فيها كانت سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى حىّ من خثعم بناحية قريبا من تربة من مخاليف مكة النجدية فى عشرين رجلا، وأمرهم بشنّ الغارة عليهم، فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها، فأخذوا رجلا فسألوه فاستعجم، وجعل يصيح بالحاضرة، يحذّرهم، فضربوا عنقه، ثم أمهلوا حتى نام الحاضر، فشنوا عليهم الغارة، فاقتتلوا قتالا شديدا، وكثرت الجراحة فى الفريقين جميعا، فقتل قطبة بن عامر من قتل، واستاقوا النعم والشاء، وأتوا إلى المدينة، وجاء سيل أتىّ (^٣) فحال بينهم وبينه فما يجدون إليه سبيلا (^٤).
_________________
(١) مغازى الواقدى ٣:٩٢٤.
(٢) أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٥،١٨٦.
(٣) السيل الأتى: الذى لا يدرى من أين أتى (هامش الإمتاع ١:٤٤٠)
(٤) وانظر مغازى الواقدى ٣:٩٨١، وعيون الأثر ٢:٢٠٦، والسيرة الحلبية ٣: ٢٢١، وشرح المواهب ٣:٤٨.
[ ١ / ٥٦١ ]
وفيها ائتمرت ثقيف فيما بينهم، ورأوا أنهم لم يكن لهم طاقة بما هم فيه من خلاف جميع العرب، فاتفقوا على أن يبعثوا رجالا إلى رسول الله ﷺ؛ فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير (^١)، فأبى وخشى أنهم يصنعون به كما صنعوا بعروة وقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معى رجالا. فبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بنى مالك، فيهم: عثمان بن أبى العاص (^٢)، فخرجوا بهم فلما كانوا بالقناة (^٣) قرب المدينة نزلوا وألفوا بها المغيرة بن شعبة (^٤)، فاشتد ليبشر رسول الله ﷺ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر فأقسم عليه أن يؤثره بذلك حتى يكون هو الذى يحدّث النبى ﷺ، ففعل ذلك، فدخل أبو بكر على النبى ﷺ فأخبره بقدومهم. ورجع
_________________
(١) كذا فى الأصول والسيرة النبوية لابن كثير ٤:٥٤. وسيرة النبى لابن هشام ٤:٩٦٥. وفى مغازى الواقدى ٣:٩٦٣ «ابن عمرو بن حبيب».
(٢) وفى السيرة النبوية لابن كثير ٤:٥٤،٥٥ أن الخمسة هم «الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، وعثمان بن أبى العاص، وأوس بن عوف أخو بنى سالم، ونمير بن خرشة بن ربيعة» وكذا سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٦٥،٩٦٦.
(٣) القناة: واد قرب المدينة قيل يأتى من الطائف ويصب فى الأرحضية وقرقرة الكدر، ثم يأتى بئر معاوية، ثم يمر على طرف القدوم فى أصل قبور الشهداء بأحد (مراصد الاطلاع).
(٤) أضافت المراجع «يرعى فى نوبته ركاب رسول الله ﷺ وكانت رعيتها نوبا على أصحابه، فما رآهم المغيرة ترك الركاب عند الثقفيين وضبر يشتد ليبشر رسول الله ﷺ بقدومهم. (سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٦٦، ومغازى الواقدى ٣:٩٦٣، وتاريخ الطبرى ٣:١٤١، والسيرة النبوية لابن كثير ٤:٥٥، والسيرة الحلبية ٣:٢٤١).
[ ١ / ٥٦٢ ]
المغيرة إليهم، فعلّمهم كيف يحيّون النبى ﷺ، فلم يفعلوا وحيّوه بتحيّة الجاهلية. ونزل الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله ﷺ بنى مالك فى قبة ضربها لهم فى ناحية المسجد-ويقال إن النبى ﷺ أنزل جميع الوفد فى قبّة فى المسجد-ليكون أرقّ لقلوبهم، وكان خالد بن سعيد بن العاص يختلف بين رسول الله ﷺ وبينهم حتى اكتتبوا كتابهم-وكان خالد كاتبهم-وكان الطعام يأتيهم من عند رسول الله ﷺ فلا يمسّونه حتى يأكل منه خالد أو غيره؛ وسبب أنهم لا يمسّونه حتى يمسّه خالد أو غيره أنهم قدموا فى شهر رمضان، فكان يأتيهم بلال بفطرهم فيقولون: أفطر رسول الله ﷺ؟ فيقول: نعم، ما جئتكم حتى أفطر. فيضع يده فيأكل ويأكلون (^١).
وسألت ثقيف رسول الله ﷺ أن يعفوا من الصلاة وأن يترك لهم الطاغية-وهى اللاّت-ثلاث سنين لا يهدمها. فأبى النبى ﷺ من ذلك وقال: وأما الصلاة فإنه لا خير فى دين لا صلاة فيه. وقالوا: يا محمد سنؤتيكها وإن كانت دناءة. وسألوه ألا يهدموا أوثانهم بأيديهم. فأجابهم إلى ذلك، وأسلموا، واشترطوا حين أسلموا
_________________
(١) كذا علل المصنف عدم مسهم للطعام حتى يمسه خالد أو غيره، والذى ورد فى المراجع أنهم كانوا يمتنعون عن الطعام حتى يمسه خالد أو غيره وذلك قبل أن يسلموا، فلما أسلموا كانوا يمتنعون عن تناول فطورهم ظنا أن الشمس لم تغرب، ويمتنعون عن تناول سحورهم ظنا أن الفجر قد طلع؛ فكان بلال يقول لهم: ما حضرت بطعامكم إلا بعد أن تناول رسول الله ﷺ فطوره أو تهيأ لتناول سحوره. وانظر المراجع السابقة.
[ ١ / ٥٦٣ ]
ألا يحشروا ولا يعشّروا ولا ينحنوا (^١). فقال رسول الله ﷺ: ألا يحشروا ولا يعشّروا، ولا خير فى دين ليس فيه ركوع. فقالوا:
سنعطيكها على قماءة (^٢) فيها.
وأمّر النبى ﷺ عثمان بن العاص-وكان أصغرهم-لحرصه على تعلّم (^٣) القرآن وشرائع الأحكام، وأمره أن يؤمّهم، وقال له/ تجاوز فى الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم؛ فإن فيهم الضعيف والكبير والصغير وذا الحاجة، واتخذ (^٤) مؤذنا [لا يأخذ] (^٥) على أذانه أجرا
ثم انصرفوا، وبعث رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية وغيرها، فخرجا حتى إذا قدما الطائف أراد المغيرة تقديم أبى سفيان فأبى منه، وقال له: ادخل أنت على قومك، وأقام بماله بذى الهرم (^٦). ودخل المغيرة إليها فعلاها فضربها
_________________
(١) فى الأصول «يحيوا». وفى السيرة النبوية لابن كثير ٤:٥٦ «يجبوا». ولعل الصواب ما ذكرناه حيث إنهم اشترطوا هنا ثلاثة أشياء، فأجابهم الرسول ﷺ إلى اثنتين منها، أما الثالثة فقال: ولا خير فى دين ليس فيه ركوع، وهذا يناسب اشتراطهم عدم الانحناء وهو تعبير عن الركوع ولا يناسبه التحية أو الجباية.
(٢) أى على ذلة وصغار.
(٣) فى الأصول «تعليم» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٦٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٤:٥٦.
(٤) فى الأصول «ويتخذ» والمثبت عن السيرة النبوية لابن كثير ٤:٥٧.
(٥) سقط فى الأصول والمثبت عن المرجع السابق.
(٦) ذو الهرم: موضع قرب الطائف وكان لأبى سفيان به مال. (معجم ما استعجم).
[ ١ / ٥٦٤ ]
بالمعول، وقام دونه قومه بنو معتب أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة وخرج نساء ثقيف حسّرا يبكين عليها ويقلن:
لتبكينّ دفّاع … أسلمها الرّضّاع
لم يحسنوا المصاع
(^١) فهدمها وأخذ مالها وحليها من الذهب والفضة والجزع، فجمعه إلى أبى سفيان، فقضيامنه دين عروة بن مسعود وأخيه الأسود بأمر النبى ﷺ لهما بذلك.
وأمر النبى ﷺ عثمان بن أبى العاص أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم (^٢).
وفيها فى ذى القعدة استعمل رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق على الحج، وأمره أن يخالف المشركين لأنهم كانوا يقفون بجمع فيقف بعرفة، ولا يدفع منها حتى الليل، ويدفع من جمع قبل طلوع الشمس. ويقال إن أبا بكر الصديق أقام الحجّ للناس على منازلهم وهى آخر حجّة حجها المشركون.
فخرج فى ثلاثمائة رجل من المدينة الشريفة، وبعث النبى ﷺ بعشرين بدنة قلّدها بيده، عليها ناجية بن جندب الأسلمى، وساق أبو بكر خمس بدنات، فلما كان بالعرج-ويقال بضجنان-ثوّب للصبح، فلما استوى للتكبير سمع الرّغوة خلف
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٦٨، وتاريخ الطبرى ٣:١٤٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٤:٦١.
(٢) زاد المعاد بهامش شرح المواهب ٥:١٤١.
[ ١ / ٥٦٥ ]
ظهره؛ فوقف عن التكبير فقال: هذه رغوة ناقة رسول الله ﷺ الجذعاء؛ لقد بدا لرسول الله ﷺ فى الحجّ، فلعله أن يكون رسول الله ﷺ فنصلّى معه. فإذا على ﵁، فقال له أبو بكر ﵁: أمير أم رسول؟ فقال: لا، بل رسول أرسلنى رسول الله ﷺ ببراءة أقرأها على الناس فى مواقف الحجّ (^١).
فقدموا مكة فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام على فقرأ على الناس (براءة) حتى ختمها، ثم خرجوا حتى إذا كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس يعلمهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام فقرأ على الناس (براءة) حتى ختمها، ثم كان يوم النحر فأفاضوا، فلما رجع أبو بكر خطب الناس قبل الجمرة فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم، فلما فرغ قام على فقرأ على الناس (براءة) حتى ختمها (^٢).
ونبذ على ﵁ إلى كل ذى عهد عهده، فنادى بأربع حتى صحل صوته: ألا لا يدخل الجنة إلا نفس مطمئنة، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله إلى مدته، ومن لم يكن بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى أربعة أشهر؛ يسيحون فيها حيث شاءوا، فإذا مضى الأجل فإن الله برئ من المشركين ورسوله. فقال المشركون-أو بعضهم-: بل إلى أن تنتهى تلك المدة نبرأ منك ومن ابن عمك إلاّ من الضرب والطعن.
فلما رجعوا أرعب الله المشركين فدخلوا فى الإسلام طوعا وكرها (^٣).
_________________
(١) تاريخ الخميس ٢:١٤١، وشرح المواهب ٣:٩٣ من حديث جابر بن عبد الله.
(٢) الرياض النضرة ٢:٢٢٨، وشرح المواهب ٣:٩٣.
(٣) شرح المواهب ٣:٩٣،٩٤.
[ ١ / ٥٦٦ ]
وأرسل رسول الله ﷺ مع أبى بكر بمال يعمل به طعاما للحاج كما كانت تعمل قريش فى الجاهلية، فعمله.
وكان حج أبى بكر ﵁ فى ذى القعدة (^١) لأنهم كانوا يحجون فى كل شهر عامين (^٢).
فلما رجع أبو بكر الصديق إلى المدينة قال: يا رسول الله، مالى؟ قال: خير، أنت صاحبى فى الغار، غير أنه لا يبلغ غيرى أو رجل منى-يعنى عليا (^٣) -.
***