ثمة شبه إجماع بين المصادر على أنّ وصول إدريس بن عبد الله إلى وليلى-وهي المرحلة الثالثة من مراحل تغريبته-كان سنة ١٧٢/ ٧٨٨ ويحدد ابن أبي زرع التاريخ بدقّة أكبر فيذكر انّه دخلها في ربيع الأول سنة ١٧٢ وأنّ بيعته فيها كانت في رمضان ١٧٢ [٢]. وقد تنبّه محمد الطالبي بحق إلى غموض هذه الفترة وتناقض التواريخ
_________________
(١) يذكر ابن الأثير (الكامل ٦/ ٩٣) أنّه «كان شيعيا لعلي»؛ فيما يذكر ابن الفقيه (البلدان ١٤) انّه «كان رافضيا» ويقول عنه الطبري (تاريخ ٨/ ١٩٨ - ٣/ ٥٦١) انه «كان رافضيا خبيثا»؛ وواضح هذا هو جدّ اليعقوبي المؤرخ الذي كان شيعيا، ويقول عنه؛ ٩١ (٢٧٩١)،٨٣١. " Yaqu؟bi ne؟st pas un Siite mode؟re؟،il est a؟ mon sens un Siite fanatique"،Arabica "Y .Marquet: فيما يلاحظ ميلوورد سوى ميول شيعية معتدلة عنده (في (Abr-Nahrain ٢١(١٧٩١ - ٢٧)،p .٠٧ f .: أمّا كلمة رافضي فتشير إلى اتّجاهات شيعية متعددة، قارن ب: «أربع رسائل زيدية»، لماهر جرّار ٧ - ٨ والمصادر المذكورة هنالك.
(٢) الأنيس المطرب ١٩؛ وجذوة الاقتباس ١/ ١٩؛ وقارن بالدولة الأغلبية لمحمد الطالبي ٣٩٩، ح ١١١.
[ ٦١ ]
فيما يخص ما أسماه بملحمة إدريس [١]. ويمدنا «كتاب أخبار فخ» بمعلومات جديدة قد تزيد الغموض، إلا أن الدارس المتعمق يجد فيها توضيحا لكثير من المشكلات، مما يضع الأمور في سياقها التاريخي، رغم أنّ روايتها الداخلية للأحداث ليست دائما متسقة تماما كما سوف نرى، ولهذا فإنه لا يمكننا الاعتماد بثقة كبيرة على ما ورد فيها من معلومات دون معارضتها بالمصادر الأخرى. وقد استطاع محمد الطالبي أن يقارن بين الروايات ويميّز بينها خطا واضحا يمكن الاعتماد عليه، وسوف يكون تعويلي الأكبر على نتائجه [٢].
في رواية «أخبار فخ» أنّ إدريس وصل إلى إفريقية وكان عليها روح بن حاتم، وقد ولي روح إفريقية في جمادى الثانية سنة ١٧١، أي أنّ إدريس قدمها بعد هذا التاريخ، ولم تصرح الرواية بوضوح أين كان نزول إدريس من أرض إفريقية، ويذكر ابن أبي زرع أنّه أقام في القيروان مدّة قبل خروجه إلى المغرب الأقصى [٣]. عند هذا الحدّ يمدنّا «أخبار فخ» بمعلومات جديدة لم تذكرها المصادر التي تناولت سيرة إدريس، وهي قد توضح لنا مجريات حياته في هاتين السنتين اللتين غفلت أكثر المصادر عن ذكرهما.
فقد توجّه إدريس إلى جبال نفّوسة «وأهلها خوارج» بعد أن وجّه روح في طلبه، وقد كان جبل نفوسة معقلا مهما لإباضية شمال إفريقيا. وفي ضوء هذا الواقع الجديد لم يجد روح بن حاتم بدّا من اعتماد السياسة الواقعية فكاتب عبد
_________________
(١) الدولة الأغلبية ٣٩٥ - ٣٩٨.
(٢) ثمّة دراسات أخرى عن هذه الفترة يبقى الفصل الذي كتبه الطالبي-في نظري- أكثرها دقة وجدية. انظر مثلا: اسماعيل العربي، دولة الأدراسة ملوك تلمسان وفاس وقرطبة، بيروت ١٩٨٣؛ وسعدون عباس نصر الله، دولة الأدارسة في المغرب، بيروت ١٩٨٧؛ ومحمود اسماعيل، الأدارسة، القاهرة ١٩٩١.
(٣) يرى محمد الطالبي أن هذا الأمر قليل الاحتمال (الدولة الأغلبية ٣٩٩، ح ١٤٢)، ويبدو الآن بفضل مخطوطة أخبار فخ أكثر ترجيحا؛ وثمة رواية أخرى لفرار إدريس أوردها أبو الفرج في مقاتله (٤٨٨ - ٤٨٩؛ ط ٢.٤٠٧) وهي ذات نزعة قصصيّة وقد تناقلتها عنه بعض المصادر المتأخرة.
[ ٦٢ ]
الوهّاب بن رستم إمام الدولة الإباضية في تاهرت لافتا إيّاه لخطورة وجود إدريس في جبل نفّوسة «لعداوته لك ولمن مضى من سلفك، ولو ظفر بك لتقرّب بدمك إلى الله. . .» [١]، وتضيف رواية «أخبار فخ»: «وكان إدريس قد دعا أهل نفوسة إلى حقّه وبيّن لهم خطأ ما هم عليه من البراءة من علي بن أبي طالب، فاستجاب له منهم خلق وأبى ذلك أكثرهم. .».
وللدارس أن يتساءل عن مدى دقّة هذه المعلومات التي تقدمها المخطوطة، فلماذا يتّجه إدريس للحلول بين جماعة الإباضيّة في جبل نفّوسة لبثّ الدعوة بينهم واستمالتهم إلى جانبه رغم عدائهم «الإيديولوجي» المعروف؟ ألم يكن في جبال المغرب وواحاته ومستقراته متّسع له ولدعوته؟ ثم أليس في هذا المخطط تسرّع وعدم إدراك لطبيعة العلاقات السياسيّة في البلاد؟ فقد أدّت هذه الخطوة لتحالف ولاة العباسيين-آل المهلب الطامحين في السلطة-مع الإباضيّة ضدّه. وقد كانت الخريطة السياسية والقبلية شديدة التنوع في المغرب في ذلك العصر الذي اتسم بالغموض، وكان ممكنا لإدريس في غمرة هذا التنوع وهذه الفوضى أن يجد لدعوته منفذا بعيدا عن الخلافات والمراكز التي انتشرت فيها الإباضية الذين كانت دعوتهم قد وجدت طريقا لها من بداية القرن والذين كانوا قد أعلنوا إمامتهم على رأس الأربعين ومائة أي قبل ما يزيد عن ربع قرن على قدوم إدريس. ثم إنّ راشد [اسحاق بن راشد في مخطوطة أخبار فخ]، كان معتزليا ومن قبيلة أوربة-بحسب المصادر-أي أنّه من أبناء البلاد، كما أننا نفترض أنّه كان للزيدية دعاة مبثوثون في إفريقية والمغرب وأنهم كانوا على معرفة بالبلاد وأوضاعها. وسوف أستعرض باختصار الأخبار التي وردت في المخطوطة: فقد بثّ إدريس دعوته ضمن قبائل نفوسة واستجاب له منهم خلق، فكاتبهم عبد الوهاب بن رستم وأمرهم بتسليم إدريس فانقسم رأيهم وجملوه إلى حيث يأمن وخرج معه ألف من أهل نفوسة حتى بلغ مليانة، وكان إدريس كاتب
_________________
(١) أخبار فخ ١٧٤.
[ ٦٣ ]
أهل شلف وتاهرت وزناتة وزواغة وصنهاجة ولواته وبث دعوته فيهم. وتحصّن إدريس في مليانة، فعاجله عبد الوهاب بن رستم «وتقاتلا مدة طويلة وتفانى بينهم آلاف من الناس»، فلما أيقن إدريس دقّة موقفه انحاز إلى طنجة فنزل وليلى، وكان أهلها من الصفرية والمعتزلة فأجابوه وبايعوه.
ويجدر بنا أن نتوقّف قليلا هنا لنقارن هذه المعلومات بالمصادر التاريخية؛ وليس بين أيدينا نصوص تؤكد هذه المعلومات. بيد أنّ ابن الصغير وهو مؤرخ الدولة الرستميّة-ويرى بعض الدارسين ميولا شيعية معتدلة عنده [١]-لا يأتي على ذكر هذه الأخبار ولا يذكر الأدارسة من قريب أو بعيد في كتابه. وجلّ ما يمكن استفادته من تاريخه [٢] أنّ الإباضيّة افترقوا زمن إمامة عبد الوهّاب بن رستم، والسبب في ذلك كان شكوى بعضهم خاصة قبائل مزاتة وسدراتة [٣] من عمّالهم: «قاضينا جائر وصاحب بيت مالنا خائن وصاحب شرطتنا فاسق وإمامنا لا يغيّر من ذلك شيئا»، فقاتلهم عبد الوهّاب وهزمهم. ويفصّل أبو زكرياء في خبر هذا الافتراق ويذكر أنّهم أخذوا عليه من جملة ما أخذوه «أنه لا تجوز تولية رجل إذا كان في جماعة المسلمين من هو أعلم منه» [٤]، أي أنّه لا تجوز تولية المفضول مع وجود الأفضل، وهذا القول من آراء الزيديّة [٥].
والسؤال: هل يمكننا أن نربط هذا الافتراق بما يذكره أحمد بن سهل الرازي عن إدريس، أي هل نستطيع أن نفترض أنّ إدريس استغلّ وجود فرقة بين إباضية الجبل
_________________
(١) انظر أخبار الأئمة الرستميين ٤٧.
(٢) أخبار الأئمة الرستميين ٤٧.
(٣) يذكر ابن أبي زرع سدراته في جملة من بايع إدريس ودخل في طاعته عند نزوله بوليلى (الأنيس المطرب ٢٠).
(٤) سير الأئمة ٨١.
(٥) قارن بمقالات الاسلاميين ٦٨ - ٦٩؛ وفرق الشيعة ٢٠ - ٢١، ونصرة مذاهب الزيديّة ٩٩ - ١١٤؛ وقد تعدّدت آراء أئمة الزيدية وعلمائهم في هذا الموضوع وتباينت، قارن ب W .Madelung،Der Imam al-Qa؟sim .:
[ ٦٤ ]
استغلها واستطاع أن ينفذ منها لبثّ دعوته؟ لا يمكن الجزم بشيء من هذا أمام النزر اليسير من المعلومات التي تذكرها المصادر. ويعطي ابن أبي زرع طريقا آخر سلكه إدريس وراشد قبل نزولهما بوليلي سنة ١٧٢ بالمغرب [١]، وهذا الطريق هو: برقة- القيروان (أقاما بها مدّة) -تلمسان (استراحا بها أياما) -طنجة عبر وادي ملوية والسوس الأدنى (وأقاما بطنجة أياما) -وليلى [٢].