كان الحجاز قد بدأ يفقد مركزه السياسي منذ مقتل الخليفة الثالث عثمان ابن عفّان وانتقال الخلافة إلى الكوفة ثم إلى الشام، وجاءت حركة الفتوح وما صاحبها من هجرة واسعة للقبائل العربيّة وللارستوقراطية الحجازيّة نحو الأمصار الجديدة كعامل إضافي أدّى إلى إضعاف هذا الإقليم وتفريغه من
_________________
(١) انظر ما تقدّم ص ٣٣.
(٢) انظر ما تقدّم ص ٣٥.
(٣) انظر ما تقدّم ص ٢٦.
(٤) انظر ما تقدّم ص ٤٢.
[ ٤٧ ]
العنصر البشري والثقل السياسي ثم كانت معركة الحرّة سنة ٦٣/ ٦٨٢ [١] وثورة ابن الزبير ٦٤/ ٦٨٣ - ٧٥/ ٦٩٤ [٢] اللتان أدّتا إلى الضربة السياسية القاسمة بالنسبة لدور الحجاز في الدولة الاسلامية، فخضع للحكم الأموي بشكل كامل واستكان إلى الهدوء والدّعة [٣]، وقد أغدق خلفاء بني مروان الأعطيات على اشراف الحجاز لضمان سكوتهم. وقد بقي الحجاز مركز الطالبيين ومستقرّهم طوال حكم الأمويين وكانت لهم فيه أملاك كثيرة خاصة في مكة والمدينة وأنحائهما [٤]، ومن الحجاز كانت تنطلق دعوتهم وإليه كانت تأتي شيعتهم، واستمر الحال على هذا زمن العباسيين.
وجنح الحجاز للمسالمة في بداية الدولة العباسيّة رغم شعور الطالبيين بالغبن الذي لحق بهم واعتقادهم أنّ العبّاسييّن قد خدعوهم وسلبوهم حقّا مشروعا. وقد شغل أبو العبّاس السفّاح بأمر تثبيت الدولة في الشام والعراق ومصر والأقاليم الشرقيّة فعمد إلى ممالأة الطالبيين وتهدئتهم ومسايرتهم، خاصّة آل الحسن الذين أكرمهم غاية الإكرام [٥]. وقد حرص العبّاسيّون على تولية أقربائهم ولايتي مكة والمدينة ليضمنوا ضبط الوضع ولما لهاتين المدينتين من مكانة دينيّة رمزيّة، إلا في حالات خاصّة. فقد عيّن المنصور رياح بن عثمان المري على المدينة وهو من عائلة معروفة بكرهها
_________________
(١) انظر M .J .Kister،in:Studies in Memory of G .Wiet ٣٣ - ٩٤.: و G .Rotter،Die Umayyaden ٠٤ - ٩٥; وابراهيم بيضون، الحجاز والدولة الاسلامية ٢٧٠ - ٢٩٠.
(٢) انظر G .Rotter،op .cit .٨٣٢ - ١٥٢.: وابراهيم بيضون، الحجاز والدولة الاسلامية ٢٩٠ - ٣٤٨.
(٣) انظر الحجاز والدولة الاسلامية، لابراهيم بيضون ٣٦١، والحجاز في صدر الاسلام، لصالح أحمد العلي ٣٠٢ - ٣٠٣، و K .Salibi،A History of Arabia ٧٨ ff .
(٤) انظر في أملاك الطالبيين، الحجاز في صدر الاسلام ٤٤٦ - ٤٥٨.
(٥) انظر العصر العبّاسي الأول، لعبد العزيز الدوري ٥٣؛ والعبّاسيّون الأوائل، لفاروق عمر ١٧١ - ١٧٣؛ وسياسة المنصور، لحسن فاضل العاني ٢٥٨ - ٢٥٩.
[ ٤٨ ]
للطالبيّين وأمره بالتشديد على محمد وأخيه إبراهيم حتى يظهرا [١]، كما عيّن الرشيد عبد الله بن مصعب الزبيري على المدينة ثم ابنه بكارا من بعده [٢].
اقتصاديا تضاءل دور الحجاز بعد استقرار الدولة العربية في الشام ثم في العراق وبعد سيطرة العرب على مصر وشمال افريقيا، إذ أصبحت التجارة التي كانت تربط جنوب الجزيرة العربية، خاصة اليمن بالطريق التجاري الآتي من الهند والصين، غير ذات شأن فقد أصبح هذا الطريق يمر عبر البصرة آتيا من الشرق، وأصبح البحر الأحمر مفتوحا أمام التجارة الذاهبة إلى مصر [٣]، فأخذت أهمية اليمن كمركز تجاري تتضاءل تدريجيا وأخذ اليمن يشعر بعزلة قوية الأمر الذي انعكس على قوافل التجارة البريّة التي كانت تمرّ عبر الحجاز.
وقد كان اقتصاد الحجاز يعتمد كليا على التجارة المجلوبة، وكانت أهم المواد الغذائية والسلع الأساسيّة تستورد من مصر والشام واليمامة خاصة الزيت والحنطة والشعير والزبيب والأقمشة والأسلحة وغيرها من المواد التي هي قوام الحياة. ورغم وجود زراعة في الحجاز إلا أنّها كانت تقتصر على التمور وبعض أصناف الخضار والفواكه، أما الكميات القليلة من الحنطة فكانت تزرع في أملاك القرشيين الخاصة ولم تكن تكفي الاستهلاك المحليّ بحال [٤].
وقد كان من أسباب فشل ثورة النفس الزكيّة أنه خرج «في أقل بلاد الله غرسا وطعاما وسلاحا وأضعفها رجالا. . .»، كما أشار عليه عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم [٥]. وقد تنبّه قوّاد المنصور كذلك لوضع المدينة الضعيف
_________________
(١) قارن بالعباسييّن الأوائل ١٧٤ - ١٧٦.
(٢) انظر ما يلي ص ٧٨ - ٨١.
(٣) انظر K .Salibi،A History of Arabia ٧٩ f .،٢٠١.
(٤) انظر حول محصولات الحجاز الزراعية أحمد صالح العلي، الحجاز في صدر الإسلام ١٥٧ - ١٧٦.
(٥) تاريخ الطبري ٧/ ٥٨٠ - ٥٨١ (-٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨).
[ ٤٩ ]
استراتيجيا [١]، ورغم الأسئلة التي قد تطرح حول صحّة هذه الأخبار فإنها تشير إلى سوء اختيار الحجاز كمنطلق لثورة جديّة تهدّد الدولة العباسية [٢].
وقد كان أهل المدينة مدركين لقلّة موارد البلاد وما قد تسببه الثورة لهم من ضائقة فيذكر الحارث بن اسحاق أنه لما «تحدث أهل المدينة بظهور محمد، فأسرعنا في شراء الطعام حتى باع بعضهم حليّ نسائه» [٣].
وكان محمد بن خالد القسري قد نبّه كذلك النفس الزكيّة على قلّة موارد الحجاز «يا أمير المؤمنين إنك قد خرجت في هذا البلد، والله لو وقف على نقب من أنقابه مات أهله جوعا وعطشا. . .» [٤]. وقد كان طعام الحجاز يأتي بالبحر من مصر فلما ثار السودان بالمدينة بعد فشل ثورة النفس الزكيّة أغاروا على دار مروان، وهي مقرّ الوالي، ودار يزيد وفيها طعام كان حمل للجند في البحر فلم يدعوا فيها شيئا» [٥]. وكان من نتائج ثورة النفس الزكيّة أن فرض المنصور حصارا اقتصاديا على الحجاز فأقفل البحر على أهل المدينة فلم يحمل إليهم من ناحية البحار شيء، حتى كان المهدي فأمر بالبحر ففتح لهم وأذن في الحمل» [٦].
كما صادر موسى بن عيسى أموال بني حسن وغيرهم من الطالبييّن وأمرّه الخليفة على ذلك. وقد شهدت المدينة مباشرة إثر فشل ثورة النفس الزكيّة انتفاضا من قبل السودان أشبه بالهيج له دلالة عميقة على تردّي الأحوال الاقتصادية في المدينة نتيجة الحصار الذي كان مضروبا عليها ونتيجة سوء تصرّف الجند الخراساني،
_________________
(١) تاريخ الطبري ٧/ ٥٧٧ - ٥٧٨ (-٣/ ٢٢٤)،٧/ ٦٢٨ - ٦٢٩ (-٣/ ٢٩١ - ٢٩٢).
(٢) انظر J .Lassner،The Sahping ofAbbasid Rule ٩٦.:
(٣) تاريخ الطبري ٧/ ٥٥٢ (-٣/ ١٩٠).
(٤) تاريخ الطبري ٧/ ٥٦١ (-٣/ ٢٠١).
(٥) تاريخ الطبري ٧/ ٦١١ (-٣/ ٢٦٧).
(٦) تاريخ الطبري ٧/ ٦٠٣ (-٣/ ٢٥٧).
[ ٥٠ ]
كما تشير إلى معاناة هذه الطبقة المعدمة التي كانت تنتظر خلاصا ربّما اعتقدت أنها وجدته في النفس الزكيّة، وقد رأى ابن أبي سبرة [١] أنهم إنّما أخرجتهم الحمية [٢].
وينسب إلى رؤوس السودان قولهم إنهم ما قاموا إلا أنفة لمواليهم ممّا حلّ بهم على يد العباسيّين [٣].
إزاء هذا الوضع السائد في الحجاز وبسبب تشتّت فئات المعارضة وتوزّع الطالبيين أنفسهم على عدد من البلدان والأمصار، يجد الدارس نفسه متسائلا عن السبب أو الأسباب التي حدت بالطالبيين لإعلان الثورة قبل أن يتمّ الاعداد لها بشكل جيّد ومنظّم. ثم لماذا الحجاز بالذات، خاصة أنّ العباسيين كانوا قد ضبطوا الوضع فيه إثر ثورة النفس الزكيّة واستمالوا أهله واستوعبوا الأشراف في مناصب الدولة؟.