وهى السنة الثامنة والتسعون بعد الخمسمائة من رفع عيسى ﵇، والسنة الثامنة والثمانون بعد الثمانمائة من تاريخ ذى القرنين، والسنة التاسعة والتسعمائة من وفاة الإسكندر الرومى، والسنة الحادية عشرة بعد الألف والثلاثمائة من ابتداء ملك بختنصر، والسنة الأربعون بعد ستة آلاف من هبوط آدم صلى الله تعالى عليه وسلم.
فيها فى أوّل يوم من المحرم-وقيل النصف منه، ويقال لثلاث عشرة بقيت منه يوم الأحد، وكان أوّل المحرم فى هذه السنة يوم الجمعة-كان قدوم الفيل إلى مكّة المشرّفة، وسبب قدومه إلى مكة المشرفة أن أبا يكسوم أبرهة الأشرم الحبشىّ ملك اليمن بنى كنيسة
_________________
(١) وعلق عليه الزرقانى فى شرح المواهب ١:١٠٧ بقوله «قال الشامى وسنده واه جدا».
(٢) كذا فى م. وفى ت، هـ «وكل عابد رائد».
(٣) كذا فى الأصول. وفى شرح المواهب ١:١٠٧ «عبد حميد ماجد». وفى الزهر الباسم لوحة ١٣٤ عبد المجيد الماجد.
(٤) وانظر مع المراجع السابقه تاريخ الخميس ١:١٨٦.
[ ١ / ١٨ ]
بصنعاء إلى جنب غمدان (^١) /بحجارة قصر بلقيس الذى بمأرب، وكانت [من] (^٢) رخام أبيض وأحمر وأصفر وأسود، وجدّ فى بنائها وأحكمها، ولم ير مثلها فى زمانها بشئ من الأرض، وجعلها مربّعة مستوية التربيع، وجعل طولها فى السماء ستين ذراعا، وكبسها من داخلها عشرة أذرع فى السماء، فكان يصعد إليها بدرج الرخام، وحلاّها بالذهب والفضة، وحفّها بالجواهر، وجعل فيها ياقوته حمراء عظيمة، وأوقد فيها المندل (^٣)، ولطخ جوانبها بالمسك، وسمّاها القلّيس (^٤)، وأمر أهل مملكته بالحجّ لها يضاهئ بذلك البيت الحرام، ثم كتب إلى النجاشى ملك الحبشة: إنى قد بنيت لك- أيها الملك-بصنعاء بيتا لم يبن العرب ولا العجم مثله لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليه حاجّ (^٥) العرب، ويتركوا الحجّ إلى بيتهم. فلما تحدّثت العرب بكتاب أبرهة بذلك إلى النجاشى غضب رجل من النّسأة (^٦) أحد بنى فقيم من بنى مالك
_________________
(١) غمدان: قصر بين صنعاء وطيوه، قيل بناه ليشرح بن يحصب على أربعة أوجه: وجه أبيض ووجه أحمر ووجه أصفر ووجه أخضر. وقيل بنته الشياطين بأمر من سليمان ﵇ لبلقيس ملكة سبأ مع قصرين آخرين. (معجم البلدان لياقوت).
(٢) إضافة على الأصول.
(٣) المندل: عود طيب الرائحة وهو من أنواع البخور. (المعجم الوسيط).
(٤) وانظر صفة القليس فى معجم البلدان لياقوت، والروض الأنف ١:٦٣.
(٥) كذا فى ت، م. وفى هـ «حج».
(٦) النسأة: هم الذين كانوا ينسئون الشهور على العرب فى الجاهلية أى يحلونها فيؤخرون الشهر من الأشهر الحرم إلى الذى بعده ويحرمون مكانه شهرا من أشهر الحل، ويؤخرون ذلك الشهر. وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ معجم البلدان لياقوت- الروض الأنف ١:٦٣.
[ ١ / ١٩ ]
ابن كنانة. فخرج حتى أتى القلّيس فأحدث فيه: أى سلح، ثم خرج فلحق بأرضه. فدخل أبرهة فرأى أثره فيه، فقال: من اجترأ علىّ بهذا؟ فقال له أصحابة: أيها الملك، هذا رجل من العرب من أهل ذلك البيت الذى يحجّ العرب إليه بمكة لمّا سمع قولك إنى أريد أن أصرف إليه حاج (^١) العرب غضب فجاء فأحدث فيه؛ أى أنها ليست لذلك بأهل-ويقال: إنهما كانا رجلين من النّسأة-فغضب عند ذلك أبرهة وقال: أفعلىّ اجترأ بهذا؟! ونصرانيّتى لأهدمنّ ذلك البيت ولأخرّبنّه حتى لا يحجه حاج أبدا.
فدعا بالفيل وأذّن فى قومه بالرّحيل والخروج ومن اتبعه من أهل اليمن-وكان أكثر من اتّبعه منهم عكّ والأشعرون وخثعم-فخرجوا يرتجزون:-
إن البلد لبلد مأكول … يأكله عكّ والأشعرون والفيل
ويقال: إن أبرهة لما رأى ذلك بالقلّيس كان عنده رجال من العرب؛ منهم محمد بن خزاعىّ الذّكوانىّ وأخوه قيس، فأمّر محمدا على مضر، وأمره أن يسير بالناس يدعوهم إلى حجّ القلّيس، فسار محمد حتى إذا نزل ببعض أرض بنى كنانة-وقد بلغ أهل تهامة أمره، وما جاء له-بعثوا له رجلا من هذيل يقال له عروة بن عياض، فرماه بسهم فقتله، فهرب أخوه قيس فلحق بأبرهة، فزاد ذلك أبرهة غيظا وجرأة، وحلف ليغزونّ بنى كنانة، وليهدمنّ البيت. ثم أمر الحبشة فتهيّأت وتجهّزت، ثم سار وخرج بالفيلة معه.
_________________
(١) كذا فى ت، م. وفى هـ «حج».
[ ١ / ٢٠ ]
وقيل: إن سبب مسير أبرهة الأشرم بالفيل إلى مكة أنّ النجاشى وجّه أرياطا أبا أصحم فى أربعة آلاف إلى اليمن فغلب عليها، فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم فقتل أرياطا، وغلب على اليمن، فرأى الناس يجهدون (^١) فى أيّام الموسم، فسأل أبرهة: أين يذهب الناس؟ فقيل له: يحجون بيت الله بمكّة. قال: ما هو؟ قالوا: حجارة. قال: وما كسوته؟ قالوا: يؤتى من هاهنا بالوصائل. فقال أبرهة: والمسيح لأبنينّ لكم خيرا منه. فبنى لهم بيتا عمله بالرخام الأبيض والفضّة، وحفّه بالجواهر، وجعل له أبوابا عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب، وجعل فيه ياقوتة حمراء عظيمة وجعل لها حجابا، وكان يوقد فيه بالمندل ويلطّخ جدره بالمسك، وأمر الناس [أن] (^٢) يحجوه، فحجّه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبّدون، وكان نفيل الخثعمى يعرض (^٣) له ما يكره، فأمهل. فلما كانت ليلة من الليالى لم ير أحدا يتحرّك فقام فجاء بعذرة فلطّخ بها قبلته، وجمع جيفا فألقاها فيه.
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى تاريخ الخميس ١:١٨٨، وشرح المواهب ١:٨٣ «يتجهزون».
(٢) إضافة على الأصول.
(٣) كذا فى هـ. وفى م «فعرض له ما يكره» وبياض فى ت بمقدار كلمتين. وفى شرح المواهب ١:٨٣ «كان نفيل الخثعمى يتعرض لأبرهة بالمكروه فأمهله» وفى تاريخ الخميس ١:١٨٨ «كان نفيل الخثعمى يتعرض لها بالمكروه» أى للكنيسة. وفى سبل الهدى والرشاد ١:٢٥٠ «وكان نفيل بن حبيب الخثعمى يورض له ما يكره» وفسرها فى ص ٢٦١ بقوله: أى ينوى له ما يكره.
[ ١ / ٢١ ]
وأخبر أبرهة بذلك فغضب غضبا شديدا، وقال: إنما فعلت العرب هذا غضبا لبيتهم، لأنقضنّه حجرا حجرا. وكتب إلى النجاشى يخبره بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بفيله محمود-وكان فيلا لم ير قطّ مثله عظما وجسما وقوّة-فبعث به إليه، فسار أبرهة بالناس ومعه ملك حمير (^١).
وقيل: إن أبرهة لم يسر بنفسه إنما بعث رجلا من أصحابه يقال له شمر بن مقصود على عشرين ألفا من خولان ومعراء والأشعريين.
ويقال: إن سبب بعث أبرهة بالفيل إلى مكة أنّ ابن بنته أكسوم بن الصباح الحميرىّ خرج حاجا، فلما انصرف من مكة نزل بكنيسة نجران، فعدا عليها ناس من أهل مكة فأخذوا ما فيها من الحلى، وأخذوا متاع أكسوم؛ فانصرف إلى جدّه مغضبا، فلما ذكر له ما لقى بمكة من أهلها تألّى بيمين أن يهدم البيت؛ فبعث رجلا من أصحابه يقال له شمر بن مقصود على عشرين ألفا من خولان ومعراء والأشعريين.
ولما سمعت بذلك العرب أعظموه وفظعوا به، ورأوا أن جهاده حق عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة ومجاهدته عن بيت الله سبحانه، وما يريد من هدمه وإخرابه؛ فأجابه من أجابه إلى ذلك. ثم
_________________
(١) تاريخ الخميس ١:١٨٨، وشرح المواهب ١:٨٣.
[ ١ / ٢٢ ]
عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر، فأتى به أسيرا، فلما أراد قتله قال له ذونفر: أيها الملك لا تقتلنى فعسى أن يكون مقامى معك خيرا لك من قتلى. فتركه من القتل وحبسه عنده فى وثاق.
ومضى أبرهة على وجهه يريد ما خرج إليه، حتى إذا كان فى أرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمى فى قبيل من خثعم:
شهران وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وقتل من قتل، وأخذ نفيل له أسيرا فأتى به فأمرأن يضرب عنقه، فقال نفيل: أيها الملك لا تقتلنى فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى [لك] (^١) على قبيلتى (^٢) خثعم: شهران وناهس؛ يمينى على شهران وشمالى على ناهس، بالسمع والطاعة. فأعفاه وخلّى سبيله، وسار به معه ومعه ذو نفر فهما دليلاه.
وقيل إنهم لما نزلوا بأرض خثعم تنحّت خثعم عن طريقهم، فكلّمهم نفيل الخثعمى-وكان يعرف كلام الحبشة-فقال:
(^٣) هذان على سمر (^٣)؛ إن قوسى على أكلب، وسهمى على قحافة، وأنا خادمك. فسار معه وأحبّه، فقال له نفيل: إنى أعلم الناس بأرض العرب، وأدرى (^٤) بطريقهم. فطفق فى مسيرهم يجنبهم الأرض ذات المهد حتى تقطعت أعناقهم عطشا (^٥).
_________________
(١) إضافة عن سيرة النبى لابن هشام ١:٣٠.
(٢) كذا فى م. وفى ت، هـ «قبائل» وكذا فى اخبار مكة للأزرقى ١:١٤٢.
(٣) كذا فى الأصول، والمفروض أنه كلام حبشى.
(٤) كذا فى ت، هـ. وفى م «أهداهم بطريقهم».
(٥) سيرة النبى لابن هشام ١:٣٠، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٣٤ - ١٤٢، والبداية والنهاية ٢:١٧١، وسبل الهدى والرشاد ١:٢٤٨ - ٢٥٢، وتاريخ الخميس ١:١٨٨، وشرح المواهب ١:٨٣.
[ ١ / ٢٣ ]
ويقال: إن أبرهة فى بعض طريقه بعث رجلا من بنى سليم يدعو الناس إلى حجّ بيته الذى بناه، فتلقاه أيضا رجل من الحمس (^١) من بنى كنانة فقتله، فازداد بذلك الأمر حنقا وجرأة، وأحث السير والانطلاق، وجعل أبرهة لا يمرّ على حىّ من العرب إلا استتبعهم فتبعوه، فأقبل فى جمع كثير من الحبشة وحمير وكندة، فلما افترقت الطريقان؛ طريق إلى مكة وطريق إلى الطائف تآمر ذو نفر ونفيل ومن معهما فقالوا: يذهبون إلى بيت الله الذى ليس له فى الأرض بيت غيره لهدمه؟! الفتوه واشغلوه بثقيف عسى أن يجد عندهم ما يكسره.
فمالا به إلى الطائف، فلم يشعر أهل الطائف إلا بأبرهة قد جاءهم ضحى معهم الفيلة والدّهم من الناس، فخرج إليه مسعود بن معتّب فى رجال من ثقيف، فلما رأى مسعودا قال: ما أنت؟ قال مسعود:
أيها الملك خرجت لأمر تريده فامض للذى تريد أمامك، ليس بيتنا هذا البيت الذى تريد-يعنون اللات (^٢) -وما عندنا مكان يحجّ إليه، إنما البيت الذى يحجّ إليه العرب بمكة، ونحن عبيدك (^٣) سامعون لك مطيعون، وليس لك عندنا خلاف، ونحن نبعث (^٣) معك من يدلّك. فتجاوز عنهم، ودعا أبرهة ذا نفر ونفيلا فقال:
_________________
(١) الحمس: قريش ومن ولدته قريش خاصة من العرب. وانظر المحبر لابن حبيب ١٧٨، وشفاء الغرام ٢:٤١ - ٤٣.
(٢) اللات: بيت لثقيف بالطائف كانوا يعظمونه مثل تعظيم الكعبة. سيرة النبى لابن هشام ١:٣١، وتاريخ الخميس ١:١٨٨.
(٣) سقط فى ت، هـ. والمثبت عن م والمرجعين السابقين، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٤٢.
[ ١ / ٢٤ ]
قدّمتمانى إلى هاهنا؟! فقالا: هؤلاء عدوّ، وأولئك عدوّ، ولو أتينا مكة كان هؤلاء وراء ظهورنا فخشينا أن تؤتى من خلفك، فأردنا أن نبدأ بهم حتى لا يكون خلفك أحد./فصدّقهما وقال: إنى لم أرد هؤلاء، إنما أردت أن أهدم البيت الذى يحجّ إليه العرب، وأغيظهم بما صنعوا بكنيستى.
وانصرف عن الطائف، وطلب منهم دليلا، فبعثت معه ثقيف أبارغال (^١) يدلّه على طريق مكة. فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزلهم المغمّس-وهو من مكة على ستة أميال (^٢) -فلما نزل به مات أبو رغال هناك، فرجمت العرب قبره، فهو قبره الذى يرجم بالمغمّس، وهو الذى يقول فيه جرير بن [عطية بن حذيفة] (^٣) الخطفى:-
إذا مات الفرزدق فارجموه … كرجمكم لقبر أبى رغال
ولما نزل أبرهة المغمّس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود ابن مقصود (^٤) على خيل؛ يحشر عليه أموال أهل مكّة، فدخل
_________________
(١) رغال بكسر الراء وخفة المعجمة واللام، عن شرح المواهب ١:٨٤.
(٢) وفى الروض الأنف ١:٦٨ المغمس «على ثلث فرسخ من مكة». وفى تاريخ الخميس ١:١٨٨ «على ثلثى فرسخ من مكة». ويقال: هو واد على طريق الشرائع يعرف بهذا الاسم إلى اليوم يعترض من طريق عرفة إلى الجعرانة.
(٣) الإضافة عن الأعلام للزركلى. والبيت فى ديوانه ص ٣٤٢ مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
(٤) كذا فى الأصول، وسيرة النبى لابن هشام ١:٣١، وتاريخ الخميس ١: ١٨٩. وفى أخبار مكة للأزرقى ١:١٤٣، والبداية والنهاية ٢:١٧٢، والزهر الباسم لوحة ٣٢، وشرح المواهب ١:٨٥ «مفصود» بفاء موحدة.
[ ١ / ٢٥ ]
الحرم فجمع سوائم ترعى فى الحرم لأهل تهامة من قريش وغيرهم، فضمّها إليه، وأصاب فيها لعبد المطلب مائتى بعير مقلّدة، ثم انصرف إلى معسكره، فأخبره الخبر، وأنّه لم يصده أحد عن أخذها.
فبعث أبرهة حناطة الحميرى إلى مكة فقال: سل عن سيّد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل له إن الملك يقول لكم: إنى لم آت لحربكم، ولا لقتال أحد؛ إنما جئت لهدم هذا البيت لما نذرت وأوجبت على نفسى، لما صنعت العرب بكنيستى، ثم أنصرف؛ فإن صددتمونا عنه قاتلناكم، وإن تركتمونا هدمناه وانصرفنا عنكم، ولا حاجة لى بدمائكم، فإن هو لم يرد حربى فأتنى به.
فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فجاءه وأخبره بما قال أبرهة، فقال عبد المطلب: والله ما نريد حربه، ومالنا بذلك من طاقة ولا يدان، وسنخلى بينه وبين ما يريد؛ هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم ﵊-أو كما قال-فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فو الله ما عندنا من يدفع عنه. فقال له حناطة: فانطلق معى إلى الملك؛ فإنه قد أمرنى أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب راكبا على فرس، وركب معه ولده الحارث، فلما دخل عسكره جاء حناطة إلى أبرهة فأخبره بما قال عبد المطلب، وأنه قد دخل عسكره. فقال له أبرهة: أخبرنى عن بيتهم أى شئ بناؤه. قال: حجارة منضودة. فعجب أبرهة من
[ ١ / ٢٦ ]
ذلك، وكان عبد المطلب حين دخل سأل عن ذى نفر الحميرى- وكان له صديقا-فدلّ عليه، فجاءه وهو فى محبسه وقال له: يا ذا نفر، هل عندك من غناء؟ فقال: فى ماذا؟ قال:/فيما نزل بنا-أو قال فى إبلى التى أخذت-قال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير فى يد رجل أعجمى ملك ينتظر أن يقتله بكرة أو عشية، ما عندى غناء فى شئ مما نزل بك، إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لى، فسأرسل (^١) إليه فأوصيه بك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك تكلمه فيما بدا لك وما تريد، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. قال: حسبى. فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: هذا عبد المطلب سيّد قريش، وصاحب عين (^٢) مكة؛ يحمل على الجياد، ويهب الأموال، ويطعم الناس فى السهل والجبل ماهبت الريح، والوحش والطير فى رءوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتى بعير فأحبّ أن يكلمه حتى يردّها عليه؛ فاستأذن عليه وانفعه عنده بما استطعت. فقال: أفعل. فكلم أنيس أبرهة فقال له: أيها الملك هذا سيّد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عير مكة، وهو يطعم الناس بالسهل والجبل، والوحوش فى رءوس الجبال-وقد طلبه الملك قبل ذلك فأرسل إليه حناطة-فأذن له عليك يكلّمك فى حاجته، وأحسن إليه. فأذن له أبرهة فوافى
_________________
(١) كذا فى م، هـ. وفى ت «فسأرسلك».
(٢) فى الأصول، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٤٤ «عير» والمثبت عن السيرة النبوية لابن كثير ١:٣٣، وسبل الهدى والرشاد ١:٢٥٢. وعلق محقق السيرة بقوله: والمقصود بعين مكة زمزم التى حفرها عبد المطلب.
[ ١ / ٢٧ ]
عبد المطلب باب الملك-وعنده حناطة وأنيس-فقال أنيس:
هذا صاحب عير مكة، وهو يطعم الناس فى السهل والجبل، والوحش والطير. وقال حناطة: هذا سيّد أهل مكة. فأذن له فدخل-وكان عبد المطلب من أوسم الناس وجها وأعظمه وأجمله- فلما رآه أبرهة أجلّه وأعظمه واستبشر برؤيته، وكان أبرهة على سرير فنزل عنه وأكرمه أن يجلسه تحته، وكره أن يجلسه على السرير فتراه الحبشة جالسا معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة فجلس على بساط، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ورحّب به، ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ فكل حاجة جئت تطلبها قضيت لك. فقال الترجمان ذلك. فقال: إنا فى بلد حرام، فى سبيل بين أرض العرب وأرض العجم، فكانت لى مائتا ناقة مقلدة ترعى بهذا الوادى بين مكة وتهامة، عليها نمير أهلنا، ونخرج بها إلى تجارتنا، ونتجمّل فى غدوّنا، عدا عليها جيشك فأخذوها، وليس مثلك يظلم من جاوره، أسألك أن تردّها علىّ. فلما قال له ذلك التفت أبرهة إلى بعض جلسائه: وهو ذو نفر، ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى عجبا، وقال: لو سألنى كل شئ أحرزه أعطيته إيّاه، ثم قال لترجمانه قل له: قد كنت أعجبتنى حين رأيتك؛ لهيبتك مع ما ذكر لى من شرفك وفعالك، وتقدمك على أهل بيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتنى؛ أتكلمنى فى مائتى بعير أصبناها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، وعزّك وشرفك، وقد جئت لأهدمه لا تكلمنى فيه؟! فما منعك أن تكلمنى فيه؟ وأما إبلك فقد رددتها عليك ومثلها. فقال عبد المطلب: أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت الذى
[ ١ / ٢٨ ]
تريد به ما تريد ربّا سيمنعه. قال أبرهة: ما كان يمتنع منى. قال عبد المطلب: أنت وذاك. قال: ما أرى القوم يصدّقون أنّا نصل إليه، وسيرون نصل إليه أم لا؛ فإنى لا أرى أحدا همّ بشئ من هذا قبلى فيقولون قد حيل بينه وبين ذاك. قال: أنت وذاك، وقد خرجنا عنه وما دونه أحد يصدّك عنه، أردد إلىّ إبلى. فأمر بإبله فردّت عليه.
وأمر أبرهة عند ذلك بالرحيل، وتألّى ليهدمنّ الكعبة، فانصرف عبد المطلب وقد سمع تألّيه.
ويقال إنه ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة حين بعث إليه حناطة الحميرى يعمر بن نفاثة بن عدى بن الديل (^١) بن بكر بن عبد مناة (^٢) بن كنانة-وهو يومئذ سيد بنى بكر وكنانة-وخويلد ابن واثلة الهذلى-وهو يومئذ سيد هذيل-فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى عليهم.
وقيل: إن عبد المطلب لما سمع أن إبله أخذها جيش أبرهة خرج حتى انتهى إلى القوم. وكان حاجب أبرهة رجلا من الأشعريين، وكانت له بعبد المطلب معرفة من قبل ذلك، فلما انتهى إليه عبد المطلب قال له الأشعرى: ما حاجتك؟ قال له: حاجتى أن تستأذن لى على الملك. فدخل عليه حاجبه فقال: أيها الملك، جاءك سيّد
_________________
(١) كذا فى الأصول، والبداية والنهاية ٢:١٧٢، وتاريخ الخميس ١:١٨٨. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:٣٣ «الدئل» أى بضم الدال المشددة ثم همزة مكسورة.
(٢) فى الأصول «عبد مناف» والتصويب عن المراجع السابقة.
[ ١ / ٢٩ ]
قريش الذى يطعم إنسها فى السهل ووحشها فى الجبل. فقال:
إيذن له-وكان عبد المطلب رجلا جسيما-فأذن له فدخل عليه، فلما أن رآه أبو يكسوم أعظمه أن يجلسه تحته، وكره أن يجلسه معه على سريره؛ فنزل من سريره فجلس على الأرض، وأجلس عبد المطلب معه، ثم قال له: ما حاجتك؟ قال: حاجتى مائتا بعير أصابتها لى مقدّمتك. فقال أبو يكسوم: لقد رأيتك فأعجبتنى، ثم تكلمت فزهدت فيك. فقال له: ولم أيها الملك؟ قال: لأنى جئت إلى بيت هو منعتكم من العرب، وفضلكم فى الناس، وشرفكم عليه، ودينكم الذى تعبدون؛ فجئت لأكسره، وأصبت لك مائتى بعير، فسألتك عن حاجتك فكلمتنى فى مالك، ولم تطلب إلىّ فى دينكم (^١) وبيتكم! /فقال له عبد المطلب: أيها الملك إنما أكلمك فى مالى، ولهذا البيت ربّ هو يمنعه، ولست أنا منه فى شئ. فراع ذلك أبا يكسوم، وأمر بردّ إبل عبد المطلب عليه ثم رجع.
وأمست ليلتهم تلك ليلة كالحة نجومها، كأنها تكلمهم كلاما لاقترابها منهم، فأحسّتهم أنفسهم بالعذاب، وخرج دليلهم حتى دخل الحرم وتركهم. وقام الأشعريون وخثعم فكسّروا رماحهم وسيوفهم، وبرئوا إلى الله تعالى أن يعينوا على هدم البيت، فباتوا كذلك بأخبث ليلة.
ولما رجع عبد المطلب إلى قريش أخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرّز فى شعف الجبال والشعاب؛ خوفا عليهم من معرة الجيش (^٢).
_________________
(١) وفى م، هـ «ولم تطلب إلى فى بيتك».
(٢) أخبار مكة للأزرقى ١:١٤٥، وسيرة النبى لابن هشام ١:٣٣، وسبل الهدى والرشاد ١:٢٥٤، وتاريخ الخميس ١:١٨٩.
[ ١ / ٣٠ ]
وقيل: إن عبد المطلب لما رجع من عند أبرهة منصرفا وجد أهل مكّة قد هربوا، ولم يجد فيها أحدا إلا أهل بيته؛ فقام عبد المطلب وأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ﷿، ويستنصرونه على أبرهة وجنده. فقال عبد المطلب مرتجزا وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:-
يا ربّ لا أرجو لهم سواكا … يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدوّ البيت من عاداكا … امنعهم أن يخربوا قراكا (^١)
وقال أيضا:
يا ربّ إن المرء يمن … ع رحله فامنع حلالك (^٢)
[وانصر على آل الصلي … ب وعابديه اليوم آلك] (^٣)
لا يغلبن صليبهم … ومحالهم عدوا محالك
فلئن فعلت فربما … أولى فأمر ما بدالك
ولئن فعلت فإنه … أمر تتمّ به فعالك
جرّوا جموع بلادهم … والفيل كى يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم … جهلا وما رقبوا جلالك
فلئن تركتهم وكع … بتنا فواحزنى هنالك (^٤)
_________________
(١) تاريخ الخميس ١:١٩٠، وسبل الهدى والرشاد ١:٢٥٤ - مع اختلاف فى ترتيب الشطرات.
(٢) فى الأصول «يمنع رحله وحلاله». والتصويب عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٤٥.
(٣) هذا البيت إضافة من سبل الهدى والرشاد ١:٢٥٤، وشرح المواهب ١:٨٤.
(٤) سيرة النبى لابن هشام ١:٣٣، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٤٥، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢٥٤، وتاريخ الخميس ١:١٩٠، وشرح المواهب ١:٨٤ - مع زيادة ونقصان واختلاف فى بعض الألفاظ.
[ ١ / ٣١ ]
وقال عبد المطلب أيضا: (^١)
لاهمّ فاخز الأسود بن مقصود … الآخذ الهجمة ذات؟؟؟ (^٢)
بين حراء وثبير فالبيد … أخفرته ربّ وأنت؟؟؟ (^٣)
قد أجمعوا ألاّ يكون لك عيد … ويهدموا البيت؟؟؟ المعمود
والمروتين والمشاعر السّود/
ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو وعمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم، ومطعم بن عدىّ بن نوفل بن عبد مناف، ومسعود بن عمرو الثقفى، ومن معهم من قريش إلى شعف الجبال، فتحرّزوا فيها ينظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. وقال عبد المطلب:-
_________________
(١) وفى سيرة النبى لابن هشام ١:٣٤ «قال ابن إسحاق: وقال عكرمة بن هاشم ابن عامر بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى:- لاهم أخز الأسود بن مقصود الآخذ الهجمة فيها التقليد بين حراء وثبير فالبيد يحبسها وهى أولات التطريد فضمها إلى طماطم سود أخفره يا رب وأنت محمود قال ابن هشام هذا ما صح له منها. والطماطم: الأعلاج. وفى سبل الهدى والرشاد ١:٢٥٣ والزهر الباسم لمغلطاى لوحه ٣٢ قال مقاتل فقال عبد المطلب: لاهم أخز الأسود بن مقصود الآخذ الهجمة بعد التقليد فتلها إلى طماطم سود بين ثبير وحرا والبيد والمروتين والمساعى السود يهدم البيت الحرام المقصود قد أجمعوا ألا يكون لك عيد أخفرهم ربى وأنت المحمود
(٢) الهجمة: هى ما بين التسعين إلى المائة من الإبل، وقيل ما بين الخمسين إلى الستين، وقيل القطعة من الإبل. ذات التقليد: أى فى اعناقها القلائد. (سبل الهدى والرشاد ١:٢٦٢)
(٣) حراء وثبير: جبلان بمكة-أخفرته: أى نقضت عزمه وعهده ولم تؤمنه.
[ ١ / ٣٢ ]
قلت والأشرم تردى خيله … إنّ ذا الأشرم غرّ بالحرم
كاده تبّع فيمن جنّدت … حمير والحىّ من آل قدم (^١)
فآنثنى عنه وفى أوداجه جارح … أمسك (^٢) عنه بالكظم (^٣)
نحن أهل الله فى بلدته … لم يزل ذاك على عهد ابرهم
نعبد الله وفينا شيمة … صلة القربى وإيفاء الذّمم
إن للبيت لربّا مانعا … من يرده بإمام يصطلم (^٤)
ويقال: لمّا دنا أصحاب الفيل من مكة استقبلهم عبد المطلب فقال لملكهم: (^٥) ما جاء بك إلينا؟ ما عناك إلينا؟ ألا بعثت إلينا فنأيتك بما تريد؟ (^٥) فقال: أخبرت بهذا البيت الذى لا يدخله أحد إلا أمن، فجئت أخيف أهله. فقال: إنّا نأتيك بكلّ شئ تريده فارجع. فأبى إلاّ أن يدخله، فانطلق يسير نحوه.
وتخلّف عبد المطلب، وقام على جبل فقال: لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله، ثم قال: (^٦) اللهم إن لكلّ إله حلالا فامنع حلالك، لا يغلبن غدا محالهم محالك، اللهم فإن فعلت فأمر ما بدا لك (^٦).
_________________
(١) انظر قصة تبع وعزمه على هدم الكعبة فى سبل الهدى والرشاد ١:٢٥٨.
(٢) كذا فى م، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٤٦. وفى ت، هـ «إن مسك».
(٣) الكظم: سداد الشئ.
(٤) وانظر أخبار مكة للأزرقى ١:١٤٦، وسبل الهدى والرشاد ١:٢٥٨ والزهر الباسم لوحة ٣٦ - مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
(٥) كذا فى م. وفى ت، هـ «ما جاء البيت ما عناك إلينا إن بعثت إلينا فنأتيك بكل ما أردت».
(٦) وفى خبر سابق عبر عبد المطلب عن هذه المعانى بالشعر فقال:-
[ ١ / ٣٣ ]
وقيل لمّا نزل أصحاب الفيل الصفّاح (^١) أتاهم عبد المطلب فقال: هذا بيت الله لم يسلّط عليه أحد. قالوا: لا نرجع حتى نهدمه (^٢).
ويقال: إنّ أبرهة لما نزل المعّمس أوّل من جاء مكة بنزوله أبو قحافة، ومعمر بن عثمان، وعمير بن جدعان؛ كانوا فى إبل عبد الله ابن جدعان هناك، فأخبروا الناس، فهمّت قريش وخزاعة وكنانة وهذيل، ومن كان فى الحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنّهم لا طاقة لهم به؛ فتركوا ذلك وخفّوا فلحقوا برءوس الجبال، وبالشعاب، وبطون الأدوية، وقالوا: لا طاقة لنا اليوم بقتال هؤلاء القوم. ولم يبق بمكّة إلا عبد المطلب قام على سقايته وعثمان بن شيبة ابن عبد الدار قام على حجابة البيت.
ولما أصبح أمر أصحابه بالتهيّؤ والتّعبئة. وتهيأ أصحاب أبرهة لاقتحامهم العرب، فتعبّوا تعبئة القتال/، وصفّوا الصفوف،
_________________
(١) - يا رب إن المرء يمش نع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك فلئن فعلت فربما أولى فأمر ما بدالك وقد ورد هذا الخبر فى الخصائص الكبرى ١:١٠٧ ورسم هذا النثر على صورة الشعر لكن يلاحظ أنه لا يمكن أن يستقيم وزنا.
(٢) الصفاح: موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مشاش. (معجم البلدان لياقوت) وفى صحيح الأخبار ١:١٢٧ «الموضع الذى يقال له الصفاح معروف فى حدود الجبال المشرفة على وادى المغمس، وهى آخرها يتركها قاصد مكة على شماله».
(٣) الخصائص الكبرى ١:١٠٩.
[ ١ / ٣٤ ]
وقدّموا الفيل كما يصنعون فى الحروب. وقدّم صاحب مقدّمته الأسود ابن مفصود، ووقف أبرهة كما كان يقوم فى الحرب؛ معه وجوه أصحابه قد حفّوا به؛ من وجوه الحبشة والعرب ممّن قد سار به، وقد أخذت صفوفه أقطار الأرض، بعضها خلف بعض، يريدون أن يصبحوا بمكة، فلما وجّهوا الفيلة إلى مكة، وقدّموا فيل الملك النجاشى الأكبر-وكان لم يسر به قطّ إلى جمع إلاّ هزمهم، واسمه محمود-فأقبل نفيل بن حبيب الخثعمىّ حتى قام إلى جنب الفيل فالتقم أذنه فقال: ابرك محمود، وارجع راشدا من حيث جئت؛ فإنّك فى بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك، وخرج نفيل حينئذ حتى صعد الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا رأسه بالطّبرزين (^١) فأبى، فأدخلوا محاجن (^٢) لهم فى مراقه (^٣) فبزّغوه (^٤) بها ليقوم فأبى، وحرن كحران الدابة، وتكركر الناس حتى بلغ أبرهة ذلك، فجاء-وهو فى أصحابه-حتى وقف على رأسه، فجعل يصيح بسائس الفيل فيضربه، فإذا لحّ عليه ربض وصاح، فينخس بالرمح فلا ينثنى حتى كادوا أن يصبحوا، ثم إنهم أقبلوا على الفيل فقالوا: لك الله ألاّ نوجهك إلى مكة. فجعلوا يقسمون له ويحرّك
_________________
(١) الطبرزين: آلة عوجاء من حديد. (شرح المواهب ١:٨٧)
(٢) المحاجن-جمع محجن: عصا معوجة وقد يجعل فى طرفها حديد. (المرجع السابق)
(٣) المراق: أسفل البطن.
(٤) بزغوه-بفتح الموحدة وزاى مشددة فغين معجمه: شرطوه بحديد المحاجن. (المرجع السابق)
[ ١ / ٣٥ ]
أذنيه فأخذ (^١) عليهم حتى إذا أكثروا من القسم انبعث، فوجهوه راجعا إلى اليمن فتوجّه يهرول. فعطفوه حين رأوه منطلقا حتى إذا ردّوه إلى مكانه الأول ربض وتمرّغ. فلما رأوا ذلك أقسموا له، وجعل يحرك أذنيه فأخذ عليهم (^١) حتى إذا أكثروا انبعث، فوجهوه إلى اليمن فتوجه يهرول، فلما رأوا ذلك ردّوه فرجع بهم، حتى إذا كان فى مكانه الأول ربض، فضربوه فتمرّغ، فوجّهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، فوجّهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، فوجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، فوجهوه إلى مكة فبرك. فأقبلت الحبشة بحرابهم ورماحهم وعصيّهم يطعنونه بها فيقوم، فطفقوا كلما وجهوه إلى مكة أناخ وبرك وعج عجيجا، وإذا وجهوه من حيث جاء ولىّ وله وجيف، وأىّ وجه شاءوا طاوعهم وأسرع السير ما لم يحملوه على الحرم. فلم يزالوا كذلك يعالجونه حتى إذا كان مع طلوع الشمس-ويقال حتى إذا غشيهم الليل-خرجت عليهم طير من البحر لها رءوس مثل رءوس السباع، وخراطيم كأنها البلس (^٢)، شبيهة بالوطاويط-وقيل اليحاميم (^٣) -بلق حمر وسود، لم تر قبل ذلك ولا بعده، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، بها نضح حمرة مختّمة
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى الروض الأنف ١:٧٢، وسبل الهدى والرشاد ١: ٢٥٥ «كأنه يأخذ بذلك عليهم عهدا» ولعل هذا يفسر ما هنا.
(٢) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:٣٤، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٣٥ «البلسان». وفى النهاية فى غريب الحديث ١:٢١١ «قال عباد بن موسى: أظنها الزرازير».
(٣) اليحاميم-جمع يحموم: وهو ضرب من الحمام يشبه الدبس إلا أنه أصغر منه أسود البطن والعنق والصدر، وأصفر المنقار والرجلين. (المعجم الوسيط)
[ ١ / ٣٦ ]
كأنها جزع ظفار (^١) -وهى مدحرجة كالبنادق مثل الحمص وأكبر من العدس-يحملها، حجر فى منقاره وحجران فى رجليه.
فلما رأوها اشفقوا منها وسقط فى أيديهم، فقال أبرهة: ما تعجبكم من طير جنّها الليل إلى مساكنها؟ فجاءت حتى صفّت على رءوسهم وصاحت، وجعلت تعج عجيجا، وألقت ما فى أرجلها ومناقيرها، فما وقع حجر على بطن إلاّ خرقه ولا عظم إلاّ أوهاه وفتّته، ولا على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا على شئ من جسد أحد إلا خرج من الجانب الآخر. ويقال: إن الحجارة لا تقع على أحد منهم إلا نفط (^٢) جسده. وقيل: إنه ما أصاب أحدا منهم الحجر إلا أخذته الحكة؛ فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه.
وقيل: إن من أصابه حجر جدر؛ وذلك أوّل ما كان الجدرى. لم ير قبلها. ويقال: إن فيل النجاشى كان إذا قدم يربض فتقتدى به الفيلة، (^٣) فشجع منها فيل فحصب (^٣) فرجعت الفيلة.
وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة؛ فأهلكوا جميعا. وفى ذلك يقول عبد الله بن الزّبعرى:-
_________________
(١) جزع ظفار: خرز منسوب إلى ظفار-وهى مدينة بسواحل اليمن-وفى حديث ابن عباس ﵁ أنه رأى منها عند أم هانئ نحو قفيز خمر مخططة كالجزع الظفارى- (شرح المواهب ١:٨٨)
(٢) نفط جسده: أى ظهرت فيه بثور ملأى بالماء وقيل هى الجدرى. (المعجم الوسيط)
(٣) بياض فى ت. والمثبت من هـ، م.
[ ١ / ٣٧ ]
تنكّلوا عن بطن مكة إنها … كانت قديما لا يرام حريمها
لم تخلق الشّعرى ليالى حرّمت … إذ لا عزيز من الأنام يرومها
سائل أمير الجيش عنها ما رأى … ولسوف يبنى (^١) الجاهلين عليمها (^١)
ستون ألفا لم يئوبوا أرضهم … بل لم يعش بعد الإياب سقيمها
كانت بها عاد وجرهم قبلهم … والله من فوق العباد يقيمها (^٢)
فكانت الحجارة لم تعد عسكرهم. ولما رأى قوم أبرهة ذلك خرجوا هاربين يبتدرون الطريق التى جاءوا منها؛ يسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن.
وقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته وولى أبرهة مدبرا:-
أين المفر والإله الطالب … والأشرم المغلوب ليس الغالب (^٣)
وقال نفيل أيضا حين ولّوا وعاينوا ما نزل بهم:-
ألا حيّيت عنا يا ردينا … نعمناكم مع الإصباح عينا
[أتانا قابس منكم عشاء … فلم يقدر لقابسكم لدينا] (^٤)
ردينة لو رأيت ولن تريه … لدى جنب المحصّب ما رأينا
إذا لعذرتنى وحمدت أمرى … ولم تأسى على ما فات بينا
_________________
(١) بياض فى ت.
(٢) وانظر الشعر فى سيرة النبى لابن هشام ١:٣٨، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٣٩.
(٣) سبل الهدى والرشاد ١:٢٥٧، وتاريخ الخميس ١:١٩٠، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٤٧ وفيها «… والأشرم المغلوب غير الغالب»
(٤) إضافة عن سيرة النبى لابن هشام ١:٣٥، وتاريخ الخميس ١:١٩١.
[ ١ / ٣٨ ]
حمدت الله إذ عاينت طيرا … وخفت حجارة تلقى علينا/
فكلّ القوم يسأل عن نفيل … كأنّ علىّ للحبشان دينا (^١)
فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون [بكل مهلك] (^٢) على كل منهل. وأصيب أبرهة فى جسده، وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنملة أنملة؛ كلما سقطت أنملة أتبعتها منه مدّة [تمد] (^٢) قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطير؛ فانصدع صدره عن قلبه، وانشق بطنه فهلك.
ويقال: إن أبرهة انصرف هاربا وحده، فجعل كلما قدم أرضا انقطع منه عضو فيها؛ فأول منزل نزله سقطت يده اليمنى، ثم نزل منزلا آخر فسقطت رجله اليسرى، فأتى منزله وقومه-وهو حينئذ لا أعضاء له-فأخبرهم الخبر، وقصّ عليهم ما لقيت جيوشه، ثم فاضت نفسه وهم ينظرون.
وكان فى قوم أبرهة أخوان من كندة. أما أحدهما ففارق القوم قبل ذلك، وأما الآخر فلحق بأخيه حين رأى ما رأى، فبينا هو يحدثه عنها إذ رأى طيرا منها فقال: كأن هذا منها، فدنا منه الطائر فقذفه بحجر فمات، فقال أخوه الناجى منهما:-
فإنك لو رأيت ولن ترانى (^٣) … لدى جنب المغمّس ما لقينا
_________________
(١) وانظر مع المرجعين السابقين أخبار مكة للأزرقى ١:١٤٧، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٣٦.
(٢) الإضافة عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٤٧.
(٣) كذا فى هـ. وفى ت، م «ترانا».
[ ١ / ٣٩ ]
حمدت (^١) الله لما بثّ طيرا … بظلّ سحابة مرّت علينا
وباتوا كلهم يدعو بحق … كأن قد كان للحبشان دينا
ولم يصب من خثعم والأشعريين أحد.
ولما أصبحت قريش من الغد أصبح عبد المطلب ومن معه على جبالهم فلم يروا أحدا غشيهم، فبعث عبد المطلب ابنه الحارث- ويقال عبد الله-على فرس له سريع ينظر ما لقوا، فإذا القوم مشدّخون (^٢) جميعا، فرجع يرفع فرسه، كاشفا عن فخذه. فلما رأى ذلك أبوه قال: إن ابنى أفرس العرب وما كشف عن فخذه إلا بشيرا أو نذيرا. فلما دنا من ناديهم بحيث يسمعهم الصوت قالوا:
ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعا (^٣). فخرج عبد المطلب وأصحابه فأخذوا أموالهم؛ فكانت أموال عبد المطلب من ذلك المال. فقال عبد المطلب:
أنت منعت الجيش والأفيالا … وقد رعوا بمكة الأجبالا
وقد خشينا منهم القتالا … وكل آمر لهم معضالا
شكرا وحمدا لك (^٤) وإجلالا
ويقال إن هذه الأبيات قالها عكرمة بن عامر العبدرى بزيادة فيها/.
_________________
(١) كذا فى ت. وفى م، هـ*حسبت».
(٢) كذا فى ت، م. وفى هـ «مشدوخون».
(٣) سبل الهدى والرشاد ١:٢٥٧.
(٤) فى الأصول «ذو الجلالا» ولا يخفى خطؤه، ولعل الصواب ما ذكر
[ ١ / ٤٠ ]
أنت منعت الجيش والأفيالا … وقد رعوا بمكة الأجبالا
وقد خشينا منهم القتالا … كلّ كريم ماجد بطالا
يمشى يجر المجد والأذبالا … ولا ينال حبّه المحتالا
لم ينبهم أحد بشرّ حالا … وقد لقوا أمرا له معضالا (^١)
وقال عكرمة العبدرى أيضا:-
الله ربى ورب الأنفس … أنت حبست الفيل بالمغمّس
وأرسل الله سيلا فذهب بأصحاب الفيل فألقاهم فى البحر، وأقام بمكة فلاّل من الجيش وعسفاء (^٢). وبعض من ضمّه العسكر، فكانوا بمكة يعتملون ويرعون (^٣) لأهل بمكة، وكان قائد الفيل وسائسه مقعدين يستطعمان الناس (^٤) حيث يذبح المشركون ذبائحهم على إساف ونائلة.
ويقال: بينا عبد المطلب وأصحابه ينتظرون ما يفعل الحبشة- وهم يحملون الفيل على الحرم ويأبى-إذ قال عمرو بن عابد لعبد المطلب: انظر هل ترى شيئا؟ قال: إنى لأرى طيرا يأتى من قبل البحر قطعا قطعا، وهى أصغر من الحمام. سود الرءوس حمر الأرجل
_________________
(١) لفظ أحد فى الشطر الأول ساقط فى الأصول، وألفاظ الشطر خالية من النقط. ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) العسفاء: الأجراء والعاملون (المعجم الوسيط).
(٣) كذا فى ت، م، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٤٧. وفى هـ «يزرعون».
(٤) وروى عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. سيرة النبى لابن هشام ١:٣٧، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٤٩، وسبل الهدى والرشاد ١:٢٥٧، وتاريخ الخميس ١:١٩٢.
[ ١ / ٤١ ]
والمناقير. قال عمرو: فأقبلت حتى حلّقت على القوم مع كل طائر ثلاثة أحجار، فى منقاره حجر وفى رجليه حجران.
وقال عبد المطلب لمسعود: هل ترى شيئا؟ قال: نعم أرى سوادا كثيرا من قبل البحر كمى (^١)، قال عبد المطلب: هو طائر.
قال مسعود: صدقت. قد والله عرفت حيث حلّوا بنا أن لو أرادوا الديّة لقذروا عليها. فلم أزل أبعث للأشرم أصرفه حتى والى إلى ما هاهنا، وعرفت أنه لا يصل إلى البيت حتى يعذّب، وهذا والله عذابه (^٢).
فلما رأت جميع العرب ما أصاب الحبشة من النقمة أعظمت قريشا وأهل مكة، وقالوا: هؤلاء أهل الله؛ قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوّهم. فجعلوا يقولون فى ذلك الأشعار ويذكرون فيها ما صنع الله بالحبشة، وما دفع عن قريش من كيدهم، ويذكرون الأشرم والفيل وما ساقه إلى الحرم، وما أراد من هدم البيت واستحلال حرمته. فمن ذلك قول أبى الطفيل الغنوى:-
ترعى مذائب وسمىّ أطاع لها … بالجزع يوم عصى أصحابه الفيل (^٣)
_________________
(١) كذا فى ت، هـ-ويقال كمى إليه: أى تقدم. (المعجم الوسيط) وفى م «كسا».
(٢) وانظر قصة عبد المطلب مع أبى مسعود الثقفى على غير هذا الوجه فى سبل الهدى والرشاد ١:٢٥٧ وتاريخ الخميس ١:١٩٠.
(٣) أخبار مكة للأزرقى ١:١٥٥. وديوان طفيل الغنوى ٥٦. مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
[ ١ / ٤٢ ]
وقال-من قصيدة-صيفى بن عامر، وهو أبو قيس بن الأسلت الخزرجى-وهو جاهلى-يعنى قريشا:-
قوموا فصلّوا ربكم وتعوّذوا … بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكم منه بلاء مصدّق … غداة أبى يكسوم هادى الكتائب
فلما أجازوا بطن نعمان ردّهم … جنود المليك بين ساف وحاصب
فولّوا سراعا نادمين ولم يؤب … إلى أهله ملحبش غير عصائب (^١)
وقال أيضا:-
ومن صنعه يوم فيل الحبو … ش إذ كلما بعثوه رزم
محاجنهم تحت أقرابه … وقد كلموا أنفه بالخزم
وقد جعلوا سوطه مغولا … إذا يمّموه قفاه كلم
فأرسل من فوقهم حاصبا … يلفهم مثل لف القزم
تحث على الطير أجنادهم (^٢) … وقد ثأجو كثؤاج الغنم (^٣)
وقال أبو الصلت الثقفى، وهو جاهلى:-
إنّ آيات ربّنا بيّنات … ما يمارى فيهن إلا كفور
حبس الفيل بالمغمّس حتى … ظل يحبو كأنه معقور
واضعا حلقة الجران كما قط … ر صخر من كبكب محدور (^٤)
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ١:٣٩، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٥٥، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٠/ ٤١ والديوان ٦٩،٧٠ - مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
(٢) كذا فى الأصول، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٥٥،١٥٦. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:٣٨، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٣٩،٤٠، والديوان ٩٠،٩١ «تحض على الصبر أخبارهم»
(٣) ثأجوا: أى صاحوا صياح الغنم. (لسان العرب)
(٤) كذا الأبيات فى الأصول، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٥٦ وانظرها فى سيرة-
[ ١ / ٤٣ ]
وقال المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم:-
أنت حبست الفيل بالمغمّس … حبسته كأنه مكردس
من بعد ما همّ بأمر مخلّس … بمحبس تزهق فيه الأنفس
وقت ثياب ربنا لم تدنس … يا واهب الحىّ الجميع الأحمس
وما هم من طارق ومنفس … وجاره مثل الجوارى الكنّس
أنت لنا فى كل أمر مضرس … وفى هنات أخذت بالأنفس (^١)
وقال ابن أذينة الثقفى:-
لعمرك ما للفتى من مفرّ … مع الموت يلحقه والكبر
لعمرك ما للفتى عصرة … لعمرك ما إن له من وزر
أبعد قبائل من حمير … أتو ذات صبح بذات العبر
بألف ألوف وحرّابة … كمثل السماء قبيل المطر
يصم صراخهم المقربات … ينفون من قاتلوا بالدفر
سعالى مثل عديد التراب … تيبّس منها رطاب الشجر (^٢) /
ولقد صارت قصة الفيل، وصنع الله تعالى بأصحابه، واستفاضة ذلك من جملة القصص التى لا يمكن إنكارها، ولم يختلف أحد فيها لا موحّد ولا مشرك.
وهذه القصة قد نطق القرآن العظيم بها، ولو لم ينطق بها القرآن لكان فى الأخبار المتواطئة والأشعار المتظاهرة فى الجاهلية والإسلام
_________________
(١) -النبى لابن هشام ١:٣٩، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٠ - مع اختلاف فى بعض الألفاظ وزيادة فى عدد الأبيات.
(٢) أخبار مكة للأزرقى ١:١٥٦: مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
(٣) أخبار مكة للأزرقى ١:١٥٧.
[ ١ / ٤٤ ]
حجّة وبيان لشهرته، وما كانت العرب تؤرّخ به، فكانوا يؤرخون فى كتبهم ودواوينهم من سنة الفيل، فلم تزل قريش والعرب-بمكة- جميعا تؤرخ بعام الفيل، ثم أرخت بعام الفجار (^١)، ثم أرخت ببنيان الكعبة، فلم يزل يؤرخ به حتى جاء الله بالإسلام فأرخ المسلمون من عام الهجرة.
وفى عام الفيل رئى بأرض العرب الحصبة والجدرىّ ومرائر الشجر؛ الحرمل والحنظل والعشر.
وفى عام الفيل وجدوا فى حجر فى الكعبة-إن كان ما ذكر لى حقّا (^٢) -: من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرّا يحصد ندامة. تعملون السيئات وترجون الحسنات!! أجل كما يجنى من الشّوك العنب.
***