يذكر اليعقوبي أن «موسى [الهادي] ألحّ في طلب الطالبيين وأخافهم خوفا شديدا وقطع ما كان المهدي يجريه لهم من الأرزاق والأعطية وكتب إلى الآفاق في طلبهم وحملهم، فلما اشتدّ خوفهم وكثر من يطلبهم ويحث عليهم فعزم الشيعة وغيرهم إلى الحسين بن علي. . .» [٤].
وكان بين خروج الحسين بن علي وتولّي الهادي حوالي عشرة أشهر [٥]، مما يعني أن الهادي ابتدأ حكمه بتغيير سياسة المهدي تجاه الطالبييّن وبالتضييق عليهم.
_________________
(١) كان قد خرج مع النفس الزكيّة وقدم عليه بصدقات أسد وطيء إذ كان يليها، فحبسه عيسى بن موسى ثم أطلق واستقضاه المنصور. نسب قريش للمصعب ٤٢٨ - ٤٣٠؛ وتاريخ الطبري ٧/ ٦٠٥،٦٠٩ - ٦١٠ (-٣/ ٢٥٩،٢٦٥ - ٢٦٦).
(٢) تاريخ الطبري ٧/ ٦١٢ (-٣/ ٢٦٨).
(٣) تاريخ الطبري ٧/ ٦٠٩ - ٦١٤ (-٣/ ٢٦٥ - ٢٧٢).
(٤) تاريخ اليعقوبي ٤٨٨.
(٥) توفي المهدي لثلاث بقين من محرم سنة ١٦٩/ ٧٨٥ وكان خروج الحسين في ذي الحجّة من السنة؛ وانظر تاريخ الطبري ٨/ ١٧١،١٩٢ (-٣/ ٥٢٦،٥٥١).
[ ٥١ ]
وتوحي روايات المدائني في «كتاب المصابيح» [١] أن الربيع [بن يونس] [٢] كان له يد في تنبيه الهادي، والمهدي قبله، على الانفاق الضخم الذي ينفقه الحسين بن علي، وأنّه خوّفه من ثورته. ويذكر المدائني كذلك أن الحسين بن علي الفخي قدم إلى الهادي عند توليه، ولما خرج من عنده «قدم الكوفة فجاء عدّة من الشيعة في جماعة كثيرة فبايعوه ووعدوه الموسم للوثوب بأهل مكّة، وكتبوا بذلك إلى ثقاتهم بخراسان والجبل وسائر النواحي» [٣]، الأمر الذي يوحي أنّ الإعداد للثورة كان سابقا على تضييق الهادي عليهم، وأنه كان قد بدئ بالاعداد لها في زمن المهدي، وما الانفاق الكبير من قبل الحسين بن علي إلا دليل على هذا.
ويذكر أحمد بن سهل الرازي أن الحسين كان قد بايعه ثلاثون ألف رجل من أهل البصائر والثبات وواعدهم عرفات وجعل الأمارة بينه وبينهم صاحب الجمل الأحمر [٤]، كما يذكر في موضع آخر أنّه لما بلغ فخ ولقيته عساكر العباسيين بسرف «حاجزهم مدافعا إلى قرب مكّة ليصل إليه من أراده من أهل بيعته ومن واعده بها. . .» [٥]. وكل هذه الأخبار تميل إلى دعم وجهة النظر التي ترى أنّ الثورة كان قد اعدّ لها منذ زمن.
غير أنّ رواية أخرى عند أحمد بن سهل الرازي بسنده عن عبد الله بن محمد الجعفري توحي أن الخروج ما كان إلا ردّة فعل سريعة على تضييق والي المدينة على الطالبيين، وأنّ مبايعة الحسين بن علي لم تتمّ إلا في ذلك الوقت، وأن الحسين أراد مبايعة يحيى بن عبد الله أوّلا، إلا أنّ يحيى أبى ذلك، ثم يذكر أنهم اجتمعوا تسعين
_________________
(١) انظر النص في ص ٢٨٣ فيما يلي.
(٢) -١٦٩/ ٧٨٥ وقيل ١٧٠؛ وزر للمنصور والمهدي، الوزراء للجهشياري (فهارسه)؛ والوافي ١٤/ ٨٤ - ٨٥.
(٣) انظر ص ٢٨٤ فيما يلى.
(٤) أخبار فخ ١٤٢.
(٥) أخبار فخ ١٤٦.
[ ٥٢ ]
رجلا [١] «. . . فلم تمنعهم قلّتهم والنهوض بما وجب لله ﷿ عليهم من الوفاء بالبيعة والمدافعة عن الذي وجبت المدافعة عنه» [٢].
تشعرنا هذه الروايات بأنّ ثمة تناقضا فيما بينها، بيد أنّه يمكننا أن نجزم أن الدعوة الطالبية حاولت إعادة تنظيم صفوفها إثر ثورة محمد النفس الزكيّة وأنّ الدعاة عادوا يعملون بنشاط. وتوحي الروايات أن التنظيم كان قد بلغ حدا بعيدا سنة ١٦٩/ ٧٨٥ وأنّ اللّقاء في موسم الحج كان لقاء تنظيميا-فيما يبدو لي-وهذا ما يفسّر قدوم سبعين رجلا من شيعة الكوفة في أوائل ذي القعدة، نزلوا دار ابن أفلح بالبقيع [٣]، ولم يكن هذا اللقاء للجهر بالخروج. ولكن شعور العمري بالخطر وتضييقه على الطالبيين بسبب ذلك [٤]، هو الذي حدا بردّة الفعل المتسرّعة هذه.
استدل على هذا بأنّ الطالبيين لم يكونوا قد بايعوا أحدا منهم بعد كما مرّ معنا.
وهناك خبر عن النوفلي [٥] في «كتاب المصابيح» يظهر أن الحسين لم يكن مستعدا للخروج في ذلك الموسم [٦]: «وتهيأ الحسين فيمن بايعه ودفع مالا إلى مولى لآل الحسين يقال له يوسف، وكانت جدّته مولاة فاطمة بنت الحسين، وأمره أن يكتري له ولأصحابه، وهو يريد في تقديره أن يسبق الجيوش إلى مكة، فأقام أيّاما ويوسف يخبره أن قد اكترى له. ثم توارى عنه وذهب بالمال، قال أبو الحسن النوفلي: فلما
_________________
(١) كتاب المصابيح (ص ٢٩٠ فيما يلي) ٧٥ رجلا.
(٢) أخبار فخ ١٣٧.
(٣) كتاب المصابيح، انظر ما يلي ص ٢٨٥؛ ومقاتل الطالبيين ٤٤٣ - ٤٤٤ (ط ٢.٣٧٣ - ٣٧٢)؛ وقارن بتاريخ الطبري ٨/ ١٩٣ (-٣/ ٥٥٣).
(٤) ما يروى عن أخذ الحسن بن محمد بن عبد الله مع صحبه على شراب لهم يندرج فيما أرى ضمن هذا السياق، فالخوف هو من الاجتماع نفسه أمّا تهمة الشراب فسهل إلصاقها؛ هذا والخبر معزول ليس له ما يؤكده ولم أستطع التعرف على راويه (انظر تاريخ الطبري ٨/ ١٩٢ (-٣/ ٥٥٢).
(٥) انظر عنه ما تقدم ص ٣٣.
(٦) انظر ما يلي ص ٢٨٩ - ٢٩٠.
[ ٥٣ ]
وقف حسين على ما صنع يوسف طلب الكراء فلم يجده لضيق الوقت، فلم يزل يحتال للمال والإبل حتى وجد من ذلك ما وجد وفاته الوقت».
فلو كان الخروج متواعدا عليه في الموسم، لما كان لهذا الارتجال في التحضير أن يحصل. ومهما يكن من أمر فقد كان الخروج في الحجاز خطأ تكتيكيا فادحا، فباستثناء ما ذكرته من أسباب عن عدم صلاحية الحجاز كمنطلق الثورة، لا تخبرنا المصادر عن اشتراك للقبائل الحجازية في الثورة إذ يبدو أنها كانت مغيّبة عن دعوة الطالبيين واستراتيجيتهم. أمّا أهل المدينة فقد لزموا منازلهم بل وسألوا الحسين عدم إزعاجهم والكفّ عن التردد عليهم [١].
لقد تم القضاء على هذه الثورة بسرعة وأعقبها قتل عدد كبير من الطالبيين الذين اشتركوا فيها، وأتيح لبعض الثوار، ومن هؤلاء يحيى بن عبد الله وأخيه إدريس وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا، أن يهربوا ليكون لهم دور فاعل في تاريخ الحركة الزيديّة.
وكان لمجموعة من العوامل دور حاسم في فشل هذه الثورة: منها أولا اليأس الذي حدا بالطالبيين بالخروج قبل أن يكتمل التنظيم وتهيأ العدّة لذلك؛ وموقع الحجاز غير الملائم للخروج؛ ولا ننسى أنّ الهادي عمد في فترة حكمه على اتّباع سياسة أبيه فيما يخص الحجاز والتي تتمثل-كما ذكرت-باستمالة الأشراف وإغداق العطاءات وتعيين أهل المدينة في مناصب هامة في الدولة، وقد اعتمد العباسيّون على الزبيريين والانصار بشكل خاص وأذكوا عداوتهم على الطالبيين، مع أن الأنصار عامّة كانوا إلى جانب
_________________
(١) انظر كتاب المصابيح (ص ٢٩٢ فيما يلي)؛ وتاريخ الطبري ٨/ ١٩٤ (-٣/ ٥٥٥)؛ ويروي محمد بن صالح (هو على الأرجح ابن النطّاح-٢٥٢/ ٨٦٦، ينسب إليه كتاب «أخبار العبّاس وولده»، وهو مؤرخ عباسي الهوى) خبرا يتحامل فيه على العلويّين: أن أصحاب الحسين كانوا يأكلون في المسجد ويحدثون فملؤه قذرا ويولا (؟). . . وأنّ الحسين لما خرج عن المدينة جعل أهلها يدعون عليه. . . تاريخ الطبري ٨/ ١٩٥ (-٣/ ٥٦٦).
[ ٥٤ ]
الإمام علي في حروبه [١]. كما لم يستطع الطالبيون استقطاب القبائل، أو تطوير دعوة واضحة المعالم مرتبطة مباشرة بهموم الناس وأوضاعهم المعيشية والاقتصادية في المدن والامصار وبقيت دعوتهم عامّة ومبهمة كدعوات القرن الأول ومنتصف القرن الثاني مثل الدعوة إلى كتاب الله وسنّة نبيّه والقسم بالسّويّة وإشباع الأرملة. . . الخ [٢]. هذا ولم تظهر شخصية «كارزمية» بين الطالبيين يمكن أن تجمع حولها الأتباع، خاصة أن دعوة المهدي قد خبا بريقها إلى حين مع مقتل محمد النفس الزكيّة، وكنت قد أشرت إلى أنّ المعارضة العريضة التي التفّت حول النفس الزكيّة قد تشتّتت وتباعدت اتجاهاتها، فقسم من المعتزلة اتجه للعمل في ظل الدولة، والشيعة أخذت تلتفّ حول جعفر الصادق، وأطراف أخرى من البيت العلوي خرجت من الصراع تماما فإما أنها آثرت الاعتزال أو عملت مع السلطة.