ترى كيف كان موقف الطالبيين من هذه السياسة؟
لقد تلقّى هؤلاء ضربة مؤلمة إثر القضاء على ثورة النفس الزكيّة، وتبع ذلك انحسار في تأييد التكتّلات التي كانت قد التفّت حول هذه الحركة نتيجة سياسة السلطة العبّاسيّة، فمع أن المنصور قد استخدم العنف مع العلويّين والتضييق عليهم إلاّ أنّه عفا عن عدد ممن ساندهم، خاصة من القرشيين، ثمّ كانت سياسة المهدي المهادنة، فتوجّهت بعض القوى المعارضة التي كانت قد أيّدت هذه الحركة لاتخاذ منطلقات جديدة تمثلت في اتجاه أطراف من الفقهاء والمحدّثين إلى العمل مع الدولة؛ كذلك آثرت أجنحة من المعتزلة الدفاع عن
_________________
(١) الطبري ٨/ ١٣٣ (-٣/ ٤٨٢ - ٤٨٣).
(٢) -١٨٥/ ٨٠١ أو ١٨٦/ ٨٠٢؛ تاريخ بغداد ١١/ ١٠٤ - ١٠٦؛ الوافي ١٦/ ٦١٤.
(٣) مقاتل الطالبيين ٣٦٧ (ط ٢.٣١٥).
[ ٣٦ ]
تسلّط الدولة في وجه الأخطار المحدقة بالجماعة الإسلامية ودعوتها، والمتمثلة في «الزنادقة»، بما يمثله هذا من فهم جديد لمبدأ «تغيير المنكر» الذي التقت عليه الزيدية والمعتزلة. كما أخذ الحسينيون الملتفّون حول إمامة جعفر الصادق والقائلون بالنص وإمامة النسق يعيدون تكتل الحركات الشيعية حول أئمتهم.
رغم هذه الارتكاسات فقد أكمل العلويون دعوتهم السريّة وعملوا على إعادة تنظيم صفوفهم وبثّ دعوتهم في بلدان الخلافة.
وكان زيد بن علي قد بث الدعاة في الأقطار [١] للدعوة «إلى الرضا من آل محمد» [٢]، وقد تابع بعده محمد النفس الزكيّة الدعوة لنفسه إثر اجتماع الأبواء [٣]، وعن ابن دأب [٤] «لم يزل محمد بن عبد الله منذ كان صبيا يتوارى ويراسل الناس بالدعوة إلى نفسه ويسمّى بالمهدي» [٥]، وقد عجّل بالخروج قبل أن يتم أمر دعاته الذين أنفذهم إلى الآفاق [٦]. وتسعفنا المصادر في تتبّع أسماء بعض دعاته:
-فقد استعمل القاسم بن اسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على اليمن، وأخاه موسى بن عبد الله بن الحسن على الشام، يدعوان إليه
_________________
(١) مقاتل الطالبيين ١٤٨ - ١٤٥ (ط ٢.١٤٠ - ١٤٢)؛ محمد عمارة، تيّارات الفكر الاسلامي ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) نصرة مذاهب الزيديّة (منسوب للصاحب بن عبّاد) ٢٣٦ - ٢٣٨.
(٣) انظر ما مرّ ص ٢٨، ح ١.
(٤) عيسى بن يزيد بن دأب (-١٧١/ ٧٨٧)، حجازي راوية للأخبار والأنساب وكان مقرّبا من الهادي، وقيل إنّه كان يتشيّع ويضع أخبارا لبني هاشم، وقد ذكر أنّه أنشد عيسى بن موسى بعد موقعة فخ شعرا ليزيد بن معاوية. معجم الأدباء ٥/ ٢١٤٤ - ٢١٥٠، رقم ٨٨٥.
(٥) مقاتل الطالبيين ٢٣٩ - ٢٤٠ (ط ٢.٢١٢).
(٦) مقاتل الطالبيين ٢٦٠ (ط ٢.٢٢٩)، هذا ويروى عن النفس الزكيّة قوله في خطبته في أهل المدينة حين خرج: «والله ما مصر يعبد الله فيه إلا وقد أخذت دعاتي فيه بيعة أهله. .» العيون والحدائق ٣/ ٢٣٨؛ وقارن بالحدائق الوردية ١/ ١٦٣، س ٢ - ٣؛ وانظر أنساب الأشراف ٣ (محمودي) ١١٠،١١٣.
[ ٣٧ ]
فقتل قبل أن يصلا [١]، وقد انصرف موسى إلى البصرة بعد ذلك [٢]. وأورد صاحب العيون والحدائق [٣] خبرا مفاده أنّ محمد بن خالد بن عبد الله القسري هو الذي غدر بمحمد ليبعث بموسى مع نذير بن يزيد بن خالد إلى الشام ليدعو الناس إلى طاعته فخلفاه بدومة الجندل ووشا به، إلاّ أنّ موسى انصرف ولم يقم.
-ووجه ابنه عليا ومعه أخاه موسى بن عبد الله ومطرا صاحب الحمام ويزيد بن خالد القسري إلى مصر، فقبض على عليّ ونجا موسى. وقد أورد أبو الفرج هذا الخبر وذكر أنّ المنصور حبسه مع أهله فمات [٤]. وقال الطبري [٥] إنه اعترف لجعفر وسمّى أصحاب أبيه «فكان فيمن سمّى عبد الرحمن ابن أبي الموالي [٦] وأبو حنين، فأمر بهما أبو جعفر فحبسا وضرب أبو حنين مائة سوط».
ويبدو أنّ إرسال موسى بن عبد الله إلى مصر كان قبل بعثه داعيا إلى الشام إذ أن النفس الزكيّة قتل أثناء رحلة موسى إلى الشام. أمّا بالنسبة لعلي ابن محمد فقد ذكر الكندي [٧] أنّه أوّل علوي قدم مصر زمن ولاية يزيد بن حاتم بن قبيصة (من يوم الاثنين للنصف من ذي القعدة سنة ١٤٤/ ٧٦١ - إلى آخر شهر ربيع الآخر سنة ١٥٢/ ٧٦٩) وأنّ كثيرا من الناس بايع له، وقام بأمر دعوته خالد بن سعيد بن ربيعة بن حبيش الصدفي وأن خالدا خرج على
_________________
(١) الطبري ٧/ ٥٦١ (-٣/ ٢٠٢)؛ مقاتل الطالبيين ٣٩٢؛ وقارن بمصوّرة تاريخ دمشق ١٧/ ٢٨٣.
(٢) مقاتل الطالبيين ٣٩٢ (ط ٢.٣٣٥).
(٣) ٣/ ٢٤٠.
(٤) مقاتل الطالبيين ٢٠١ (ط ٢.١٨٢)؛ وقارن بالرسالة المنسوبة إلى إدريس فيما يلي ص.
(٥) ٧/ ٥٣٧ - ٥٣٨ (٣/ ١٧١).
(٦) قارن بمقاتل الطالبيين ٢٨٨ (ط ٢.٢٥٣ - ٢٥٤).
(٧) ولاة مصر ١٣٣ - ١٣٧؛ وقارن بخطط المقريزي ٢/ ٢٤٦.
[ ٣٨ ]
الوالي لعشر خلون من شوال سنة ١٤٥/ ٧٦٢ وأن الثورة لم تهدأ إلا حين قدمت الخطباء إلى مصر برأس إبراهيم بن عبد الله في ذي الحجة سنة ١٤٥.
وذكر عن رواته أن عليا اختفى عند عسامة بن عمرو وأنزله هذا قرية له من طوّه فمرض علي بها فمات ودفن بها. وتبدو هذه الرواية غريبة أمام اجماع أبي الفرج والطبري وأبي نصر البخاري [١] على أن عليا حبس ببغداد ومات هناك ولا عقب له. وهذا لا ينفي أنّ ثورة زيديّة قامت بمصر وأن خالد بن سعيد وغيره من القحطانية والمعافر قد قاموا بأمر هذه الثورة، فقد كانت مصر تغصّ بأشياع العلويين منذ الفتنة الأولى زمن عثمان بن عفّان، ومنها كان يمّر دعاة العلوييّن وقد كان لأحد الحضارمة فضل في إيواء إدريس بن عبد الله إثر هروبه من موقعة فخ كما سيمر معنا. أما يزيد بن خالد القسري الوارد اسمه ضمن الدعاة فقد ذكر أبو الفرج أنّه قتل مع محمد النفس الزكيّة [٢].
ومما يؤكد أن دعوة محمد كانت قد لاقت قبولا في مصر أنّ عبد الحميد ابن جعفر [٣] أشار عليه قبل خروجه بالمدينة أن يترك المدينة لأنها «أقل بلاد الله فرسا وطعاما، وأضعفه رجالا، وأقلّه مالا وسلاحا» وارتأى عليه أن يسير بمن اتبعه إلى مصر [٤]. وعبد الحميد هذا كان على شرط محمد ثم وجّهه وجها [٥]. فهل لنا أن نفترض أنّه وجّهه إلى مصر لذلك كان عالما بأحوالها؟ -كما انتشرت دعوة النفس الزكيّة في خراسان بحسب ما ذكر المحلي:
وانتشرت دعوته بالآفاق «وظهرت بخراسان وبايعه الجمهور من أهلها واضطرب
_________________
(١) سرّ السلسلة العلويّة ٨.
(٢) مقاتل الطالبيين ٢٧٦ - ٢٧٧ (ط ٢.٢٤٣ - ٢٤٤).
(٣) انظر عنه مقاتل الطالبيين ٢٦١،٢٦٨،٢٨٤،٢٨٦ والطبري ٣٥٥/ ٧،٥٥٥،٩٥٥،٠٨٥،٥٠٦ (-٠٩١/ ٣،٣٩١،٧٢٢،٩٥٢)
(٤) مقاتل الطالبيين ٢٦٨، وانظر J .Lassner،The Shaping of'Abbasid Rule ٩٦ - ١٧:
(٥) الطبري ٧/ ٥٥٩ (-٣/ ١٩٩)؛ مقاتل الطالبيين ٢٨٢ (ط ٢.٢٤٨).
[ ٣٩ ]
أهل خراسان على أبي الدوانيق اضطرابا شديدا حتى همّوا بطرد ولاته ودعاته. . .» [١]. وقد ذكر أبو الفرج عن عقبة بن سلم أن المنصور قد دعاه وذكر له أن لبني الحسن «شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بالصدقات. . .» [٢]. ومما يؤكد انتشار دعوة محمد بخراسان ومنذ وقت مبكر أن أبا جعفر أرسل برأس العثماني، محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله، [٣] إلى هنالك. ولا ننسى أن خراسان كانت تميل للعلوية منذ مقتل يحيى بن زيد.
ولا نعرف أسماء دعاة محمد إلى خراسان.
-ووجّه محمد النفس الزكيّة إلى المغرب دعاة اختلف في أسمائهم واضطرب الأمر على المؤرخين في تحديد هويتهم، فقد ذكرت أكثر من رحلة لأكثر من داع، ويعود سبب التخليط إلى نجاح إدريس بن عبد الله في الهرب إلى المغرب بعد معركة فخ وفي تأسيسه دولة هناك استقطبت عددا كبيرا من الحسنيين وانتشر هؤلاء في المغرب واستقلّوا بولايات فيه [٤]، فربما حاول كل من أبناء هؤلاء نسبة شرف دخول المغرب والدعوة فيه لأحد أجداده. ثم إنّ أسماء الحسنيين تتشابه وتتكرر-كأسماء الطالبيين بعامّة-مما أدّى إلى اختلاط الأمر على المؤرخين فاعتبروا اسم أحدهم-وقد يكون قد دخل المغرب في أوائل القرن الثالث الهجري-مطابقا لاسم أحد الحسنييّن من أبناء النفس الزكية أو إخوته. لهذا لا يمكن الوثوق بالروايات التي وصلتنا، خاصة روايات المتأخرين كابن الآبار وابن عذاري وابن أبي زرع وغيرهم. وأوّل من ذكر داعيا للنفس الزكيّة إلى المغرب، هو المشرقي أبو الحسن الأشعري إذ قال إنّ النفس
_________________
(١) الحدائق الورديّة ١/ ١٦١، س ٥ - ٧.
(٢) مقاتل الطالبيين ٢١٣ (ط ٢.١٩٠).
(٣) مقاتل الطالبيين ٢٢٦؛ العيون والحدائق ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
(٤) قارن بأبي عبيد البكري، المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب ١٢٢ - ١٣٤.
[ ٤٠ ]
الزكيّة «وجّه أخاه ادريس إلى المغرب ولولده هناك مملكة» [١]. وقد تنبّه محمد الطالبي لهذا الإشكال فقال: «والأشعري مؤلف جاد، لكنه شرقي ولذا فهو أقل ثباتا لما يكون الأمر متعلقا بالمغرب، وفضلا عن ذلك، كان يؤلف في بداية القرن العاشر، أي حوالي سنة ٢٩١/ ٩٠٣ - ٩٠٤ وأخيرا فإن روايته الخاصة بمهمة إدريس المكلف من طرق أخيه النفس الزكية لم يؤيدها أي مصدر آخر تأييدا كاملا، ومن الثابت أن إدريس كان بالمدينة حين وقوع ثورة فخ سنة ١٦٩/ ٧٨٥ - ٧٨٦. ولا يستبعد قطعا أنه رجع إلى الشرق بعد القيام بمهمة أولى في المغرب لكن هذا الأمر قليل الاحتمال، غير أن قول الأشعري لا يحتمل أن يكون بدون أساس أيضا، رغم ظهور التباس في الاشخاص، وبعبارة أخرى، لا يستبعد أن يكون محمد النفس الزكيّة قد وجّه داعيا آخر إلى المغرب» [٢].
هذا ويذكر ابن أبي زرع [٣] أن النفس الزكيّة أرسل أخاه عيسى إلى افريقية فأجابه بها خلق كثير.
ثم يذكر أنه بعث أخاه «سليمان إلى بلاد مصر داعيا للبيعة، ولما اتصل به قتل أخيه وسار إلى بلاد النوبة ثم إلى بلاد السودان ثم خرج إلى زاب افريقية ثم سار إلى تلمسان من بلاد المغرب فنزلها واستوطنها، وذلك في أيام أخيه إدريس فكان له بها أولاد كثيرون [٤]. غير أن الطبري وأبا الفرج يذكران أن سليمان قتل في معركة فخ [٥].
_________________
(١) مقالات الاسلاميين ٧٩.
(٢) الدولة الأغلبية ٣٩٨ (والنقل حرفي عن الترجمة العربية، رغم ما يشوبه من ركاكة).
(٣) الأنيس المطرب ٤ (ط. الرباط ١٥ وفيها تصرف من المحقق).
(٤) الأنيس المطرب ٤ - ٥ (ط. الرباط ١٥ - ١٦).
(٥) الطبري ٨/ ١٩٧ (-٣/ ٥٥٩)؛ مقاتل الطالبيين ٤٥١ (ط ٢.٣٧٨) وأحمد بن سهل الرازي، أخبار فخ ١٤٤. ولم يتنبّه محمود إسماعيل (الأدارسة: حقائق جديدة ٤٧ - ٤٨) لهذا الخلط.
[ ٤١ ]
بعد مقتل النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم وتواري عيسى بن زيد الذي بثّ دعاته في الأمصار كما مرّ معنا [١]، يبدو أن الزيديّة أخذت تلتف حول الحسين ابن علي بن الحسن المثلث بن علي بن أبي طالب، خاصة بعد وفاة عيسى بن زيد سنة ١٦٦/ ٧٨٢.
ويمكننا أن نستشف من المصادر أن الحسين هذا كان سيّد قومه فهو الذي شفع لعلي بن العبّاس بن الحسن عند المهدي فوهبه له بعد أن كان علي قد دعا لنفسه ببغداد، وهو الذي قدم على المهدي وطلب صلته ورفده لسداد دين كان قد ركبه. ويحدس المتأمّل في أخبار الحسين بن علي أن انفاقه الضخم [٢]-وإن كان يشير إلى رغبة الرواة في إظهار كرمه والمبالغة فيه- يوحي بأنه كان ينفق في سبيل الدعوة وجمع الرجال، وهذا قد يفسر لنا شفاعته في علي بن العباس، الذي كان خرج في خلافة المهدي، لاحتوائه ومن بايعه. ولا نعلم دعاة للحسين الفخّي، غير أنّ أبا الفرج يذكر أن سبعين رجلا من الشيعة-ولم يذكر بلادهم-وافوه موسم الحج سنة ١٦٩/ ٧٨٥ [٣].
ويذكر أحمد بن سهل الرازي صاحب «أخبار فخ» [٤] أن نحوا من ثلاثين ألف رجل من أهل البصائر والثبات بايعوا الحسين وأنه واعدهم عرفات وجعل الأمارة بينه وبينهم صاحب الجمل الأحمر. . . وأن يحيى بن عبد الله صار إلى مكة مسيرا، فوقف على الصفا فجعل ينادي: رحم الله من يعرف الجمل الأحمر، فكان يمرّ به من بايعه فيعرفه يحيى فيعرض عنه وقد رآه وسمع صوته [٥].
_________________
(١) انظر ما تقدم ص ٣٢.
(٢) قارن بمقاتل الطالبيين ٤٣٨ - ٤٤٣ (ط ٢.٣٦٨ - ٣٧١).
(٣) مقاتل الطالبيين ٤٤٣.
(٤) أخبار فخ ١٤٢.
(٥) أخبار فخ ١٤٧.
[ ٤٢ ]
وبعد موت الحسين بن علي صار الأمر ليحيى بن عبد الله-أخي النفس الزكيّة لأبيه-وكان ليحيى دعاة نؤجّل ذكرهم إلى موضع آخر.
يمكننا أن نستخلص مما تقدم أن الدعوة «إلى الرضا من آل البيت» [١] قد بدأت منذ زمن الأمويين على يد زيد بن علي وأنّه انتظمت تحت لوائها اتجاهات مختلفة وامتدت في أقطار الدولة الإسلامية، وأن العباسييّن الذين انضموا إلى هذه الدعوة واستفادوا منها بداية كانت لهم شبكة دعاية خاصة وانفصلوا عن هذه الدعوة وعملوا على تأسيس «ايديولوجية» خاصة بهم بعد نجاح ثورتهم على الأمويين. وأن نستخلص أيضا أنّ الفرع الحسني كانت له منذ اجتماع الأبواء دعوة خاصة بقيت تنافس «الايديولوجية» العباسيّة في خراسان وتشكل تهديدا لها وامتدت كذلك إلى مناطق وأطراف أخرى؛ وأنّ الدعوة الزيدية استفادت في البداية من دعاة المعتزلة إلى الأمصار. ولا نستطيع تبيّن مدى العلاقة بين الدعوتين ومتى انفصلتا، ولكن يمكننا بشيء من الاطمئنان أن نعتبر فشل ثورتي محمد النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم نقطة حاسمة في افتراق الدعوتين والتغيير في سياستيهما وإن بقي التأثير الفكري والعقائدي كبيرا بينهما. وقد استمرت الدعوة الزيديّة بعد موت النفس الزكيّة ونشطت في الأمصار؛ يضاف إلى هذا أنه من الصعوبة بمكان تحديد أسماء الدعاة والأقطار التي توجهوا إليها، إذ إنّ المصادر لا تسعفنا بذلك، خاصة أن الدعوة كانت سريّة وأن المؤرخين لم يبدأوا بتدوين الأحداث إلاّ في أواخر القرن الثاني الهجري أوائل القرن الثالث (مثال الجعفري المذكور سابقا، وبكر بن صالح الرازي، والحسن بن زبالة، وعلي بن محمد النوفلي، والمدائني) وكانت الدعوة ما تزال ناشطة، فلم يكشف عن تنظيمها وأسماء دعاتها، وقد
_________________
(١) انظر ما تقدّم ص ٣٧، وما يلي ص ٩٩ - ١٠١.
[ ٤٣ ]