لم تحظ المصادر التاريخية الزيدية بدراسة شاملة حتى الآن، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ أكثرها ما زال مخطوطا ولم يفهرس إلاّ جزء يسير منها [١].
كذلك لم يلتفت الدارسون في تحقيقهم للكتب التاريخية العامّة إلى مقارنتها بالمصادر الزيدية [٢]، وهذا يعود جزئيا للسبب الذي ذكرته. فما زال الطريق أمامنا طويلا قبل أن يتاح لنا دراسة هذا التراث والبحث عن مصادره الأولى ودراسة أسانيده ورواته، ولوضع تصوّر عن الرؤية/الرؤى الزيدية للتاريخ الاسلامي وعن فهمهم لدور «جماعتهم» في سياق هذا التاريخ.
وتعود أولى المؤلفات التاريخية الزيديّة لأوائل القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي بعد أن استقرّت الدولة الزيدية الأولى في الديلم على يد القاسم بن
_________________
(١) تجدر الإشارة هنا إلى أعمال عبد الله الحبشي وأيمن فؤاد السيّد وحسين عبد الله العمري.
(٢) حتى مقاتل الطالبيين لم يراجع على المصادر الزيدية.
[ ١٢ ]
إبراهيم [١] الرسّي وتبعتها الدولة الهادوية في اليمن [٢]. وكان قد مرّ قرنان من الثورات المتتالية والملاحقات من قبل الدولة العبّاسيّة، الأمر الذي أدّى إلى بقاء الدعوة سريّة وانتشارها في أرجاء العالم الاسلامي وإلى نشوء تجمعات زيدية مختلفة في طور الكمون هذا لكل منها تراثها المحلي وفهمها الخاص لمجريات التاريخ الإسلامي.
ويستطيع الدارس عند قراءته للفصل الذي خصّصه الأشعري (٣٢٤/ ٩٣٥) في «مقالاته» [٣] للزيدية أن يلحظ التشرذم الواسع الذي كان ما يزال يسم الفرقة الزيدية في عصره وصعوبة تتبعه أو فهم طبيعة حركته الداخلية.
كما تجدر الإشارة إلى أن هذين القرنين قد اتّسما بصراع مرير بين أطراف كانت تجمعها كتلة واحدة للمعارضة، أخذ كلّ منها بعد نجاح العباسيّين في الاستيلاء على السلطة وفي تأسيس شرعيتهم، يحاول أن ينازعهم الشرعيّة المستمدّة أساسا من «كاريزما» النبيّ والدعوة ومن فهم كل طرف للتنزيل القرآني ودوره في مجرى التاريخ، كما يحاول أن يقف في وجه بناء مؤسسات الدولة التي سوف تخدم عملية إستيعاب «مفهوم الكاريزما» في داخلها وتأطيره لتأمين استمراريتها وشرعيتها. [٤] (Verallta؟glichung/perpetuation) وقد اتخذت المعارضة الزيديّة (وهي تمثل مجموعة من التيارات التي التقت عند قواسم مشتركة) شكل دعوة سريّة لها أجهزتها الخاصّة و«جماعتها» التي تلتفّ حول إمام من «أهل البيت» من
_________________
(١) انظر عنه W .Madelung،Der Imam al-Qa؟sim b .Ibra؟him:
(٢) انظر دراسة علي القليسي: الهادي إلى الحق، حياته وفكره وشعره ٤٥ وما بعدها؛ وسيرة الهادي إلى الحق، تحقيق سهيل زكار.
(٣) مقالات الإسلاميين ٦٥ - ٨٥؛ وقارن بفرق الشيعة للنوبختي ٥٤ - ٦١؛ والملل والنحل ٦٦ - ٦٩.
(٤) قارن ب M .Weber،Soziologie ٣٦١ f .،٣٣٤ ff .:
[ ١٣ ]
الفرع الفاطمي يؤكّد «كارزميته» عبر الخروج بالسيف للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولإقامة دولة العدل. ولم يكن الزيديّة هم الطرف الوحيد بل شهدت هذه الفترة صعود نجم الشيعة القائلة بإمامة «النصّ والنّسق» والتي أخذت تلتفّ حول الإمام جعفر الصادق بعد فشل ثورة النفس الزكيّة الذي خرج مدّعيا «المهدية»؛ وشهدت كذلك انتشار الدعوة الإباضيّة وغيرها.
تعود المصادر التي وصلتنا إذا إلى مرحلة كان على الزيدية فيها التعايش «كدولة» إلى جانب الدولة العباسيّة القائمة، وغيرها من الدويلات التي ظهرت في تلك الفترة وصار لزاما عليها إعادة النظر في نظرتها لبداياتها ولتاريخها وللتاريخ الإسلامي بعامّة، هذا ولم تكن الزيديّة كتلة متجانسة بل اتّجاهات متحرّكة.
ويمكننا أن نستخلص الصورة التاريخية العامّة-إذا جاز التعبير-للزيدية وفهمهم لأنفسهم من خلال الرسائل التي وصلتنا خاصة الرسائل المتبادلة بين محمد النفس الزكية وأبي جعفر المنصور [١]، والرسائل التي تنسب ليحيى بن عبد الله وأخيه إدريس والتي وردت في مخطوط «أخبار فخ» [٢]، وكذلك غيرها من الرسائل والكتب.
ولعلّه ما زال من المبكر قليلا أن نصل إلى نتائج حاسمة قبل تحقيق المصادر الزيدية تحقيقا علميا ودرس مصادرها، غير أني أراني لا أعدو الصواب إذا قلت إنّ خطة هذه المصادر-الأولى منها على الأقل-كانت تتمثل في ملء الخطوط العامّة للتصور التاريخي كما يبدو في الرسائل المبكرة
_________________
(١) انظر تاريخ الطبري ٧/ ٥٦٦ - ٥٧١ (-٣/ ٢٠٩ - ٢١٦)؛ وكتاب المصابيح (مصورة دار الكتب المصريّة برقم ٨١)،٧٩ أ-٨٠ ب، وحتى إذا لم تصحّ نسبتها فهي تبقى تعكس وجهة نظر زيديّة.
(٢) درست هذه الرسائل في بحث سوف يصدر في الكتاب التكريمي للدكتور إحسان عبّاس، تحرير إبراهيم السعّافين، عمّان.
[ ١٤ ]
هذه. مما يؤدي بالتالي لقبول النظرة التاريخيّة التي كانت سائدة في ذلك العصر-أي بعد مرور قرنين على تأسيس الدولة العباسيّة ونجاح «ايديولوجيتها» ومؤسساتها إلى حدّ بعيد، وبعد تكوّن الاتجاهات الكبرى كالشيعة الاثني عشرية وأهل السنة والجماعة وقيام دولة الإسماعيلية في مصر الخ. . . -والعمل على تحويرها بما يتلاءم مع الفهم الزيدي-كما استقرّ عند تأسيس الدولة-فما تتضمنه هذه الكتب من معلومات هو إعادة كتابة التاريخ بنظرة استرجاعيّة. ولا يمكننا أن ننفي، بالطبع، اعتماد هؤلاء على مصادر متنوعة وروايات ووثائق يعود قسم كبير منها لفترة الدعوة/الدعوات السريّة وكذلك لتراث شفهي توارثته الأجيال، إلا أنه لا يسعنا أن نفترض أنّ كل هذا التراث هو تراث صحيح، موثوق به ومتجانس! هذا ما عنيته بقولي.
أننا ما زلنا في البدايات وأنه يجب دراسة هذا التراث لتمييزه وفحص مصادره كل واحد على حدة، ودراسة رواته والتأكد من صحة الوثائق وموثوقيّتها ودراسة لغتها ويناها الخ. .