صنعاء أطيب بلاد اليمن، بل جنة جزيرة العرب كلها، هي مضرب الأمثال في طيب الهواء واعتداله وحسن العيش. قال ياقوت: "صنعاء قصبة اليمن وأحسن بلادها، تشبّه بدمشق لكثرة فواكهها وتدفق مياهها، وليس بجميع اليمن أكبر ولا أكثر مرافق وأهلا من صنعاء. وهي من الاعتدال في الهواء بحيث لا يتحول الإنسان من مكان طول عمره صيفا ولا شتاء، وتتقارب بها ساعات الشتاء والصيف، وغاية ساعات النهار بها اثنتا عشرة ساعة وإحدى وخمسون دقيقة١.طيبة الهواء، كثيرة الماء. قدم يزيد بن الصعق صنعاء ورأى أهلها وما فيها من العجائب، فلما انصرف قيل له: كيف رأيت صنعاء؟ فقال:
ومن ير صنعاء الجنود أهلها وجنود حمير قاطنين، وحميرا
يعلم بأن العيش قسم بينهم جلبوا الصفاء فأنهلوا، ما كدرا
ويرى مقامات عليها بهجة يأرجن هنديا ومسكا أذفرا".
وليس من الغريب أن نسمع يمنيا كالهمداني يشيد بذكرها فيقول:
_________________
(١) ١ الإكليل ٨/ ١٢.
[ ٢٧١ ]
"هي إحدى جنان الأرض عند كافة الناس"١، فقد حيرت بحسنها وكثرة أشجارها ومياهها ومروجها وأنهارها وطيب أوديتها غيره، فدهش أول ما رآها وملكه الإعجاب٢. "قال أحمد بن موسى وهو من الشعراء المتأخرين حين رفع إلى صنعاء، وصار إلى نقيل السود "على مقربة منها":
إذا طلعنا "نقيل السود" لاح لنا من أفق صنعاء مصطاف ومرتبع
يا حبذا أنت يا صنعاء من بلد وحبذا وادياك الظهر والضلع"٣.
بقيت صنعاء٤ دار سلطنة وإمارة حتى يومنا هذا. وقد كان بها مقر ملوك اليمن قديما، وفيها قصر غمدان وهو بناء شاهق على تل عظيم اتخذه أقيال اليمن، وليس في اليمن جميعه بناء أرفع منه.
_________________
(١) ١ الإكليل ٨/ ١٢. ٢ ومن الطريف أن يذكر ياقوت أيضا أن صنعاء اسم لقرية على باب دمشق دون المزة مقابل مسجد خاتون، خربت وهي اليوم مزرعة وبساتين. وفي هذا دلالة على أن العرب مولعون بذكر ديارهم وأوطانهم أينما حلوا، هم على الوفاء لعهدها تحت كل سماء، وإطلاقهم صنعاء على هذه القرية الخربة لعهد ياقوت، كإطلاقهم في بلاد الأندلس وجناتها أسماء حمص ودمشق ٣ تاج العروس. ٤ نعتها الهمداني في كتابه "صفة جزيرة العرب" نعتا جليلا حوى معارف قيمة جدا عن هذه البلدة العظيمة، وانظر على سبيل المثال ما ذكره عن ضروب =
[ ٢٧٢ ]
"ويكون سوق صنعاء في واديها، قيل: هو وادي عليب، وقيل: هو أصل جبل نُقُم مما يلي قبليّه، وقيل: غدير الحقل"١.
كان العرب إذا ارتحلوا من الشحر وعدن أقاموا سوق صنعاء، فاستمرت من نصف شهر رمضان حتى آخره. يأتونها "بالقطن
_________________
(١) = فواكهها، فإنها في هذا فاقت دمشق نفسها. قال ص١٩٦: "جميع الثمار بها من العنب المُلاحي والدوالي والأشهب والدُّربج والنواسي والزيادي والأطراف والعيون والقوارير والجُرشي والنشاني والتابكي والرازقي والضروع. ويؤتى إليها من خيوان بالرومي، ومن الجوف بالوادي. وبها الرمان الحلو والحامض والممزوج والمليس والسفرجل، وليس يلحق به سفرجل البلاد؛ لأن فيه شيئا من الحموضة والقبض، والإجّاص والمشمش والتفاح الحلو والتفاح الحامض والممزوج، والخوخ الحميري والخوخ الفارسي والخوخ الهندي والجوز الفرك واللوز الفرك، والحلو منه والمرّ، والكمثرى وقد وُفد إلى صنعاء قِدمة. وبها الورد والباقلاء الأخضر ولا يتركونه يبلغ، وجميع أصناف البقول وجميع الحبوب " وكثير أن يكون ببلدة واحدة أربعة عشر صنفا من العنب وحده. وقد أفاض الهمداني بعد هذا بتفصيل مستفيض عن طعامها وألوانه وعن خبزها بما هو غاية في الطرافة والخطر، فليرجع إليه ثمة. ولو أن كل قطر عربي حظي بباحث كالهمداني، لما كنا اليوم في معارفنا عن بلادنا في ظمأ وغلة لا نجد لهما أدنى ري. ١ تاج العروس. وكان بدل "جبل نقم" في الطبعة الأولى من كتابنا "جبل نعيم"، فكتب إلينا الأستاذ "كرنكو" أن الصواب: جبل نقم -بضم النون والقاف- وهو الجبل المطل على صنعاء، واسمه كذلك إلى يومنا هذا. ا. هـ.
[ ٢٧٣ ]
والزعفران والأصباغ وأشباهها مما ينفق بها، ويشترون فيها ما يريدون من البزّ والحرير"١ وكان أروج تجاراتها الغالية والأدم والبرود، وكان هذان الصنفان الأخيران يجلبان إليها أيضا من معافر إحدى قرى اليمن فتباع فيها وتصدر إلى الأقطار، وكذلك يجلب منها من الخرز شيء كثير.
كان بيعهم فيها الجس جس اليد٢، وكان يعشر الناس فيها الأبناء٣ بعد أن كان يعشرهم أمراؤهم من حمير.
_________________
(١) ١، ٢ الأزمنة والأمكنة ٢/ ١٦٤، والمحبر ص٢٦٦. ٣ اليعقوبي، والمحبر ص٢٦٦.
[ ٢٧٤ ]