فيها فى ليلة السابع عشر من ربيع الأول-ويقال: فى ليلة السابع والعشرين من ربيع الآخر، ويقال غير ذلك-بينما النبى ﷺ فى الحطيم أو الحجر مضطجعا بين النائم واليقظان إذ أتاه آت فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة. فأخذه ﷺ، فانطلق به فشق ما بين ثغرة نحره إلى مراقه؛ فاستخرج قلبه ثم أتى بطست من ذهب فيه ماء من ماء زمزم مملوء إيمانا وحكمة، فغسل قلبه ثم حشى ثم أعيد. ثم أتى بداية دون البغل وفوق الحمار أبيض، وهو البراق، مسرجا ملجما يضع خطوه عند أقصى طرفه، فى فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، يضع حافرها فى منتهى طرفها. فلما دنا النبى ﷺ ليركبها شمست، فوضع جبريل يده على مفرقها ثم قال: ألا تستحى يا براق مما تصنع!! فو الله ما ركب عليك عبد لله ﷿ قبل محمد أكرم على الله منه. ثم استحيت حتى ارفضت عرقا، ثم قرّت، فركبها حتى جاء بيت المقدس (^١).
ويقال، قال النبى ﷺ: صليت لأصحابى صلاة العتمة بمكة معتما، فأتانى جبريل بداية بيضاء فوق الحمار ودون البغل فقال: اركب.
فاستصعبت (^٢) علىّ فدارها (^٣) بأذنها، ثم حملنى عليها، فانطلقت تهوى بنا ترفع (^٤) حافرها حيث أدرك طرفها.
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٢:٢٦٨،٢٦٩، والاكتفا ١:٣٧٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٩٤ - ٩٦، والخصائص الكبرى ١:٤١١،٤١٢، والسيرة الحلبية ٢:٧٧. ويلاحظ هنا الأنتقال فى الأصول من ضمير المذكر إلى ضمير المؤنث؛ ويرجع ذلك إلى نقل المصنف من عدة روايات بعضها أرجح الضمائر إلى الدابة وبعضها إلى البراق.
(٢) كذا فى الأصول، وتاريخ الاسلام ٢:١٥٤. وفى دلائل النبوة ٢:١٠٨ «استعصت»
(٣) كذا فى الأصل. وفى تاريخ الإسلام ٢:١٥٤ «فرازها» بمعنى اختبرها كما فى النهاية.
(٤) كذا فى الأصول. وفى المرجع السابق «يقع».
[ ١ / ٣٢٨ ]
ويقال، إن النبى ﷺ قال: بينما أنا نائم عشاء فى المسجد الحرام إذ أتانى آت فأيقظنى فاستيقظت فلم أر شيئا، ثم عدت فى النوم، ثم أيقظنى فاستيقظت فلم أر شيئا، ثم عدت فى النوم، فأيقظنى فاستيقظت فلم أر شيئا، فإذا أنا بكهيئة خيال، فأتبعته بصرى حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة أدنى شبهه بدوابكم هذه بغالكم هذه، مضطرب الأذنين، يقال له البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلى، يقع حافره مدّ بصره، فركبته (^١). ومضى/ جبريل معه لا يفارقه حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد به إبراهيم وموسى وعيسى فى نفر من الأنبياء، فأمّهم رسول الله ﷺ فصلّى بهم، ثم أتى بإناءين فى أحدهما خمر وفى الآخر لبن، فأخذ رسول الله ﷺ إناء اللبن فشرب منه، وترك إناء الخمر. فقال له جبريل:
هديت الفطرة وهديت أمتك، وحرّمت عليكم الخمر.
وصعد به حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل:
من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا:
وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قال ففتح لنا. قالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء.
فأتيت على آدم ﵇ فقلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم. فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالابن الصالح، والنبى الصالح.
_________________
(١) تاريخ الإسلام ٢:١٧٨،١٧٩.
[ ١ / ٣٢٩ ]
ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل:
من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل:
وقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتح لنا، وقالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء. فأتيت على ابنى الخالة يحيى وعيسى ﵉، فسلمت عليهما، فقالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح.
ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل:
من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل:
وقد بعث إليه؟ قال: نعم. (^١) ففتح لنا (^١)، وقالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء، فأتيت على يوسف صلوات الله عليه. فقلت:
يا جبريل من هذا؟ قال: أخوك يوسف. فسلمت عليه، فقال:
مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح.
ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد.
قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء.
فأتيت على إدريس صلوات الله عليه. فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك إدريس. فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح.
ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد.
_________________
(١) سقط فى ت، هـ.
[ ١ / ٣٣٠ ]
قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء. فأتيت على هارون صلوات الله عليه، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك هارون، فسلمت عليه فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح.
ثم انطلقنا حتى أتينا السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل:
من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل:
وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء.
فأتيت على موسى فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى. فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح.
فلما جاوزته بكى، فنودى: ما يبكيك؟ قال: يا رب، هذا غلام بعثته بعدى، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتى.
ثم انطلقنا حتى أتينا السماء السابعة، فاستفتح جبريل فقيل:
من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل:
وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء.
فأتيت على إبراهيم فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم. فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالابن الصالح والنبى الصالح.
ثم رفع لنا البيت المعمور فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال:
هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك حتى إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم.
ثم رفعت لنا سدرة المنتهى، فحدث نبى الله ﷺ: أن ورقها
[ ١ / ٣٣١ ]
مثل آذان الفيلة (^١)، وأن نبقها مثل قلال هجر، وأنه رأى أربعة أنهار تخرج من أصلها؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت:
ما هذه الأنهار يا جبريل؟ فقال: أما الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات.
وأتيت بإناءين أحدهما خمر والآخر لبن، فعرضا علىّ فاخترت اللبن، فقيل لى: أصبت، أصاب الله بك أمتك على الفطرة.
وفرضت على خمسون صلاة كل يوم-أو قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم-فجئت حتى أتيت على موسى ﷺ، فقال لى:
بم (^٢) أمرت؟ فقلت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إنى قد بلوت الناس قبلك، وعالجت بنى إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا يطيقون ذلك؛ فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فرجعت، فحطّ عنى خمس صلوات، فما زلت اختلف بين ربى ﵎ وبين موسى ﷺ، كلما أتيت قال لى مثل مقالته، حتى رجعت بخمس صلوات كل يوم، فلما أتيت على موسى ﷺ قال: بم (^٢) أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم. قال: إنى قد بلوت الناس قبلك، وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة وإن أمتك لا تطيق ذلك؛ فارجع إلى ربك واسأله التخفيف لأمتك. قلت: لقد رجعت إلى ربى
_________________
(١) فى ت، م «الفيل». والمثبت من هـ، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٢١.
(٢) فى الأصول «بما». والمثبت عن المرجع السابق.
[ ١ / ٣٣٢ ]
حتى استحيت، ولكن أرضى وأسلم، فنوديت-أو نادانى مناد-:
أن قد أمضيت فريضتى، وخفّفت عن عبادى، وجعلت بكل حسنة عشر أمثالها (^١).
ثم عادا فى ليلتهما، فلما أصبح النبىّ ﷺ بمكة فظع بأمره، وعرف أن الناس تكذّبه، فقعد معتزلا حزينا، فمرّ به أبو جهل فجاء حتى جلس إليه، فقال له-كالمستهزئ-: هل كان من شئ؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم. قال: وما هو؟ قال: إنى أسرى بى الليلة. قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس. قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: نعم. فلم ير (^٢) أن يكذّبّه مخافة أن يجحده الحديث إن دعا قومه إليه، قال: أرأيت إن دعوت إليك قومك أتحدثهم بما حدّثتنى به؟ قال رسول الله ﷺ: نعم. قال أبو جهل: يا معشر كعب بن لؤى هلموا. فانفضت إليه المجالس، وجاءوا حتى جلسوا إليهما، فقال أبو جهل: حدّث قومك بما حدّثتنيه. فقال رسول الله ﷺ: إنى أسرى بى الليلة. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس. قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟!
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:١٢٣ - ١٢٦، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٢٠ - ٢٢٢، وتاريخ الإسلام ٢:١٧٢،١٧٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٠٨ - ١١١.
(٢) كذا فى الأصول. وفى الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٢٣ «فلم يره أنه مكذبه».
[ ١ / ٣٣٣ ]
فقال رسول الله ﷺ: نعم. قال: فمن بين مصفّق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب-يزعم-وارتدّ نفر ممن كان أسلم؛ قالوا: أو تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ -وفى القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد-قال رسول الله ﷺ: فما زلت أنعت حتى التبس علىّ بعض النعت، فكربت كربا شديد ما كربت مثله قط، فرفعه الله أنظر إليه، ما يسألونى عن شئ إلا أنبأتهم به- ويقال فجئ بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل-أو عقال-فنعتّه وأنا أنظر إليه. فقال قوم: أما النعت فو الله لقد أصاب (^١).
وأخبرهم النبى ﷺ بالعير، وأنها تقدم نهار الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب، فدعا الله فحبسها حتى قدمت العير كما وصف النبى ﷺ، ولم تحتبس لأحد قبله سوى يوشع بن نون وداود ﵉ (^٢).
وقيل: لما كذّبت قريش النبىّ ﷺ حين أسرى به إلى بيت المقدس قام صلّى الله ﷺ فى الحجر، فجلّى الله له بيت المقدس، فطفق يخبرهم عن آياته وهو ينظر إليه (^٣).
_________________
(١) الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٢٢،٢٢٣، وتاريخ الإسلام ٢:١٦٠، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٠٢،١٠٣، وسبل الهدى والرشاد ٣:١٣٢.
(٢) السيرة النبوية لابن كثير ٢:٩٧، وسبل الهدى والرشاد ٣:١٣٣.
(٣) السيرة النبوية لابن كثير ٢:١٠٨، وسبل الهدى ٣:١٣٣.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وقيل: لمّا أسرى بالنبى ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يحدّث الناس بذلك، فارتدّ ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبى بكر فقالوا: هل لك فى صاحبك، يزعم أنه قد جاء بيت المقدس ثم رفع (^١) إلى مكة فى ليلة واحدة. فقال أبو بكر:
أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأشهد-إن كان قال ذلك- لقد صدق. قالوا: وتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟! قال: نعم، إنى لأصدّقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء فى غدوة أو روحة. فلذلك سمى أبو بكر الصديق (^٢).
ويقال: إن النبى ﷺ لما أصبح بمكة أخبرهم بالعجائب:
إنى أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بى إلى السماء، ورأيت كذا. فقال أبو جهل: ألا تعجبون مما يقول محمد؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس وأصبح فينا، وأحدنا يطرد مطيّته مدبرة شهرا ومقبلة شهرا، فهذا سير شهرين فى ليلة واحدة. فأخبرهم بعير لقريش: لما كان فى مصعدى رأيتها فى (^٣) مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت رأيتها (^٣) عند العقبة. وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا، ومتاعه كذا وكذا، فقال أبو جهل: تخبرنا بأشياء!! فقال
_________________
(١) كذا فى الأصول. ولعلها رجع.
(٢) تاريخ الإسلام ٢:١٥٨،١٥٩، وتاريخ الخلفا ٢٩. وسبل الهدى والرشاد ٣:١٣٣، وتاريخ الخميس ١:٣١٥. مع اختلاف يسير.
(٣) سقط فى ت، هـ. والمثبت عن م ودلائل النبوة ٢:١٤١.
[ ١ / ٣٣٥ ]
رجل من المشركين: أنا أعلم الناس ببيت المقدس؛ فأخبر كيف بناؤه وكيف هيئته، وكيف قربه من الجبل؟ فإن يك محمد صادقا فسأخبركم، وإن يك كاذبا فسأخبركم. فجاءه ذلك المشرك فقال: يا محمد أنا أعلم الناس ببيت المقدس، فأخبرنى كيف بناؤه، وكيف هيئته، وكيف قربه من الجبل؟ فرفع لرسول الله بيت المقدس فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته [فقال:] (^١) بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا. فقال الآخر: صدقت. فرجع إلى أصحابه فقال: صدق محمد فيما قال، أو نحو هذا من الكلام (^٢).
ولما أخبر ﷺ قومه بالرفقة والعلامة فى العير قالوا: فمتى تجئ؟ قال: يوم الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولّى النهار ولم تجئ، فدعا النبىّ ﷺ فزيد له فى النهار ساعة، وحبست عليه الشمس، ولم تردّ الشمس على أحد إلا على النبى ﷺ يومئذ، وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه، فدعا الله تعالى فردّ عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم (^٣).
وقد قال مغلطاى فى السيرة النبوية المسماة بالإشارة: اختلف
_________________
(١) إضافة يقتضيها السياق.
(٢) وانظر مع المرجع السابق تاريخ الإسلام ٢:١٨١.
(٣) دلائل النبوة ٢:١٤٩.
[ ١ / ٣٣٦ ]
العلماء فى تاريخ المعراج والإسراء، وهل كانا فى ليلة واحدة أم لا، وهل كان المعراج قبل الإسراء، وهل كانا أو أحدهما يقظة أو مناما، وهل كانا المعراج مرّة أو مرّات-والله أعلم.
والصحيح أن الإسراء كان فى اليقظة بجسده، وأنه مرات متعددة، وأنه رأى ربه ﷿ بعينى رأسه ﷺ (^١). انتهى.
وفيها رجع من المدينة إلى مكة مصعب بن عمير قبل بيعة العقبة الثانية (^٢).
وفيها لما حضر الحجّ مشى أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا بالمدينة بعضهم إلى بعض، وتواعدوا المسير إلى الحجّ، ولقاء/ رسول الله ﷺ، وقال بعضهم لبعض: حتّى متى نترك النبى ﷺ يطرد فى جبال مكة ويخاف، والإسلام فاش يومئذ بالمدينة؟! فخرجوا وهم سبعون رجلا-يزيدون رجلا أو رجلين-وامرأتان- وقيل: ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، وقيل: خمسة وسبعون نفسا- وهم أهل العقبة الآخرة فى خمر (^٣) قومهم، وكانوا خمسمائة، حتى
_________________
(١) تاريخ الخميس ١:٣٠٧ نقلا عن مغلطاى. وانظر الخلاف حول زمان الإسراء والمعراج ومكانهما وكيفيتهما، وهل تكررا أو أحدهما، واختلاف العلماء حول رؤية النبى ﷺ لربه ﵎: فى سبل الهدى والرشاد ٣:٨٢ - ١١٠، وشرح المواهب ١:٣٠٦ - ٣٠٩، والسيرة الحلبية ٢:٧١ - ١٥٢، وتاريخ الخميس ١:٣٠٧ - ٣٠٩، وتفسير ابن كثير: سورتى الإسراء والنجم.
(٢) سيرة النبى لابن هشام ٢:٢٩٩، والسيرة الحلبية ٢:١٧٢.
(٣) الخمر والخمار من الناس: جماعتهم وكثرتهم، ويقال دخل فى خمار الناس أى فيما يواريه ويستره. (المعجم الوسيط)
[ ١ / ٣٣٧ ]
إذا كانوا بظاهر البيداء قال البراء بن معرور-وهو كبير القوم وسيّدهم-:
يا هؤلاء تعلمون أنى قد رأيت رأيا والله ما أدرى توافقوننى عليه أم لا؟ فقالوا: وما هو يا أبا بشر؟ قال: إنى قد أردت أن أصلّى إلى هذه البنيّة ولا أجعلها منى بظهر. فقال له أصحابه: لا والله لا تفعل، والله ما بلغنا أن نبيّنا يصلى (^١) إلى الشام. قال: فإنى والله لمصل إليها. فكان إذا حضرت الصلاة توجه إلى الكعبة، وتوجه أصحابه إلى الشام حتى قدموا مكة.
فقال البراء لكعب بن مالك: يا ابن أخى، انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ حتى أسأله عما صنعت فى سفرى هذا؛ فلقد وجدت فى نفسى منه شيئا لخلافكم إيّاى. فخرجوا يسألون عن رسول الله ﷺ فلقيهم رجل بالأبطح، فقالا: هل تدلنا على محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقال: وهل تعرفانه إن رأيتماه؟ فقالا: لا والله ما نعرفه-ولم يكونا رأيا رسول الله ﷺ-فقال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب؟ فقالا:
نعم-وقد كانا يعرفانه، كان يختلف إليهم بالتجارة-فقال: إذا دخلتما المسجد فانظرا العباس، فالرجل الذى معه هو. فدخلا المسجد فإذا رسول الله ﷺ والعباس بناحية المسجد جالسين، فسلّما ثم جلسا.
فقال رسول الله ﷺ للعباس: هل؟؟؟ عرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيّد قومه، وهذا كعب بن مالك.
قال كعب: فو الله ما أنسى قول رسول الله ﷺ: الشاعر؟ قال: نعم.
فقال له البراء: يا رسول الله، إنى قد كنت رأيت فى سفرى هذا رأيا، وقد أحببت أن أسألك عنه؛ لتخبرنى عما صنعت فيه. قال: وما ذاك؟
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى تاريخ الإسلام ٢:٢٠٣، والسيرة الحلبية ٢:١٧٢ «والله ما بلغنا أن نبينا ﷺ يصلى إلا إلى الشام.»
[ ١ / ٣٣٨ ]
قال رأيت ألاّ أجعل هذه البنيّة منى بظهر فصلّيت إليها. فقال رسول الله ﷺ: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. فرجع إلى قبلة رسول الله ﷺ وصلّى إلى الشام (^١).
وواعدهم رسول الله ﷺ منى ليلة النفر الأوسط أوسط أيام التشريق، عند هدوّ الرّجل، وألا ينبّهوا نائما، ولا ينتظروا غائبا، وأن يوافوه فى أصل العقبة فى الشّعب الأيمن إذا انحدروا من منى أسفل العقبة-حيث المسجد اليوم-وكان مع الأنصار عبد الله ابن عمرو بن حرام أبو جابر، وإنه لعلى شركه-وكان المسلم من الأنصار يكتم إسلامه عمّن معه من المشركين من قومه-فأخذه المسلمون فقالوا له: يا أبا جابر، والله إنك سيّد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا لنرغب بك أن تموت على ما أنت عليه، فتكون لهذه النار غدا حطبا، وإن الله قد بعث رسولا يأمر بتوحيده وعبادته، وقد أسلم رجال من قومك، وقد واعدنا رسول الله ﷺ للبيعة.
فأسلم وطهّر ثيابه وحضر معهم، وكان نقيبهم (^٢).
فلما كانت الليلة التى وعد الأنصار فيها رسول الله ﷺ، ناموا أوّل الليل مع قومعم فى رحالهم، حتى إذا مضى ثلث الليل
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٠٠، ودلائل النبوة ٢:١٨٣ - ١٨٥، وتاريخ الإسلام ٢:٢٠٣،٢٠٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٩٢ - ١٩٥، وسبل الهدى والرشاد ٣:٢٧٨،٢٧٩، والسيرة الحلبية ٢:١٧٢،١٧٣ - وزادت هذه المراجع «وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات. وليس ذلك كما قالوا؛ نحن أعلم به منهم.»
(٢) وانظر مع المراجع السابقة الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٢٤.
[ ١ / ٣٣٩ ]
واستثقل الناس من النوم، خرجوا من رحالهم لميعاد رسول الله ﷺ، يتسلّلون تسلّل القطا: الرجل والرجلان والثلاثة، حتى إذا اجتمعوا فى الشعب عند العقبة، وهم سبعون رجلا ومعهم امرأتان من نسائهم: نسيبة بنت كعب أمّ عمارة (^١)، وأسماء بنت عمرو بن عدىّ أمّ منيع (^٢)، فاجتمعوا بالشّعب ينتظرون رسول الله ﷺ حتى جاء ومعه عمه العباس بن عبد المطلب-وهو يومئذ على دين قومه-وليس معه غيره، إلاّ أنه أحبّ أن يحضر مع ابن أخيه ويتوثّق له.
ويقال: إن النبى ﷺ سبق الأنصار إلى ذلك الموقع، ومعه عمه العباس ليس معه غيره؛ أحب أن يحضر أمر ابن أخيه.
وقيل: كان معهما أبو بكر وعلى، فأوقف العباس عليّا على فم الشّعب عينا له، وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر. فكان أوّل طالع على النبى ﷺ رافع بن مالك الزّرقى، ثم توافوا ومعهم المرأتان، فقال العباس: يا ابن أخى، ما أدرى هؤلاء القوم الذين جاءوك، إنى ذو معرفة بأهل يثرب!! فلما أن اجتمعوا نظر العباس فى وجوههم، قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث. فلما جلس النبىّ ﷺ كان أوّل من تكلم العباس بن عبد المطلب؟ أخذ للنبى ﷺ العهد عليهم فقال: يا معشر الخزرج-وإنما كانت العرب تسمى هذا الحى من الأنصار أوسها وخزرجها الخزرج-إن محمدا
_________________
(١) وكانت تشهد الحرب مع رسول الله ﷺ هى وزوجها وابناها حبيب، وعبد الله ﵁ (السيرة النبوية لابن كثير ٢:٢١٢، والسيرة الحلبية ٢:١٧٤).
(٢) وهى أنصارية، أم معاذ بن جبل وتكنى أم منيع (الإصابة ٤:٢٣٠)
[ ١ / ٣٤٠ ]
منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومه ممن هو على مثل رأينا، وهو فى عزّ من قومه ومنعة فى بلده، وإنه قد أبى إلاّ الانقطاع إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له لما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه (^١) فأنتم وما تحمّلتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه فى عزّ ومنعة من قومه وبلده-قيل: إن كنتم تحسون من أنفسكم خذلانا فاتركوه فى قومه؛ فإنه فى منعة من عشيرته وقومه-
ويقال: إن العباس قال: يا معشر الخزرج، إنكم قد دعوتم محمدا إلى ما دعوتموه إليه، ومحمد من أعزّ الناس فى عشيرته، يمنعه والله منا من كان على قوله ومن لم يكن منّا على قوله؛ منعة للحسب والشرف، وقد أبى محمدا (^٢) الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصراء بالحرب واستقلال (^٣) بعداوة العرب قاطبة. ترميكم عن قوس واحدة فارتئوا رأيكم، وائتمروا بينكم، ولا تفرّقوا إلاّ على ملأ منكم واجتماع؛ فإن أحسن الحديث أصدقه.
فأجاب البراء بن معرور فقال: قد سمعنا ما قلت، وإنا والله لو كان فى أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه، ولكنا نريد الوفاء والصدق،
_________________
(١) فى الأصول «جالده». والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٠٢، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٢٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٩١، والسيرة الحلبية ٢:١٧٤.
(٢) كذا فى ت، م. وفى هـ، وطبقات ابن سعد ١:٢٢٢، والسيرة الحلبية ٢:١٧٥، وتاريخ الخميس ١:٣١٨ «وقد أبا محمد الناس».
(٣) فى الأصول «واستقلالا». والمثبت عن المراجع السابقة.
[ ١ / ٣٤١ ]
ونبذل مهج أنفسنا دون رسول الله ﷺ، فتكلّم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
فقرأ عليهم رسول الله ﷺ القرآن، ودعا إلى الله، ورغّبهم فى الإسلام، وقال: أبايعكم على أن تمنعونى مما (^١) تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذى بعثك بالحق نبيّا لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا (^٢) فبايعنا يا رسول الله، فنحن- والله-أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر.
ويقال: إن أبا الهيثم بن التّيهان كان أوّل من تكلّم، وأجاب إلى ما دعا إليه النبىّ ﷺ، وصدّقه وقال: نقبله على مصيبة (^٣) الأموال وقتل الأشراف.
ويقال: إن أبا الهيثم اعترض القول والبراء يكلّم رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إنّ بيننا وبين أقوام-يعنى اليهود- حبالا (^٤)، وإنّا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسّم رسول الله ﷺ ثم قال: بل
_________________
(١) فى الأصول «ما». والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٠٢، ودلائل النبوة ٢:١٨٥، والاكتفا ١:٤٢١، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٢٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٩٨، والسيرة الحلبية ٢:١٩٥.
(٢) كذا فى م، هـ، والمراجع السابقة. وفى ت «نساءنا». والمعنى واحد فإن العرب تكنى عن المرأة بالأزر.
(٣) فى الأصول «مضيقة». والمثبت عن طبقات ابن سعد ١:٢٢٢، والسيرة الحلبية ٢:١٧٥.
(٤) أى عهودا. (السيرة الحلبية ٢:١٧٦)
[ ١ / ٣٤٢ ]
الدّم الدم والهدم الهدم، أنتم منى وأنا منكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. فقال العباس-وهو آخذ بيد رسول الله ﷺ:
اخفوا جرسكم-يعنى الصوت الخفى-فإن علينا عيونا، وقدّموا ذوى أسنانكم فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم، فإنا نخاف قومكم عليكم، ثم إذا بايعتم فتفرقوا إلى رحالكم (^١).
فقال البراء: أبسط يدك يا رسول الله نبايعك. فقال رسول الله ﷺ: أخرجوا لى منكم اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم؛ فإنّ موسى أخذ من بنى إسرائيل اثنى عشر نقيبا، فلا يجدن أحد منكم فى نفسه أن يؤخذ غيره؛ فإنما يختار جبريل-فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، فنقّبهم عليهم، فكان نقيب بنى النجار أسعد بن زرارة، ونقيب بنى سلمة البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، ونقيب بنى ساعدة سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، ونقيب بنى زريق رافع بن مالك بن العجلان، ونقيب بنى الحارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة وسعد بن الربيع، ونقيب القوافل بنى عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت-وفى الأوس من بنى عبد الأشهل أسيد بن حضير وأبو الهيثم بن التّيهان، وقيل عوض أبى الهيثم: رفاعة بن عبد المنذر-وكان نقيب بنى عمرو بن عوف سعد بن خيثمة.
وقال النبى ﷺ للنقباء: أنتم كفلاء على قومكم بما فيهم كفلا (^٢) ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومى.
_________________
(١) وفى طبقات ابن سعد ١:٢٢٢ «محالكم».
(٢) لم يرد هذا اللفظ فى طبقات ابن سعد ١:٢٢٣.
[ ١ / ٣٤٣ ]
فقال أسعد بن زرارة: نعم. فأخذ البراء بن معرور يد رسول الله ﷺ فضرب عليها، فكان أوّل من بايع-وقيل: أول من بايع أبو أمامة أسعد بن زرارة، ويقال: أبو الهيثم بن التّيهان؛ فبنو النجار يزعمون أن أسعد بن زرارة أوّل من ضرب على يده، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل الهيثم بن التّيهان (^١).
ثم تتابع الناس وضرب جميعهم على يده، وبايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وعلى حرب الأسود والأحمر، وأن يرحل هو وأصحابه إليهم. فكانت أوّل آية أنزلت فى الإذن بالقتال ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (^٢) الآية، ويقال ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (^٣)
ويروى: لما اجتمع الأنصار لبيعة النبىّ ﷺ قال العباس بن عبادة (^٤) بن نضلة أخو بنى سالم (^٤): يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون رسول الله ﷺ؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الآن (^٥)، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزى
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٠٦، والاكتفا ١:٤٢٣، وتاريخ الخميس ١: ٣١٨،٣١٩.
(٢) سورة الحج آية ٣٩.
(٣) سورة التوبة آية ١١١.
(٤) سقط فى ت.
(٥) كذا فى الأصول. وفى السيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٠١، والسيرة الحلبية ٢:١٧٧ «من الناس».
[ ١ / ٣٤٤ ]
الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون (^١) أنكم مستضلعون وافون له بما عاهدتموه عليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة (^١). قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن وفّينا؟ قال: الجنة. قالوا:
ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه.
فقال عاصم بن عمرو بن قتادة: والله ما قال العباس هذه المقالة إلا (^٢) ليشد لرسول الله ﷺ العقد فى أعناقهم. وقال عبد الله ابن أبى بكر: والله ما قال العباس ذلك إلا (^٢) ليؤخر بها أمر القوم تلك الليلة، رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبىّ بن سلول فيكون أقوى لهم. والله أعلم أى ذلك كان.
ويروى: أن الأنصار قالوا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال:
تبايعونى على السّمع والطاعة فى النشاط والكسل، وعلى النفقة فى العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وعلى أن تقولوا فى (^٣) الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصرونى وتمنعونى إذا قدمت عليكم يثرب؛ تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم،
_________________
(١) سقط فى ت، والمثبت عن م، هـ وسيرة النبى لابن هشام ٢:٣٠٥، ودلائل النبوة ٢:١٨٨، والاكتفا ١:٤٢٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٢: ٢٠١، وسبل الهدى والرشاد ٣:٢٨٣، وتاريخ الخميس ١:٣١٨،٣١٩.
(٢) سقط فى ت، هـ. والمثبت عن م، والمراجع السابقة.
(٣) فى الأصول «فى سبيل الله». والمثبت عن دلائل النبوة ٢:١٩٠، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٢٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٠٣، والسيرة الحلبية ٢:١٧٥.
[ ١ / ٣٤٥ ]
ولكم الجنة. فأخذ بيد النبى ﷺ أسعد بن زرارة-وهو من أصغرهم-فقال: رويدا يا أهل يثرب؛ فإنا لن نضرب إليه أكباد الإبل-أو قال: المطى-إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم منازعة العرب كافة، وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف. فإما أنتم تصبرون على عضّ السيوف إذا مستكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة؛ فخذوه وأجركم على الله. وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبنا فبيّنوه (^١) فهو أعذر لكم عند الله. فقالوا: أمط يدك عنا يا أسعد بن زرارة؛ فوالله لا ندع (^٢) هذه البيعة أبدا ولا نستقبلها. فقاموا رجلا رجلا يأخذ عليهم شرطه ويعطيهم على ذلك الجنة (^٣)
ويروى: أن النبى ﷺ لما أتاه الأنصار قال: ليتكلّم متكلّم ولا يطيل الخطبة؛ فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم. فقال قائلهم-وهو أبو أمامة (^٤) -: سل يا محمد لربّك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك. قال: أسألكم لربى أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسى ولأصحابى أن تؤوونا وتنصرونا
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ٣:١٨٢ «فذروه».
(٢) فى المرجع السابق «لا نذر».
(٣) دلائل النبوة ٢:١٨٢، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٢٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٩٥،١٩٦، والسيرة الحلبية ٢:١٧٦،١٧٧.
(٤) فى الأصول «أبو لبابة» -وقد جاء فى الإصابة ٤:١٦٨ «يقال إنه كان أحد النقباء ليلة العقبة». والمثبت عن دلائل النبوة ٢:١٨٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٠٢.
[ ١ / ٣٤٦ ]
وتمنعونا بما منعتم منه أنفسكم. قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال:
لكم الجنة. قالوا: فلك ذلك.
ويروى: أن النبىّ ﷺ لما أتاه الأنصار قال: أوجزوا فى الخطبة، فإنى أخاف عليكم كفّار قريش. فقالت الأنصار:
يا رسول الله، سلنا لنفسك، وسلنا لربك، وسلنا لأصحابك، وأخبرنا الثواب على الله وعليك. قال: أسألكم لربى أن تؤمنوا بالله ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم أن تطيعونى أهدكم سبيل الرشاد، وأسألكم لى ولأصحابى أن تواسونا فى ذات أيديكم، وأن تمنعونا مما منعتم منه أنفسكم؛ فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعلىّ. فمدّوا أيديهم فبايعوه، فعند ذلك صرخ الشيطان من رأس العقبة بأعلى صوت سمع: يا أهل الجباجب (^١)، هل لكم فى مذمّم والصبأة معه؛ قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله ﷺ: ما يقول عدوّ الله؟ هذا أزبّ (^٢) العقبة هذا ابن أزيب (^٣)، اسمع أى عدو الله أما والله لأفرغن لك. ارفضّوا (^٤) إلى رحالكم.
_________________
(١) الجباجب: منازل منى. (السيرة الحلبية ٢:١٩٨) أو جبال بمكة، أو أسواقها، أو منحر منى. (سبل الهدى والرشاد ٣:٢٩١).
(٢) أزب-بفتح الهمزة والزاى وتشديد الباء، ويقال بكسر الهمزة وإسكان الزاى ثم بالباء الموحدة الخفيفة: أى شيطان سمى بهذا الاسم. والإزب فى الأصل: القصير، ومن ثم رأى عبد الله بن الزبير رجلا طوله شبران على بزذعة رحله فقال له: ما أنت؟ قال: إزب قال: وما إزب؟ قال: رجل من الجن. فضربه على رأسه بعود سوطه فهرب. (السيرة الحلبية ٢:١٧٨)
(٣) أزيب: إما على وزن فعيل من الأزب وهو البخيل، أو اسم ريح من الرياح الأربع. أو على وزن أفعل: وهو الرجل المتقارب المشى. وانظر الروض الأنف ٣:٢٠٣،٢٠٤، وسبل الهدى والرشاد ٣:٢٨٤ هامش.
(٤) ارفضوا: أى تفرقوا إلى رحالكم.
[ ١ / ٣٤٧ ]
ويروى: لما بايعوا رسول الله ﷺ صرخ صارخ فى الجبل، وهو إبليس: يا معشر قريش إن [كان] (^١) لكم فى محمد حاجة فأتوه بمكان كذا وكذا من الجبل، قد حالفه الذين يسكنون يثرب.
فقال العباس بن عبادة بن نضلة أخو بنى سالم (^٢): يا رسول الله والذى بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا-وما أحد عليه تلك الليلة سيف غيره-فقال رسول الله ﷺ: إنى لم أومر بذلك، ارجعوا إلى رحالكم. فرجعوا إلى رحالهم، فاضطجعوا على فراشهم (^٣).
ونزل جبريل فلم يبصره أحد من القوم غير حارثة بن النعمان، قال بعد ما فرغوا: يا رسول الله لقد رأيت رجلا عليه ثياب بيض- أنكرته-قائما على يمينك!! قال ﷺ: قد رأيته؟ قال: نعم.
قال: رأيت خيرا؛ ذاك جبريل (^٤).
ولما صدروا من عند النبى ﷺ طابت نفسه ﷺ؛ لما جعل الله له منعة، وقوما أهل حرب وعدّة ونجدة.
_________________
(١) الإضافة عن سبل الهدى والرشاد ٣:٢٨٥.
(٢) فى الأصول «بنى سلمة». والتصويب عما سبق فى ص ٣٤٤، والإصابة ٢:٢٧١.
(٣) سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٠٧، وطبقات ابن سعد ١:٢٢٣، ودلائل النبوة ٢:١٨٦، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٢٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٠٤، وسبل الهدى والرشاد ٣:٢٨٤،٢٨٥، وتاريخ الخميس ١: ٣١٩ - مع اختلاف فى السياق.
(٤) السيرة الحلبية ٢:١٧٨.
[ ١ / ٣٤٨ ]
فلما أصبحوا غدت جلّة من قريش من أشرافهم، فيهم الحارث ابن هشام-فتى شاب وعليه نعلان له جديدان-حتى دخلوا شعب الأنصار-ويقال: حتى جاءوا الأنصار فى رحلهم-فقالوا:
يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حى أبغض إلينا من أن تنشب الحرب فيما بيننا وبينهم منكم. فانبعث من كان هناك من مشركى الأنصار يحلفون لهم بالله ما كان من هذا من شئ، وما فعلناه وما علمناه-وكان حاضرا أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام، وكعب بن مالك وهما صامتان لم يتكلما-فلما تثوّر القوم لينطلقوا قال كعب بن مالك كلمة-كأنه أشركهم فى الكلام-: يا أبا جابر أنت سيّد من ساداتنا وكهل من كهولنا، لا تستطيع أن تتخذ مثل نعلى هذا الفتى من قريش؟ فسمعه الفتى فخلع نعليه فرمى بهما إلى كعب بن مالك وقال: والله لتلبسنهما.
فقال أبو جابر: مه، أحفظت-لعمر الله-الرجل: يقول أخجلته-أردد عليه نعليه. فقلت: والله لا أردهما [فأل-والله- صالح، لئن صدق الفأل] (^١) إنى لأرجو أن أستلبه. ثم انصرفوا عنه.
وأتوا عبد الله بن أبّى فسألوه وكلّموه فقال: إن هذا لأمر
_________________
(١) سقط فى الأصول. والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٠٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٠٥، وسبل الهدى والرشاد ٣:٢٨٥.
[ ١ / ٣٤٩ ]
جسيم، وما كان قومى ليتقوّلوا (^١) علىّ مثل هذا، وما علمته، لو كنت بيثرب ما فعل هذا قومى حتى يؤامرونى. فانصرفوا عنه وتفرّق الناس من منى.
ورحل البراء بن معرور، وتقدم إلى بطن يأجج (^٢)، وتلاحق به أصحابه من المسلمين (^٣).
وفتشت قريش عن الخبر والبيعة فوجدوه حقا، فانطلقوا فى طلب القوم؛ فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر (^٤)، والمنذر بن عمرو-وكانا من النقباء-فأما المنذر فأعجز القوم. وأما سعد فأخذوه وشدوا يديه إلى عنقه بنسع (^٥) رحله، وجعلوا يضربونه ويجذبونه بجمته-
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٠٧، ودلائل النبوة ٢:١٨٧، وسبل الهدى والرشاد ٣:٢٨٥ «ليتفوتوا». وفى السيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٠٥ «ليتفرقوا». وفى طبقات ابن سعد ١:٢٢٣: والسيرة الحلبية ٢: ١٧٩ «ليفتاتوا».
(٢) يأجج: مكان كان على ثمانية أميال من مكة، ومكان آخر بنى عنده مسجد الشجرة بينه وبين مسجد التنعيم ميلان. (ياقوت. معجم البلدان) وفى معالم مكة للبلادى ٣٢٥ واد من أودية مكة يمر شمال عمرة التنعيم فيصب فى مر الظهران عند دف خزاعة بينه وبين المقوع، وتسميه عامة أهل مكة وادى بئر مقيت؛ لبئر هناك. وبه بساتين ضعيفة. وكان من منازل ابن الزبير ﵁، وبطرفه من الشمال قتل خبيب بن عدى ﵁ أحد أسرى يوم الرجيع.
(٣) طبقات ابن سعد ١:٢٢٣.
(٤) فى الأصول «بالحاجر». والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٢: ٣٠٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٠٦، وسبل الهدى والرشاد ٣:٢٨٦. وأذاخر: هو الجبل الذى يشرف على الأبطح من الشمال يتصل بالحجون من الشرق ولا زالت هناك ثنية تعرف منذ القدم بثنية أذاخر. ومن ثنية أذاخر دخل النبى ﷺ يوم فتح مكة (معالم مكة للبلادى ٢٢،٢٣)
(٥) النسع: السير المضفور من الأديم على هيئة أعنة البغال. (سبل الهدى والرشاد ٣:٢٩١)
[ ١ / ٣٥٠ ]
وكان ذا شعر كثير-ويصكونه ويلكزونه حتى أدخلوه مكة. فقال سعد: والله إنى لفى أيديهم إذ طلع على نفر من قريش، فيهم رجل أبيض وضئ شعشاع (^١) حلو، قلت [فى نفسى] (^٢): إن يكن عند أحد من القوم خير فعند هذا، فلما دنا منى رفع يده فلكمنى لكمة شديدة، قلت فى نفسى: والله ما عندهم بعد هذا (^٣) خير.
فو الله إنى لفى أيديهم يسحبوننى إذ أوى لى رجل منهم (^٤) فقال: ويحك!! أما (^٥) بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قلت: بلى والله، لقد [كنت] (^٦) أجير لجبير بن مطعم تجارته، وأمنعه ممن يريد ظلمه ببلادى، وللحارث بن أميّة بن عبد شمس.
قال: ويحك فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما.
ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما عند الكعبة، فقال لهما: إنّ رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح، وإنه ليهتف بكما يذكر (^٧) أن بينه وبينكما جوارا. قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن
_________________
(١) شعشاع: أى طويل زائد الحسن. (السيرة الحلبية ٢:١٧٩)
(٢) الإضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٠٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٠٦.
(٣) يشير إلى الذى لطمه وهو سهيل بن عمرو-﵁-فإنه أسلم بعد ذلك (السيرة الحلبية ٢:١٨٠)
(٤) وهو البخترى بن هشام. (السيرة الحلبية ٢:١٧٩)
(٥) كذا فى م، وسيرة النبى لابن هشام ٢:٣٠٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٠٦. وفى ت، هـ «هل بينك».
(٦) الإضافة عن المرجعين السابقين.
(٧) فى الأصول «فذكر». والمثبت عن المرجعين السابقين.
[ ١ / ٣٥١ ]
عبادة. قالا: صدق، والله إن كان ليجير تجارتنا، ويمنع أن يظلمونا ببلده. فجاءا فخلّصاه من أيديهم، وخلّيا سبيله، وانطلق
وفقدته الأنصار فأتمروا أن يكرّوا، فطلع عليهم فرح؟؟؟ جميعا إلى المدينة (^١)./
***