قالها على فرسه يحرض النّاس قبل القتال. وسندها هو التالي [٢]: «قال وحدّثني هارون الوشّاء، قال حدّثني عبد العزيز بن يحيى الكناني، ويقال إنّه كان من الدعاة إلى يحيى بن عبد الله، قال: لمّا صار الحسين إلى فخّ، خرج يحيى على فرسه يحرّض النّاس، قال بعد حمد الله. . .»، ويبدو لي أنّ «قال» في أول النصّ تعود إلى الحسن بن عبد الواحد الكوفي [٣]؛ ولم أستطع التعرّف على هارون الوشاء، وقد ورد أيضا باسم هارون بن موسى [٤]. أمّا عبد العزيز بن يحيى الكناني، فأرى أنّه المكّي الفقيه صاحب محمد بن الحسن الشيباني، وقد تفقّه بالإمام الشافعي واشتهر بصحبته وذهب معه إلى اليمن، وقدم بغداد في أيّام المأمون وجرت بينه وبين
_________________
(١) انظر مثلا طبقات الحنابلة ١/ ٥٧،٧٤.
(٢) انظر ما يلي ص.
(٣) اذ هو الراوي الرئيس الذي ورد اسمه قبل صفحات من هذا الخبر؛ وقد سبق التعريف به ص ٢٣ فيما تقدّم.
(٤) وقد وهمت حينما قدّرت أنّه قد يكون أبو بشر هارون بن حاتم البزّار، انظر in:Asiatische Studien ٧٤(٣٩٩١)،٤٠٢،fn .٢٤. M .Jarrar،:
[ ١٠٥ ]
بشر المريسي مناظرات في القرآن، وإليه ينسب كتاب «الحيدة» وقد توفي في حدود سنة ٢٤٠/ ٨٥٤ [١]. وورد هنا أنّه ذكر في دعاة يحيى، وليس ذلك بمستبعد، وبسند يرقى إليه ينقل أحمد بن سهل الرازي خبر نقض هارون الرشيد لأمان يحيى إذ كان عبد العزيز حاضرا للحادثة مع الحسن الشيباني وعيره [٢].
والخطبة دعوة تحريضيّة للجهاد لا تظهر أسلوبا خاصا، بل تقوم على «تمييز» أصحاب الدعوة «فإنكم أنصار الله وأنصار كتابه وأنصار رسول الله ﷺ، وأعوان الحق، وخيار أهل الأرض، وعلى ملّة الإسلام ومنهاجه الذي اختاره لأنبيائه المرسلين وأوليائه الصابرين. . .»، ثم يردف بآية قرآنية طويلة في الحث على الجهاد (التوبة ٩/ ١١١ - ١١٢) اعتمدتها كذلك سائر الفرق الإسلاميّة، فيصبح الخطاب القرآني وكأنّه موجّه لهذه الفئة الخاصة المميّزة ويصبح تأثيره في نفوسهم -بعد أن تضخّمت صورة الذات-تأثيرا تطهيريا لا يجد منتهاه إلاّ في الجهاد.
ويستطرد يحيى بعد الآية إلى التأكيد لهذه الفئة المميّزة أنها ليست «معزولة» وكأنّه يريد منهم ألاّ تحول قلتهم بينهم وبين الجهاد «والله ما أعرف على وجه الأرض سواكم، إلا من كان على مثل رأيكم، حالت بينكم وبينهم المعاذير»، وهؤلاء على ثلاثة أنواع ١) فقير لا يقدر على ما يتحمّل به إلينا فهو يدعو الله في آناء ليله ونهاره،٢) غني بعدت داره فلم تدركه دعوتنا،٣) محبوس عند الفسقة وقلبه عندنا.
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٠/ ٤٤٩ - ٤٥٠؛ وتهذيب الكمال ١٨/ ٢٢٠ - ٢٢١؛ وميزان الاعتدال ٢/ ٦٣٩؛ وطبقات الشافعية الكبرى ٢/ ١٤٤/١٤٥؛ وتهذيب التهذيب ٦/ ٣٦٣ - ٣٦٤؛ والوافي-٥٦٦ ١٨/ ٥٦٥؛ وشذرات الذهب ٢/ ٩٥؛ وانظر مقدمة جميل صليبي على كتاب «الحيدة»؛ و؛ van Arendonk،Opkomst ١٩٢ و؛ GAS ٧١٦/ ١ و Mihna"in:Oriens ٨١ - ٩١(٧٦٩١)،p .١٠١. J .van Ess،"Ibn Kulla؟b und die
(٢) ص ١٥١ فيما يلي.
[ ١٠٦ ]
فالخطبة تقوم على فكرة «التمييز» وربطها بالنصّ القرآني لتشعر هذه الجماعة القليلة التي تبغي تطهيرا في الجهاد أنّها صفوة أولياء الله و«خيار أهل الأرض».