حفظ لنا كتاب أخبار فخ ثلاثة رسائل، ووردت رسالة رابعة في كتاب المصابيح. ويثور السؤال هنا عن صحّة نسبة هذه الرسائل، خاصّة أنها لا ترد في مصدر آخر، كما لم ترد أيّ إشارة لها في المصادر التاريخيّة غير الزيدية. ومسألة التحقّق من صحة الرسائل الدينيّة والعقيديّة ومن موثوقيتها أمر في غاية الدقّة.
وكنت أشرت فيما مضى إلى أن عددا من هذه الرسائل قد وصلتنا وأنّها كانت موضع درس ومقارنة من قبل جمهرة من الباحثين [١] اختطّوا طرائق في كيفية دراسة هذا النوع للتأكد من صحتّه ونسبته بالاعتماد على قرآئن داخلية وأخرى خارجيّة، وعلى دراسة المصطلح واللغة والبنية الفنيّة للرسائل. وقد درست هذه الرسائل من حيث أسانيدها ونسبتها وخطابها في بحث خاص [٢]، وسوف أكتفي هنا بإبراز أهم النتائج.
والرسالة الأولى مرسلة من إبراهيم بن أبي يحيى، أحد دعاة يحيى بن عبد الله، إلى أبي محمد الحضرمي في مصر وقد حملها إدريس معه إلى مصر [٣].
فهي رسالة خاصة موجّهة إلى شخص نجهل عنه أيّ شيء، سوى أنّه في
_________________
(١) انظر ما تقدّم ص ٩١.
(٢) «أربع رسائل زيديّة مبكرة»، في: الكتاب التكريمي للدكتور إحسان عبّاس، تحرير إبراهيم السعّافين، عمان.
(٣) يروي الرسالة عبد العزيز بن يحيى الكتاني أحد دعاة يحيى كذلك.
[ ١٠٧ ]
الحضارمة الذين نزلوا مصر. وقد عرف الحضارمة بتشيعهم للامام علي وقد تبوّءا عدد منهم مراكز ادارية مهمة في مصر. ولا نعرف ميول أبي محمد هذا الشيعية ويبدو من نصّ الرسالة أنه لم يكن زيديا. والرسالة قطعة ادبية فنية متميزة يحاول فيها إبراهيم بن أبي يحيى كسب تأييد أبي محمد الحضري لقضية يحيى بن عبد الله مؤكدا العقيدة في حبّ آل البيت وعصمتهم، ويحذره من الغلو في حبهم والافراط فيه والابتعاد عن «أهل الفرية من الرافضة الغلاه»، وقد بيّنت إلى أنّ هذا قد يشير إلى ميول أقرب إلى «التطرّف» عند أبي محمد الحضرمي. ويستلهم ابن أبي يحيى القرآن بكثرة في رسالته. ويظهر مصطلحها خطابا جاروديا. كما لاحظت غياب أي ذكر لإدريس بن عبد الله في الرسالة رغم أنّها كتبت لنصرته، ممّا قد يحملنا على الشك فيها.
أمّا الرسالة الثانية فهي موجّهة من إدريس بن عبد الله إلى البربر يدعوهم إلى نصرته وتأييده والجهاد معه، فهي «دعوة» أو «سيرة» للعامّة. وخطابها زيدي معتزلي بني على أصلي العدل والتوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي كرسالة ابراهيم بن أبي يحيى محكمة البناء متينة اللغة، تفيدنا كثيرا في فهم تطور بعض العقائد الزيدية؛ ولم أجد ما يثير شكا أو ريبة في نسبة الرسالة وموثوقيتها.
تبقى رسالتان، الأولى منهما نسبت في «كتاب المصابيح» لإدريس بن عبد الله وأنّه أرسلها «إلى أهل مصر»، وقد أثبت أنّها موضوعة؛ والثانية وردت في «أخبار فخّ» حيث ذكر ابن سهل الرّازي أنّ يحيى بن عبد الله أرسلها إلى هارون الرشيد حينما عرض عليه الأخير الأمان. وهي رسالة طويلة يعرض فيها يحيى «للتاريخ» الزيدي، تاريخ الخروج. وهي شبيهة إلى حدّ ما بالرسائل التي تنسبها المصادر لمحمد النفس الزكيّة والتي خاطب بها أبا جعفر المنصور. وقد شككت
[ ١٠٨ ]
في نسبتها إذ تتضمن مغالطات تاريخية منها ذكر لهدم قبر الحسين وهذا أمر لم يحصل إلا في خلافة المتوكل العبّاسي.
وقد بيّنت في بحثي المشار إليه، إلى أنّه لا يمكننا دراسة الرسائل الزيديّة الأولى دراسة متأنّية قبل تحقيق المصادر الزيدية تحقيقا علميا، كما وضعت بعض الخطوط العامة والملاحظات الأوليّة التي تساعدنا في دراسة هذا النوع، وما يزال الطريق أمامنا طويلا.
[ ١٠٩ ]