وردت هذه البيعة في مصدرين هما:
_________________
(١) درست الرسائل في موضع آخر، انظر: ماهر جرّار، «أربع رسائل زيدية مبكّرة»، في: الكتاب التكريمي للدكتور إحسان عبّاس، تحرير إبراهيم السعّافين، عمان.
[ ٩٢ ]
١ - أخبار فخ (ص ١٣٩) بسنده عن عيسى بن مهران، قال، حدّثنا محمد بن مروان، قال: حدّثنا أرطاة بن حبيب: كانت بيعة الحسين بن علي الفخّي، ﵀، «أبايعكم على كتاب الله وسنّة نبيّه، والعدل في الرّعية والقسم بالسّويّة، نحل ما أحلّ القرآن والسنّة العادلة، ونحرّم ما حرّم القرآن والسنّة العادلة. على ذلك دعوانا بجهدنا وطاقتنا، وتتسلّحوا معنا وتجاهدوا عدوّنا، فإن وفينا لكم وفيتم لنا، وإن خالفنا فلا طاعة لنا عليكم، وعليكم عهد الله أن تجاهدونا فيمن جاهدنا إن نحن خالفنا، ثمّ قال: اللهم اشهد به».
٢ - مقاتل الطالبييّن (٤٤٩ - ٤٥٠ - ط.٢ ٣٧٧ - ٣٧٨) بسنده عن الحسن [بن محمد المزني]: وحدّثني محمد بن مروان عن أرطاة، قال: لما كانت بيعة الحسين بن علي صاحب فخ قال: «أبايعكم على كتاب الله وسنّة رسول الله، وعلى أن يطاع الله ولا يعصى، وأدعوكم إلى الرضا من آل محمّد، وعلى أن نعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه، ﷺ، والعدل في الرّعيّة والقسم بالسويّة، وعلى أن تقيموا معنا وتجاهدوا عدوّنا، فإن نحن وفينا لكم وفيتم لنا، وإن نحن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم».
ونلاحظ ما بين النصين من اختلاف يتجاوز الفروق الشكلية، ونحن هنا أمام نصيّن يلتقي سندهما عند الحلقة الثانية: محمد بن مروان، ولم أستطع الاهتداء لترجمته بعد. أمّا أرطاة بن حبيب الراوي الأوّل لنصّ البيعة، فهو أسدي كوفي، روى عن الإمام جعفر الصّادق وله كتاب [١]. ويبدو أنّه توفيّ في الربّع الأول من القرن الثالث الهجري، إذ أنّ الرواة المباشرين عنه توفوا في النصف الثاني من القرن الثالث،
_________________
(١) رجال ابن داود ٤٧؛ ورجال النجاشي ٧٨؛ وجامع الرواة ١/ ٧٨ وانظر Asiatische Studien ٧٤(٣٩٩١)،p .٣٨٢. M .Jarrar،in:
[ ٩٣ ]
مثل محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب الزيّات [١] (-٢٦٢/ ٨٧٥) [٢]، وعبّاد بن يعقوب الرواجيني [٣] (-٢٥٠/ ٨٦٤) [٤]، ويحيى بن زكرياء بن شيبان [٥]. وورد في كتاب «أخبار فخ» [٦] اسم حبيب بن أرطاة كأحد دعاة يحيى بن عبد الله، وارجّح أنّه هو نفسه أرطاة بن حبيب المذكور هنا في السند بعد أن عكس الاسم أحد الرواة أو النّسّاخ، سهوا على الأرجح، ويظهر اسم حبيب بن أرطاة هذا في «مقاتل الطالبييّن» [٧] كراو عن إبراهيم بن أبي يحيى (-١٨٤/ ٨٠٠)، أحد دعاة يحيى بن عبد الله.
ويفيدنا تحديد الزمن الذي عاش فيه أرطاة بن حبيب في تعيين الطبقة التي ينتمي إليها الراوي عنه: محمد بن مروان، مما يجعلنا نرجّح أنه توفي في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري. ويتفرّع الاسناد بعد مروان بن محمد:١) عيسى بن مهران في سند «أخبار فخ»، و٢) الحسن بن محمد المزني في سند «مقاتل الطالبييّن». وعيسى بن مهران هو أبو موسى المستعطف بغدادي فيما يبدو أو أنّه نزلها. وله عدّة كتب كلّها تدلّ على تشيّعه وإن لم تسعفنا عناوينها في معرفة اتجاهه، منها: «كتاب مقتل عثمان»، و«كتاب الفرق بين الآل والأمّة»، و«كتاب المهدي» [٨]. ويذكر الخطيب البغدادي أنّ له كتابا في الطعن على الصحابة [٩]، وقال عنه الذهبي «رافضي كذّاب» ونقل عن ابن عدي (-٣٦٥/ ٩٧٥) قوله: «حدّث بأحاديث موضوعة، محترف في
_________________
(١) ذكرت رواية عنه في رجال النجاشي ٧٨.
(٢) رجال ابن داود ٢٦٨، رقم ١٣٤٥.
(٣) ذكرت رواية عنه في مقاتل الطالبيين ٢٥١ (ط ٢.٢٢٢).
(٤) انظر عنه رجال النجاشي ٢٠٨، وجامع الرواة ١/ ٤٣١؛ و Quellenuntersuchungen ٢١١ f . S .Gu؟nther،
(٥) ذكر روايته عنه في تاريخ ابن عساكر ٥/ ٣٤؛ وله ترجمه في جامع الرواة ٢/ ٣٢٨.
(٦) ص ١٩٨؛ وانظر ما تقدّم ص ٧٥.
(٧) ٢٥١ (ط ٢.٢٢٢).
(٨) رجال النجاشي ٢١٠ - ٢١١؛ ومعالم العلماء ٧٦؛ وجامع الرواة Asiatische Studien ٧٤(٣٩٩١)،p .٣٨٢. M .Jarrar،in:؛٦٥٤/ ١
(٩) تاريخ بغداد ١١/ ١٦٧ - ١٦٨.
[ ٩٤ ]
الرفض. . .» [١]، ويبدو أنّ هذا النبز بلقب «الرافضي» كان يطلق على اتباع سائر فرق الشيعة ما عدا الزيديّة أثناء القرن الثالث الهجري [٢]. ويروي أبو الفرج في «مقاتله» [٣] عدّة روايات عن عيسى بن مهران بواسطة الحسن بن علي الخفّاف [٤] وأحمد بن عبد الله ابن عمّار الثقفي (-٣١٤/ ٩٢٦ أو ٣١٦/ ٩٢٨) [٥]. أما الحسن بن محمد المزني فهو أحد مصادر علي بن إبراهيم الجواني العلوي صاحب كتاب «أخبار صاحب فخ» وكتاب «أخبار يحيى بن عبد الله» [٦]. ويتصل سند الحسن بن محمد المزني في «مقاتل الطالبيين» مرّتين ببكر بن صالح الرازي عن طريق علي بن محمد بن إبراهيم [٧]، وبكر بن صالح هذا هو أحد الرواة في كتاب «أخبار فخ» الذي بين يدينا [٨].
هذا بالنسبة لسند البيعة، فلنعد إلى نصّها. إن الناظر لصيغة النصّ في روايتيه بشكل عام يجد أنّه يماثل أي نص لبيعة أخرى من القرنين الثاني والثالث للهجرة، فالمصطلح غدا تقليديا ويكاد يكون مكرورا.
فالدعوة إلى البيعة على «كتاب الله وسنّة رسوله (نبيّه)»، قد تكررّت في «خطاب» الفرق الاسلامية وأدبيّاتها على مختلف مشاربها وأهوائها منذ النصف الثاني من القرن الأوّل الهجري. ولا يكاد خطاب عقائدي/سياسي، معارضا كان أو
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٣/ ٣٢٤؛ والمغني ٢/ ٥٠١ وفيه: «متحرق في الرفض».
(٢) انظر؛ H .Halm،Die Schia ٩٤: وأظهر (E .Kohlberg) في مقالة له أن الإمامية أنفسهم كانوا يستعملون اللقب بشكل ايجابي. (JAOS ٩٩ (٩٧٩١)،٧٧٦ - ٩٧٦)
(٣) انظر مثلا ٦٩،٧٣ (ط ٢.٧٦،٨٠).
(٤) S .Gu؟nther،Quellenuntersuchungen ٠٧١ f .
(٥) S .Gu؟nther،op .cit .٣٣١ ff .
(٦) انظر ما تقدّم ص ٢٦.
(٧) رجحت أن يكون الهمداني وكيل الناحية، رجال النجاشي ٢٤٢ - ٢٤٣؛ وجامع الرواة ١/ ٥٩٦،٢/ ١٥٠؛ و M .Jarrar،in:Asiatische Studien (٣٩٩١)،p .٠٨٢،fn .٧
(٨) انظر الفهارس.
[ ٩٥ ]
مواليا، يخلو من استخدام هذا المصطلح منذ حصر عثمان يوم الدّار ثم في التحكيم بين علي ومعاوية [١]؛ ووردت في خطبة عبيد الله بن عبد الله المرّي أحد الدعاة مع سليمان بن صرد زعيم التوابين [٢]، كما وردت في بيعة المختار الثقفي [٣]، ودعا إليها غيلان الدمشقي [٤] وعبد الله بن إباض في رسالته لعبد الملك [٥]، والمرجئة أواخر عصر بني أمية [٦] والحارث بن سريج [٧]، وعدد من ثوار الخوارج [٨]، كما وردت في بيعة زيد بن علي [٩] ثم دعا إليها الحزب الهاشمي [١٠].
وكذلك مصطلح «العدل بالرعية والقسم بالسويّة»، اتّفق عليه أكثر أطراف المعارضة من أهل الأمصار منذ نقموا على عثمان بن عفّان سيرته واتهموه بأنه استأثر بالفيء وجعله خالصا لأهل بيته، كما أخذوا عليه تجميره البعوث إلى آخر ما نقموه
_________________
(١) أخبار المدينة ١١٩٣؛ والبلاذري (عبّاس) ٤/ ١/٥٥٣؛ وفي التحكيم، انظر مجموعة الوثائق السياسيّة لحميد الله ٣٩٧، والعبارة ترد في مختلف روايات النص وكذلك في الأخبار التاريخية التي تناولت التحكيم، تاريخ الطبري ٥/ ٥٠،٦٤،٧٦. (-١/ ٣٣٧٢،٣٣٥١،٣٣٦٧)
(٢) تاريخ الطبري ٥/ ٥٦٠ (-٢/ ٥٠٨)؛ وجمهرة رسائل العرب ٢/ ٥٥ - ٥٦؛ كما ينسب استخدام هذا المصطلح قبل عبيد الله المري إلى الحسين بن علي، تاريخ الطبري ٥/ ٣٥٧ (-٢/ ٢٤٠).
(٣) تاريخ الطبري ٦/ ٣٢ (-٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣)؛ وجمهرة رسائل العرب ٢/ ٧٧.
(٤) الملل والنحل ٦١؛ وانظر عنه J .van Ess،Anfa؟nge ٧٧١ - ٥٤٢.:
(٥) قارن ب J .Schacht،Introduction ٧١ f .:
(٦) انظر مثلا تاريخ الطبري ٦/ ٥٩٢،٥٩٣ (-٢/ ١٣٩٩ - ١٤٠٠).
(٧) تاريخ الطبري ٧/ ١٠١ (-٢/ ١٥٧٧)؛ و J .van Ess،Anfa؟nge ٩٥٢
(٨) انظر تاريخ الطبري ٥/ ١٩١ (-٢/ ٤٠)؛ والوثائق السياسية لماهر حمادة (العصر الأموي) ٥١٤؛ وتاريخ الطبري ٧/ ٣٩٤ (-٢/ ٢٠٠٨).
(٩) تاريخ الطبري ٧/ ١٧٢ - ١٧٣ (-٢/ ١٦٨٧)؛ والمصابيح (مصورة دار الكتب رقم ٨١)،٦٨ - ٦٩.
(١٠) تاريخ الطبري ٧/ ٣٨٤ (-٢/ ١٩٩٣) ;٧/ ٣٩٠ (-٢/ ٢٠٠٩)؛ والوثائق السياسية (العصر الأموي) ٥٢٨ - ٥٣٠؛ وأخبار الدولة العباسيّة ٢١٣،٢٩٢ وصفحات أخرى؛ وقارن ب M .Cook،Early Muslim Dogma ٧١ f .:
[ ٩٦ ]
عليه [١]؛ وقد ورد في بعض الأخبار أنّ عبد الله بن عباس استخدم هذا المصطلح في خطبة له أمام معاوية بن أبي سفيان [٢]؛ وغدا هذا المطلب شعارا رئيسا في خطاب أطراف المعارضة زمن عمر بن عبد العزيز، كما ورد في خطبة لأبي حمزة الخارجي [٣]. أمّا زيد بن علي فكانت «قسمة الفيء بين أهله بالسّواء وإقفال المجمّر» من شروط بيعته [٤].
أمّا العبارة الأخيرة «فإن نحن وفينا لكم وفيتم لنا. . .»، بما تظهره من الخضوع لرأي الجماعة، فقد استخدمها يزيد بن الوليد بن عبد الملك (جمادى الآخرة ١٢٦/ ٧٤٤ - ذو الحجة ١٢٦) الناقص في خطبته الأولى عندما تولّى الحكم [٥]، وقد كان يزيد قدريا ولقي دعما من الغيلانية والقدريّة الذين وجدوا فيه امكانية لتحقيق برنامجهم، وهذا ما يفسّر استعداده للالتزام بقرار الجماعة واختيارها الحرّ [٦].
غير أنّ ثمّة اختلافين رئيسين بين نصي البيعة، فعبارة «على أن نعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ»، التي وردت عند أبي الفرج في «مقاتله» توحي بأنّها تكرار إذ أنّه ذكر في أوّل البيعة «أبايعكم على كتاب الله وسنّة نبيّه»؛ وقد ورد في نص «أخبار فخ» بدلا منها «. . . نحلّ ما أحلّ القرآن والسنّة العادلة، ونحرّم ما حرّم القرآن والسنّة العادلة»، وهذه الصيغة تأتي بتفصيل جديد يبرّر ورودها، وليس كذلك الجملة التي وردت في نصّ «المقاتل».
_________________
(١) انظر M .Hinds،in:IJMES ٣(٢٧٩١)،pp .٧٥٤ ff .:
(٢) جمهرة خطب العرب ٢/ ٨٨؛ وانظر استعمال المصطلح من قبل عبد الله بن مطيع في تاريخ الطبري (-٢/ ٦٠٣ - ٦٠٤).
(٣) تاريخ الطبري ٦/ ١١ ٧/ ٣٩٩ (-٢/ ٣٠١٢)؛ وكذلك في خطب المستورد الخارجي، الوثائق السياسية (العصر الاموي) ١٥٤،٥٢٤؛ وقد أشار يزيد بن الوليد إلى تعطيل الحدود وسفك الدماء وأخذ الأموال بغير حقّ، انظر ما يلي.
(٤) تاريخ الطبري ٧/ ١٧٢.
(٥) انظر نصّها في تاريخ الطبري ٧/ ٢٦٩ (-٢/ ١٨٣٥).
(٦) انظر في يزيد بن وليد الناقص Ess،in:SI ١٣(٠٧٩١)،pp .٩٦٢ ff .;G .R .Hawting،The First Dynasty ٣٩ ff . J .Wellhausen،Das arabische Reich ٤٢٢ ff .;J .van:
[ ٩٧ ]
وتستوقفنا هنا عبارة «السنّة العادلة»، وقد وردت هذه العبارة كمصطلح في كتاب التحكيم بين علي ومعاوية-الذي ذكر قبل-وهو بحسب نصّ الجاحظ «. . وما لم نجده في كتاب الله مسمّى فالسنّة العادلة الجامعة غير المفرّقة فيما اختلفنا فيه»، وقد وردت العبارة هناك مرّتين [١]. كما نقل عن عمر بن عبد العزيز قوله في آخر خطبة له في خناصرة: «ولكنه من الله ﷿ كتاب ناطق وسنّة عادلة دلّ فيهما على طاعته ونهى عن معصيته» [٢].
ولا بدّ هنا من الوقوف عند مفهوم «السنّة» أولا، الذي يتكرر كثيرا-كما مرّ معنا-في الخطاب «الايديولوجي» منذ القرن الأوّل. وقد بيّن M .Bravmann في دراسة له حول استخدام هذا المصطلح في القرن الاسلامي الأوّل [٣]، أنه يعني كلّ عمل أو فعل استنه الرسول، ومورس من بعده بشكل دائم فأصبح ملزما للجماعة.
وقد يكون هذا العمل كان شائعا قبل البعثة النبوية «كسنّة» سابقة إلا أن تبنيه من قبل الرسول جعله سنّة إسلامية [٤]، كما قد يكون هذا العمل من سنّة الخلفاء بعده، «فالسنة» إذا هي مجموعة أعراف أو عادات (Consuetudo) الجماعة التي غدت متّبعة وملزمة. [٥] (Statutum) وهذا المصطلح هو مصطلح عربي استخدم منذ ما قبل
_________________
(١) مجموعة الوثائق السياسيّة لحميد الله ٤٠١؛ ولم يرد في نص الدينوري الذي ذكره حميد الله-سوى «. . . سنّة رسول الله الجامعة (ص ٣٩٧)؛ وعند البلاذري «. . . السنة العادلة الحسنة الجامعة غير المفرّقة»، وفي المرة الثانية «. . . بالسنّة الجامعة غير المفرّقة» (ص ٤٠١)؛ ووردت العبارة مرّة واحدة في نص اسماعيل التيمي بصيغة «. . . فالسنّة العادلة تجمعها» (ص ٤٠٢).
(٢) تاريخ الطبري ٦/ ٥٧١ (-٢/ ١٣٦٩)؛ والوثائق السياسية (العصر الأموي) لمحمد ماهر حمادة ٤٢٢.
(٣) Early Islam،pp .٣٢١ - ٤٩١. M .M .Bravmam،"Sunnah and Related Concepts"،in:The Spiritual Background of
(٤) op .cit .٥٧١.
(٥) op .cit .٧٦١ f .
[ ٩٨ ]
الاسلام وكان يستخدم كذلك بمعنى «سيرة» [١]، إلا انه تميّز في الاسلام كمصطلح ارتبط بأعراف الجماعة الاسلامية الأولى وعاداتها منذ زمن مبكر، وهو يدحض بذلك نظرية شاخت التي قال فيها ان هذا المصطلح أسس على اعتبارات عقائدية متأخرة [٢].
يبدو لي إذن أن الدعوة إلى «سنة رسول الله» من قبل الأطراف المعارضة كانت تعني الرغبة في تصحيح السياسة الامويّة التي استنّت أعراف وتقاليد جديدة لم تكن الجماعة الاسلامية الأولى قد تعارفت عليها؛ ومن ذلك مثلا، قسمة الفيء، وتجمير البعوث اللذين يتكرران بالحاح في هذا الخطاب المعارض، وغيرها من التفاصيل التي أخذت عليهم كتأخير الصلاة وإطالة الخطبة، والخطبة جلوسا الخ. غير أنّ فهم هي «السنة» كان خاضعا كذلك لاعتبارات اجتهادية خاصة بكل «جماعة» من الجماعات، فقد اختلف المسلمون الاوائل في أمور من السنّة كالمسح على الخفّين ورفع اليدين في الصلاة، مثلا، وزواج المتعة وحدّ شارب الخمر، وعلى أمور أخرى ذات طبيعة سياسية، كتولية الامام وشروط الإمامة إلى غير هذا من المسائل المهمة.
ولهذا كلّه يبقى هذا المصطلح غير واضح تماما وخاضعا للتأويل والاجتهاد الدائم.
أمّا الاختلاف الثاني في نصّ البيعتين فهو ما يرد في رواية أبي الفرج الاصفهاني من الدعوة «إلى الرضا من آل محمد»، وهو أمر يبدو مستغربا إذ كانت هذه الدعوة هي دعوة الفئات المعارضة للأموييّن، الذي اعتبر اجتماع الأبواء تاريخا فاصلا لانتظامها سويا في إطار الدعوة الهاشمية بفرعيها العلوي والعباسي [٣]، وباسمها
_________________
(١) انظر الآن M .Jarrar،op .cit .:
(٢) M .Bravmann،op .cit .٣٢١ f .
(٣) انظر في اجتماع الأبواء ص ٢٨ فيما تقدم.
[ ٩٩ ]
استأثر العبّاسيّون بالسلطة وجيّروا هذا الشعار لأنفسهم [١]. وأرى أنه من المستغرب أن يستخدم الحسين الفخي هذا الشعار مجدّدا في دعوته خاصة أنه يدعو لنفسه ولا حاجة في التمويه على اسم من يدعو له. غير أننّا نجد هذا الشعار مستخدما من قبل زيدية الديلم في النصف الثاني من القرن الثالث، ولكن استخدامه ينحصر بين «دعاة» لم يبلغوا درجة الإمامة [٢] فتكون دعواهم هذه باسم الامام الذي يدعون إليه كما في حالة الحسن بن زيد الذي ثار سنة ٢٥٠/ ٨٦٤ [٣]، وكالحسين بن أحمد الكوكبي الذي ثار سنة ٢٥٢/ ٨٦٦ [٤]. كذلك دعا أبو السرايا في بيعته لمحمد بن إبراهيم سنة ١٩٩/ ٨١٤ إلى «الرضا من آل محمد» [٥]. وقد يكون ورود هذا الشعار في نص البيعة كما ذكرت عند أبي الفرج بسنده عن الحسن بن محمد المزني هو من زيادة المزني نفسه-قياسا ربّما-على ما كان سائدا في عصره ولم يتنبّه إلى أنّ هذا المصطلح استخدم في عصره من قبل «دعاة» وليس من قبل فاطمي يدعو للامامة لنفسه كما في حال الحسين الفخي. ويبدو لي لهذه الاسباب مجتمعة أن نصّ البيعة الذي ذكره ابن سهل الرازي في «أخبار فخ» هو الأكثر موثوقية ودقّة. ولا أجد بدا من التذكير هنا مرّة أخرى بأن هذه المصطلحات كانت قد غدت شائعة في النصف الثاني من القرن الثاني وفي القرن الثالث الهجري عندما ابتدأ بتدوين كتب التاريخ
_________________
(١) انظر تاريخ الطبري ٧/ ٣٨٠،٣٩٠،٤٢١ (-٢/ ١٩٨٩،٢٠٠٣،٣/ ٢٤)؛ وأخبار الدولة العبّاسية A .A .Sachedina،Islamic Messianism ٣٥;٠٠٢،٤٩١;H .Halm،Die Schia ٩٢ ff .
(٢) ولم تعترف بهم المصادر الزيدية كأئمة، انظر id:Religious Trends ٨٨. W .Madelung،Der Imam al-Qa؟sim ٦٥١;
(٣) تاريخ الطبري ٩/ ٢٧٥ - ٢٧٦ (-٣/ ١٥٣١ - ١٥٣٣)؛ وانظر Qa؟sim ٤٥١ ff . W .Madelung،Der Imam al -
(٤) W .Madelung،Der Imam al-Qa؟sim ٥٥١.
(٥) انظر؛ W .Madelung،Der Imam al-Qa؟sim ٥٥١: وهو يذكر كذلك دعوة يحيى بن عمر في الكوفة سنة ٢٥٠/ ٨٦٤.
[ ١٠٠ ]
ومجاميعه، وأصبح من العسير، بغياب وثائق مبكرة، الجزم بأنها قد استعملت فعلا في رسالة ما تحت الدرس، أو أنها مجرّد «شعار» غدا نوعا من Stock description فالشك يبقى قائما دون أن يوقعنا في نوع من «العدميّة» التاريخية.