من ضمن كتب الأخبار التأريخية التي تعنى بالتاريخ ل «دعوة» ما من خلال الفهم «التاريخي» لأهل الدعوة أنفسهم بعد أن غدت دعوتهم «فرقة»، أي بعد أن صارت الدعوة «مؤسسّة» [٥]. وقد عرف هذا النوع منذ فترة مبكرة ولم يقتصر على فرقة بعينها. وتمتاز هذه الكتب بأنّها تتضمّن «رؤية» الفرقة لبداياتها عبر إعادة ترتيب الأخبار التاريخيّة التي تناقلها الرواة، الذين هم في الغالب الأعمّ من أهل الفرقة نفسها، أيّ أنّ هذه المادة التاريخية هي مادة «خاصة» تنوقلت شفاها من قبل أجيال من الرواة قبل أن تدوّن، وهي تخضع للآليّات نفسها التي تنسحب على سائر الأنواع التي مرّت بمرحلة طويلة من الشفاهية، وأعيد تناقلها محررة كمصادر كتابيّة قبل أن تبلغ مرحلة الاستقرار ككتاب إخباري/تاريخي. فهي بذلك تغترف من معين معجم كبير من البنى
_________________
(١) وانظر D .SOURDEL،LE VIZARATABBA؟SIDE ٦٥١/ ١ - ٠٦١.:
(٢) تاريخ الطبري ٨/ ٣١٤ (-٣/ ٧٠٢).
(٣) من قرى الري وفي هذه الخرجة سنة ١٨٩ توفي الكسائي ومحمد بن الحسن الشيباني ودفنا في أرنبوية (معجم البلدان ١/ ١٦٢؛ ووفيات الأعيان ٤/ ١٨٥).
(٤) انظره في أخبار فخ ٢٦٩ - ٢٧١.
(٥) قارن بمقالة des ISLAMS،pp .٤٣٣ - ١٤٣. M .Cook،"Max Weber und islamiche Sekten"،in:Max Webers Sicht
[ ٨٨ ]
السّرديّة الجاهزة ومن حوافز إخبارية/حكائية تعدّ بمثابة، Topoi ومن خطاب/خطابات تاريخية تشترك فيها «الجماعات» الاسلاميّة، ويلفّه/يلفّها فضاء «ايديولوجي» واحد.
ولكتاب «أخبار فخ» خاصيّة أخرى كذلك، وهي اقترابه في عرضه من كتب «المقاتل»، التي وجدت بداياتها كصنف تأليفي مع الإخباري أبي مخنف (-١٥٧/ ٧٧٥) وأتمّ تطوّره مع أبي الفرج الإصفهاني (-٣٥٦/ ٩٦٦) في كتابه «مقاتل الطالبيين» [١].
وأبو الفرج معاصر لابن سهل الرازي ويصغره بقليل-كما بيّنت في هذه الدراسة- وهما مشتركان في الأخذ عن مصادر واحدة أحيانا. ويظهر سياق السرد التاريخي لكتاب «أخبار فخ» اشتراكه مع سائر مصنفات هذا النوع في Topoi و Stock description كانت قد أصبحت شائعة في أواخر القرن الثالث/أوائل القرن الرابع الهجري. ورغم أنّ كتاب «أخبار فخ» يؤرخ لخروج الحسين الفخي ويحيى وإدريس ابني عبد الله، إلا أنّه لا يتطرّق لا من قريب ولا من بعيد لأخبارهم قبل الخروج [٢]. وكأنّه يفترض من القارئ/السّامع أنّه ملم بهذه الأخبار. وعنايته هذه بأخبار الدعوة والخروج خاصة توحي أنّه كتب أساسا لاتباع الفرقة نفسها (بعد أن غدت مؤسسة). وقد عاصر المؤلّف، وهو مروي، فترة إمامة الناصر للحقّ الحسن الأطروش (٢٨٤/ ٨٩٧ - ٣٠٤/ ٩١٦) والداعي الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي (٣٠٤/ ٩١٦ - /٣١٦/ ٩٢٨) في الديلم [٣]، فهو-فيما يخيّل إليّ-يوجّه كتابه لأشياع الدعوة في الديلم بعد أن استقرّت دولة الزيديّة هناك.
ويتميز كتاب «أخبار فخ»، كسائر كتب الأخبار، بأنّه حفظ لنا مجموعة من الرسائل المبكرة للفرقة، وهي تتناول «الدعوة» و«رؤية» مؤسسي الفرقة الأوائل
_________________
(١) انظر في هذا النوع (٤٩٩١)،٢٩١ - ٢١٢. S .Gu؟nther،"Maqa؟til-Literaturc in Medieval Islam"،in:JAL ٥٢:
(٢) وهي على أي حال نزرة جدا، انظر مقاتل الطالبيين ٤٣١ - ٤٣٢،٤٣٥ - ٤٤٣ (ط.٢ - ٣٦٥،٣٦١ - ٣٧١ ٣٦٤)؛٤٦٣ - ٤٦٥ (ط ٢.٣٨٨ - ٣٨٩)؛٤٨٧ (ط ٢.٤٠٦)؛ والمصابيح ما يلي ص ٢٧٩ - ٢٨٤.
(٣) قارن ب W .Madelung،Religious Trends ٨٨ - ٠٩.:
[ ٨٩ ]
للتاريخ وفهمهم لأنفسهم ولدورهم في هذا التاريخ المقدّس. (Heilsgeschichte /Salvation History) وتحفل مجاميع التاريخ والمصادر المبكرة بهذا النوع من الرسائل «الايديولوجية» أو البرامج السياسيّة (Dogmatic Epistles) لمختلف الفرق والدّعاوى. وقد بيّنت في دراسة سابقة لي أنّ هذه الرسائل أخذت تعرف منذ أوائل القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي تحت اسم «سيرة» (١)، كما أوضحت أنّ هذا المصطلح تطوّر عن هذا الاستعمال ليستخدم فيما بعد كعنوان لصنف قائم بذاته عرف باسم «سيرة الرسول»، بما هي سيرة مثال لصاحب الدعوة الاسلاميّة؛ وأنّ مصطلح «سيرة» أخذ يطلق كذلك منذ منتصف القرن الثاني الهجري على نوع فقهي يعنى بالقواعد والأسس التي ينبغي على الإمام-أي إمام-اتّباعها في مواجهة أهل البغي والمشركين، أي السيرة بمفهومها التقني الحربي، بما هي قواعد مأخوذة ومستنبطة من «سيرة الرسول» المثال (٢).
فالزيديّة والإباضيّة وقبلهم المرجئة أطلقوا على هذه الرسائل اسم «سيرة» واستمر هذا التقليد لفترة متأخّرة خاصة عند الزيديّة والإباضيّة في مشرق العالم الإسلامي ومغربه على حدّ سواء. وقد يطلق الزيديّة على هذا النوع من الرسائل اسم «دعوة» كذلك فلزيد بن علي دعوة، وكذلك لمحمد النفس الزكيّة دعوتان واحدة للعامّة وأخرى للخاصّة [٣]. وقد وصلتنا رسائل كثيرة من القرون الثلاثة الأولى
_________________
(١) M .Jarrar،Die Prophetenbiographie ٣ - ٥١.[١] وانظر الآن Islam،Vol .٢،ed .L .Conrad and A .cameron (in press) . Development of the Biography of Muhammad"،in:Late Antiquity and Early M .Jarrar،"Si؟ra،Masha؟hid and Magha؟zi؟:The Genesis and: M .Jarrar،op .cit .
(٢) انظر كتاب المصابيح (مصورة دار الكتب ٨١)،٧٥ ب-٧٨ أ؛ والحدائق الورديّة (مصورة دمشق) ١/ ١٤١ (دعوة زيد بن علي)، و١٥٧ - ١٦١ (دعوتا محمد النفس الزكيّة)؛ وقارن برضوان السيّد، «محمد النفس الزكيّة ورسالته في السيرة في أهل البغي»، في: مجلة كلية الآداب جامعة صنعاء ١١ (١٩٩٠)،١٠٩ - ١١١، وهو يستخدم مصطلح «السيرة» كمصطلح للدلالة على «البيان العقدي او البرنامج. . .» (ص ١٠٨ و١٢٧) معتمدا على دراستي المذكورة في الحاشية السابقة دون أن يشير إليها.
[ ٩٠ ]
للهجرة لفرق متعدّدة وتناولها الباحثون بالدّرس والمقارنة [١].