ثمة إجماع بين المصادر-كما ذكرت-على أنّ إدريس نزل وليلى في ربيع الأوّل سنة ١٧٢ وأن بيعته تمت في رمضان من السنة نفسها، ولا تذكر رواية «أخبار فخ» أي تواريخ. غير أنّها تتّفق مع بقية المصادر في الصلة بين الاعتزال ونجاح مهمة إدريس «فنزل وليلة وكان أهلها من الصفرية والمعتزلة فأجابوه وبايعوه»؛ وتربط المصادر نجاح إدريس في وليلى برئيس قبيلة أوربة التي تنزل في منطقة وليلى وهو إسحاق بن عبد الحميد الذي كان معتزليا [٣]، وإلى هذه القبيلة ينتمي راشد-أو اسحاق بن راشد-مولى إدريس؛ وربّما كان لنا أن نفترض أن الصلة القبليّة هنا كانت أكثر تأثيرا من الصلة العقائدية، وتعبير «كان معتزليا» يبقى تعبيرا غامضا وإن أشار بالطبع إلى صلة ما لهذا الزعيم بمذهب الاعتزال، إلى أنّه من الصعب تحديد زمن تبنيه هذا المذهب وطبيعة عقائده. هذا وقد ذكرت أهمية الاعتزال في تمهيد الطريق لإدريس في إفريقية في موضع آخر من كتاب «أخبار فخ» أوّل نزول إدريس بإفريقية إذ قال المؤلّف: «. . . فوقعوا بأرض أفريقية وكان الغالب على أهلها الخوارج والمعتزلة، وكان أحد الرجلين اللذين مع إدريس من أهل البصرة من شيعة
_________________
(١) تدخّل ناشر النص في الأصل وغيّره (انظر الحاشية ٨ ص ١٩).
(٢) الأنيس المطرب ١٨ - ١٩؛ وجذوة الاقتباس ١/ ١٨ - ١٩.
(٣) الحور العين ٢٦٥؛ وقارن بالدولة الأغلبيّة ٣٩٧ و٤٠٢.
[ ٦٥ ]
أخيه إبراهيم بن عبد الله، معتزليا بليغا خطيبا، فكاتبهم إدريس وكلّمهم البصري وكان حسن البيان فسارع الناس إلى إدريس واتبعوه». فالمعتزلي هنا رجل من المشرق، ولا ذكر للقبائل التي كاتبها إدريس «وكلّمها البصري» ولا لمواطن نزولها والكلام كلام عام إلا أنّه يؤكد وجود هذه الصلة أو الرابط بين نجاح دعوة إدريس وانتشار مذهب الاعتزال في افريقية والمغرب، وهذا ما تظهره الرسالة المنسوبة إلى إدريس والتي أرسلها لقبائل البربر [١].
أما بالنسبة للصفرية الذين ورد ذكرهم في النصّ، فنحن نعرف أن مذهبهم انتشر بين القبائل البربرية خاصة قبائل المغرب الأقصى مطغرة وزناته وبرغواطة وأن نفوذهم امتدّ في المغربين الأدنى والأقصى وقاموا بثورات عدّة قضى عليها آل المهلّب، وأنهم بقوا منتشرين في الزاب وتلمسان وقامت لهم دولة في سجلماسة هي دولة بني مدرار. وكان بين الصفرية والإباضية معارك عدّة، ويبدو أن هؤلاء الصفرية-أو أوزاعهم كما يسميهم ابن خلدون-قد انضموا إلى إدريس وشاركوا في معاركه، خاصة بطون من مكناسة. أما صفرية تلمسان فقد حاربهم إدريس ودخل بلدهم سنة ١٧٤ وبنى مسجدها.
إن معلوماتنا قليلة جدا عن سيرة إدريس ونشاطه في وليلة-أي في المرحلة الثالثة من مراحل دعوته في المغرب-وتكاد رواية ابن أبي زرع تكون الأكثر تفصيلا، فهو يذكر فتوحاته في السنوات ١٧٢ و١٧٣ في بلاد تادلة وتامسنا ومحاربته لمن بقي في قبائل البربر على دين اليهودية والنصرانية، ويذكر فتحه لتلمسان سنة ١٧٤ صلحا، وبناء جامعها، غير أنّه لا يذكر شيئا عن تعرّضه للإباضية.
أما مخطوطة «أخبار فخ» فتنحو منحى آخر وتشير إلى أنّ إدريس جعل همته في قتال الخوارج-يعني عبد الوهاب بن رستم- «وهذا بعدما أقام بطنجة سبع سنين» (؟)؛ ويغلب على الظن أن المقصود بالسنين السبع هو مدّة إقامته
_________________
(١) انظر ما يلي ص ١٧٥ - ١٨١.
[ ٦٦ ]
بطنجة/وليله من وقت نزوله وبيعته سنة ١٧٢ إلى حين وفاته سنة ١٧٩ أي أنّه انصرف لقتال الخوارج طوال هذه السنين السبع.
ثم تنتقل الرواية لذكر حروب روح بن حاتم وابنه الفضل مع عبد الله بن الجارود الذي ثار بالجند العباسي والأبناء على حكم المهلبيين ولاة إفريقية للعباسيين، وهي أخبار وردت بالتفصيل في المصادر التاريخية خاصة في تاريخ الرقيق [١]؛ ورواية «أخبار فخ» توافق رواية الرقيق في تفاصيلها إلا أنها تشير إلى دور مفترض لإدريس في تلك الأحداث ممّا يوحي أنّه كان محرّكا لها أو أنّه استغلّها على الأقل، فتذكر أنّ مالك بن المنذر الكلبي لمّا ثار على عبد الله بن الجارود دعا إلى إدريس بن عبد الله؛ وتضيف أن عبد الله بن الجارود حين شعر بالهزيمة كان في نيّته الهرب إلى إدريس بطنجة. وهنا تنتهي الرواية دون أن تتطرق لحروبه مع الإباضيّة أو لفتوحاته في المغرب؛ وتمرّ بسرعة بخبر مقتله.