فلم ترد سوى في «أخبار فخ»، ويرويها أحمد بن سهل الرازي بسند يرقى الى سعيد بن خثيم الهلالي. وسعيد هذا من كبار محدّثي الزيديّة، خرج مع زيد بن علي حينما كان شابا، ثم اشترك في ثورة إبراهيم بن عبد الله في البصرة، وفي ثورة الحسين الفخّي بعد أكثر من ربع قرن، وقد توفي بين سنتي ١٨٠/ ٧٩٦ و١٩٠/ ٨٠٥. وتذكر المصادر الإماميّة أنّه حمل العلم عن الأصبغ بن نباتة، أحد صحابة علي بن أبي طالب؛ كما أثنت عليه المصادر السنيّة وأخذ عنه أحمد بن حنبل، وحين ذكر أمام يحيى بن معين أنّه قدري، أجاب: «شيعي ثقة وقدري ثقة» [١]. ويتصل سند أحمد بن سهل الرازي به عن طريق أحمد بن حمزة الرازي، ولم أستطع الاهتداء إلى ترجمته ويبدو أنّه مروي كالمؤلّف؛ وهو يروي بدوره عن أحمد بن رشيد ابن أخت سعيد بن خثيم. ويصدّر سعيد الخطبة بقوله:
«كنت مع الحسين بن علي، ﵀، فاجتمعنا إليه قبل اللقاء، فقام فينا خطيبا ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال»، مما يظهر أنّ سعيدا كان شاهد عيان واشترك في المعركة، وتبدأ خطبة الحسين «بأمّا بعد» [٢]، إذ كان بحسب نقل سعيد، قد حمد الله وأثنى عليه؛ بعكس خطبته الأولى التي لم يذكر الراوي فيها لا حمد الله ولا «أما بعد». وهو يوجّه الخطاب إلى «إخوتي وإخواني وشيعة أبي-يعني علي بن أبي طالب-ومحبّي جدّي رسول الله». وتظهر الخطبة عسف العباسيين، لا بل خروجهم من الدين. والحسين يعدّد أعمالهم السيئة بشكل تصاعدي، صابّا معجم المآخذ التي غدا ذكرها تقليديا عند فرق المعارضة منذ عهد الأموييّن «الفسق والفجور، سيرتهم في أمّة محمد، ارتكابهم المحارم وتعطيلهم الحدود. .
_________________
(١) انظر ما تقدّم ص ٧٥.
(٢) انظر في ما يقال في افتتاح الرسائل والخطب، صبح الأعشى ٦/ ٢٢٤ - ٢٣١.
[ ١٠٢ ]
الخ». وقد وردت هذه الصفات في خطب للحسين بن علي [١] وأبي حمزة الخارجي [٢]؛ وكذلك قوله «دعاهم الشيطان فأجابوه. . .»، هو صورة وردت في خطبة للحسين بن علي وفي أخرى لأبي حمزة الخارجي [٣]، وقد حملت «الإجابة» في القرآن دائما معنى الهداية والخلاص فهي إجابة لداعي الله ولرسله أو أنّها إجابة من الله سبحانه لعباده [٤]؛ وإجابة الشيطان هنا تظهر نقيض الإجابة المذكورة في القرآن لتؤكد على الكفر.
أمّا ما ورد في خطبة الحسين من «تولية اليهود والنصارى وشرب الخمور وإتيان الذكور»، فهي صفات غدت مكرورة [٥]، وهذا التصعيد في جمع الصفات السلبيّة الذي يطاول تأثيرها الجماعة كلّها «يقتلون خياركم ويستذلّون فقهاءكم، ويقضون بالهوى ويحكمون بالرّشا ويولّون السفهاء. . .» يتيح فسحة للحسين كي يستثير غضب جماعته الذين سمّاهم «أهل القرآن» في خطبته الأولى كما يسمح له بالتصعيد من جديد والإتيان بمعان جديدة «قد درس الكتاب فاوّل على غير تأويله، وغنّي به على المعازف فحرّف عن تنزيله، فلم يبق من الإسلام إلاّ اسمه، ولا من القرآن إلاّ رسمه. .» (٥).
وقد شكّل «تأويل القرآن» منذ أن ظهرت الفرق الاسلاميّة في النصف الأوّل من القرن الأول حافزا لكل فرقة كي تدّعي أنها صاحبة الفهم الصحيح والتأويل السليم [٦]، وأنّ من عداها هم الذين أساءوا التأويل وأخطأوه ابتغاء الفتنة، وإلى هذا المعنى أشار القرآن الكريم فَيَتَّبِعُونَ ماتَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ اَلْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ (آل
_________________
(١) جمهرة خطب العرب ٢/ ٤٠.
(٢) الوثائق السياسيّة لحماده،٥١٩،٥٢٠؛ وانظر خطبة المستورد الخارجي ص ٤٥١.
(٣) وفي خطبة للامام علي أن الشيطان يبيض ويفرّخ في صدور أتباعه (نهج البلاغة ٥٣).
(٤) المعجم المفهرس لعبد الباقي ١٨٥ - ١٨٦ (جوب).
(٥) قارن بحديث في «أشراط الساعة» ينسب لحذيفة بن اليمان في محاضرات الأبرار لابن عربي (ط. السعادة ١٩٠٦) ٢/ ١٧ - ١٨، حيث ترد هذه الصفات التي غدت بمثابة. Topoi
(٦) قارن ب: مفهوم النصّ لنصر حامد أبو زيد ٢١٩ وما بعدها.
[ ١٠٣ ]
عمران ٣/ ٧). فالخلاف الأساسي بين الفرق هو على تأويل القرآن، وقد ذكر ذلك سلمان الفارسي في رجز ينسب إليه في معركة صفّين [١]:
نحن ضربناكم على تنزيله فاليوم نضربكم على تأويله
وذكر عن الإمام عليّ قوله: «هذا القرآن إنّما هو خطّ مستور بين الدفّتين لا ينطق بلسان ولا بدّ له من ترجمان» [٢]، وهو دعوة إلى التأويل. وفي رسالته إلى عبد الملك يردّ الحسن البصري عليه في توضيح موقفه من القدر مظهرا دور التأويل مدّعيا لنفسه حسن التأويل وإصابته [٣]. وفي كتاب «الصفوة» المنسوب لزيد بن علي يقول زيد لمخاطبه: «وقد رأيت ما وقع النّاس فيه من الاختلاف، تبرّأوا [من بعضهم] وتأوّلوا القرآن برأيهم على أهوائهم، اعتنقت كل فرقة منهم هوى ثم تولوا عليه، وتأوّلوا القرآن على رأيهم ذلك بخلاف ما تأوّله غيرهم، ثم برئ بعضهم من بعض، وكلّهم يزعم فيما يزيّن له أنّه على هدى في رأيه وتأويله وأنّ من خالفه على ضلالة أو كفر أو شرك» [٤]، ثم يوضح في رسالته أنّ «أهل البيت» وهم «الصفوة» و«الحبوة» و«الخيرة» هم الأولى بتأويل القرآن وفهمه. أمّا ما يذكره الحسين الفخّي هنا من أنّ «القرآن غنّي به على المعازف فحرّف عن تنزيله ولم يبق منه إلاّ رسمه. . .»، فالمقصود به-فيما أرى- التصعيد في لهجة الخطاب، ولا أجد إشارة تاريخيّة إليه، إلاّ أن يكون المقصود «التطريب» الذي عدّ بدعة وكان مثار جدل بين العلماء في أواخر القرن الثاني
_________________
(١) وقعة صفيّن ٣٤١.
(٢) نهج البلاغة ١٨٢.
(٣) انظر رسالته في Der Islam ١٢(٣٣٩١)،p .٩٦،٩١ - ٠٢;٤٧،٠٢;٥٧،٢;٨٧،٢١ - ٣١،٦١;٩٧،٢١. وقد رجّح مايكل كوك (M .Cook) أن يكون عبد الملك المذكور هو عبد الملك بن المهلب، انظر Early Muslim Dogma ٢٦ ff .:
(٤) كتاب الصفوة ٨٩.
[ ١٠٤ ]
وأوائل القرن الثالث كما يتبيّن من موقف الإمام أحمد بن حنبل [١]، ولا أعتقد أنّ هذا هو المقصود في خطبة الحسين. عند هذه النقطة من ذكر القرآن والتأويل يبلغ الحسين الفخّي غاية التصعيد فيوجّه خطابه «لأهل دعوته»: «فلو أنّ مؤمنا تقطّعت نفسه قطعا، ما كان ذلك لله رضا بل كان بذلك جديرا»، ويختم رسالته بالحث على الجهاد، لأنّ قتال القوم «فريضة».
نلاحظ أنّ معاني هذه الخطبة هي معان مشتركة في الخطاب المعارض وأن الحسين يحشدها هنا في نفس تصعيدي للحث على الجهاد ولتمييز أتباع فرقته واقناعهم بصواب جهادهم.