدّيه من وظيفة تؤكد كرامة المعني وولايته.
ويروي ابن سهل الرازي عن المدائني خبرا طويلا عن حاله في سجنه ثم يذكر أنّ أسلم أبو المهاصر، خادم الرشيد والمتولي أمر يحيى في الحبس، أجاعه فمات [٢].
ب-والمجموعة الثانية هي التي تقرن مقتله بالبرامكة. فيروي [٣] الطبري عن أبي محمد اليزيدي أنّ الرشيد دفع يحيى إلى جعفر بن يحيى البرمكي وأن هذا رقّ له فأخرجه من السجن ووجّه معه من أدّاه إلى مأمنه، ولا يذكر شيئا عن موته؛ وفي رواية أخرى عن الطبري [٤] أنّ رجلا عرض للرشيد وأخبره أنه رأى يحيى ومعه جماعة
_________________
(١) مروج الذهب ٤/ ٢٠٢.
(٢) أخبار فخ ٢٥٣ وما بعدها.
(٣) تاريخ ٨/ ٢٨٩ (-٣/ ٦٦٩ - ٦٧٠)؛ وانظر العيون والحدائق ٣٠٦ - ٣٠٧؛ ووفيات الأعيان ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٤) تاريخ ٨/ ٢٨٩ - ٢٩١ (-٣/ ٦٧١ - ٦٧٢)، ويروي الطبري خبره عن إدريس بن بدر؛ فيما يرويه أبو الفرج في مقاتله ٤٦٦ - ٤٦٨ (ط ٢.٣٩٠ - ٣٩٢) عن إدريس بن زيد (فثمة تصحيف في أحد الاسمين).
[ ٨٦ ]
بخان من خانات حلوان [١]. مع كل واحد منهم منشور يأمن به إن عرض له، قال:
«ولم يعلم بحال الرجل أحد ولا بما كان ألقى إلى الرشيد، حتى كان من أمر البرامكة ما كان» [٢].
وينفرد ابن سهل الرّازي بذكر خبر طويل فيه شيء من التفصيل، ويرويه بسنده عن عبد العزيز بن يحيى الكناني [٣]-وقد سمّاه في دعاة يحيى عند ذكره لهم-وهو يتّفق مع خبر الطبري عن اطلاق جعفر بن يحيى ليحيى بن عبد الله وكتابة منشور أمان له، ثم يعطي تفصيلات أخرى فيذكر أن يحيى خرج من فوره فأتى ثغر المصيصة فأخذ بها وحمل إلى محمد بن خالد البرمكي، فذهب به إلى الرشيد بمكة أثناء الحج وأخبر الفضل بن الربيع بخبره، وكان عدوا للبرامكة، فأخبر الرشيد وكان هذا سبب نكبة البرامكة. ويضيف عبد العزيز الكناني أنّ الرشيد استبقى يحيى بن عبد الله عند مسرور الخادم؛ ثم حمله معه إلى خراسان في خرجته الأول إليها وأمر بحفر قبر له في قرية من قرى الريّ يقال لها أرنبوية. وهنا ينتهي خبر الكناني ليكمله ابن سهل عن طريق رواة آخرين. ولنقف قليلا عند هذا الخبر قبل أن نكمل: فالقسم الأخير عن استبقاء الرشيد ليحيى ثم الخروج به إلى خراسان يبدو مزيدا على خبر الكناني والبقية التي يذكرها ابن سهل عن مصادره تحمل سمات أسطورية واضحة.
أما خبر الكناني فيربط مصير يحيى بالبرامكة بشكل واضح ويؤخّر مصرع يحيى حتى سنة ١٨٦/ ٨٠٢، السنة التي حج فيها الرشيد [٤]، وكان الايقاع بالبرامكة سنة
_________________
(١) حلوان من مدن العراق وهي أقرب مدنه للجبل (معجم البلدان ٢/ ٢٩١ - ٢٩٣)؛ وثمة حلوان أخرى، بليدة بقوهستان نيسابور وهي آخر حدود خراسان مما يلي إصبهان (معجم البلدان ٢/ ٢٩٤).
(٢) ذكر أبو الفرج هذه الرواية في أول خبر يحيى أثناء اختفائه بعد معركة فخ.
(٣) أخبار فخ ٢٦٤ وما بعدها.
(٤) المعرفة والتاريخ ١/ ١٧٨؛ وتاريخ الطبري ٨/ ٢٧٥ (-٣/ ٦٥١).
[ ٨٧ ]
١٨٧/ ٨٠٢؛ وهذا التاريخ ١٨٦/ ٨٠٢ هو آخر تاريخ يمكن القبول به لمقتل يحيى وقد ربطت المصادر كما رأينا بين مقتله وبين الايقاع بالبرامكة [١].
ولن أقف طويلا عند تتمّة الخبر كما أورده ابن سهل الرازي، عن حمل الرشيد ليحيى معه في خرجته الأولى إلى خراسان (أي سنة ١٨٩/ ٨٠٤) [٢]. وهو يروي عن مصادر محليّة من أهل أرنبوية [٣] فعلامات الوضع ظاهرة فيه وكذلك السمات الاسطورية: من دفن في القبر (موت مؤقت)، ثم غسله بالنهر (عمادة وحياة جديدة)، ثم تزوّجه من جديد وانجابه الخ [٤]. . .