فيها فى يوم السبت للنصف من شوّال كانت واقعة أحد بين النبى ﷺ وقريش، وسببها: أنه لما عاد المشركون من بدر إلى مكة وجدو العير التى قدم بها أبو سفيان بن حرب من الشام موقوفة فى دار الندوة-وكذلك كانوا يصنعون-لم يحركها ولا فرقها، وكانت ألف بعير، فمشى أشراف قريش (^١) إلى أبى سفيان ومن كانت له فى تلك العير من قريش تجارة وقالوا: نحن طيّبوا (^٢) الأنفس بأن تجهز بربح هذه العير جيشا كثيفا إلى محمد. فقال أبو سفيان: أنا أوّل من أجاب (^٣) إلى ذلك، وبنو عبد مناف معى. فباعوها فصارت ذهبا، فسلموا إلى أهل العير رءوس أموالهم، وخرجوا الأرباح-وكانوا يربحون فى تجارتهم لكل [دينار] (^٤) دينارا-فنزل فيهم قول الله تعالى ﴿إِنَّ
_________________
(١) (¬*) ختمت نسخة ت هذا القدر بقولها «أنتهى الربع الأول من الكتاب» ثم بدأت «بسم الله الرحمن الرحيم» ولم يرد ذلك فى نسخة م.
(٢) وهم كما فى مغازى الواقدى ١:١٩٩ «الأسود بن المطلب بن أسد، وجبير ابن مطعم، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبى جهل، والحارث بن هشام، وعبد الله بن أبى ربيعة، وحويطب بن عبد العزى، وحجير بن أبى إهاب».
(٣) فى الأصول «طيبون» والمثبت عن الوفا بأحوال المصطفى ٢:٦٨٤.
(٤) فى الأصول «جاب».
(٥) سقط فى الأصول، والمثبت عن مغازى الواقدى ١:٢٠٠، وطبقات ابن سعد ٢:٣٧، والإمتاع ١:١١٥، وعيون الأثر ٢:٢، وسبل الهدى والرشاد ٤:٢٧١.
[ ١ / ٤٣٠ ]
الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (^١) الآية. وبعثوا عمرو بن العاص، وهبيرة بن أبى وهب، وابن الزّبعرى، وأبا عزّة الجمحىّ إلى العرب يستنفرونها؛ فألّبوا (^٢) العرب وجمعوها. وكان أبو عزّة الجمحى المذكور-وهو عمرو بن عبد الله-قد منّ عليه النبىّ ﷺ يوم بدر على ألاّ يقاتله (^٣) ولا يكثر عليه أبدا، فقال له صفوان ابن أميّة: يا أبا عزّة إنك امرؤ شاعر فأعنّا بلسانك فاخرج معنا.
فقال: إن محمدا قد منّ علىّ فلا أريد أن أظاهر عليه. قال: بلى فأعنا بنفسك، فلك الله إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن نجعل بناتك مع بناتى يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر. [فخرج أبو عزة يسير] (^٤) فى تهامة ويدعو كنانة ويقول:
يا بنى عبد مناة (^٥) الرّزّام … أنتم حماة وأبوكم حام
لا تعدونى نصركم بعد العام … لا تسلمونى لا يحل إسلام (^٦)
_________________
(١) سورة الأنفال آية ٣٦.
(٢) فى الأصول «فأثبتوا» والمثبت عن مغازى الواقدى ١:٢٠١، والإمتاع ١: ١١٤، وسبل الهدى والرشاد ٤:٢٧١.
(٣) فى الأصول «يقاتلوه».
(٤) سقط فى الأصول. والمثبت عن تاريخ الطبرى ٣:١٠، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٢٠، وتاريخ الخميس ١:٤٢٠.
(٥) فى الأصول «مناف» وهو خطأ.
(٦) سيرة النبى لابن هشام ٣:٥٨٢، ومغازى الواقدى ١:٢٠١، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٢٠ مع اختلاف فى بعض الألفاظ، وتقديم وتأخير فى بعض الشطرات.
[ ١ / ٤٣١ ]
وكتب العباس بن عبد المطلب كتابا إلى رسول الله ﷺ مع رجل من بنى غفار (^١) يخبره بذلك.
وخرجت قريش من مكة ومعهم الظّعن التماس الحفيظة وألا يفروا، وخرج نساء مكة ومعهن الدفوف يبكين قتلى بدر، وينحن عليهن.
وحشدت بنو كنانة، وعقدوا ثلاثة ألوية.
وكان خروجهم من مكة لخمس مضين من شوال فى ثلاثة آلاف رجل ومائتى فرس، وسبعمائة درع، وثلاثة آلاف بعير، وخمس عشرة امرأة، رئيسهم أبو سفيان بن حرب.
وهمّت قريش وهى بالأبواء أن تنبش قبر آمنة أم النبى ﷺ، ثم كفّهم الله عنه، ثم نزلت قريش ببطن السبخة من قناة على شفير الوادى مقابل المدينة.
ثم خرج النبى ﷺ وعسكره إلى تحت أحد قبالة العدوة.
وانخذل فى الطريق عبد الله بن أبىّ بن سلول بثلث العسكر؛ لزعمه أن النبى ﷺ خالفه حالة (^٢) مشاورة أصحابه هل يقيم بالمدينة أو يخرج إلى العدو. فكان النبى ﷺ وعبد الله بن أبى اختارا الإقامة بالمدينة واختار أصحابه الخروج، فوافقهم ﷺ. فلما خرجوا انخزل عبد الله عنهم بمن معه.
_________________
(١) فى الأصول «عفاف» والمثبت عن مغازى الواقدى ١:٢٠٤، وسبل الهدى والرشاد ٤:٢٧٢، والإمتاع ١:١١٤، والسيرة الحلبية ٢:٤٨٩، وشرح المواهب ٢:٢١.
(٢) كذا فى ت، وفى م «حال».
[ ١ / ٤٣٢ ]
وتعبأ رسول الله ﷺ للقتال فى سبعمائة رجل، ثم وقع القتال بين المسلمين والمشركين، فانكشف المسلمون بعد أن قتل من المسلمين حمزة بن عبد المطلب وغيره-﵃-وقتل من المشركين أبىّ بن خلف؛ قتله رسول الله ﷺ تصديقا لقوله: إن شاء الله؛ فإن أبى بن خلف كان يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول:
يا محمد إن عندى العود-فرسا-أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها. فيقول له ﷺ؛ بل أنا أقتلك إن شاء الله. ويقال إن النبى ﷺ قال له [ذلك] (^١) يوم افتدى منه ببدر، فلما كان يوم أحد أقبل يركض فرسه تلك حتى دنا من رسول الله ﷺ، فاعترضه رجال من المسلمين ليقاتلوه، فقال لهم النبى ﷺ: دعوه. فأخذ حربة فرمى بها أبيّا فكسر ضلعا من أضلاعه، أو خدشه فى عنقه خدشا غير كبير، فأحتقن الدم، فرجع إلى أصحابه ثقيلا فاحتملوه حتى ولّوا به وهم يقولون: لا بأس عليك. فقال: قتلنى والله محمد.
فقالوا له: ذهب والله فؤادك، والله إن بك بأس. قال: إنه قد كان قال لى بمكة أنا أقتلك، فو الله لو بصق على لقتلنى. فانطلق به أصحابه فمات بسرف فدفنوه (^٢).
وقتل من المشركين أيضا طلحة، وأبو سعد (^٣)، وعثمان بنو أبى طلحة، ومسافع والحارث والجلاس والكلاب بنو طلحة، وأرطاة
_________________
(١) إضافة يقتضيها السياق.
(٢) السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٩.
(٣) كذا فى الأصول، وفى مغازى الواقدى ١ ٣٠٧ «أبو سعيد».
[ ١ / ٤٣٣ ]
ابن عبد شرحبيل بن هاشم، وأبو يزيد بن عمير بن هاشم/، والقاسط بن شريح بن هاشم، وعبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، وأبو الحكم بن الأخنس بن شريق، وسباع بن عبد العزى بن عمرو بن نفيل، وهشام بن أميّة بن أبى المغيرة، والوليد بن العاص بن هشام، وأبو أمية بن أبى حذيفة بن المغيرة، وخالد بن الأعلم أبو عزة، وعمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب-صبرا- وعبيدة بن جابر، وشيبة بن مالك بن المضرّب، وصواب-غلام حبشىّ لبنى عبد الدار-.
ثم انصرف أبو سفيان ومن معه إلى أن وصلوا الرّوحاء.
وعاد النبى ﷺ إلى المدينة، ثم نادى مناديه فى غداة يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال بالخروج فى طلب العدو، فخرج حتى انتهى إلى حمراء الأسد؛ وهى من المدينة على ثمانية (^١) أميال، وأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم عاد إلى المدينة بعد ما مر به معبد بن أبى معبد الخزاعى واجتمع به. ثم لحق أبا سفيان ومن معه بالروحاء-وقد أجمعوا الرجعة إلى المدينة-فقال لهم: لا تفعلوا فإن محمدا قد خرج فى أصحابه فى جمع لم أر مثله قطّ يتحرقون عليكم تحرّقا، وما أرى أن ترحلوا حتى تروا نواصى الخيل. فانصرفوا سراعا خائفين من الطلب. ثم بعث معبد الخزاعى رجلا إلى رسول الله ﷺ فأخبره بانصراف أبى سفيان ومن معه خائفين (^٢).
_________________
(١) فى الأصول «ثلاثة أميال» والمثبت عن عيون الأثر ٢:٣٧، وسيرة النبى لابن هشام ٣:٦١٦، وشرح المواهب ٢:٥٩.
(٢) مغازى الواقدى ١:٣٣٨ - ٣٤٠، وسيرة النبى لابن هشام ٣:٩٨، ٩٩، وسبل الهدى والرشاد ٤:٤٣٨ - ٤٤٣.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وكان أول من قدم مكة بخبر أحد وانكسار المشركين عبد الله ابن أمية بن المغيرة، فكره أن يأتيهم بهزيمة أهلهم، فقدم الطائف وأخبر أن أصحاب محمد قد ظفروا وانهزمنا.
وقدم وحشى وقد سار أربعا على راحلته ووقف على الثنيّة التى تطلع على الحجون فنادى: يا معشر قريش أبشروا، فقد قتلنا أصحاب محمد قتلة لم يقتل مثلها فى زحف (^١) قط، وجرحنا محمدا فأثبتناه بالجراح، وقتل حمزة. فسروا بذلك.
ولما قدم أبو سفيان مكة لم يصل إلى بيته حتى أتى هبل فقال:
قد أنعمت، ونصرتنا، وشفيت نفسى من محمد وأصحابه. وحلق رأسه.
***