فيها-ويقال: فى التى قبلها، وقيل فى السنة التاسعة-تهيّأ أبو طالب للخروج إلى الشام تاجرا، فلما أن أجمع السير صبّ (^١) له رسول الله ﷺ فأخذ بزمام ناقته وقال: يا عم إلى من تكلنى!! لا أب لى ولا أم لى. فرقّ أبو طالب له وقال: والله لأخرجن به معى ولا يفارقنى ولا أفارقه أبدا-أو كما قال-فخرج معه بالنبى ﷺ لعشر خلون من ربيع الأول، ويقال: بعد أن أكمل النبى ﷺ اثنتى عشرة سنة وشهرا وعشرة أيام (^٢)، فبلغ به تيماء، وقيل: بصرى من أرض الشام.
وعاين أبو طالب ومن معه من آيات نبوّته ما زاده فى الحرص عليه والوصاية به؛ من إظلال الغمامة له، وسجود الحجر والشجر له، وميل الشجرة بظلها عليه عند دير بحيرا الراهب. ولما رآه
_________________
(١) كذا فى م، وسيرة النبى لابن هشام ١:١١٦، ودلائل النبوة ١:١٠٩، وعيون الأثر ١:٤١، وسبل الهدى والرشاد ٢:١٨٨. فى هـ «هب له رسول الله ﷺ» وفى ت «قبله رسول الله» ومعنى صب: مال إليه أو تعلق به.
(٢) الإمتاع ١:٨.
[ ١ / ١٠٧ ]
بحيرا-واسمه جورجيس (^١) -عرفه بصفته، فجاءه وأخذ بيده وقال: هذا سيّد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقيل له: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين (^٢) أشرفتم به من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرّ ساجدا، ولا يسجدان إلاّ لنبىّ، وإنّا نجده فى كتبنا. وسأل عمه أبا طالب أن يرده، وخوفه عليه اليهود كيلا يروه فيرومونه بسوء.
فبينما هم فى ذلك إذ أقبل سبعة من الروم يقصدون قبل النبى ﷺ، فاستقبلهم بحيرا فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبّى خارج فى هذا الشهر، فلم يبق طريق إلاّ بعث إليه بأناس. قال:
أرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس ردّه؟ قالوا: لا. فبايعوه (^٣) وأقاموا معه؛ فكانت هذه من بشائر نبوّته ﷺ، وهو صغير غير متأهّب لها ولا داع إليها. فردّه أبو طالب من ثمّ، ويقال: إن أبا بكر بعث معه بلالا. وزوّده الراهب من الكعك والزيت (^٤).
_________________
(١) فى المرجع السابق «سرجس» وفى السيرة الحلبية ١:١٩٣ «جورجيس وقيل سرجيس»
(٢) كذا فى م، هـ. وفى ت «لما».
(٣) وفى السيرة الحلبية ١:١٩٦ «أى بايعوا بحيرا على مسالمة النبى ﷺ، وعدم أخذه وأذيته على حسب ما أرسلوا فيه، وأقاموا عند ذلك الراهب خوفا على أنفسهم ممن أرسلهم إذا رجعوا بدونه».
(٤) دلائل النبوة ١:٣٠٨، وتاريخ الطبرى ٢:١٩٤، وعيون الأثر ١:٤١، والخصائص الكبرى ١:٢٠٨، وسبل الهدى والرشاد ٢:١٨٨،١٩١، وشرح المواهب ١:١٩٣ - ١٩٦، والسيرة الحلبية ١:١٩١ - ١٩٦.
[ ١ / ١٠٨ ]
وفى هذا الخبر وهمان: الأول بايعوه على أى شئ؟! والثانى أبو بكر لم يكن حاضرا، ولا كان فى حال من يملك، ولا ملك. ولم يكن أسلم يومئذ، ولا صحب النبىّ ﷺ، وإنما اشترى بلالا بعد ذلك بنحو ثلاثين سنة بعد مبعث النبى ﷺ (^١).