ضاعت كتب هولاء الاخباريين واعتمد الجيل اللاحق من المؤرخين على مصادر متعددة الأهواء والمشارب طمست الكثير من الأسماء والوقائع، كما ضاع عدد من مصادر هؤلاء المؤرخين ككتب المدائني وعمر بن شبّة ولم يصلنا منها إلاّ روايات قليلة مبثوثة في مصادر القرن الرابع. وتشكل كتب الفرق مصدرا أساسيا في دراسة الدعوة الزيديّة، غير أن أكثر مؤلّفي هذه الكتب إما من الإماميّة أو من المتأخرين عن زمن الأحداث. وتبقى مشكلة تشابه أسماء الطالبيين وتكرّرها أساسية في عدم تمكننا من التحقق من أسماء هؤلاء الدعاة أو من أنسابهم.
٦.٣. الحسين بن علي الفخّي [١] تكاد المصادر تغفل أوليّة الحسين بن علي، فكل ما نعرفه عنه أنّه قتل وله واحد وأربعون عاما وذلك في الثامن من ذي الحجة يوم التروية سنة ١٦٩/ ٧٨٥، أي أنّه ولد حوالي سنة ١٢٨/ ٧٤٥. وأبوه هو علي بن الحسن المثنّى كان يعرف بعلي الخير وعلي الأغر وعلي العابد مات في حبس المنصور بعد أن ضيّق الخناق على الحسنيين وحملهم إلى المطبق قبل ثورة النفس الزكيّة. وكان أبوه ابن عمّ محمد النفس الزكيّة وتزوّج أخته زينب [٢] ورزق منها عليا هذا، فالنفس الزكيّة وإخوته إبراهيم وموسى لأمّه وأبيه هم أخواله. وكان عمره حين مات أبوه وثار أخواله حوالي سبعة عشر عاما. وقد فجعت والدته زينب بمقتل زوجها وأبيها وإخوتها
_________________
(١) خصه محمد هادي الأميني بكتاب عالج فيه ثورة فخ وثورات الطالبيين والعلويين قبله، وهو بحث عاطفي كرّر فيه ما جاء في المصادر المختلفة دون ترتيب ولا منهجية: بطل فخ الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇، أمير مكة وفاتحها. النجف،١٩٦٩.
(٢) مقاتل الطالبيين ٤٣١، الحدائق الوردية ١/ ١٧٦؛ الوافي بالوفيات ١٢/ ٤٥٣.
[ ٤٤ ]
وعمومها وبنيهم وكانت تلبس المسوح ولا تجعل بين جسدها وبينها شعارا حتى لحقت بالله، وكانت تندبهم وتبكي حتى يغشى عليها [١].
ولا نعرف إذا ما كان الحسين بن علي الفخي قد شارك أخواله في ثورتهم ويروي أبو الفرج عن علي بن إبراهيم العلوي [٢]-وهو مؤلف كتاب «أخبار صاحب فخ»، وكتاب «أخبار يحيى بن عبد الله بن الحسن» -بسنده إلى الحسين صاحب فخ قوله [٣]: «لما خرجت مع محمد بن عبد الله قال لي: يا بني ارجع لعلك تقوم بهذا الأمر من بعدي». ولا يشير هذا الخبر إلى خروجه معه أو عدمه، ولا نعلم إذا ما كان خرج مع إبراهيم بن عبد الله بعد ذلك أو أنه تخفّى أو سجن فيمن سجن بعد القضاء على الثورتين. وإذا افترضنا أنه سجن فيكون في عداد من أطلقهم المهدي من سجن المنصور بعد توليته الخلافة واستعماله سياسة اللين والمهادنة مع العلويين، ويكون عمره آنذاك ثلاثين عاما. على أن هذا الخبر يحمل في طياته علائم الوضع المتأخر، وكأنه يلمح إلى أنّ النفس الزكيّة قد بارك خروج الحسين بن علي وتنبأ به قبل وقوعه بربع قرن وأنه يفوّضه غيابيا تولي أمور بني الحسن، وكأن محمد ابن عبد الله النفس الزكيّة الذي كان يرى أنه المهدي، استشرف هزيمته وهزيمة أخيه قبل وقوعها.
على أي حال فقد سكتت المصادر عن ذكر الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله وادريس بن عبد الله، أخوي النفس الزكيّة، في عداد من خرج مع النفس الزكيّة، كما سكتت عن أخبارهم قبل موقعة فخ. فلا يطالعنا ذكرهم إلا عند الحديث عن خروج الحسين بن علي، وهنا يشار إلى الحسين بن علي بأنه كبير القوم ورئيسهم،
_________________
(١) مقاتل الطالبيين ٤٣١ - ٤٣٢
(٢) S .Gu؟nther،Quellenuntersuchungen ١٤١ - ٤٤١.
(٣) مقاتل الطالبيين ٢٧٩.
[ ٤٥ ]
فيذكر اليعقوبي [١] أن الهادي لما ألحّ في طلب الطالبيين وأخافهم خوفا شديدا. . .
«عزم الشيعة وغيرهم إلى الحسين بن علي وكان له مذهب جميل وكمال ومجد وقالوا له أنت رجل أهل بيتك وقد ترى ما أنت وأهلك وشيعتك فيه من الخوف والمكروه. . . الخ»، وهنا يقف الدارس ليتساءل لماذا اتجهت الانظار إلى الحسين بن علي وليس إلى غيره من الطالبيين، ولا سيّما يحيى بن عبد الله أو إدريس بن عبد الله، وكانا أكبر من الحسين بن علي، وهما أخوا النفس الزكيّة لأبيه؟ وهنا لا يسعنا إلا طرح افتراضات، يبقى نصيبها من الصحة أو عدمها ينتظر اكتشاف مصادر جديدة:
-فإمّا أن يكون الحسين بن علي الفخي لم يشترك في ثورة النفس الزكيّة لصغر سنّه (حوالي سبعة عشر عاما) ولأنه كان وحيد أمه التي فجعت بموت أبيها وعمومتها وزوجها قبل الثورة [٢]، ولهذا لم يكن فيمن سجن وضيّق عليه بعد الثورة؛
-أو أن يكون قد اشترك في الثورة ولم يسجن،
-أو أن يكون يحيى وإدريس اشتركا في الثورة وسجنا بعدها. ويذكر إدريس في رسالة له إلى أهل مصر أنه سجن زمن المهدي [٣].
-أو أن يكون يحيى وإدريس لم يشتركا في الثورة، إذ كانا ضمن الدعاة الذين أرسلهم محمد بن عبد الله إلى الآفاق، وقد ذكر الأشعري أن إدريس كان قد أرسله أخوه محمد إلى المغرب ليدعو له [٤]. ومن المحتمل كذلك أن يحيى قد كان خارج
_________________
(١) تاريخ ٢/ ٤٨٨.
(٢) وإلا فإن سنّ الخامسة عشرة هي سن البلوغ والنّضج، ويجوز لمن بلغها-بحسب السنّة-أن يشترك في القتال، إذ انّه يصبح مكلّفا.
(٣) انظر ما يلي ص ٣٢٣؛ وقد رجّحت أن الرسالة منسوبة لإدريس.
(٤) مقالات الاسلاميين ٧٩؛ وانظر ما تقدّم ص ٤٠ - ٤١.
[ ٤٦ ]
الحجاز في مهمة مماثلة عند وقوع الثورة؛ وانهما ظلا متخفيين حتى زمن المهدي الذي اتبع سياسة مهادنة كما مرّ معنا.
-وقد تتعدّد الافتراضات، إلا أنّي أميل إلى القول أن الحسين بن علي لم يكن في عداد من سجن، ولذلك اتجهت إليه الأنظار رغم صغر سنّه، لأنه كان يتمتع بحريّة في الحركة الأمر الذي أتاح له تولّي أمور الطالبيين والدفاع عنهم. خاصة أن عيسى بن زيد الذي تذكر المصادر أن الأمر عهد له بعد وفاة النفس الزكيّة وإبراهيم، تخفّى حتى مماته [١]. وقد مرّ معنا أن الحسين الفخي هو الذي قدم على المهدي وتوسّط في إطلاق علي بن العباس بن الحسن المثنى، ثم وفد عليه مرّة أخرى ليقضي له دينا كان قد ركبه فأكرم المهدي وفادته وتلطّف به ووصله [٢]. وتبالغ الأخبار التي أوردها كتاب المصابيح عن المدائني وأوردها أبو الفرج عن علي بن إبراهيم العلوي مؤلّف كتاب «أخبار صاحب فخ» [٣] بذكر كرم الحسين بن علي وسعة ذات يده [٤]، مما يشير كما سبق أن ذكرت، إلى أنّه كان ينفق في سبيل الدعوة وسداد ديون الطالبيين وإصلاح شؤونهم! وما كان للحسين أن يضطلع بهذا الدور لو أن يحيى أو إدريس كانا طليقين أو في وضع يسمح لهما بالتحرّك.