فيها-بعد أن بلغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سنتين- قدمت به حليمة على أمّه وهى حريصة على مكثه فيهم لما رأوا من عظيم بركته. صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما كانوا بوادى السّرر، قالت حليمة: لقيت نفرا من الحبشة-وهم خارجون منها- فرافقتهم فسألوها، فنظروا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نظرا شديدا، ثم نظروا إلى خاتم النبوّة بين كتفيه، وإلى حمرة فى عينيه، فقالوا: أيشتكى إيذاء عينيه للحمرة التى فيها؟ قالت لا (^٢).
ولكن هذه الحمرة لا تفارقه. فقالوا: هذا والله نبىّ؛ فغالبوها عليه فخافتهم أن يغلبوها عليه فمنعه الله. فدخلت به على أمّة فأخبرتها بخبره، وما رأوا من بركته، وخبر الحبشة. فلما رأته أمه قالت:
ارجعى بابنى فإنى أخاف عليه وباء مكة، فو الله ليكوننّ له شأن.
ويقال: إن حليمة-أو زوجها-كلمت آمنة وقالت لها:
دعينا نرجع ببنيّنا هذه السنة الأخرى، فإنا نخشى عليه وباء مكة. فلم تزل بها حتى ردّته معهما (^٣).
_________________
(١) أشار ناسخ «ت» -بعد العنوان-بقوله: بياض بأصله. وعنون فى الصفحة التالية «السنة الثالثة من مولد النبى ﷺ». وفى م، هـ اتبع الناسخان السنة الثالثة للسنة الثانية دون الإشارة إلى بياض.
(٢) كذا فى م، والخصائص الكبرى ١:١٤١، وسبل الهدى والرشاد ١:٢٠ ٤٧٣. وفى ت، هـ «بلى».
(٣) وانظر شرح المواهب ١:١٤٨،١٤٩.
[ ١ / ٧٠ ]
وقام سوق ذى المجاز-ويقال عكاظ-فحضرت حليمة بالنبىّ ﷺ، وبالسوق يومئذ عرّاف من هذيل يؤتى إليه بالصّبيان لينظر إليهم من هوازن؛ فلما نظر إلى رسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وإلى الحمرة التى فى عينيه، وإلى خاتم النبوة صاح: يا معشر هذيل، يا معشر العرب-ويقال جعل يصيح: يآل هذيل-إنّ هذا لينتظر أمرا من السماء، وجعل يغرى بالنبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فاجتمع إليه الناس من أهل الموسم، فقال:
اقتلوا هذا الصبىّ. فانسلّت به حليمة، فجعل الناس يقولون: أى صبىّ؟ فيقول: هذا الصّبىّ. فلا يرون شيئا؛ فقد انطلقت به أمه.
فيقال له: ما هو؟ فيقول: رأيت غلاما، وآلهته ليغلبن (^١) أهل دينكم، وليكسّرن أصنامكم، وليظهرنّ أمره عليكم. فطلب بذى المجاز-أو بعكاظ-فلم يوجد. ورجعت به حليمة إلى منزلها.
فكانت بعد هذا لا تعرضه لعرّاف ولا لأحد من الناس.
ولقد نزل بهم عرّاف فأخرح إليه صبيان أهل الحاضر، وأبت حليمة أن تخرجه إليهم، إلى أن غفلت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فخرج من المظلّة، فرآه العرّاف فدعاه، فأبى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فدخل الخيمة، فجهد بهم العرّاف أن يخرج (^٢) إليه فأبت، فقال: هذا نبى.
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى الخصائص الكبرى ١:١٤٤، وسبل الهدى والرشاد ١:٤٧٣ «فليقتلن».
(٢) كذا فى الأصول. وفى الخصائص الكبرى ١:١٤٤ «أن يخرجوه».
[ ١ / ٧١ ]
وفى هذه السنة ولد أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه (^١).
فيها-ويقال: فى السنة السابقة-وفدت قريش-وفيهم عبد المطلب بن هاشم، وأميّة بن عبد شمس، وعبد الله بن جدعان، وأسد بن عبد العزّى، ووهب بن عبد مناف، وقصىّ بن عبد مناف (^٢)، وقصىّ بن عبد الدار-إلى اليمن يهنئون سيف بن ذى يزن بظفره بالحبشة، فبشّر سيف عبد المطلب أنه سيظهر رسول من نسله.
***