تفيدنا مخطوطة أخبار فخ بأن يحيى وإدريس وغيرهما ممن نجا من المعركة لجأوا إلى رجل من خزاعة فآواهم زمنا عنده حتى سكنت جراحهم وكفّ الطلب عنهم، ثم استقرّ رأيهم على الخروج إلى الحبشة، فخرجوا في مركب للخزاعي وعبروا إلى عيذاب [٣]. وخزاعة كانت تلي الكعبة وأمر البيت، ثم أخرجها قصي عن مكة فأوطنت تهامة بأسياف البحر غربي مكة وكان لها الساحل من عسفان إلى قديد، وكان بعض خزاعة في مكة ومنها في المدينة [٤]. وقد أسلمت خزاعة باكرا واشتركت في مشاهد الرسول ﵇ ومغازيه [٥]؛ ويبدو أن خزاعة كانت قد نقمت على عثمان
_________________
(١) قارن ب R .Vesely؟،in:Archiv Orienta؟lni؟ ٦٢(٨٥٩١)،٦٥ ff .
(٢) انظر ما يلي ص ٩٣ - ١٠٩.
(٣) انظر ما يلي ص ١٥٧.
(٤) تاريخ الطبري ٢/ ٢٥٠ - ٢٥٦ (-١/ ١٠٩٢ - ١٠٩٥).
(٥) تاريخ الطبري ٢/ ٥٣٥،٦٢٤، (١) /٤٣ - ٤٥ (-١/ ١٤٢٩،١٥٣٤ - ١٥٣٥،١٥٠٠،١٦١٩ - ١٦٢٠ - ١٦٢٣) ٥٩٣ - ٥٩٤،٣
[ ٥٥ ]
في أواخر أيام حكمه [١]، وكان عظمها مع علي في معاركه [٢] كما اشترك الخزاعيون في الفتوح وكان منهم قوم في خراسان ولهم قرى هناك [٣] وبقي ولاؤهم لآل البيت، ونجد عددا من الخزاعيين كان لهم دور هام في الدعوة العباسيّة [٤]، ويبدو أن قسما مهما من خزاعة بقي على ولائه لآل البيت بعد نجاح الثورة العبّاسيّة. اختفى هؤلاء إذا عند رجل من خزاعة في ساحل مكة (ومكة من تهامة)، لفترة غير محددة قد تكون امتدت لأسابيع طوال (حتى برئت كلمهم وكفّ الطلب عنهم)، قبل أن يرتحلوا بحرا إلى عيذاب على الشاطئ الإفريقي (وتقع على اثني عشر ميلا شمالي حلايب في بلاد النوبة من السودان اليوم [٥] وتقابل قفط وقوص من صعيد مصر). ويذكر ابن سهل الرازي انّهم غادروا إلى الحبشة من «معتك» ولم أستطع أن أهتدي إلى هذا الموضع على ساحل عسفان [٦]، وينبغي أن يكون شمال جدّة في مكان ما بين رأس حاطبة والقديمة ورابغ؛ والمجاز بالبحر إلى عيذاب مجرى يوم وليلة [٧]، وبعيذاب قوم من البجة من الأحباش. وتوجهوا من هناك إلى ملك الحبشة «فأعظمهم وأكبر أمرهم وأجزل جوائزهم فأقاموا عنده خير إقامة». وقد يكون المعني بملك الحبشة ملك إحدى النواحي، وعلى أيّ حال فإن تاريخ الحبشة في تلك الفترة غامض جدا، وقد أورد بدج (Budge) قائمة بأسماء ملوك الحبشة في الفترة الممتدة من سنة ٦٠٠ - ٩٣٠ (منذ ما قبل البعثة حتى سنة ٣٦٠ للهجرة) ولم يستطع تحديد سنوات ملكهم [٨].
_________________
(١) انظر G .Rotter،Die Umayyaden ٩١،fn .٤٩.:
(٢) تاريخ الطبري (٤/ ٤٩٠،٥/ ١٥،٢٤ (-١/ ٣١٥٨،٣٢٨٩،٣٢٩٩).
(٣) تاريخ الطبري ٥/ ٢٦٠،٢٦١،٤٧٣،٧/ ١١٨،٣٥٥،٣٦٢ - ٣٦٣ (-٢.١٠٢٣;١٦٠١،١٩٥٢،١٩٦٢ - ١٩٦٤)
(٤) تاريخ الطبري ٦/ ٥٦٢،٧/ ٣٧٩ (-٢/ ١٣٥٨،١٩٨٧).
(٥) H .A .R Gibb،in:E-I ٢.١(٠٦٩١)،p .٢٨٧.
(٦) معجم البلدان ٤/ ١٢١ - ١٢٢.
(٧) الروض المعطار ٤٢٣ (عيذاب).
(٨) W .Budge،A History of Ethiopia ٩٦٢ - ٠٧٢.
[ ٥٦ ]
ولا يذكر مصدر أحمد بن سهل [١] إلى متى امتدت إقامتهم في الحبشة ولكنه يقول إنّ يحيى وإدريس كانا آخر من بقي في الحبشة، وإنّهما خرجا منها إلى فرع المسور حيث أقاما زمنا يتشاوران في أمرهما بعد أن تناهى إليهما ما كان حلّ بمن خرج قبلهم من الحبشة. ثم يفرد بعض الصفحات لذكر أخبار هؤلاء، فنجد أنهم جميعا قتلوا أو انتهوا في المطبق زمن موسى الهادي، وهذا يتيح لنا أن نفترض أنّهم بقوا في اختفائهم حتى انتهاء خلافة الهادي، وكان موته لأربع عشرة ليلة خلت في شهر ربيع الأوّل سنة ١٧٠/ ٧٨٦. ممّا يعني أنّ الآخرين بقوا في الحبشة أقلّ من ثلاثة أشهر. وثمة اضطراب زمني في هذه الرواية، فهي تذكر أنّ إبراهيم بن إسماعيل طباطبا عاد من الحبشة وقد ولد له أكابر ولده فيها، ثم صار إلى المدينة متخفيا حينا وولد له بقية ولده ثم نزع إلى الكوفة حيث وشي به وطرح في السجن. ولا يعقل أن يكون كل هذا قد تمّ في فترة لا تتجاوز الثلاثة أشهر [٢]! على أية حال نجد أن الأخبار عمّن قتل من الطالبيين على يد موسى الهادي فيها الكثير من «الدرامية» في تصوير مصارعهم وبطولتهم في وجه الطغيان.
أمّا فرع المسور [٣] حيث أقام يحيى وإدريس بعد عودتهما من الحبشة فهو على مرحلة من المدينة قرب سويقة بني الحسن، وينسب إلى المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف [٤]. وقد عمدا بعد عودتهما إلى ترتيب أمورهم ولقاء الدعاة، فنجدهم بعد حين في شعب الحضارمة-ولم أجد ذكرا لهذا الموضع-وفي أخبار
_________________
(١) وهو محمد بن منصور المرادي الذي يروي عن الامام القاسم الرسي؛ والمرادي كوفي ويعتبر من علماء الزيدية الأوائل توفي سنة ٢٩٠/ ٩٠٣، انظر عنه Asiatische Studien ٧٤(٣٩٩١)،٢٨٢. Imam al-Qa؟sim ٠٨ - ٥٨;Gu؟nther،Quellenuntersuchungen ٢٠٢ ff .،M .JARRAR،in: W .Madelung،Der:
(٢) يذكر الطبري أن إبراهيم بن إسماعيل طباطبا ظهر من اختفائه سنة ١٧٠، تاريخ الطبري ٨/ ٢٣٤ (-٣/ ٦٠٤).
(٣) خلاصة الوفا للسمهودي ٥٩١؛ والمغانم المطابة ٣١٧، حاشية ٣.
(٤) له ترجمة في تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٧٨ - ٥٧٩.
[ ٥٧ ]
فخ أنّه من شعاب مكة وأقدر أنّ أهل حضرموت كانوا ينزلونه أثناء الموسم. وكان في الحضارمة عدد كبير من شيعة آل البيت، ونزلت بطون منهم في مصر وتبؤوا عددا كبيرا من المناصب المهمة خاصة في القضاء [١]، وكانوا ممّن دعم ثورات الطالبيين فيها. كان اللقاء في الموسم لقاء تنظيميا، كما يصرّح أحد الدّعاة وهو عبد العزيز بن يحيى الكناني [٢] قال «فوافاه [يعني يحيى] سبعون رجلا من خيار أهل الأرض في ذلك الزمان وكان فيهم جماعة من أهل مكة»؛ وعبد العزيز نفسه كان مكيا واتفق رأيهم على توجيه الدعاة في الامصار فوجّه إلى أهل العراق ثلاثة وإلى أهل المغرب ثلاثة وفيهم أخوه إدريس [٣].