فيها خرج من مكة خالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة، وعمرو بن العاص فقدموا المدينة وأسلموا. قال خالد بن الوليد: لما أراد الله لى ما أراد من الخير قذف فى قلبى الإسلام، وحضرنى رشدى، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد فليس موطن [أشهده] (^٢) إلا أنصرف وأنا أرى فى نفسى أنى موضع فى غير
_________________
(١) مغازى الواقدى ٢:٥٥٣، وشرح المواهب ٢:١٥٥ - ١٥٨.
(٢) إضافة عن مغازى الواقدى ٢:٧٤٦، والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٤٥٠.
[ ١ / ٤٨١ ]
شئ، وأن محمدا سيظهر. فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية/ خرجت فى خيل المشركين، فلقيت رسول الله ﷺ فى أصحابه بعسفان؛ فقمت بإزائه وتعرّضت له، فصلى الظهر أمامنا (^١) فهممنا أن نغير عليه ثم لم يعزم لنا- (^٢) وكانت فيه خيرة (^٢) - فاطّلع على ما فى أنفسنا [من الهمّ به] (^٣)؛ فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا فقلت: الرجل ممنوع.
فافترقنا، وعدل عن سنن خيلنا وأخذ ذات اليمين، فلما صالح قريشا بالحديبية، ودافعته قريش بالرّواح (^٤) قلت فى نفسى: أى شئ بقى؟! أين المذهب؟ إلى النجاشى!! فقد اتّبع محمدا وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل؟! فأخرج من دينى إلى نصرانية أو يهودية فأقيم مع «^٥) عيب ذلك (^٥)!! أو أقيم فى دارى فيمن بقى؟! فأنا على ذلك؟ إذ دخل رسول الله ﷺ [مكة] (^٦) فى عمرة القضيّة، فتغيّبت ولم أشهد دخوله، وكان أخى الوليد قد دخل مع النبى ﷺ فى عمرة القضيّة، فطلبنى فلم يجدنى، فكتب إلى كتابا فإذا فيه:
_________________
(١) كذا فى الأصول، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٤٥٠. وفى مغازى الواقدى ٢:٧٤٦ «آمنا منا».
(٢) فى الأصول «وكانت فيه خبيرة» والمثبت عن المرجعين السابقين.
(٣) إضافة عن السيرة النبوية لابن كثير ٣:٤٥١.
(٤) فى ت «بالمراح» وفى م «بالراح» والمثبت عن مغازى الواقدى ٢:٧٤٦ والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٤٥١.
(٥) كذا فى الأصول. وفى مغازى الواقدى ٢:٧٤٦ «فأقيم مع عجم تابعا». وفى السيرة النبوية لابن كثير ٣:٤٥١ «فأقيم مع عجم».
(٦) إضافة عن المرجعين السابقين.
[ ١ / ٤٨٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإنى لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك!! ومثل الإسلام ما يجهله أحد، وقد سألنى رسول الله ﷺ عنك فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتى الله به. فقال: ما مثله جهل الإسلام!! ولو كان جعل نكايته (^١) وحدّه مع المسلمين كان خيرا له، ولقدّمناه على غيره. فاستدرك يا أخى ما قد فاتك [من] (^٢) مواطن صالحة.
فلما جاءنى كتابه نشطت للخروج، وزادنى رغبة فى الإسلام، وسرّنى سؤال (^٣) رسول الله ﷺ عنى-وأرى فى النوم كأنى فى بلاد ضيقة جلدة (^٤)، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة، قلت: إن هذه لرؤيا. فلما قدمت المدينة قلت: لأذكرنها لأبى بكر، فذكرتها، فقال: هو مخرجك الذى هداك الله إلى الإسلام، والضّيق الذى كنت فيه الشّرك.
_________________
(١) فى الأصول «مكايسته» والمثبت عن مغازى الواقدى ٢:٧٤٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٤٥١.
(٢) إضافة عن المرجعين السابقين.
(٣) فى الأصول «وسرنى عن رسول الله ﷺ» والمثبت عن السيرة النبوية لابن كثير ٣:٤٥١، وفى مغازى الواقدى ٢:٧٤٧ «وسرنى مقالة».
(٤) كذا فى الأصول، والمعنى أنها غليظة صلبة أو أصابها الجليد. وفى مغازى الواقدى ٢:٧٤٧ «جديبة». وفى السيرة النبوية لابن كثير ٣:٤٥١ «مجدبة».
[ ١ / ٤٨٣ ]
فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله ﷺ قلت: من أصاحب إلى محمد؟ فلقيت صفوان بن أمية، فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن كأضراس (^١)، وقد ظهر محمد على العرب والعجم/. فلو قدمنا على محمد فاتبعناه؛ فإن شرف محمد لنا شرف، فأبى أشد الإباء، وقال: لو لم يبق غيرى ما اتبعته أبدا.
فافترقنا وقلت: هذا رجل قتل أبوه وأخوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبى جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أميّة؛ فقال لى مثل ما قال صفوان، قلت: فاكتم ذكر ما قلت لك. قال: لا أذكره.
فخرجت إلى منزلى [وأمرت] (^٢) براحلتى تخرج إذ لقينى عثمان بن طلحة فقلت: إن هذا لى صديق، فلو ذكرت له ما أرجو!! ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره، فقلت: وما علىّ وأنا راحل من ساعتى. فذكرت له ما صار الأمر إليه؛ فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب فى جحر لو صبّ فيه ذنوب ماء خرج. وقلت له نحوا مما قلت لصاحبى، فأسرع الإجابة وقال: إنى غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو، وهذه راحلتى بفخّ مناخة. قال: فاتعدت أنا وهو بيأجج؛ إن سبقنى أقام وإن سبقته أقمت عليه. فأدلجنا سحرا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهداة (^٣)،
_________________
(١) كذا فى الأصول والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٤٥٢. وفى مغازى الواقدى ٢:٧٤٧ «اكلة رأس».
(٢) إضافة عن المرجعين السابقين.
(٣) كذا فى الأصول، وفى المرجعين السابقين الهدة. والهدة موضع بين مكة وعسفان. (معجم البلدان) ويقال قرية بوادى فاطمة.
[ ١ / ٤٨٤ ]
فنجد عمرو بن العاص بها فقال: مرحبا بالقوم. فقلنا: وبك.
قال: أين مسيركم؟ قلنا: ما أخرجك فقال: ما أخرجكم؟ قلنا:
الدخول فى الإسلام واتباع محمد [ﷺ] (^١).
قال: وذلك الذى أقدمنى. فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة فى صفر وأسلمنا.
وفيها كان فتح مكة، وسببه أن مالك بن عبّاد (^٢) الحضرمى حليف الأسود بن رزن الديلى خرج تاجرا فلما توسّط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه، فعدت [خزاعة] (^٣) قبيل الإسلام على بنى الأسود بن رزن الديلى وهو متجر (^٤) بنى كنانة وأشرافهم، [سلمى] (^٥) وكلثوم وذؤيب فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم. فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام وتشاغل الناس به، فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله ﷺ وبين قريش دخلت خزاعة-مؤمنها وكافرها-فى عقد رسول الله ﷺ، ودخلت بنو بكر فى عقد قريش.
_________________
(١) إضافة عن المرجعين السابقين.
(٢) فى الأصول «ابن عبادة» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٥١، وتاريخ الطبرى ٣:١١٠، والدرر ٢٢٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٢٧، وشفاء الغرام ٢:١١٠.
(٣) إضافة على الأصول.
(٤) كذا فى الأصول، وعيون الأثر ٢:١٦٤، وشفاء الغرام ٢:١١٠. وفى سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٥١، وتاريخ الطبرى ٣:١١٠، والاكتفا ٢:٢٨٧ «منخر». وفى السيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٢٨ «مفخر».
(٥) سقط فى الأصول والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٥١، ومغازى الواقدى ٢:٧٨١، وعيون الأثر ٢:١٦٤، والدرر ٢٢٤.
[ ١ / ٤٨٥ ]
ثم إن بنى الديلى بن بكر بن عبد مناة بن كنانة [(^١) أرادوا أن يصيبوا منهم ثأرا بأولئك النفر الذين أصابوا منهم (^١)] فلما دخل شعبان (^٢) كلمت [(^٣) بنو نفاثة من بنى الديل بن بكر (^٣)] أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالسلاح والرجال، فوعدوهم ووافوهم- متنقبين متنكرين-بالوتير-ماء لخزاعة أسفل مكة-فيهم صفوان ابن أمية، وحويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص بن الأخيف فبيتوهم ليلا وهم آمنون غارّون؛ فقتلوا منهم عشرين رجلا.
ثم ندمت قريش على ما صنعت، وعلموا أن هذا نقض للعهد والموادعة التى كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ فى صلح الحديبية.
وخرج عمرو بن سالم الخزاعى، ومعه بديل بن ورقاء فى أربعين راكبا من خزاعة حتى قدموا على رسول الله ﷺ، فقال عمرو ابن سالم:-
يا رب إنى ناشد محمدا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا … ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا
إلى أن قال:
إن قريشا أخلفوك الموعدا … ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لى فى كداء رصّدا … وزعموا أن لست أدعو أحدا
_________________
(١) سقط فى الأصول والمثبت عن تاريخ الطبرى ٣:١١١، وعيون الأثر ٢: ١٦٤ والامتاع ١:٣٥٧.
(٢) أى على رأس اثنين وعشرين شهرا من الحديبية. (مغازى الواقدى ٢: ٧٨٣، وطبقات ابن سعد ٢:١٧٤، والإمتاع ١:٣٥٧).
(٣) سقط فى الأصول والمثبت عن المراجع السابقة، وتاريخ الخميس ٢:٧٧.
[ ١ / ٤٨٦ ]
وهم أذلّ وأقلّ عددا … هم بيّتونا بالوتير هجّدا
وقتّلونا ركّعا وسجّدا
وأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بنى بكر عليهم، فقام رسول الله ﷺ وهو يجرّ رداءه ويقول: لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب مما أنصر منه نفسى. ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء فقال:
إن هذه السحابة لتستهلّ بنصر بنى كعب-ويقال: لما خرج النبى ﷺ-وكان بالروحاء نظر إلى سحاب منصب (^١) فقال: إن هذا السحاب لينصب (^٢) بنصر بنى كعب. فقام رجل من بنى عدى بن عمرو أخو بنى كعب بن عمرو فقال: يا رسول الله، ونصر بنى عدىّ.
فقال رسول الله ﷺ: ترب نحرك، وهل عدىّ إلا كعب. وكعب إلا عدىّ. فاستشهد ذلك الرجل فى ذلك السفر.
وقال رسول الله ﷺ: كأنكم بأبى سفيان قد جاء ليشد (^٣) العقد ويزيد فى المدة. ثم انصرفوا راجعين فلقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ-وقد رهبوا (^٤) الذى
_________________
(١) فى الأصول «مقتصب» والمثبت عن تاريخ الخميس ٢:٧٧.
(٢) فى الأصول «لينتصر» والمثبت عن المرجع السابق، والسيرة الحلبية ٣:٥ وفى السيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٣٤ «لتبض».
(٣) فى الأصول «جاء فى العقد» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤: ٨٥٥، والاكتفا ٢:٢٨٨، وعيون الأثر ٢:١٦٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٥٢٩، وشفاء الغرام ٢:١١٢، وتاريخ الخميس ٢:٧٨، والسيرة الحلبية ٣:٦.
(٤) كذا فى م، وتاريخ الطبرى ٣:١١٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٣٠. وفى ت «تهيبوا».
[ ١ / ٤٨٧ ]
صنعوا-فسألهم: من أين؟ فقالوا: سرنا فى هذا الساحل فى بطن هذا الوادى. فعمد أبو سفيان إلى مبرك رواحلهم فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا. ثم خرج حتى قدم على رسول الله ﷺ فدخل على ابنته أم حبيبة فلم تمكنه من الجلوس على فراش النبى ﷺ وطوته عنه. ثم خرج فأتى النبىّ ﷺ فلم يردّ عليه شيئا، فتتبّع أشراف قريش والأنصار فكلمهم، وكل يقول: عقدنا فى عقد رسول الله ﷺ. فلما يئس منهم دخل على فاطمة ابنة رسول الله ﷺ وكلمها فقالت: إنما أنا امرأة. فقال: مرى أحد ابنيك ليجير بين الناس. فقالت: ليس مثلهما يجير. قال: فكلّمي لى عليا. قالت:
كلّمه أنت. فكلمه فقال له: ليس أحد يفتات على رسول الله ﷺ بجوار، وأنت سيّد قريش وأكبرها وأمنعها فأجر بين عشيرتك. قال:
صدقت وأنا كذلك. فخرج فصاح: ألا إنى قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرنى أحد، ولا يرد جوارى. فقال له النبى ﷺ: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة. وخرج على ذلك. فقال النبىّ ﷺ-حين أدبر-اللهم خذ على سمعهم وأبصارهم فلا يرونا (^١) إلا بغتة ولا يسمعون بنا إلا فجأة.
وقدم أبو سفيان على قريش فأخبرهم بما صنع، فقالوا له: هل أجاز (^٢) ذلك محمد؟ فأخبرهم بما ردّه عليه. فقالوا: ويحك، ما زاد
_________________
(١) فى الأصول «يرون» والمثبت عن السيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٣٤، والسيرة الحلبية ٣:١٠، وشرح المواهب ٢:٢٩١.
(٢) فى الأصول «جاز» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٥٧، وتاريخ الطبرى ٣:١١٣، والاكتفا ٢:٧٩٠، وعيون الأثر ٢:١٦٦، والسيرة الحلبية ٣:٩٠، وشفاء الغرام ٢:١١٣، وتاريخ الخميس ٢:٧٨.
[ ١ / ٤٨٨ ]
الرجل-يعنون عليا-على أن لعب بك؛ فما يغنى عنا ما قلت.
قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.
ويروى أن النبى ﷺ بات ليلة من الليالى عند ميمونة، فقام يتوضّأ للصلاة، قالت ميمونة: فسمعته يقول-وهو يتوضأ-:
لبّيك لبيك ثلاثا نصرت ثلاثا. فلما فرغ قلت: يا رسول الله، سمعتك تقول فى متوضئك لبيك لبيك ثلاثا، نصرت ثلاثا؛ كأنك تكلم إنسانا، فهل كان معك أحد؟ فقال: هذا راجز بنى كعب/ يستصرخنى، ويزعم أن قريشا أعانت عليهم بنى بكر (^١)
ثم خرج رسول الله ﷺ فأمر عائشة أن تجهّزه ولا تعلم أحدا، فدخل أبو بكر فقال: أى بنية، ما هذا الجهاز؟ فقالت:
والله ما أدرى. فقال: والله ما هذا زمان غزو بنى الأصفر، فأين يريد رسول الله ﷺ؟ فقالت: والله لا أعلم.
قالت [ميمونة] (^٢) فأقمنا ثلاثا ثم صلى الصبح بالناس فسمعت الراجز ينشد:-
يا رب إنى ناشد محمدا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا
إنا ولدناك وكنت ولدا … ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا … ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وزعموا أن لست تدعو أحدا … فانصر هداك الله نصرا أيّدا
_________________
(١) السيرة الحلبية ٣:٥، وتاريخ الخميس ٢:٧٧، وشرح المواهب ٢: ٢٩٠،٢٩١
(٢) إضافة عن المراجع السابقة.
[ ١ / ٤٨٩ ]
وادع عباد الله يأتوا مددا … فيهم رسول الله قد تجرّدا
إن سيم خسفا وجهه تربّدا
فقال رسول الله ﷺ: لبيك لبيك ثلاثا. وأذّن فى الناس بالغزو، ثم أعلمهم أنه سائر إلى مكة، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها فى بلادها. فتجهّز الناس.
ولما أجمع المسير كتب حاطب بن أبى بلتعة-﵁-كتابا إلى صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبى جهل فيه: إن رسول الله ﷺ قد أذّن فى الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم-وقيل فيه: إن محمدا قد نفر فإمّا إليكم وإما إلى غيركم فعليكم الحذر، ويقال فيه: إن رسول الله ﷺ توجّه إليكم بجيش كالليل يسير كالسّيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم؛ فإنه منجز له ما وعده. وأرسله مع أم سارة (^١) كنود المزنية، وجعل لها دنانير (^٢) على أن تبلغه لهم-وكانت أمه بين ظهرانيهم فأراد أن يحفظوه فيها-فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فأرسل عليّا والمقداد-ويقال والزبير بن العوام، وقيل أبا مرثد بدل
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى شرح المواهب ٢:٢٩٥ «سماها ابن إسحاق سارة، والواقدى كنود، وفى رواية أم سارة وقيل كانت مولاة العباس-ذكره الحافظ- وذكر المصنف فى الجهاد أن اسمها سارة على المشهور وتكنى أم سارة. وفى الإصابة «سارة مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب».
(٢) وفى الإمتاع ١:٣٦٢، وشرح المواهب ٢:٢٩٤ «وجعل لها دينارا، وقيل عشرة دنانير». وفى السيرة الحلبية ٣:١٠ «وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردة.»
[ ١ / ٤٩٠ ]
المقداد، وكلهم فارس-فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ (^١) فإن بها امرأة من المشركين معها صحيفة من حاطب بن أبى بلتعة إلى المشركين. فأدركوها تسير على جمل لها حيث قال النبى ﷺ، فقالوا لها: أين الكتاب الذى معك؟ قالت: ما معى كتاب. فأناخوا بها وفتّشوا رحلها فلم يجدوا فيه شيئا، فقال الزبير والمقداد ما نرى كتابا. فقال على رضى الله عنى: لقد علمتم ما كذب رسول الله ﷺ، والذى يحلف به لتخرجن الكتاب أو لأجرّدنّك. فلما رأت الجدّ أهوت بيدها إلى حجزتها وهى محتجزة (^٢) بكساء فأخرجت الكتاب-ويقال فأخرجته من قرون رأسها-فأتوا به النبى ﷺ، فقال: ما حملك يا حاطب على ما صنعت؟ فقال: ما بى (^٣) إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله، ولكنى أردت أن يكون لى عند القوم يد يدفع الله بها عن عيالى، وليس من أصحابك هناك إلاّ وله من يدفع الله به عن أهله وماله. قال: صدق؛ فلا تقولوا له إلا خيرا. فقال عمر بن الخطاب: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعنى أضرب عنقه. فقال النبى ﷺ: وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد رضيت لكم الجنة. فدمعت عينا عمر، فقال الله ورسوله أعلم.
_________________
(١) روضة خاخ: بالقرب من ذى الحليفة على بريد من المدينة وقيل على اثنى عشر ميلا منها. (وفاء الوفا ٢:٢٩٧)
(٢) فى م «إلى حجزتها وهى مغنجرة بكساء». وفى ت «إلى عجيزتها وهى مرتجزة بكساء» والمثبت عن تفسير ابن كثير ٧:١٠٩، والسيرة الحلبية ٣:١١، وشرح المواهب ٢:٢٩٥. والحجزة: معقد الإزار والسراويل.
(٣) فى الأصول «مالى» والمثبت عن تفسير ابن كثير ٧:١٠٩.
[ ١ / ٤٩١ ]
وبعث رسول الله ﷺ إلى من حوله من العرب فجلبهم:
أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، وسليم. فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من لحقه بالطريق.
وخرج رسول الله ﷺ يوم الأربعاء بعد العصر لعشر ليال مضين من شهر رمضان-وقيل لليلتين خلتا منه-فى عشرة آلاف-وقيل فى اثنى عشر ألفا-من المهاجرين والأنصار وأسلم وجهينة وبنى سليم وغفار ومزينة. واستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفارى-وقيل عبد الله بن أم مكتوم-وصام النبىّ ﷺ، وصام الناس معه، فلما بلغ الصلصل (^١) قدّم أمامه الزبير بن العوام فى مائتين من المسلمين، ونادى مناديه: من أحب أن يفطر فليفطر، ومن أحب أن يصوم فليصم. ويروى لما بلغ النبى ﷺ الكديد (^٢) -ماء بين عسفان وأمج، ويقال بين قديد وعسفان-أفطر وشرب بعد صلاة العصر على راحلته ليراه الناس وأمر بالافطار، ولم يزل مفطرا حتى انصرم الشهر.
ولقى النبى ﷺ بذى الحليفة-وقيل ذى الجحفة-عمه العباس مهاجرا بأهله، فأرسل بهم إلى المدينة ورجع مع النبى ﷺ؛ وكان أسلم قبل ذلك وأقام بمكة على السقاية، والنبىّ ﷺ عنه راض.
_________________
(١) الصلصل-بالضم والتكرير: على سبعة أميال من المدينة. (مراصد الاطلاع)
(٢) الكديد ويقال على اثنين وأربعين ميلا من مكة. (المرجع السابق)
[ ١ / ٤٩٢ ]
ولقى النبى ﷺ بالوادى-وقيل بنيق العقاب (^١)، وقيل بين السقيا (^٢) والعرج (^٣) -ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أمية بن المغيرة مسلمين، فأعرض النبى ﷺ عنهما، وقال على بن أبى طالب لأبى سفيان ائته من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ﴿تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ (^٤) ففعل ذلك أبو سفيان، فأقبل ﷺ عليهما، وقبل منهما إسلامهما.
وتمادى رسول الله ﷺ فلما كان بقديد وفدت عليه بنو سليم فى سبعمائة نفر، ويقال ألف فيهم العباس بن مرداس فأسلموا.
ثم عقد النبى ﷺ الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثم مضى حتى نزل مرّ الظهران عشاء فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب. وسأله أسامة بن زيد: أين ننزل غدا؟ فقال: بخيف (^٥) بنى كنانة؛ حيث تقاسموا على الكفر.
_________________
(١) فى الأصول «العقار» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٦٠، وتاريخ الطبرى ٣:١١٤، ومعجم البلدان لياقوت، ومعجم ما أستعجم، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٤٣، ووفاء الوفا ٢:٣٨٦. وهو موضع قرب الجحفة بين مكة والمدينة.
(٢) السقيا: موضع على ستة وتسعين ميلا من المدينة، ويقال على أربعة أيام منها، ويقال قرية جامعة بطريق مكة. وانظر وفاء الوفا ٢:٣٢٣، وشرح المواهب ٢:٣٠١.
(٣) العرج: قرية جامعة على ثلاثة أميال من المدينة بطريق مكة. شرح المواهب ٢:٣٠١.
(٤) سورة يوسف آية ٩١.
(٥) خيف بنى كنانة: هو المحصب، وهو بطحاء مكة. (مراصد الاطلاع)
[ ١ / ٤٩٣ ]
وعميت الأخبار على قريش فهم على وجل وارتقاب من غزوه إياهم؛ فبعثوا أبا سفيان بن حرب يتجسّس الأخبار، وقالوا: إن لقيت محمدا فخذلنا منه أمانا. فخرج أبو سفيان، وحكيم بن حزام، ولقيهما بديل بن ورقاء فصحبهم، فخرجوا تلك الليلة حتى أشرفوا على مرّ، ورقّ قلب العباس فخرج راكبا بغلة النبى ﷺ البيضاء- ليلا-لعله يجد أحدا يخبر أهل مكة بمكان النبى ﷺ؛ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، حتى جاء الأراك إذ سمع صوتهم وهم يتراجعون، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا.
ويروى أن أبا سفيان قال لبديل: هذه نيران بنى كعب أهلك. فقال: حاشتها (^١) إليك الحروب.
ويروى أن أبا سفيان وحكيما وبديلا أقبلوا يسيرون حتى أتوا مرّ الظهران فإذا هم بنيران كنيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة. فقال بديل بن ورقاء: نيران بنى عمرو. قال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك. فسمع العباس صوت أبى سفيان فناداه أبا حنظلة. فقال: لبّيك فما وراءك؟ قال: هذا رسول الله ﷺ فى عشرة آلاف، فأسلم ثكلتك أمّك وعشيرتك. وأجاره/
_________________
(١) كذا فى الأصول، ومغازى الواقدى ٢:٨١٤. والمعنى جمعتها وساقتها. (المعجم الوسيط) وفى سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٦١، وتاريخ الطبرى ٣:١١٦ والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٤٧، والسيرة الحلبية ٣:١٦ «حمشتها» وفى الروض الأنف ٤:٩٩، والسيرة الحلبية «وقيل بالسين المهملة: أى اشتدت عليها من الحماسة وهى الشدة». وفى الامتاع ١:٣٦٨ «جاشتها».
[ ١ / ٤٩٤ ]
وخرج به فأردفه خلفه، ورجع صاحباه-ويروى أنه ذهب بهما معه حتى أتى بهم النبى ﷺ-ودافع العباس عمر بن الخطاب عن أبى سفيان بحضرة النبى ﷺ، ثم ذهب به معه إلى رحله بأمر رسول الله ﷺ، وأمره أن يحبس أبا سفيان بالمضيق دون الأراك إلى مكة- ويقال عند خطم (^١) الجبل-حتى يمرّ به العسكر وينظر إلى المسلمين، وذهب الآخرون فأعلما أهل مكة.
ويقال إنما ظفر بأبى سفيان وصاحبيه مزينة-وكانت الحراسة عليهم تلك الليلة-فسألوهم أن يذهبوا بهم إلى العباس بن عبد المطلب، فذهبوا بهم (^٢) إليه فسأله أبو سفيان أن يستأمن لهم من النبى ﷺ، فخرج بهم حتى دخل على النبى ﷺ. فسأله أن يؤمّن له من أمّن. فقال النبى ﷺ: قد أمّنت من أمّنت خلا أبا سفيان. فقال: يا رسول الله لا تحجر علىّ. فقال ﷺ: من أمّنت فهو آمن. فذهب بهم العباس إلى النبى ﷺ ثم خرج بهم، فقال أبو سفيان إنا نريد أن نذهب. فقال: أسفروا. وقام النبى ﷺ يتوضّأ فابتدر المسلمون وضوءه فينضحونه فى وجوههم. فقال: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. فقال: ليس بملك ولكنها النّبوّة، وفى ذلك يرغبون.
_________________
(١) خطم الجبل: أى أنف الجبل وهو الجزء الناتئ منه نازلا إلى الأرض. ويقال عند حطم الخيل: أى المكان الذى تزدحم فيه الخيل عند اجتيازه. وانظر شرح المواهب ٢:٣٠٤.
(٢) فى الأصول «به» والمثبت عن مغازى الواقدى ٢:٨١٥.
[ ١ / ٤٩٥ ]
وقدّم النبى ﷺ بين يديه الكتائب: بعث النبى ﷺ الزبير ابن العوام على المهاجرين وخيلهم، وأمرهم أن يدخلوا من ثنيّة كداء من أعلى مكة، وأن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه. وبعث خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وسليم وأناس أسلموا من قبل ذلك، وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت. وبعث سعد بن عبادة فى كتيبة الأنصار فى مقدمة رسول الله ﷺ، فدفع سعد الراية إلى ابنه قيس. وبعث أبا عبيدة على السّاقة-وهم الرجّالة-فأخذوا بطن الوادى، وأمرهم أن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم سوى ثمانية نفر وأربع نسوة استثناهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم: عبد الله بن سعد ابن أبى سرح، استأمن له عثمان بن عفّان-وهو أخوه من الرضاعة-رسول الله ﷺ فأمنه وأسلم، وهلال-وقيل عبد العزى-بن خطل (^١)، قتل و[هو] (^٢) آخذ بأستار الكعبة،
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى الدرر ٢٣٢، وعيون الأثر ٢:١٧٥ «عبد العزى ابن خطل. وفى سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٦٨، وتاريخ الطبرى ٣:١١٩، والاكتفا ٢:٣٠١، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٦٥، وتاريخ الخميس ٢:٩٠ «عبد الله بن خطل». وفى مغازى الواقدى ٢:٨٢٥ «عبد الله بن هلال بن خطل». وفى الوفا بأحوال المصطفى ٢:٧٠٠ «أبو عبد الله بن هلال بن خطل». وفى الإمتاع ١:٣٧٨ «هلال بن عبد الله» وفى السيرة الحلبية ٣:٣٧ «كان اسمه عبد العزى فلما أسلم سماه الرسول ﷺ عبد الله».
(٢) إضافة على الأصول يقتضيها السياق. وفى مغازى الواقدى ٢:٨٩٥ عن أبى برزة يقول: أخرجت عبد الله بن خطل وهو معلق بأستار الكعبة فضربت عنقه بين الركن والمقام. وفى الروض الأنف ٤:١٠٣ «فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة».
[ ١ / ٤٩٦ ]
والحويرث بن نقيد-قتل عند باب بيته-ومقيس بن صبابة- قتل-وهبار بن الأسود؛ جاء إلى النبى ﷺ وهو بالجعرانه فأسلم، وكعب بن زهير؛ قدم على النبى ﷺ بالمدينة فأسلم وأنشد قصيدته «بانت سعاد» ووحشى الزّنجىّ؛ قدم مع وفد الطائف فأسلم، فقال له النبى ﷺ: غيّب وجهك عنى. ويقال منهم عكرمة بن أبى جهل. وأما النساء فقينتا ابن خطل قريبة فقتلت، وفرتنا استأمنت النبى ﷺ فأمنها، فعاشت مدة ثم ماتت فى حياة النبى ﷺ. وأما سارة مولاة عمرو بن هاشم-وقيل مولاة لأبى لهب-استؤمن لها النبى ﷺ فأمّنها فعاشت إلى أن أوطأها رجل فرسا بالأبطح فماتت-وقيل قتلت يوم الفتح-وهند بنت عتبة بن ربيعة زوجة أبى سفيان؛ فاختفت ثم أتت رسول الله ﷺ فأسلمت، وكان بينها وبين زوجها فى الإسلام ليلة واحدة، ماتت هى وأبو قحافة فى يوم واحد فى خلافة عمر.
ووبّشت قريش أوباشا لها فقالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شئ كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذى سئلنا.
وأمر النبىّ ﷺ [أبا هريرة] (^١) فقال: اهتف بالأنصار، ولا يأتينى إلا أنصارى. قال أبو هريرة: ففعلت. فجاءوا فأطافوا برسول الله ﷺ فقال: ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ ويقال: انظروا قريشا وأوباشها!! ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: احصدوهم
_________________
(١) إضافة عن عيون الأثر ٢:١٧٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٨٢، وشرح المواهب ٢:٣١٧.
[ ١ / ٤٩٧ ]
حصدا حتى توافونى بالصّفا. قال أبو هريرة: فانطلقنا فما أحد منهم يوجّه إلينا شيئا، وما منا أحد يريد شيئا إلا أخذه منهم. وجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فأمّن النبى ﷺ من دخل المسجد ودار أبى سفيان-وكانت دار أبى سفيان بأعلى مكة-ودار حكيم بن حزام-وكانت بأسفل مكة-ومن أغلق عليه بابه، ومن ألقى السلاح. فألقى الناس سلاجهم، وأغلقوا أبوابهم.
وأقيل النبى ﷺ فى كتيبته الخضراء وهو على ناقته القصوى بين أبى بكر، وأسيد بن حضير من أذاخر، واللواء يحمل بين يديه-وكان أبيض-فلما انتهى إلى ذى طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، ثم سار حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبّة
ومرت الكتائب كتيبة كتيبة على أبى سفيان (^١) فمرت كتيبة، فقال: يا عباس من هذه؟ قال: هذه غفار. قال: ما لى ولغفار. ثم مرّت جهنية فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال:
من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه راية.
فنادى سعد بن عبادة فقال: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم
_________________
(١) قد يتبادر إلى الذهن من السياق هنا أن الكتائب مرت على أبى سفيان ورسول الله ﷺ بأعلى مكة فى قبته. ولكن مرور الكتائب على أبى سفيان كان حين أمر النبى ﷺ عمه العباس أن يحبس أبا سفيان عند خطم الجبل (مضيق الوادى) ليرى تحرك الجيوش كتيبة كتيبة من مر الظهران لدخول مكة.
[ ١ / ٤٩٨ ]
تستحلّ الحرمة. فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذّمار. ثم جاءت كتيبة وهى أقل الكتائب فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وراية النبى ﷺ مع الزّبير بن العوّام، فلما مرّ رسول الله ﷺ بأبى سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: ما قال سعد بن عبادة؟ قال: قال كذا، وناشده الله فى قومه. فقال النبى ﷺ:
كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة. وأرسل النبى ﷺ إلى سعد فعزله، وجعل الزّبير مكانه على الأنصار مع المهاجرين، فسار بهم حتى وقف بالحجون وغرز الراية حيث أمر. واندفع خالد حتى دخل من اللّيط أسفل مكة، فلقيه صفوان بن أميّة وعكرمة بن أبى جهل، وسهيل بن عمرو فى أناس جمعوهم للقتال بالخندمة من بنى بكر وهذيل، فناوشوه القتال فلم يكن له بدّ من قتالهم، فقتل من بنى بكر قريبا من عشرين، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا فتبعوهم بالسيوف، وفرّ بعضهم فدخلوا الدور.
وكان منهم حماس (^١) بن قيس بن خالد، أخو بنى بكر، وكان قبل ذلك يعدّ السلاح ويصلح منه، فتقول له أمرأته: لماذا (^٢)
_________________
(١) فى الأصول «حماش» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٦٥، ومغازى الواقدى ٢:٨٢٧، وعيون الأثر ٢:١٧٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٥٦١. وفى شرح المواهب ٢:٣١٠ «جماش بجيم مكسورة وميم مخففة ومعجمة».
(٢) فى الأصول «ماذا» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٦٦، وعيون الأثر ٢:١٧٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٦١.
[ ١ / ٤٩٩ ]
تعد ما أرى؟ فيقول: لمحمد وأصحابه. فتقول: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شئ. فيقول: والله إنى لأرجو أن أخدمك بعضهم.
ثم ينشد:
إن يقبلوا اليوم فما لى علّة … هذا سلاح كامل وألّة (^١)
وذو غرارين (^٢) سريع السّلّة
فانهزم حتى دخل على امرأته وقال لها: اغلقى على بابى.
فقالت له: أين ما كنت تقول؟! فأنشد:-
وأنت لو رأيتنا بالخندمة (^٣) … إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة
ولحقتنا بالسيوف المسلمة … يقطعن كلّ ساعد وجمجمة
ضربا فلا تسمع إلا غمغمة … لهم نهيت حولنا وهمهمة
لم تنطقى فى اللّوم أدنى كلمة
وقتل من المسلمين يومئذ-فى خيل خالد-ثلاثة: اثنان منهم هما كرز بن خالد الفهرى، وحبيش (^٤) بن الأشعر؛ سلكا غير طريق خالد فقتلا جميعا، وقتل حبيش قبل كرز [فجعله] (^٥) بين رجليه ثم قاتل عنه (^٦) حتى قتل وهو يرتجز ويقول:-
_________________
(١) الألة: كل أداة للحرب. (المعجم الوسيط)
(٢) ذو الغرارين: يراد به السيف، والغرار حد السيف ونحوه. (المعجم الوسيط)
(٣) فى الأصول «وأنت لو رأيتنا يوم الخندمة» والمثبت يستقيم وزنا.
(٤) كذا فى الأصول، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٦٢. وفى سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٦٦ «خنيس». وانظر الخلاف حول اسمه فى الاستيعاب ٣:٤٠٦.
(٥) إضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٦٦، وشفاء الغرام ٢:١١٧.
(٦) فى الأصول «عليه» والمثبت عن المرجعين السابقين.
[ ١ / ٥٠٠ ]
قد علمت صفراء من بنى فهر … نقيّة الوجه نقيّة الصدر
لأضربن اليوم عن أبى صخر
وكان حبيش يكنى بأبى صخر. والثالث هو سلمة بن الميلاء-رجل من جهينة-أصيب معه (^١).
ودخل رسول الله ﷺ فى المهاجرين الأولين فى أخريات الناس بكرة يوم الجمعة لعشر ليال بقين من شهر رمضان، وهو غير محرم وعلى رأسه المغفر-وقيل كان على رأسه عمامة سوداء مرخ طرفها وراء كتفيه-وهو ﷺ يتلو سورة الفتح، ويرجع فيها. ورأى النبى ﷺ النساء يلطّمن وجوه الخيل بالخمر فتبسم إلى أبى بكر، وقال يا أبا بكر: كيف [قال حسان؟] (^٢) فأنشده أبو بكر:-/
عدمت بنيّتى إن لم تروها … تثير النقع من كتفى كداء
ينازعن الأعنّة مسرجات … يلطّمهن بالخمر النساء
فقال النبى ﷺ: ادخلوها (^٣) من حيث قال حسان.
ولما دخل أبو سفيان مكة صاح: من أغلق داره وكفّ فهو آمن. فشتمته زوجته هند وأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الأحمق. فقال لها: ويحك اسكتى وادخلى بيتك؛ فقد جاء الحق.
_________________
(١) أى مع خالد بن الوليد ﵁ لأنه كان من خيله. وانظر شفاء الغرام ٢:١١٨.
(٢) إضافة عن مغازى الواقدى ٢:٨٢٥، والكامل لابن الأثير ٢:١٠٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٥٧، وشرح المواهب ٢:٣٠٩.
(٣) فى الأصول «أدخلوهن» والمثبت عن السيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٥٧، وشرح المواهب ٢:٣٠٩.
[ ١ / ٥٠١ ]
ولما علا النبى ﷺ ثنيّة كداء نظر إلى البارقة على الجبال فقال: ما هذا، وقد نهيت عن القتال؟! فقال المهاجرون: نظن أن خالدا قوتل وبدئ بالقتال، فلم يكن له بدّ من القتال، ولم يكن ليعصى أمرك أو (^١) يخالفك.
ووقف ﷺ على الحجون ثم قال: والله إنك لخير أرض الله، وإنك أحب أرض الله [إلى الله] (^٢)، ولو لم أخرج منك ما خرجت، إنها لم تحل لأحد كان قبلى، (^٣) ولا تحل لأحد كائن بعدى (^٣)، وإنما أحلت لى ساعة من نهار، ثم هى من ساعتى هذه حرام [لا يعضد شجرها، ولا يحتشّ خلاها، ولا تلتقط ضالتها إلا لمنشد. فقال رجل يقال له أبو شاة: يا رسول الله] (^٢) إلا الإذخر فإنه لبيوتنا وقبورنا. فقال رسول الله ﷺ: إلا الإذخر.
وهبط النبى ﷺ من الثنيّة وذقنه ﷺ على رحله متخشعا متواضعا، وكان النبى ﷺ لما نزل بذى طوى ورأى ما أكرمه الله به من الفتح جعل يتواضع لله ﷿ حتى أن كاد عثنونه (^٤) أن يصيب واسطة الرحل، وأجاز ﷺ على الحجون وهو مردف أسامة ابن زيد-ويقال ابن ابنته زينب علىّ بن أبى العاص بن الربيع بن عبد
_________________
(١) فى الأصول «ولا يخالفك».
(٢) إضافة عن أخبار مكة للأزرقى ٢:١٥٦.
(٣) فى الأصول «ولم تحل لأحد كان بعدى» والمثبت عن المرجع السابق.
(٤) العثنون: اللحية، أو ما فضل منها بعد العارضين، أو ما نبت على الذقن وتحته سفلا. (تاريخ الخميس ٢:٨٢، وشرح المواهب ٢:٣٢٠)
[ ١ / ٥٠٢ ]
العزّى بن عبد شمس-وبين يديه ابن رواحه آخذ بزمام ناقته وهو يرتجز ويقول:-
خلّوا بنى الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تأويله
كما ضربناكم على تنزيله … ضربا يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله … يا رب إنى مؤمن بقيله (^١)
واندفع الزبير بين يديه بالراية-وكانت تسمى العقاب، سودا، مرط مرجّل لعائشة-حتى وقف بباب المسجد، ودخل رسول الله ﷺ المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت على راحلته سبعا، يتسلم الركن بمحجنه، وكان ابن أمّ مكتوم آخذا بخطام ناقته ﷺ، وهو يطوف ويقول:
حبّذا مكة من وادى … بها أرضى وعوّادى
بها ترسخ أوتادى … بها أمشى بلا هادى (^٢)
ويروى: كان محمد بن مسلمة آخذا بزمام ناقة النبى ﷺ.
وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما قد ألزمها (^٣) الشياطين بالرصاص والنحاس، وكان هبل أعظمها، وهو وجاه الكعبة على بابها، وإساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون الذبائح. وكان النبى ﷺ وهو فى طوافه فى يده قوس، وهو آخذ بسية (^٤) القوس، فجعل ﷺ كلما مرّ
_________________
(١) وقد سبق هذا الرجز فى عمرة الفضاء، وانظر تعليقنا عليه ص ٦١١ من هذا الجزء.
(٢) كذا الرجز فى الأصول، وأخبار مكة للأزرقى ٢:١٥٤. وانظره-مع اختلاف- فى طبقات ابن سعد ٢:١٤١، والإمتاع ١:٣٨٢.
(٣) كذا فى الأصول. وفى شرح المواهب ٢:٣٣٤ «قد ألزقها الشيطان». وفى الخصائص ٢:٨٠ «ألزقها الشياطين».
(٤) السية: ما عطف من طرف القوس. (شرح المواهب ٢:٣٣٤)
[ ١ / ٥٠٣ ]
بصنم منها أشار إليه بقضبب كان فى يده-ويقال يطعنه بعود، وقيل بعصا-ويتلو قوله ﵎ ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ (^١) ﴿وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ (^٢) فيقع الصنم على وجهه حتى مرّ عليها كلها. ويروى ما من صنم منها أشار إلى وجهه إلا وقع لقفاه ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقى منها صنم إلا وقع فقال تميم بن أوس الخزاعى:-
وفى الأصنام معتبر وعلم … لمن يرجو الثواب أو العقابا
ويروى لما صلى الظهر أمر بالأصنام التى حول الكعبة كلها فجمعت ثم حرقت بالنار. ويقال فأخرجت (^٣) إلى المسيل وكسرت.
وفى ذلك يقول فضالة بن عمير بن الملوح الليثى فى ذكر يوم الفتح:-
لو ما رأيت محمدا وجنوده … بالفتح يوم تكسّر الأصنام
لرأيت نور الله أصبح بيّنا … والشرك يغشى وجهه الإظلام (^٤)
واستكف المشركون، ثم دخل صناديد قريش من المشركين الكعبة وهم يظنون [أن] (^٥) السيف لا يرفع عنهم، فلما قضى رسول الله
_________________
(١) سورة الإسراء آية ٨١.
(٢) سورة سبأ آية ٤٩.
(٣) فى الأصول «فأخرجن».
(٤) وانظر الشعر فى سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٧٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٨٤، وتاريخ الخميس ٢:٨٧ مع أختلاف فى بعض الألفاظ.
(٥) أضافة على الأصول.
[ ١ / ٥٠٤ ]
ﷺ طوافه لم يجد مناخا لراحلته فنزل على أيدى الرجال، فجاء معمر ابن عبد الله بن نضلة فأخرج راحلته. [ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى المقام-وهو لاصق بالكعبة-] (^١) والدرع عليه والمغفر، وعمامته بين كتفيه، وصلّى ركعتين خلف المقام، ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتى الباب وقال: ما تقولون وما تظنون؟ قالوا نقول ابن أخ وابن عم حليم رحيم-ثلاثا-فقال رسول الله ﷺ: أقول كما قال أخى يوسف ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (^٢) -فخرجوا كأنما نشروا من القبور؛ فدخلوا فى الإسلام./
ويروى: أن النبى ﷺ لما نزل عن راحلته قام فخطب فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذى أذهب عنكم عبّيّة (^٣) الجاهلية وتعظّمها بآبائها (^٤)، [فالناس] (^٥) رجلان رجل برّ تقىّ كريم على الله ﷿، وفاجر شقى هيّن على الله تعالى، ثم تلا ﷺ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ (^٦) ثم قال: أقول قولى هذا،
_________________
(١) إضافة عن مغازى الواقدى ٢:٨٣٢.
(٢) سورة يوسف آية ٩٢.
(٣) العبية: هى الكبر. (هامش تفسير ابن كثير ٧:٣٦٦).
(٤) فى الأصول «وفخرها بأيامها» والمثبت عن المرجع السابق، وطبقات ابن سعد ٢:١٤٣
(٥) سقط فى الأصول. والمثبت عن تفسير ابن كثير ٧:٣٦٦.
(٦) سورة الحجرات آية ١٣.
[ ١ / ٥٠٥ ]
وأستغفر الله لى ولكم. ثم انصرف ﷺ إلى زمزم فاطلع فيها وقال:
لولا أن تغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت منها بيدى. ثم انصرف إلى ناحية من المسجد قريبة من مقام إبراهيم-وكان ملصقا بالكعبة فأخرجه فى مكانه هذا-ودعا بسجل من ماء زمزم فنزع له العباس دلوا فشرب وتوضّأ، والمسلمون يبتدرون وضوءه يصبّونه على وجوههم، والمشركون ينظرون إليه ويتعجّبون ويقولون: ما رأينا ولا سمعنا ملكا قط بلغ هذا.
وأمر ﷺ بهبل فكسر وهو واقف عليه، وقال الزبير بن العوام لأبى سفيان بن حرب: قد كسر هبل، أما إنك قد كنت منه يوم أحد فى غرور حين تزعم أنه قد أنعم عليك. فقال أبو سفيان: دع هذا عنك يا ابن العوام؛ فقد أرى أن لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان (^١).
وكسر إساف ونائلة، فخرج من أحدهما امرأة سوداء شمطاء تخمش وجهها، عريانة ناشرة الشعر، تدعو بالويل، فقيل للنبىّ ﷺ، فقال: تلك نائلة قد أيست أن تعبد ببلادكم أبدا (^٢).
ورنّ إبليس رنّة حين افتتح رسول الله مكة، فاجتمعت إلى إبليس ذريته فقال: ايأسوا أن تردّوا أمته على الشرك بعد يومهم هذا، ولكن افشوا فيهم النّوح والشّعر (^٣).
_________________
(١) الإمتاع ١:٣٨٣،٣٨٤.
(٢) أخبار مكة للأزرقى ١:١٢٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٧٢، والخصائص ٢:٨٣.
(٣) أخبار مكة للأزرقى ١:١١٢،١٢٣، والخصائص ٢:٨٣.
[ ١ / ٥٠٦ ]
وجلس النبى ﷺ عند قرن مسقلة (^١) -وقرن مسقلة الذى إليه بيوت ابن أبى أمامة ودبر دار ابن سمرة وما حوله-فجاءه الناس-الصغار والكبار والرجال والنساء-فبايعوه على الإسلام والشهادة، وأتوه بصبيانهم ليمسح على رءوسهم ويدعو لهم، فخرجت أم الوليد بن عقبة بن أبى معيط بابنها الوليد إلى النبى ﷺ-وهو مطيّب بالخلوق-فلم يمسح على رأسه ولم يمسه، ولم يمنعه من ذلك إلا من أجل الخلوق، ويروى أن الوليد سلح يومئذ فقذره رسول الله ﷺ، فلم يمسه ولم يدع له.
وكان أبو قحافة لما نزل النبى ﷺ ذى طوى قال لابنة له- كانت من أصغر ولده-: أى بنيّة. أشرفى بى على أبى قبيس- وكان قد كفّ بصره-فأشرفت به عليه. فقال: أى بنيّة، ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا، وأرى رجلا يشتد بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا. فقال: تلك الخيل يا بنيّة، وذلك الرجل الوازع. ثم قال: ماذا ترين؟ فقالت؟ أرى السواد انتشر. فقال: والله إذا دفعت الخيل فأسرعى بى إلى بيتى. فخرجت سريعا حتى إذا هبطت به إلى الأبطح لقيته الخيل، وفى عنقها طوق لها من ورق، فاقتطعه إنسان من عنقها.
_________________
(١) قرن مسقلة: وفى أخبار مكة للأزرقى ٢:٢٧٠ وهو قرن بقيت منه بقية بأعلى مكة فى دبر دار سمرة عند موقف الغنم بين شعب ابن عامر وحرف دار رابغة فى أصله، ومصقلة رجل كان يسكنه فى الجاهلية، وأورد حديث أبى الوليد بسنده عن ابن جريج قال: لما كان يوم الفتح فتح مكة جلس رسول الله ﷺ على قرن مصقلة فجاءه الناس يبايعونه بأعلى مكة عند سوق الغنم.
[ ١ / ٥٠٧ ]
فلما دخل النبىّ ﷺ المسجد وجاء أبو بكر الصديق ﵁ بأبيه أبى قحافة يقوده-ورأسه ولحيته كأنها ثغامة-فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هلا تركت الشيخ فى بيته حتى أجيئه؟ غيّروا الشيب واجتنبوا السواد. فقال: يمشى هو إليك يا رسول الله أحقّ من أن تمشى إليه. فأجلسه بين يديه ثم مسح رسول الله ﷺ صدره وقال: أسلم تسلم. فأسلم.
وقام أبو بكر فأخذ يد أخته وقال: أنشد بالله والإسلام طوق أختى. فو الله ما أجابه أحد، ثم قال الثانية فما أجابه أحد، فقال يا أخيّة احتسبى طوقك؛ فو الله إن الأمانة اليوم فى الناس لقليلة.
ثم أرسل النبى ﷺ بلالا إلى عثمان بن طلحة أن يأتيه بمفتاح الكعبة. فجاء بلال إلى عثمان وقال له: إن رسول الله يأمرك أن تأتيه بمفتاح الكعبة. قال عثمان: نعم. فخرج إلى أمه سلافة ابنة سعيد (^١) بن شهيد الأنصارية، ورجع بلال إلى النبى ﷺ فأخبره أنه قال نعم، ثم جلس بلال مع الناس. فقال عثمان لأمه/-والمفتاح يومئذ بيدها-: يا أمه أعطنى المفتاح فإن رسول الله ﷺ أرسل إلىّ وأمرنى أن آتى به إليه. فقالت له أمه: أعيذك بالله أن تكون الذى يذهب بمأثرة قومك على يديك. قال: والله لتدفعنّه إلىّ أو ليأتينّك غيرى فيأخذه منك. فأدخلته فى حجرها (^٢) وقالت: أى رجل
_________________
(١) كذا فى الأصول، وشرح المواهب ٢:٣٣٨. وفى أخبار مكة للأزرقى ١: ٢٦٦، وشفاء الغرام ٢:١٥٢ «بنت سعد».
(٢) كذا فى الأصول، وأخبار مكة للأزرقى ١:٢٦٦، وشفاء الغرام ٢: ١٥٢. وفى مغازى الواقدى ٢:٨٣٣، وشرح المواهب ٢:٣٣٨ «فى حجزتها».
[ ١ / ٥٠٨ ]
يدخل يده ها هنا؟! فبينما هما على ذلك إذ سمعت صوت أبى بكر وعمر فى الدار-وعمر رافع صوته حين رأى إبطاء عثمان-فقالت أمّه: يا بنى خذ المفتاح؛ فلأن تأخذه أنت أحبّ إلىّ من أن يأخذه تيم وعدى.
فأخذه عثمان فأتى به رسول الله ﷺ، فناوله إيّاه، فلما ناوله إيّاه فتح الكعبة، وأمر رسول الله ﷺ بالكعبة فغلّقت عليه. ومعه أسامة بن زيد، وبلال بن رباح، وعثمان بن طلحة. وأرسل الفضل بن عباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم، ثم أمر بثوب فبلّ بالماء، وأمر بطمس [تلك] الصور (^١) التى جعلتها قريش فى دعائم الكعبة فطمست، ووضع كفّيه على صورة عيسى بن مريم وأمه وقال: امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدىّ. فرفع يده عن عيسى بن مريم وأمه، ونظر إلى إبراهيم فقال: قاتلهم الله؛ جعلوه يستقسم بالأزلام، مالإبراهيم والأزلام؟! (^٢)
ويروى أن النبى ﷺ قال: يا شيبة أمح كل صورة فيه إلا ما تحت يدى. فرفع يده عن عيسى بن مريم وأمه (^٣).
ويروى أنه لما دخل الكعبة وفيها صور الملائكة وغيرها، فرأى صورة إبراهيم فقال: قاتلهم الله؛ جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام!! ثم رأى صورة مريم فوضع يده عليها وقال: امحوا ما فيها من الصور إلا صورة مريم (^٤).
_________________
(١) فى الأصول «بطمس الصورة» والمثبت عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٦٥.
(٢) أخبار مكة للأزرقى ١:١٦٥،١٦٦، وانظر تعليق الاستاذ رشدى الصالح المتضمن أن مفاد عدم محو صورة عيسى وأمه متروك وباطل.
(٣) المرجع السابق ١:١٦٤
(٤) المرجع السابق ١:١٦٨،١٦٩، ومغازى الواقدى ٢:٨٣٤ وفيه «إلا صورة إبراهيم».
[ ١ / ٥٠٩ ]
ويروى أنه لما دخلها وجد فيها حمامة من عيدان فطرحها (^١).
ويروى أنه لما دخل البيت فإذا فيه صورة إبراهيم وإسماعيل والكبش ورأس الكبش، فأمرهم أن يمحوها؛ فما دخل حتى محيت، فلما دخل رأى الأزلام قد صورت فى يد إبراهيم، فقال:
قاتلهم الله لقد علمنا لم يستقسما بالأزلام قط (^٢).
ويروى أن النبى ﷺ لم يدخل الكعبة حتى أمر عمر بن الخطاب أن يدخلها فيمحو ما فيها من صورة (^٣).
ثم دخلها فمكث فيها ما شاء الله، وكان البيت على ستة أعمدة، ووقف على الباب خالد بن الوليد يذبّ الناس عن الباب حتى خرج رسول الله ﷺ والمفتاح بيده، وهو يتلو قول الله ﵎ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ (^٤) فاستبق
_________________
(١) أخبار مكة للأزرقى ١:١٦٩. وفى سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٦٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٦٩ «فكسرها بيده ثم طرحها».
(٢) أخبار مكة للأزرقى ١:١٦٩ وفيه «قاتلهم الله؛ لقد أبى، إنهما لم يستقسما بالأزلام». والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٧٣ وفيها «قد صورت فى يد إبراهيم وإسماعيل فقال: قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بالأزلام قط».
(٣) أخبار مكة للأزرقى ١:١٦٨ وفى السيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٧١ من حديث الإمام أحمد بسنده عن جابر قال: كان فى الكعبة صور فأمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب أن يمحوها، فبل عمر ثوبا ومحاها به فدخل رسول الله ﷺ وما فيها منها شئ. وفى طبقات ابن سعد ٢:١٤٢ من حديث جابر أن النبى ﷺ أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتى الكعبة فيمحو كل صورة فيها، ولم يدخلها النبى ﷺ حتى محيت كل صورة فيها.
(٤) سورة النساء آية ٥٨.
[ ١ / ٥١٠ ]
الناس فكان عبد الله بن عمر أوّل من دخل، فوجد بلالا وراء الباب قائما فسأله: أين صلى النبى ﷺ؟ فأشار إلى المكان الذى صلّى فيه؛ قال: جعل عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة وراءه.
ثم خطب النبىّ ﷺ على درج الكعبة فقال: الحمد لله الذى صدقنا وعده. ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن هذا (^١) البلد هى (^١) حرام بحرم الله؛ لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر؛ فإنه لبيوتنا وموتانا. فقال: إلا الإذخر، المسلمون يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد. ولا يتوارث أهل ملّتين، ألا إن قتل العمد الخطأ بالسوط والعصى فيه مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها. إلا إن كل مأثرة فى الجاهلية ومال تحت قدمىّ هاتين إلا ما كان من سدانة البيت وسقاية الحاج فقد أمضيتها لأهلها.
ويروى: أن النبى ﷺ قال يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرّمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض؛ فهو حرام بحرمة الله، لم يحل فيه القتل لأحد قبلى ولا لأحد بعدى، وإنما أحلّ لى ساعة؛ فهو حرام حرّمه الله تعالى إلى يوم القيامة، لا ينفّر صيده، ولا يعضد شوكه، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها، ولا يختلى خلاه. فقال العباس:
إلا الإذخر فإنه لموتاهم. فقال ﷺ: إلا الإذخر/، ولا هجرة ولكن جهاد ونيّة، فإذا استنفرتم فانفروا.
_________________
(١) كذا فى الأصول.
[ ١ / ٥١١ ]
ثم نزل رسول الله ﷺ ومعه المفتاح فتنحّى ناحية من المسجد فجلس، وكان قد قبض السقاية من العباس فبسط العباس بن عبد المطلب يده فقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله اجمع لنا الحجابة والسقاية. فقال رسول الله ﷺ: أعطيكم ما ترزءون فيه ولا أعطيكم ما ترزءون منه. ثم قال: ادع لى عثمان. [فقام عثمان] (^١) بن عفان. [فقال: ادع لى عثمان. فقام عثمان بن طلحة] (^١). وكان رسول الله ﷺ قال لعثمان بن طلحة [يوما] (^١) وهو بمكة يدعوه للإسلام-ومع عثمان المفتاح-فقال: لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت. فقال عثمان: لقد هلكت قريش إذا وذلّت. فقال رسول الله ﷺ: بل عمرت وعزت يومئذ. قال عثمان فدعانى رسول الله ﷺ [بعد] (^١) أخذه المفتاح، فذكرت قوله وما كان قال لى، فأقبلت فاستقبلته ببشر واستقبلنى ببشر، قال:
خذوها يا بنى أبى طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فخذوها بأمانة الله. قال عثمان: فلما وليت نادانى فرجعت إليه، فقال: ألم يكن الذى قلت لك؟ قال: فذكرت قوله لى بمكة، فقلت: بلى أشهد أنك رسول الله، فأعطاه المفتاح-والنبى ﷺ مضطبع عليه يومئذ بثوبه-وقال ﵊: غيّبوه (^٢).
_________________
(١) إضافات عن أخبار مكة للأزرقى ١:٢٦٧.
(٢) وانظر مغازى الواقدى ٢:٨٣٧،٨٣٨.
[ ١ / ٥١٢ ]
وحانت صلاة الظهر فأمر النبى ﷺ بلالا أن يؤذن على ظهر الكعبة ليغيظ به المشركين، وكانوا فوق رءوس الجبال وقد فرّ وجوههم وتغيّبوا خوفا أن يقتلوا، ومنهم من يطلب الأمان ومنهم من أمّن. فلما أذّن بلال رفع صوته كأشد ما يكون، فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله.
قالت جويرية بنت أبى جهل: قد لعمرى رفع لك ذكرك، أما الصلاة فسنصلى، والله ما نحبّ من قتل الأحبة أبدا، ولقد جاء إلى أبى الذى كان جاء إلى محمد من النبوّة فردّها، ولم يرد خلاف قومه. وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذى أكرم أبى فلم يسمع بهذا اليوم-وكان أسيد مات قبل الفتح بيوم-وقال الحارث بن هشام: وا ثكلاه/، ليتنى متّ قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة. وقال الحكم بن أبى العاص: هذا والله الحدث الجليل؛ أن يصبح عبد بنى جمح ينهق على بنية أبى طلحة!! وقال سهيل بن عمرو: إن كان فى هذا سخط الله فسيغيّره الله. وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئا؛ لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصاة، فأتى جبريل النبىّ ﷺ فأخبره خبرهم، فأقبل حتى وقف عليهم فقال: أما أنت يا فلان فقلت كذا، وأما أنت يا فلان فقلت كذا.
فقال أبو سفيان: أما أنا يا رسول الله فما قلت شيئا. فضحك رسول الله ﷺ (^١).
وقال النبى ﷺ لخالد: لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ فقال:
هم بدأونا، ووضعوا فينا السلاح، وأسعرونا (^٢) بالنبل، وقد كففت يدى ما استطعت. فقال رسول الله ﷺ: قضاء الله خير.
_________________
(١) مغازى الواقدى ٢:٨٤٦، وأخبار مكة للأزرقى ١:٢٧٤،٢٧٥، والإمتاع ١:٣٩٠،٣٩١.
(٢) كذا فى الأصول. وفى الاكتفا ٢:٣٠٣ «وأشعرونا». وفى الإمتاع ١:٣٨٨ «ورشقونا».
[ ١ / ٥١٣ ]
ثم أتى النبى ﷺ الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يحمد الله ويذكر الله بما شاء الله ﷿ أن يذكره ويدعوه، والأنصار تحته يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة فى قريته، ورأفة بعشيرته. وجاء الوحى-وكان إذا جاء الوحى لم يخف على أصحابه، وليس أحد منهم يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى يقضى- فلما قضى الوحى رفع رسول الله ﷺ رأسه ثم قال: يا معشر الأنصار، قلتم أما الرجل فأدركته رغبة فى قريته ورأفة بعشيرته؟ قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله. قال ﷺ: كلاّ، فما أسمّى إذا؟! كلاّ، إنى عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم. فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذى قلنا إلا الضّنّ بالله ﷿ وبرسوله. قال: فإن الله جل وعلا ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم (^١).
وفرّ يومئذ صفوان بن أمية، فاستأمن له عمير بن وهب الجمحى النبى ﷺ، فأمنه وأعطاه عمامته التى دخل بها مكة، فلحقه بها وهو يريد أن يركب البحر فردّه، فقال يا رسول الله: اجعلنى بالخيار شهرين.
قال: أنت بالخيار أربعة أشهر (^٢)./
وعكرمة بن أبى جهل، فاستأمنت له زوجته أم حكيم ابنة الحارث ابن هشام-بعد أن أسلمت-من النبى ﷺ فأمّنه، فلحقته باليمن فردّته. وأقر رسول الله ﷺ صفوان وعكرمة مع امرأتيهما على نكاحهما الأوّل (^٣).
_________________
(١) السيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٨٣، والخصائص ٢:٧٩، وشرح المواهب ٢: ٣٣٣.
(٢) هذا اللفظ من م، وعيون الأثر ٢:١٨٠.
(٣) تاريخ الطبرى ٣:١٢٢، وعيون الأثر ٢:١٨٠، والإمتاع ١:٣٩٢.
[ ١ / ٥١٤ ]
وسهيل بن عمرو بن عبد شمس، أغلق بابه وأرسل ابنه فاستأمن له رسول الله ﷺ، فقال: هو آمن بأمان الله ﷿ فليظهر. فأسلم بالجعرانة (^١).
وهبيرة بن أبى وهب المخزومى فرّ إلى نجران فمات بها مشركا، وهو زوج أم هانئ (^٢).
وعبد الله بن الزبعرى (^٣).
واستتر حموان لأم هانئ وهما الحارث بن هشام وزهير بن أبى أمية (^٤) أخو أم سلمة-وقيل: أحدهما جعدة بن هبيرة والآخر عبد الله بن أبى المغيرة (^٥) -فأجارتهما، فجاء على ﵁ يريد قتلهما، قالت أم هانئ: وأتيت النبى ﷺ وهو فى قبّته بالأبطح بأعلى مكة فلم أجده، ووجدت فاطمة؛ فلهى كانت أشد علىّ فقالت: أتؤمنين الكفار وتجيرينهم، وتفعلين وتفعلين. فلم ألبث أن جاء رسول الله ﷺ بوجهه رهجة الغبار. فقال: يا فاطمة اسكبى
_________________
(١) الإمتاع ١:٣٩١.
(٢) المرجع السابق.
(٣) وفى مغازى الواقدى ٢:٨٤٧،٨٤٨، والإمتاع ١:٣٩١ «أنه فر إلى نجران مع هبيرة بن أبى وهب، فبعث حسان بن ثابت بشعر إليه فجاء، ولما نظر رسول الله ﷺ قال: هذا ابن الزبعرى ومعه وجه فيه نور الإسلام فأسلم.»
(٤) كذا فى الأصول وسيرة النبى لابن هشام ٤:٨٦٩، وعيون الأثر ٢: ١٧٧.
(٥) وانظر الاختلاف فى أسماء من أجارتهما أم هانئ فى أخبار مكة للأزرقى ٢: ١٦٢، وشفاء الغرام ٢:١٥١، والاستيعاب فى ترجمة الحارث ١:٣٠٢، وفى ترجمة عبد الله بن أبى ربيعة ٣:٨٩٦.
[ ١ / ٥١٥ ]
لى غسلا. فسكبت له غسلا فى جفنة لكأنى أنظر أثر العجين فيها، ثم سترت عليه بثوب فاغتسل ثم صلى فى ثوب واحد-لفّا بين طرفيه-ثمانى ركعات ما رأيته صلاّها قبلها ولا بعدها، فلما انصرف قلت: يا رسول الله إنى قد أجرت حموين لى، وإن ابن أمى عليا أراد قتلهما. فقال رسول الله ﷺ: ليس ذلك، قد أجرنا من أجرت وأمّنا من أمنت.
وقال النبى ﷺ لعائشة: إن قومك استقصروا فى بناء البيت، ولولا حداثة عهد قومك بالكفر أعدت فيه ما تركوه منه [فإن بدا لقومك أن يبنوه فهلم لأريك ما تركوا منه،] (^١) فأراها قريبا من سبعة (^٢) أذرع، وجعلت لها بابين موضوعين بالأرض؛ بابا شرقيا وبابا غربيا، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: لا. قال:
تعززا ألا يدخلها أحد إلا من أرادوا، فكانوا إذا كرهوا أن يدخلها الرجل يدعونه يرتقى حتى إذا كاد أن يدخل يدفعونه فيسقط (^٣).
وقالت: إن رسول الله ﷺ قال: ألم ترى إلى قومك حين بنوا البيت استقصروا عن قواعد إبراهيم!! فقالت: يا رسول الله ألا تردّها (^٤) على قواعده؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت.
_________________
(١) سقط فى الأصول والمثبت عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٠.
(٢) فى الأصول «تسع أذرع» والمثبت عن المرجع السابق.
(٣) فى الأصول «يدفعوه فسقط» والمثبت عن المرجع السابق ١:١٧١.
(٤) فى ت «قالت يا رسول الله ردها» وفى م «ألا ردها» والمثبت عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٧١.
[ ١ / ٥١٦ ]
وسرقت فاطمة المخزوميّة (^١)، فأمر بقطعها، فكلمه فيها أسامة بن زيد؛ فأنكر عليه ذلك (^٢).
وبعث رسول الله ﷺ سراياه خارج الحرم، وكانوا يغنمون ويروحون إليه.
واستقرض النبى ﷺ فى الفتح من ثلاثة نفر مائة وثلاثين ألف [درهم] (^٣)؛ من صفوان بن أميّة خمسين ألف درهم، ومن عبد الله بن أبى ربيعة أربعين ألف درهم، ومن حويطب بن عبد العزّى أربعين ألف درهم. فقسم ذلك بين أصحابه من أهل الضعف، فيقع للرجل الخمسون (^٤) الدرهم وأقل من ذلك وأكثر، وبعث منه إلى بنى جذيمة بطائفة.
ولما كان الغد من الفتح خطب النبىّ ﷺ-بعد الظهر- الناس؛ حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكّة حرّمها الله ﵎ ولم يحرمها الناس، فلا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد فيها شجرة، فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا له إنّ الله ﷿ أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لى فى ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب (^٥).
_________________
(١) هى فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية، وانظر الاستيعاب ٤:١٨٩١.
(٢) الإشارة إلى سيرة المصطفى وتاريخ من بعده من الخلفا لمغلطاى-مخطوط.
(٣) إضافة للتوضيح.
(٤) فى الأصول «الخمسين» وفى مغازى الواقدى ٢:٨٦٣، والإمتاع ١:٣٩٥ «فيصيب الرجل خمسين درهما».
(٥) الدرر ٢٣٤،٢٣٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٧٨، وشفاء الغرام ٢. ١٢٢، والخصائص ٢:٨٦، وشرح المواهب ٢:٣٢٧،٣٢٨.
[ ١ / ٥١٧ ]
ونادى منادى النبى ﷺ يوم الفتح بمكة: من كان يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر فلا يدع فى بيته صنما إلا كسّره أو حرّقه، وثمنه حرام. فجعل المسلمون يكسرون تلك الأصنام، وكان عكرمة بن أبى جهل-حين أسلم-لا يسمع بصنم فى بيت من بيوت قريش إلا مشى إليه حتى كسره.
وكان أبو تجراة يعملها فى الجاهلية ويطوف بها، فيشتريها أهل البلد فيزخرفون بها بيوتهم، ولم يكن فى قريش رجل بمكة إلا وفى بيته صنم إذا دخل يمسحه وإذا خرج يمسحه تبركا به (^١).
ولما أسلمت هند بنت عتبة جعلت تضرب صنما فى بيتها بالقدوم فلذة فلذة، وهى تقول: كنّا منك فى غرور (^٢).
ورأى الصحابة أيام الفتح عجوزا حبشية شمطاء تخمش وجهها، وتدعو بالويل، فقيل: يا رسول الله، رأينا عجوزا شمطاء حبشية تخمش وجهها وتدعو بالويل. فقال ﷺ:
تلك نائلة أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا (^٣).
وجاء حسان إلى النبى ﷺ-وهو فى المسجد-فقال:
يا رسول الله إيذن لى أن أقول؛ فإنى لا أقول إلا حقا. قال: قل.
_________________
(١) مغازى الواقدى ٢:٨٧٠،٨٧١، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٢٣، والإمتاع ١:٣٩٨.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) الخصائص ٢:٨٣ ويلاحظ أنه مر عند تكسير إساف ونائله ص ٥٠٦.
[ ١ / ٥١٨ ]
فانشأ يقول:
شهدتّ بإذن الله أنّ محمدا … رسول الذى فوق السموات من عل
فقال النبى ﷺ: وأنا أشهد. فقال حسان:-
وأنّ أبا يحيى ويحيى كليهما … له عمل فى دينه متقبّل
فقال النبى ﷺ: وأنا أشهد. فقال حسان:-
وأن الذى عاد اليهود ابن مريم … رسول أتى من عند ذى العرش مرسل
فقال النبى ﷺ: وأنا أشهد. فقال حسان:-
وأن أخا الأحقاف إذ يعذلونه … يجاهد فى ذات الإله ويعدل
فقال النبى ﷺ: وأنا أشهد. فقال حسان:-
وأن التى بالجزع من بطن نخلة … ومن دانها فلّ من الحق معزل
فقال النبى ﷺ: وأنا أشهد.
التى بالجزع هى العزّى (^١).
وبعث رسول الله ﷺ السرايا إلى الأصنام التى حول مكة، فكسّرت العزى وسواع ومناة وبوانة وذا كفين، وفى كل وجه، وأمرهم أن يغيروا على من لم يكن على الإسلام.
فخرج هشام بن العاص فى مائتين قبل يلملم.
وخالد بن سعد بن العاص فى ثلاثمائة قبل عرنة.
_________________
(١) وانظر ديوان حسان بن ثابت ص ٣٠٥.
[ ١ / ٥١٩ ]
وخالد بن الوليد فى ثلاثين فارسا من أصحابه-لخمس بقين من شهر رمضان إلى العزّى (^١) بنخلة، وكانت لقريش وجميع بنى كنانة، وكانت أعظم أصنامهم، فكان سدنتها-من بنى سليم-بنو شيبان.
فلما انتهى إليها هدمها لخمس ليال بقين من رمضان، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فقال: أهدمت؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: ارجع فاهدمها فإنك لم تهدمها. فرجع خالد وهو متغيظ، فلما انتهى [إليها] (^٢) جرّد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة شعرها قائمة عليهن كأنها تنوح عليهن، فجعل السادن يصيح بها. قال خالد-وأخذنى اقشعرار فى ظهرى-فجعل يصيح بها ويقول:
أعزّى شدّى شدّة لا تكذبى … أعزّى ألقى القناع وشمّرى
أعزّ إن لم تقتلى المرء خالدا … فبوئى بذنب عاجل وتنصّرى (^٣)
وأقبل خالد بن الوليد بالسيف إليها وهو يقول:
[يا عزّ] (^٤) كفرانك لا سبحانك … إنى رأيت الله قد أهانك
فضربها بالسيف فجزلها باثنين، ثم رجع إلى النبى ﷺ فأخبره، فقال: نعم تلك العزّى، وقد أيست أن تعبد ببلادكم أبدا.
ثم قال خالد: يا رسول الله، الحمد لله الذى أكرمنا وأنقذنا بك من
_________________
(١) العزى: هى ثلاث شجرات سمرات بنخلة. (أخبار مكة للأزرقى ١:١٢٦) ويقال صنم، ويقال نخلات أى سمرات مجتمعه وعليها بناء. (السيرة الحلبية ٣:٢٠٨)، وانظر الأصنام لابن الكلبى ص ١٨ - ٢٧.
(٢) إضافة عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٢٧.
(٣) وانظر الشعر فى الأصنام ٢٠٦ وهوامشها.
(٤) سقط فى الأصول والمثبت عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٢٨، والأصنام ٢٦، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٥٩٧.
[ ١ / ٥٢٠ ]
الهلكة (^١)، لقد كنت أرى أبى يأتى العزّى بخير ماله من الإبل والغنم فيذبحها للعزى، ثم يقيم عندها ثلاثا، ثم ينصرف إلينا مسرورا، ونظرت إلى مامات عليها أبى وإلى ذلك الرأى الذى كان يعاش فى فضله، وكيف خدع حتى صار يذبح لما لا يسمع ولا يبصر، ولا يضرّ ولا ينفع!! فقال رسول الله ﷺ: إن هذا الأمر إلى الله تعالى، فمن يسّره للهدى تيسّر له، ومن يسّره للضلالة كان فيها. وكان من سدنة العزّى أفلح بن النضر السلمى من بنى سليم، فلما حضرته الوفاة دخل عليه أبو لهب يعوده-وهو حزين-فقال [له] (^٢):
ما لى أراك حزينا؟ قال: أخاف أن تضيع العزّى من بعدى. قال له أبو لهب: فلا تحزن فأنا أقوم عليها بعدك. فجعل أبو لهب يقول لكل من لقى: إن تظهر العزّى [كنت] (^٢) قد اتخذت عندها يدا بقيامى عليها، وإن يظهر محمد على العزّى-وما أراه أن يظهر- فابن أخى، فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (^٣).
وبعث عمرو بن العاص فى شهر رمضان إلى سواع (^٤) -
_________________
(١) فى الأصول «الهلك» والمثبت عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٢٨.
(٢) إضافة عن المرجع السابق.
(٣) سورة المسد آية ١.
(٤) سواع: صنم سمى باسم سواع بن نوح ﵇ وكان على صورة امرأة. (السيرة الحلبية ٣:٢٠٩)، وفى شرح المواهب ٢:٣٤٨ قال ابن جرير سواع بن شيث ابن آدم لما مات صورت صورته وعظمت لموضعه من الدين ولما عهدوا فى دعائه من الإجابة.
[ ١ / ٥٢١ ]
برهاط: قرية جامعة على ثلاثة (^١) أميال من مكة-وهو صنم هذيل وكانوا يحجون إليه، فأتاه وعنده السادن فقال له: ما تريد؟ قال: أمرنى رسول الله ﷺ أن أهدمه. قال: لا تقدر على هدمه؛ إنك تمنع. فقال له: حتى الآن أنت على الباطل!! ويحك هل يسمع أو يبصر؟! ودنا منه فكسّره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئا، ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ فقال:
أسلمت لله ﷿ (^٢).
وسعد (^٣) بن زيد الأشهلى فى عشرين فارسا، فى شهر رمضان إلى مناة (^٤) بالمشلّل-ثنيّة مشرفة على قديد-وكانت للأوس والخزرج وغسّان، فانتهى إليها وعندها سادنها، فقال له:
ما تريد؟ قال: هدمها. فقال: أنت وذاك. فأقبل يمشى إليها،
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى الأصنام ٩،١٠ «برهاط من أرض ينبع، وينبع عرض من أعراض المدينة» وكذا قال ياقوت فى معجم البلدان ولكنه فى آخر خبر سواع قال: رهاط من بطن نخله. وفى مراصد الاطلاع رهاط موضع على ثلاث ليال من مكة، قرية على طريق المدينة بواد يقال له غران. وبأرض ينبع على ما قيل رهاط منها كان سواع صنم هذيل. وفى شرح المواهب ٢:٣٤٩ «رهاط قرية جامعة بساحل البحر على ثلاثة أميال من مكة.»
(٢) مغازى الواقدى ٢:٨٧٠، وعيون الأثر ٢:١٨٥، وتاريخ الخميس ٢: ٩٦،٩٧.
(٣) فى الأصول «سعيد» والمثبت عن المراجع السابقة وطبقات ابن سعد ٢: ١٤٦، والسيرة الحلبية ٣:٢٠٩، وشرح المواهب ٢:٣٤٩، والإمتاع ١:٣٩٨.
(٤) مناة: صنم فى جهة البحر مما يلى قديدا بالمشلل على سبعة أميال من المدينة، وقيل صخرة لهذيل بقديد. (معجم البلدان ياقوت)
[ ١ / ٥٢٢ ]
وخرجت إليه امرأة سوداء ثائرة الرأس عريانة تضرب صدرها وتدعو بالويل. فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك (^١)، فضربها سعد فقتلها، وأقبل ومعه أصحابه إلى الصّنم فهدموه، ولم يجدوا فى خزانتها شيئا وانصرف راجعا إلى رسول الله ﷺ لست بقين من رمضان.
وقدم على النبى ﷺ بعد الفتح وفد باهلة؛ مطرف بن الكاهن فأسلم وأخذ لقومه أمانا، ثم قدم نهشل بن مالك الوائلى من باهلة (^٢).
ووفد ثمالة: عبد الله بن علس الثّمالى فى جماعة من قومه فبايعوا وأسلموا (^٣).
ووفد الحدّان: مسلية بن هزّان الحدّانى فى عصابة من قومه فأسلموا وبايعوا (^٣).
وبعث النبى ﷺ خالد بن الوليد-بعد عوده من هدم العزّى-إلى بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بأسفل مكة على ليلة منها بناحية يلملم (^٤) ويعرف بيوم الغميصاء (^٥)، داعيا للإسلام لا مقاتلا، فى ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبنى سليم، فانتهى إليهم
_________________
(١) كذا فى الأصول، وعيون الأثر ٢:١٨٥، وشرح المواهب ٢:٣٤٩. وفى طبقات ابن سعد ٢:١٤٧، والخصائص ٢:٨٥ «غضباتك».
(٢) طبقات ابن سعد ١:٣٠٧.
(٣) طبقات ابن سعد ١:٣٥٣.
(٤) يلملم: واد جنوب غربى الطائف على ثلاثين كليو منها، وهو ميقات أهل اليمن، يصب فى البحر جنوب جدة على مرحلتين، وسيله يمر جنوب مكة على مائة كليو، وانظر معجم ما استعجم، ومعجم البلدان، ومراصد الاطلاع، ومعالم مكة للبلادى.
(٥) الغميصاء: موضع قرب مكة جنوبها يسكنه بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة. (المراجع السابقة).
[ ١ / ٥٢٣ ]
ودعاهم للإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا، فاستأسرهم ودفع إلى كل رجل من أصحابه أسيرا. ويقال إنه لما انتهى إليهم [قال: ما أنتم] (^١) قالوا: مسلمون قد صلّينا وصدّقنا بمحمد وبنينا المساجد فى ساحاتنا وأذّنّا فيها. فقال لهم: فما بال السلاح عليكم؟ فقالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة؛ فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح. فقال لهم: ضعوا السلاح. فوضعوه، فقال لهم: أستأسروا.
فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتّف (^٢) بعضا وفرّقهم فى أصحابه.
فلما كان بالسحر نادى خالد: من كان معه أسير فليذافه-وهى بالذال المعجمة والفاء: الإجهاز بالسيف-فقتلت بنو سليم من كان فى أيديهم، وامتنع من ذلك المهاجرون والأنصار فأرسلوهم.
فبلغ ذلك النبىّ ﷺ فبعث على بن أبى طالب بمال فودى به قتلاهم، وما ذهب لهم حتى ودى لهم ميلغة (^٣) الكلب، وبقيت معه بقيّة من المال فدفعها إليهم وقال: هذا احتياط لرسول الله ﷺ مما لا يعلم ولا تعلمون. ثم رجع إلى النبى ﷺ فأخبره فقال: أصبت وأحسنت، ثم قام فاستقبل القبلة وشهر يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه، فقال: اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد-ثلاث مرات.
_________________
(١) إضافة عن طبقات ابن سعد ٢:١٤٧، وعيون الأثر ٢:١٨٥، وتاريخ الخميس ٢:٩٧، وشرح المواهب ٣:٢.
(٢) فى الأصول «يكتف» والمثبت عن المراجع السابقة.
(٣) الميلغة: الإناء يلغ-يشرب-فيه الكلب. (السيرة الحلبية ٣:٢١٠، والمعجم الوسيط).
[ ١ / ٥٢٤ ]
ويقال: إن يوم فتح مكة قدم على النبى ﷺ-وهو بالأبطح-أخت حليمة معها أخت زوجها، فأهدت إليه جرابا فيه أقط ونحى سمن، فسأل أخت حليمة عن حليمة، فأخبرته بموتها، فذرفت عيناه، وسألها عمّن خلّفت (^١)، فأخبرته بخلّة وحاجة، فأمر لها بكسوة وجمل، وأعطاها مائتى درهم وافية، فانصرفت وهى تقول: نعم المكفول أنت صغيرا وكبيرا.
ويقال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة أتى جذم قبر فجلس إليه-والناس حوله-فجعل كهيئة المخاطب، ثم قام وهو يبكى، فاستقبله عمر-وكان من أجرإ الناس عليه-فقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، ما الذى أبكاك؟ قال: هذا قبر أمى سألت [ربى] (^٢) الزيارة فأذن لى، وسألته الاستغفار فلم يأذن لى، فذكرتها فرققت فبكيت. فلم ير كان أكثر باكيا من يومئذ. وهذا غلط؛/فليس قبرها بمكة وإنما قبرها بالأبواء. وإن صح أنها بمكة (^٣) فلعلها حملت من الأبواء إلى مكة فدفنت بها.
وأقام رسول الله ﷺ بمكة بضع عشرة ليلة-وقيل سبع عشرة
_________________
(١) وفى مغازى الواقدى ٢:٨٦٩ «وسألها: من بقى منهم؟ فقالت: أخواك وأختاك وهم والله محتاجون إلى برك وصلتك ولقد كان لهم موئل فذهب». وانظر الإمتاع ١:٣٩٧،٣٩٨.
(٢) إضافة عن تاريخ الخميس ١:٢٣٥.
(٣) وفى السيرة الحلبية ١:١٧٢،١٧٣ «وقيل دفنت فى دار رابغة بمكة. وقيل دفنت بالحجون بشعب أبى ذؤيب».
[ ١ / ٥٢٥ ]
وقيل خمس عشرة، وقيل ثمان عشرة، وقيل تسع عشرة، ويقال عشرين-وقيل غير ذلك يقصر الصلاة (^١).
وقيل للنبى ﷺ يوم الفتح: ألا تنزل منزلك من الشعب؟ قال: وهل ترك لنا عقيل منزلا؟! وكان عقيل قد باع منزل النبى ﷺ ومنازل إخوته من الرجال والنساء بمكة حين هاجروا، ومنزل كل مهاجر من بنى هاشم. فقيل يا رسول الله فانزل في بعض بيوت مكة فى غير منزلك. فأبى رسول الله ﷺ وقال: لا أدخل البيوت. فلم يزل مضطربا فى الحجون لم يدخل بيتا، وكان يأتى المسجد من الحجون لكل صلاة (^٢).
وفيها فى يوم السبت لست ليال خلون من شوال-وقيل للتلتين بقيتا من رمضان-كانت غزوة هوازن بحنين-واد فيه ماء قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا ينسب إلى حنين ابن قانية بن مهلائيل من جرهم-وذلك أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة بلغه أن أشراف هوازن وثقيف مشى بعضهم إلى بعض فجمعوا وحشدوا، ورئيسهم مالك بن عوف النصرى وهو يومئذ ابن ثلاثين عاما، واجتمعوا حتى نزلوا أوطاس-وأميرهم مالك-فجاءوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم، وخرجوا معهم بدريد بن الصّمّة شيخ كبير استصحبوه تيمّنا برأيه ومعرفته، والأمداد تأتيهم، وأجمعوا المسير
_________________
(١) الإمتاع ١:٣٩٨،٣٩٩، والسيرة الحلبية ٣:٥٨.
(٢) مغازى الواقدى ٢:٨٢٩، والإمتاع ١:٣٨١.
[ ١ / ٥٢٦ ]
إلى النبى ﷺ، فبعث النبىّ ﷺ عبد الله بن أبى حدرد ليأتيه بخبرهم فانطلق ودخل عسكرهم فطاف به وأقام فيهم يوما أو يومين، ثم أتى النبى ﷺ بما قد أجمعوا عليه من حربه-وقيل إنه بعثه حين نزل بحنين-فأجمع على المسير إليهم، وقيل له: إن عند صفوان بن أمّية أدراعا وسلاحا. فطلبها النبى ﷺ، فقال: أغصبا يا محمد؟! قال: لا بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك. قال/: ليس بهذا بأس. وأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، ويقال إن النبى ﷺ قال له: اكفنا حملها. ففعل (^١).
وأعان رسول الله ﷺ نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بثلاثة آلاف رمح، فقال له النبى ﷺ: كأنى أنظر إلى رماحكم يا أبا الحارث تقصف أصلاب المشركين (^٢).
وخرج النبى ﷺ فى أصحابه الذين شهدوا الفتح، واجتمع عليه من أهل مكة ألفان، فكانوا اثنى عشر ألفا من المسلمين، وخرج جماعة من المشركين من أهل مكة ركبانا ومشاة؛ حتى خرج النساء يمشين على غير دين ينظرون ويرجون الغنائم، فنزل النبىّ ﷺ بالمحصّب فيما بين مكة ومنى، وهو إلى مكة أقرب، وكان النبىّ ﷺ قال حين أراد حنّينا: منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر. واستعمل النبى ﷺ على أهل مكة معاذ
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٩١، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦١٣.
(٢) السيرة الحلبية ٣:٦٢،٦٣، وشرح المواهب ٣:٦،٧.
[ ١ / ٥٢٧ ]
ابن جبل الأنصارى يعلّم القرآن الناس ويفقههم فى الدين، والصحيح أنه إنما استعمل عتّاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس، ثم مضى يريد لقاء هوازن، فرأى نفر من جهال العرب-فيهم الحارث بن مالك-شجرة خضراء، ويقال سدرة تسمى ذات أنواط، تسايرهم من جانب الطريق، وكان المشركون يعظمونها، ويعلقون عليها أسلحتهم، ويجتمعون ويذبحون عندها فى يوم معلوم من السنة، بل ومن يمرّ عليها يريد الحج يضع رداءه عندها، ويدخل بغير رداء (^١) تعظيما لها، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبى ﷺ: الله أكبر؛ قلتم كما قال بنو إسرائيل قوم موسى ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (^٢) لتركبن سنن من كان قبلكم. وأطنبوا السير حتى كان عشيّة فحضرت صلاة الظهر عند النبى ﷺ، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إنى انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن-على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم-اجتمعوا إلى حنين. فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله تعالى. ثم قال ﷺ:
من يحرسنا الليلة؟ /قال أنس بن أبى مرثد الغنوى: أنا يا رسول الله. قال: فاركب. فركب فرسه وجاء إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: استقبل هذا الشعب حتى تكون فى أعلاه، ولا
_________________
(١) فى الأصول «زاده» والمثبت عن مغازى الواقدى ٣:٨٩١.
(٢) سورة الأعراف آية ١٣٨.
[ ١ / ٥٢٨ ]
نغرّن من قبلك الليلة. فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاّه (^١) فركع ركعتين، ثم قال: هل أحسستم فارسكم؟ قالوا:
يا رسول الله ما أحسسنا. فثّوب بالصلاة، فجعل رسول الله ﷺ يصلى وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلّم قال:
أبشروا فقد جاء فارسكم. فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر فى الشعب إذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ. فقال: إنى انطلقت حتى كنت فى أعلى هذا الشعب؛ حيث أمرنى رسول الله ﷺ، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدا. فقال له رسول الله ﷺ: هل نزلت الليلة؟ قال: لا، إلا مصلّيا أو قاضيا حاجة. فقال رسول الله ﷺ: قد أوجبت فلا عليك ألاّ تعمل بعدها.
وانتهى رسول الله ﷺ إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال، ويقال ليلة الاثنين خامس عشره.
وأرسل مالك بن عوف ثلاثة عيون يأتونه بخبر رسول الله ﷺ وأصحابه، فرأوا رجالا بيضا على خيل بلق، فلم يتماسكوا أن ولّوا- وقد تفرقت أوصالهم من الرعب-حتى أتوه فأخبروه الخبر، فلم يرده ذلك، ولما كان الليل عبّأ أصحابه وأمرهم بالحملة جميعا وأوعز إليهم فى ذلك، وكان جاء بالصبيان والنساء والإبل والغنم والنعم، فجعلوها صفين ليكثروا على رسول الله ﷺ.
_________________
(١) فى الأصول «إلى أن صلى» والمثبت عن السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦١٧، وشرح المواهب ٣:٩.
[ ١ / ٥٢٩ ]
وعبّأ رسول الله ﷺ أصحابه فى السّحر، وصفّهم صفوفا.
ووضع الألوية والرايات فى أهلها، مع المهاجرين لواء يحمله على بن أبى طالب، وراية يحملها سعد بن أبى وقّاص، وراية يحملها عمر بن الخطاب، ولواء الخزرج يحمله حباب بن المنذر-ويقال لواء الخزرج الآخر مع سعد بن عبادة-ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وفى كل بطن من الأوس والخزرج لواء أو راية يحملها رجل مسمّى، وكذلك قبائل العرب فيها الألوية والرايات يحملها قوم مسمون منهم.
وكان رسول الله ﷺ قد قدّم بنى سليم حين خرج من مكة، واستعمل عليهم خالد بن الوليد، فلم يزل على مقدمته حتى جاء الجعرانة، وانحدر رسول الله ﷺ فى وادى حنين على تعبئته، ولما تصافوا للقتال ظاهر ﷺ بين درعين ولبس مغفره وبيضته، وركب بغلة له شهباء-وقيل بيضاء-تدعى دلدل، أهداها له فروة بن نفاثة-أو ابن نعامة-الجذامى.
ورأى بعض الصحابة-ويقال إنه الصديق، ويقال سلمة بن سلامة ابن وقش-كثرة العساكر فقال: لن نغلب اليوم من قلّة، وفشا ذلك للنبى ﷺ، فأنزل الله ﷿ ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ (^١) وصبّحهم النبى ﷺ بالقتال، فاستقبلهم من هوازن فيء لم يروا مثله قطّ من السواد والكثرة، وخرجت الكتائب من مضيق الوادى وشعبه، فشدّ عليهم المشركون شدّة واحدة فانكشفت خيل بنى سليم مولية، وتبعهم أهل مكة والناس منهزمين،
_________________
(١) سورة التوبة آية ٢٥.
[ ١ / ٥٣٠ ]
فطفق النبى ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، والعباس آخذ بلجام بغلة النبى ﷺ يكفّها إرادة ألاّ تسرع، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بركاب رسول الله ﷺ [ورسول الله ﷺ] (^١) يقول: يا عباد الله أنا عبد الله ورسول الله. ثم قال: يا معشر أنصار الله وأنصار رسوله أنا عبد الله ورسوله، يا أيها الناس إنى أنا عبد الله ورسوله.
ورجع رسول الله ﷺ إلى العسكر، وثاب إليه من انهزم، ولم يثبت معه يومئذ غير عشرة؛ وفى ذلك يقول العباس بن عبد المطلب:-
نصرنا رسول الله فى الحرب تسعة … (^٢) وقد فر من قد فرعنه فأقشعوا (^٢)
وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه … لما مسّه فى الله لا يتوجع
ويقال (^٣) ثمانية وأبدل تسعة وعاشرنا بثامننا (^٣)، ويقال ثمانين، والذى نقل لنا وسمّى أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، والعباس بن عبد المطلب، وابنه الفضل وعلىّ، وعقيل ابنا أبى طالب، وأبو سفيان وربيعة ابنا الحارث بن عبد المطلب، وجعفر بن أبى سفيان، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، والزّبير بن العوام، وأسامة بن زيد، وأيمن بن أم أيمن بن عبيد-وقتل يومئذ-ويقال نوفل بين الحارث بن المطلب (^٤).
_________________
(١) إضافة يقتضيها السياق وأنظر السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٢٩، والإمتاع ١: ٤٠٦، وشرح المواهب ٣:١٤.
(٢) فى الأصول كلمات لا معنى لها ولا يستقيم بها الوزن والمثبت من شرح المواهب ٣:١٩.
(٣) كذا فى الأصول. وكان على المصنف أن يقول «وأبدل بتسعة، وعاشرنا سبعة، وثامنتا».
(٤) وانظر من كان مع النبى ﷺ ثابتا لم يفر وعددهم فى الإمتاع ١:٤٠٦ - ٤٠٨، وتاريخ الخميس ٢:١٠٢، والسيرة الحلبية ٣:٦٥، وشرح المواهب ٣:١٨،١٩.
[ ١ / ٥٣١ ]
وبقى من بقى مع النبى ﷺ لم يولوا الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، والنبى ﷺ على بغلته يمضى قدما، فحادت بغلته فمال عن السرج، فشدّ نحوه ابن مسعود وقال: ارتفع رفعك الله.
فقال النبى ﷺ لابن مسعود: ناولنى كفّا من تراب. فناوله، فضرب به وجوههم؛ فامتلأت أعينهم ترابا، وقال النبى ﷺ: أين المهاجرون والأنصار؟ فقال ابن مسعود: هم هنا: قال: اهتف بهم. فهتف بهم، فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها (^١) الشّهب.
ويقال إنه لما فلّ المسلمون أمر النبىّ ﷺ عمه العباس-وكان جهير الصوت صيّتا-فقال: أى عباس، ناد [يا] (^٢) أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة. فنادى: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب الشجرة (^٣)، يا أصحاب سورة البقرة (^٤)، يا معشر المهاجرين. فأقبلوا على النبى ﷺ كأنهم الإبل إذا حنّت على أولادها، أو قال: فرجعوا عطفة كعطفة البقر على أولادها (^٥)،
_________________
(١) فى الأصول «كأنهم الشهب» والمثبت عن الوفا بأحوال المصطفى ٢: ٧٠٣، وشرح المواهب ٣:١٥.
(٢) إضافة عن شرح المواهب ٣:١٢.
(٣) أى الذين بايعوه بيعة الرضوان تحت الشجرة. تاريخ الخميس ٢:١٠٣، والسيرة الحلبية ٣:٦٥.
(٤) وخص سورة البقرة بالذكر لأنها أول سورة نزلت فى المدينة، ولأن فيها ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ وفيها ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ وفيها ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ السيرة الحلبية ٣:٦٦، وشرح المواهب ٣:١٢.
(٥) وفى السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٢٧، وشرح المواهب ٣:١٢ «لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتى عطفة البقر على أولاده».
[ ١ / ٥٣٢ ]
يقولون: يا لبّيكاه. فاقتتلوا هم والكفار، وارتفعت الأصوات، (^١) والدعوة فى الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار. ثم قصرت الدعوة فى الأنصار يقولون يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بنى الحارث ابن الخزرج يقولون يا بنى الحارث بن الخزرج (^١). فنظر النبى ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله ﷺ: (^٢) هذا حين حمى الوطيس (^٢)، (^٣) قدما يا عباس (^٣)، ثم أخذ حصيات فرمى بهن [فى وجوه الكفار] (^٤) وكان العباس وأبو سفيان ابن الحارث آخذين بلجام بغلة النبى ﷺ يكفّانها عن الإسراع والتقدم إلى العدو، والنبى ﷺ يقول:-
أنا النبىّ لا كذب … أنا ابن عبد المطلب
_________________
(١) كذا فى الأصول، ويبدو أن فى العبارة تكرارا. وفى تاريخ الطبرى ٣:١٢٩ ومغازى الواقدى ٣:٨٩٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٢٥ «فاقتتلوا فكانت الدعوة أولا يا للأنصار، ثم جعلت أخيرا يا للخزرج. وكانوا صبرا عند الحرب. وعبارة ابن كثير فى ٣:٦٢٧ «والدعوة فى الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بنى الحارب بن الخزرج فقالوا: يا بنى الحارث بن الخزرج.»
(٢) كذا فى الأصول والوفا بأحوال المصطفى ٢:٧٠٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٢٨. وفى مغازى الواقدى ٣:٨٩٩، وتاريخ الطبرى ٣:١٢٩، وطبقات ابن سعد ٢:١٥١، وعيون الأثر ٢:١٩٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٢٥، وتاريخ الخميس ٢:١٠٣ «الآن حمى الوطيس» والوطيس حجارة توقد العرب تحتها النار يشوون عليها اللحم، وهو فى الأصل التنور-وقد أصبح مثلا يضرب لشدة الحرب. (السيرة الحلبية ٣:٦٦).
(٣) لم ترد هذه العبارة فى السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٢٧،٦٢٨ ولا فى أى من المراجع السابقة.
(٤) الإضافة عن السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٢٨.
[ ١ / ٥٣٣ ]
ويقال: إن على بن أبى طالب كان على فرس رسول الله ﷺ يضرب بسيفه ويرتجز ويقول:
هذا النبى لا كذب … هذا ابن عبد المطلب
ويقال: إن المسلمين لما لقوا هوازن وحملوا عليهم انهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم فاستقبلتهم هوازن بالسهام، فانهزم الناس (^١).
ويقال: إن المسلمين أقبلوا لا يعملون بخبر القوم الذين خبّئوا فاستقبلوا وادى حنين فى غيابة الصّبح، وهو واد أجوف من أودية تهامة، إنما ينحدرون فيه انحدارا، فإن الناس ليتتابعون لا يعلمون بشئ إذ فجأتهم الكتائب من كل ناحية فلم ينتظر الناس أن انهزموا راجعين، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين وقال: أين أيها الناس؟! أنا رسول الله-ﷺ-أنا محمد بن عبد الله. وكان أخو (^٢) صفوان بن أمية لأمه قال: ألا بطل السحر اليوم. وكان صفوان بن أمية يومئذ مشركا فى المدة التى ضرب له رسول الله ﷺ، فقال له صفوان بن أميّة: آسكت فضّ الله فاك:؛ لأن يلينى (^٣) رجل من قريش أحب إلى من أن يلينى (^٣) رجل من هوازن.
وكان أمام هوازن رجل ضخم على جمل أحمر فى يده راية
_________________
(١) شرح المواهب ٣:١٦.
(٢) هو كلدة بن حنبل. (سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٩٤، ومغازى الواقدى ٣:٩١٠ وتاريخ الطبرى ٣:١٢٨، وعيون الأثر ٢:١٩٠، والإمتاع ١:٤١٢.)
(٣) وفى المراجع السابقة «يربنى».
[ ١ / ٥٣٤ ]
سوداء (^١) إذا أدرك طعن بها، وإذا فاته شئ بين يديه رفعها لمن خلفه، فرصد له علىّ بن أبى طالب ورجل من الأنصار كلاهما يريده، فضرب علىّ عرقوب الجمل فوقع على عجزه، وضرب الأنصارى ساقه فطرح قدمه بنصف ساقه فوقع.
ويقال: إن النبى ﷺ نظر إلى رجل من هوازن على جمل صغير معه راية المشركين، لا يلحق رجلا إلا طعنه، فقال النبى ﷺ للعباس: يا عمّ إن يقتل صاحب الراية ينهزم القوم. ثم توجّه علىّ حتى استدار إلى عجز البعير، ثم قام قائما على الفرس فضربه بالسيف، ومرّ به وأخذ الراية.
واقتتل الناس قتالا شديدا فقال النبى ﷺ لبغلته:
البدى (^٢)، فوضعت بطنها على الأرض، فأخذ حفنة من تراب- ويقال إنه قال للعباس أو لابن مسعود: ناولنى حصباء من الأرض، أو كفّا من تراب، فناوله، ويقال: إن النبى ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب (^٣) فرمى بها فى وجوههم، وقال: شاهت الوجوه. ثم قال ﷺ: انهزموا وربّ محمد-أو قال وربّ
_________________
(١) وفى تاريخ الطبرى ٣:١٢٨، والاكتفا ٢:٣٢٧، وعيون الأثر ٢: ١٩٠، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦١٨، والسيرة الحلبية ٣:٦٩ «راية سوداء فى رأس رمح طويل وهوازن خلفه إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه».
(٢) فى الأصول «لبدى» والمثبت عن تاريخ الطبرى ٣:١٣٠، والسيرة الحلبية ٣:٦٨، وتاريخ الخميس ٢:١٠٤.
(٣) وانظر عيون الأثر ٢:١٩٢، وشرح المواهب ٣:١٣ - ١٥.
[ ١ / ٥٣٥ ]
الكعبة-فلم يبق منهم إنسان إلاّ امتلأت عيناه وفمه من ذلك التراب؛ فأنزل الله ﷿ ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ (^١)
وخرج النبى ﷺ فى إثرهم وهو على بغلته، فقذف الله فى قلوبهم الرعب، فانهزموا لا يلوى أحد منهم على الآخر، وتفرقوا فى كل وجه. وأمر النبىّ ﷺ بقتل من قدروا عليه منهم، فحنق (^٢) عليهم المسلمون واتبعوهم يقتلونهم حتى أفضوا فى القتل إلى الذّرّيّة. فبلغ ذلك النبى ﷺ فنهى عن ذلك، وقال من قتل كافرا فله سلبه. فقتلوا منهم اثنين وتسعين (^٣)؛ قتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ سلاحهم.
وضرب أبو قتادة رجلا على حبل العاتق وعليه درع [قال أبو قتادة] (^٤) فأعجلت عنه أن آخذها فانظر مع من هى. فقام رجل فقال: يا رسول الله أنا أخذتها فأرضه منها (^٥) وأعطنيها. فسكت رسول الله ﷺ-وكان لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو سكت-فقال عمر (^٦):
_________________
(١) سورة الأنفال آية ١٧. وانظر الدرر ص ٢٤٠، وتاريخ الخميس ٢:١٠٤.
(٢) فى الأصول «فحلق» والمثبت عن طبقات ابن سعد ٢:١٥١، والإمتاع ١: ٤٠٩، وشرح المواهب ٣:٢١.
(٣) وفى سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٩٩، وعيون الاثر ٢:١٩٢، وتاريخ الخميس ٢:١٠٤ «قتل منهم سبعون رجلا». وفى الإمتاع ١:٤١٠ «قتل منهم قرابة المائة».
(٤) إضافة يستقيم بها السياق-وفى سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٩٨، والسيرة الحلبية ٣:٩٢ «قال أبو قتادة: يا رسول الله لقد قتلت قتيلا ذا سلب واجهضنى عنه القتال فما أدرى من استلبه».
(٥) كذا فى الأصول. وفى مغازى الواقدى ٣:٩٠٨ «فأرضه منى». وفى سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٩٨، والسيرة الحلبية ٣:٧٢ «فأرضه عنى من سلبه».
(٦) وفى المراجع السابقة أن الذى اعترض على ترضيه أبى قتادة عن سلبه هو أبو بكر ﵁، والخبر هناك أطول مما هنا.
[ ١ / ٥٣٦ ]
لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها!! فضحك رسول الله ﷺ وقال: صدق عمر.
واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة (^١).
وممن ثبت مع النبى ﷺ [أمّ سليم] (^٢) وبيدها خنجر فقال لها أبو طلحة: ما تفعلين به؟ قالت: أبعج به من قرب منى من الكفار.
فتبسم رسول الله ﷺ-وقيل قالت: أردت أن أقتل به الطلقاء أن انهزموا عنك (^٣)، فقال رسول الله ﷺ: إن الله قد كفى وأحسن.
وكان خالد بن الوليد بن المغيرة جرح يومئذ، وكان على خيل رسول الله ﷺ، وبعد أن هزم الله الكفار ورجع المسلمون إلى رحالهم مشى النبى ﷺ فى المسلمين وهو يقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد (^٤)؟
فبينما هو كذلك إذ أتى برجل قد شرب خمرا، فقال النبى ﷺ: اضربوه فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا،
_________________
(١) وهم كما فى سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٠٦، ومغازى الواقدى ٣:٩٢٢ «أيمن ابن عبيد، وسراقة بن الحارث، ورقيم بن ثابت بن ثعلبة، وأبو عامر الأشعرى». وانظر الدرر ٢٤٢، وشرح المواهب ٣:٢٤.
(٢) إضافة يقتضيها السياق، وهى أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام ابن جندب الأنصارية. وهى أم أنس خادم رسول الله ﷺ، اشتهرت بكنيها واختلف فى إسمها فقيل سهلة وقيل رميلة، وقيل رميثة، وقيل مليكة، وقيل العميصاء أو الرميصاء. (الإصابة ٤:٤٦١)
(٣) فى الأصول «بك» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٨٩٦.
(٤) مغازى الواقدى ٣:٩٢٢، والسيرة الحلبية ٣:٧٤،٧٥ وفيها «حتى دل عليه فوجده قد أسند إلى مؤخرة رحله؛ لأنه قد أثقل بالجراحة فتفل النبى ﷺ فى جرحه فبرأ».
[ ١ / ٥٣٧ ]
ومنهم من ضربه بالمتيخة (^١) -يعنى الجريدة الرطبة-وأخذ النبى ﷺ ترابا من الأرض فرمى به فى وجهه (^٢).
وقال شيبة بن عثمان: ما رأيت أعجب مما كنّا فيه من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات، ثم يقول: لما كان عام الفتح ودخل رسول الله ﷺ عليه وسلم مكة عنوة، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرّة فأثأر منه فأكون أنا الذى قمت بثأر قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا، وكنت مرصدا لما خرجت له لا يزداد الأمر فى نفسى إلا قوة؛ فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله ﷺ عن بغلته، وأصلت السيف، وذكرت أبى وعمىّ وقتل على وحمزة إيّاهما، فقلت: اليوم أدرك ثأرى من محمد، فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة تكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله، ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت ابن عمه ولن يخذله، ثم جئته من خلفه فدنوت أريد
_________________
(١) وفى النهاية ٤:٢٩١،٢٩٢ «هذه اللفظة اختلف فى ضبطها، فقيل هى بكسر الميم وتشديد الياء، وبفتح الميم مع التشديد، وبكسر الميم وسكون التاء قبل الياء، وبكسر الميم وتقديم الياء الساكنة على التاء. قال الأزهرى: وهذه كلها أسماء لجرائد النخل وأصل العرجون. وقيل هى اسم للعصا. وقيل القضيب الدقيق اللين. وقيل كل ما ضرب به من جريد أو عصا أو درة، وغير ذلك».
(٢) وانظر مغازى الواقدى ٣:٩٢٢، والإمتاع ١:٤١٥.
[ ١ / ٥٣٨ ]
منه ورفعت سيفى، فلم يبق إلا أن أسوّره فرفع لى شواظ من نار بينى وبينه كالبرق كاد يمحشنى، فوضعت يدى على بصرى خوفا عليه ومشيت القهقرى، والتفت إلىّ رسول الله ﷺ فنادانى: يا شيب ادن منى، اللهم أذهب عنه الشيطان. فدنوت منه فمسح صدرى ثم قال: اللهم أعذه من الشيطان. فرفعت إليه-ﷺ-بصرى فو الله لهو كان ساعتئذ أحب إلىّ من سمعى وبصرى ونفسى، وأذهب الله ما كان فىّ، ثم قال: ادن فقاتل. فتقدمت أمامه أضرب بسيفى، الله يعلم أنى أحب أن أقيه بنفسى كل شئ، ولو لقيت تلك الساعة أبى-لو كان حيا-لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون، فكروا كرة رجل واحد، وقربت بغلة رسول الله ﷺ فاستوى عليها، فخرج فى أثرهم حتى تفرّقوا فى كل وجه، ورجع ﷺ إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه-ما دخل عليه غيرى-حبا لرؤية وجهه وسرورا به، فقال ﷺ يا شيب، الذى أراد الله بك خير مما أردت بنفسك. ثم حدثنى بكل ما أضمرت فى نفسى مما لم أكن أذكره لأحد قط، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم قلت: استغفر لى. فقال: غفر الله لك (^١).
ولما ولى الكفار مدبرين وقف مالك بن عوف النصرى فى أناس
_________________
(١) وانظر مغازى الواقدى ٣:٩٠٩،٩١٠، والاكتفا ٢:٣٢٨، وعيون الأثر ٢:١٩١ والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٣٢، والإمتاع ١:٤١١، والخصائص ٢: ٩٤، والسيرة الحلبية ٣:٧٠،٧١،٧٤.
[ ١ / ٥٣٩ ]
من أشراف قومه على [ثنية] (^١) من الثنايا حتى مضى ضعفاء أصحابه وتتامّ آخرهم، ثم هرب هو وأصحابه. فتحصنوا فى قصره بليّة، ويقال دخلوا حصن ثقيف بالطائف.
وأسلم من أهل مكة خلق حين رأوا نصر الله ﷿ لرسوله ﷺ وإعزازه دينه.
وتوجه بعض المنهزمين نحو الطائف، وبعضهم نحو نخلة، وبعضهم إلى أوطاس، فعسكر من بأوطاس. وأمر ﷺ بطلب العدو، فتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا، وبعث رسول الله ﷺ أبا عامر الأشعرى على جيش-فيهم سلمة بن الأكوع-فى أثر من توجّه قبل أوطاس، وقال: إن قدرتم على بجاد-رجل من بنى سعد بن بكر-فلا يفلتنكم؛ وكان قد أحدث حدثا (^٢).
فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة من ربيعة بن يربوع ابن سماك (^٣) بن عوف بن امرئ القيس السّلمى-وكان يدعى بابن الدّغنّة [وهى] (^٤) أمّه، ويقال ابن لذعة، فيما يقال-/دريد بن
_________________
(١) إضافة عن مغازى الواقدى ٣:٩١٦، وعيون الأثر ٢:١٩٣.
(٢) سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٠٥. وفى شرح المواهب ٣:٢٦ «وكان أحدث حدثا عظيما؛ أتاه مسلم فقطعه عضوا عضوا ثم أحرقه بالنار.»
(٣) كذا بالأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٠١ «ابن سماك عوف بن امرئ القيس».
(٤) إضافة عن المرجع السابق.
[ ١ / ٥٤٠ ]
الصّمة الجشمى من هوازن، فأخذ بخطام جمله-وهو فى شجار، وهو يظن أنه امرأة-فأناخ به فإذا هو شيخ كبير ولا يعرفه، فقال له دريد: من أنت، وما تريد؟ فقال: أنا ربيعة بن رفيع السلمى، أريد قتلك. ثم ضربه بسيفه فلم يصنع فيه شيئا، فقال له: بئس ما سلّحتك أمك، خذ سيفى من مؤخر الشّجار ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فكذلك كنت أقتل الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قد قتلت دريد بن الصّمّة، فربّ يوم قد منعت فيه نساءك. فضربه، فلما وقع تكشف فإذا عجانه وبطون فخذيه أبيض كالقرطاس من ركوب الخيل أعراء. فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا.
وقيل إنه أسر بحنين فأمر النبى ﷺ بقتله؛ لمشاهدته الحروب ورأيه فيها، وكان له يومئذ مائة وستون سنة-وقيل وعشرون-وهو فارس مشهور وشاعر مذكور. وهزم الله أصحاب دريد بن الصمة (^١).
ولقى أبو عامر [الأشعرى] (^٢) عشرة إخوة فحمل عليه أحدهم فدعاه أبو عامر إلى الإسلام، وحمل عليه وهو يقول: اللهم اشهد عليه. فقتله، ثم آخر، ثم جعلوا يحملون عليه رجلا رجلا، ويحمل عليهم ويدعوهم إلى الإسلام وهو يقول: اللهم اشهد عليه، حتى قتل تسعة وبقى العاشر، فحمل عليه ودعاه إلى الإسلام وقال: اللهم
_________________
(١) وانظر مغازى الواقدى ٣:٩١٤،٩١٥، وتاريخ الخميس ٢:١٠٧، والسيرة الحلبية ٣:٧٢.
(٢) إضافة للتوضيح عن الإصابة ٤:١٢٣، وهو عم أبى موسى الأشعرى واسمه عبيد بن سليم بن حصار.
[ ١ / ٥٤١ ]
اشهد عليه. فقال: اللهم لا تشهد علىّ. فكفّ عنه أبو عامر فأفلت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبى ﷺ يقول:
هذا شريد أبى عامر (^١).
ورمى أبا عامر رجلان أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث من بنى جشم بن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فأثبتاه، فحمل عليهما أبو موسى الأشعرى فقتلهما. وقيل رماه سلمة بن دريد (^٢).
قال أبو موسى الأشعرى: فانتهيت إلى أبى عامر فقلت:
يا عم من رماك؟ فرآه فأشار فقال: إن ذاك الذى رمانى. فقصدت إليه فاعتمدته فلحقته، فلما رآنى ولّى هاربا فاتبعته وجعلت أقول له:
ألا تستحى؟ ألست عربيّا؟ ألا تثبت؟! فكرّ فالتقيت أنا وهو فاختلفنا أنا وهو ضربتين، فضربته بالسيف فقتلته. ثم رجعت إلى أبى عامر فقلت: إن الله قد قتل صاحبك. قال: فانزع هذا السهم.
فنزعته فنزا منه الماء، فقال: يا ابن أخى، انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقرئه منى السلام، وقل له: يقول لك استغفر لى. واستعمل أبو عامر أبا موسى الأشعرى على الناس، ثم مكث يسيرا ومات.
وقاتلهم أبو موسى حتى فتح الله عليه. فلما رجع أبو موسى إلى النبى ﷺ دخل عليه وهو على سرير مرمّل عليه فراش-وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه-فأخبره بخبرهم وخبر
_________________
(١) وانظر سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٠٤.
(٢) سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٠٤، وتاريخ الطبرى ٣:١٣١، والاكتفا ٢: ٣٣٥، وعيون الأثر ٢:١٩٢، وتاريخ الخميس ٢:١٠٧.
[ ١ / ٥٤٢ ]
أبى عامر، وقال له: قال قل له يستغفر لى. فاستغفر له حتى رؤى بياض إبطيه. ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك-أومن الناس-فقال له أبو موسى: ولى يا رسول الله فاستغفر. فقال النبى ﷺ: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة الجنة (^١) مدخلا كريما (^١).
وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا وبجاد السّعدى الذى أمرهم النبى ﷺ إن وجدوه لا يقلتوه، وساقوه وأهله، وساقوا معه الشّيماء بنت الحارث بن عبد العزّى، أخت النبى ﷺ من الرضاعة، فعنفوا عليها فى السّياق، فقالت الشّيماء للمسلمين: تعلمون والله أنى لأخت صاحبكم من الرضاعة. فلم يصدّقوها، فأخذها طائفة من الأنصار حتى أتوا بها رسول الله ﷺ، فلما انتهى بها إلى رسول الله ﷺ قالت: يا محمد إنى أختك. قال: وما علامة ذلك؟ ولكن بك منى أثر لن يبلى. فكشفت عن ظهرها-ويقال عن عضدها-ثم قالت: نعم يا رسول الله، حملتك وأنت صغير فعضضتنى هذه/ العضة وأنا متوركتك بوادى السرر، ونحن يومئذ نرعى بهم أبيك وأبى وأمك وأمى، قد نازعتك الثدى، وتذكر يا رسول الله حلابى عنز أبيك «أطلال» (^٢) فعرف رسول الله ﷺ العلامة فوثب قائما فبسط لها
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٤٣ «وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما».
(٢) أطلال أوردها مغلطاى فى كتاب الإشارة إلى سيرة المصطفى لوحة ٤٣ ضمن غنم رسول الله ﷺ. وأوردها الطبرى فى تاريخه ٣:١٨٤ ضمن منائح رسول الله ﷺ السبع وكانت أعنزا.
[ ١ / ٥٤٣ ]
رداءه ثم قال: اجلسى ورحّب بها ودمعت عيناه، وسألها عن أمه وأبيه فأخبرته بموتهما فى الزمان، ثم قال: إن أحببت فأقيمى عندنا محبّة مكرمة، وإن أحببت أن ترجعى إلى قومك. فقالت: بل أرجع إلى قومى وأسلمت.
ويقال إن النبى ﷺ قال لها: سلى تعطى، واشفعى تشفّعى. وأعطاها رسول الله ﷺ ثلاثة أعبد وجارية أحدهم يقال له مكحول. فزوّجوه الجارية، فلم يزل من نسلهما بقية [(^١) ورجعت الشّيماء إلى منزلها، وكلمها النسوة فى بجاد، فرجعت إليه] (^١) فكلمته أن يهبه لها ويعفو عنه، ففعل ﷺ، ثم أمر لها ببعير-أو بعيرين-وسألها من بقى من أهلها، فأخبرته بأخيها وأختها، وبعمها أبى برقان، وأخبرته بقوم سألها عنهم، ثم قال لها: ارجعى إلى الجعرانة تكونين مع قومك فإنى أمضى إلى الطائف. فرجعت إلى الجعرانة، ووافاها رسول الله ﷺ بالجعرانة فأعطاها نعما وشاء لها ولمن بقى من قومها من أهل بيتها.
ويقال إن الذى قدم إلى النبى ﷺ فأكرمه وبسط له رداءه أمّه حليمة (^٢).
ويقال أن أب النبىّ ﷺ من الرضاعة قدم عليه فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمّه فوضع لها شقّ ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم جاء أخوه من الرضاعة فقام فأجلسه بين يديه (^٣).
_________________
(١) سقط فى الأصول والمثبت عن مغازى الواقدى ٣:٩١٤.
(٢) السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٩٠، وتاريخ الخميس ٢:١٠٩.
(٣) السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٩٠.
[ ١ / ٥٤٤ ]
وأمر ﷺ بالسبايا والغنائم فجمع ذلك كله، وحدره ﷺ إلى الجعرانة، وجعل على ذلك بديل بن ورقاء الخزاعى، وقيل مسعود ابن عمرو الغفارى، فوقف بها إلى أن انصرف ﵊ من الطائف وهم فى حظائر لهم يستظلون بها من الشمس، وملئت عرش مكّة منهم. وكان السبى ستة آلاف رأس (^١)، والإبل [أربعة و] (^٢) عشرين ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة.
ثم خرج النبى ﷺ (^٣) إلى الطائف (^٣) -فى شوال-من حنين يريد الطائف.
وبعث الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ إلى ذى الكفّين صنم عمرو ابن حممة-وكان من خشب، وكان له بين العرب ثلاثمائة (^٤) سنة- ليهدمه، وأمر أن يستمد (^٥) قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعا حتى
_________________
(١) أى من الذرارى والنساء. (سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٦٧، وتاريخ الخميس ٢:١١٢، وشرح المواهب ٣:٣٦)
(٢) الإضافة عن المراجع السابقة، ومغازى الواقدى ٣:٩٤٣، وعيون الأثر ٢:١٩٣، والإمتاع ١:٤٢٣.
(٣) كذا فى الأصول والكلمتان زائدتان لا تحتاجهما العبارة.
(٤) وفى شرح المواهب ٣:٢٧ «وذو الكفين صنم من خشب كان لعمرو بن حممة، كان حاكما على دوس ثلاثمائة سنة فيما ذكر ابن الكلبى».
(٥) فى الأصول «يشهد». والمثبت عن مغازى الواقدى ٣:٩٢٣، وطبقات ابن سعد ٢:١٥٧، وعيون الأثر ٢:٢٥٠، والإمتاع ١:٤١٥، وتاريخ الخميس ٢: ١٠٩.
[ ١ / ٥٤٥ ]
مر بقومه فاجتمع معه أربعمائة فهدم ذا الكفين، وجعل يحشو النار فى وجهه ويحرقه ويقول:
يا ذا الكفّين لست من عبّادكا … ميلادنا أقدم من ميلادكا
إنى حشوت (^١) النار فى فؤادكا
وسار النبى ﷺ وجعل خالد بن الوليد على مقدمته، فسلك على نخلة اليمانية (^٢)، ومرّ فى طريقه بقبر فقال: هذا قبر أبى رغال، وهو أبو ثقيف وكان من قوم ثمود، فلما أهلك الله قومه بما أهلكهم به منعه بمكان من الحرم، فلما خرج أصابته النقمة التى أصابت قومه بهذا المكان، فمات فدفن به، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن نبشتم عنه أصبتموه. فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن (^٣). ثم مرّ على قرن (^٤)، ثم على المليح (^٥)، ثم على بحرة الرّغاء (^٦) من ليّة، فابتنى فيها مسجدا وصلّى فيه، وأمر بحصن
_________________
(١) فى الأصول «حشيث» والتصويب عن الأصنام ٣٧، وشرح المواهب ٣: ٢٨.
(٢) نخلة اليمانية: واد يصب فيه يدعان، ويقال يصب فيه جميع مياه هداة الطائف عن طريق تضاع والشرقة والكفؤ، وبنخلة هذه عينا الزيمة وسولا، وهما عينان جاريتان، ويسلكها طريق الطائف من مكة. (معجم البلدان لياقوت، ومعالم مكة التاريخية للبلادى)
(٣) السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٥٥، والخصائص ٢:٩٩، وشرح المواهب ٣:٢٩.
(٤) قرن: يطلق على جزء من وادى الغدير بين المحرمين محرم طريق كرا ومحرم السيل الكبير. (معالم مكة التاريخية للبلادى.)
(٥) المليح: أحد وديان الطائف (معجم البلدان لياقوت. ومراصد الاطلاع)
(٦) بحرة الرغاء: موضع فى لية من ديار بنى نصر. (معجم ما استعجم)
[ ١ / ٥٤٦ ]
مالك بن عوف فهدم، ثم سلك على الضّيّقة وسأل عن اسمها، فقيل:
الضّيّقة. فقال: بل هى اليسرى، ثم خرج [على نخب] (^١) حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة بالقرب من أطم رجل من ثقيف تمنّع فيه بماله، فأمر رسول الله ﷺ بهدمه، ثم سلك على تحت واد وراء الطائف حتى نزل بوادى العقيق قرب الطائف؛ وعسكر هناك، فتحصّنت ثقيف فى حصنهم حين انصرفوا من أوطاس، ولم يكن له نظير فى حصون العرب، وكانوا رمّوه وأدخلوا فيه ما يكفيهم لسنة، فدخلوه وأغلقوه عليهم، وتهيئوا للقتال وهم يقولون: هذا قبر أبى رغال فينا، والله لا نسلم ما حيينا. فحاصرهم المسلمون، فرموهم بالنبل رميا شديدا كأنه رجل جراد (^٢) حتى أصيب من المسلمين رجال بجراحة، واستشهد منهم اثنا عشر رجلا، منهم: سعيد بن سعيد (^٣) بن العاص، وعبد الله بن أبى أمية، ورمى عبد الله بن أبى بكر الصديق يومئذ فجرح، واندمل جرحه ثم انتقض بعد ذلك، فمات منه فى خلافة أبيه (^٤).
_________________
(١) إضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٠، ومغازى الواقدى ٣:٩٢٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٥٥. وهو واد من وراء الطائف وقيل واد بالسراة، وقيل بينه وبين الطائف ساعة. وانظر مراصد الاطلاع. وضبطه البكرى فى معجمه بالفتح ثم السكون، وضبطه ياقوت بالفتح ثم الكسر.
(٢) يعنى أن السهام لكثرتها صارت كجماعة الجراد المنتشر. (شرح المواهب ٣:٣٠)
(٣) فى الأصول «ابن زيد» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٤؛ والدرر ٢٤٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٦٣، وشرح المواهب ٣:٣٠.
(٤) سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٤، ومغازى الواقدى ٣:٩٣٠،٩٣١، وطبقات ابن سعد ٢:١٥٨، والدرر ٢٤٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٦٣، وشرح المواهب ٣:٣٠، وبقية الاثنى عشر شهيدا مذكورة بهذه المراجع.
[ ١ / ٥٤٧ ]
فارتفع النبى ﷺ من ذلك المنزل إلى موضع مسجد الطائف اليوم، فعسكر النبى ﷺ هناك، وكان به سارية-فيما يزعمون- لا تطلع عليها الشمس يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض (^١).
وكان مع النبى ﷺ من نسائه أم سلمة وزينب فضرب لهما فبّتين، فكان يصلى بينهما حصار الطائف كله، فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، ويقال عشرين يوما، وقيل ثمانية عشر، ويقال خمسة عشر، وقيل بضعة عشر؛ وهو الأصح (^٢).
ووافى النبى ﷺ الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ فى قومه بعد مقدمه بأربع ليال بدبّابة ومنجنيق، فنصبه عليهم ورماهم به؛ فإنه لأول منجنيق رمى به فى الإسلام، ونثر الحسك (^٣) شقتين من عيدان حول الحصن، ودخل نفر من أصحاب النبى ﷺ تحت دبّابة ثم زحفوا نحو الحصن ليخرقوه، فصبّ عليهم أهل الطائف سكك الحديد المحماة بالنار، فخرجوا من تحتها فرموهم بالنبل، فأصابوا منهم جماعة (^٤). وقاتل فيها رسول الله ﷺ بنفسه، وقال: من بلغ
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٠، ومغازى الواقدى ٣:٩٢٧، وتاريخ الطبرى ٣:١٣٣، والإمتاع ١:٤١٧، وشرح المواهب ٣:٣١.
(٢) وانظر مغازى الواقدى ٣:٩٢٧، والإمتاع ١:٤١٧، وشرح المواهب ٣: ٣١.
(٣) الحسك: ثمر نبات مدحرج له شوك يعلق بصوف الغنم، ويعمل على مثاله أداة للحرب من حديد أو قصب فيلقى حول العسكر ويسمى باسمه. (القاموس المحيط) وفى طبقات ابن سعد ٢:١٥٨ «ونثر الحسك سبقين».
(٤) مغازى الواقدى ٣:٩٢٧، والإمتاع ١:٤١٦.
[ ١ / ٥٤٨ ]
سهمه فله درجة فى الجنة، ومن رمى بسهم فى سبيل الله فهو عدل محرّر (^١).
وأمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم وتحريقها، فسارع المسلمون فى قطعها، فناشدوه الله والرحم أن يدعها، فتركها (^٢).
ونادى منادى رسول الله ﷺ: أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حرّ. فخرج منهم ثلاثة وعشرون-ويقال بضعة عشر-فيهم نفيع بن الحارث فى بكرة فقيل له أبو بكرة، فأعتقهم النبى ﷺ، ودفع كل واحد منهم إلى آخر من المسلمين يمونه، فشقّ ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة (^٣).
ولم يؤذن للنبى ﷺ فى فتحها، واستشار نوفل بن معاوية الديلى، فقال: ما ترى؟ قال: ثعلب فى جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك (^٤). فأمر عمر بن الخطاب فأذّن فى الناس بالرحيل، فضجّوا من ذلك وقالوا: نرحل قبل فتحها؟! فقال النبى ﷺ: اغدوا على القتال. فغدوا فأصابهم جراحات، فقال النبى ﷺ: إنّا قافلون غدا إن شاء الله تعالى. فسرّ المسلمون بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحّلون ورسول الله ﷺ يضحك، وقال لهم: قولوا لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز
_________________
(١) السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٥٩،٦٦٠.
(٢) مغازى الواقدى ٣:٩٣١، وطبقات ابن سعد ٢:١٥٨، وتاريخ الطبرى ٣:١٣٣، وشرح المواهب ٣:٣١.
(٣) وانظر أسماء بعضهم فى مغازى الواقدى ٣:٩٣١،٩٣٢، والروض الأنف ٤:١٦٤، وشرح المواهب ٣:٣٢.
(٤) مغازى الواقدى ٣:٩٣٧، وطبقات ابن سعد ٢:١٥٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٦٢.
[ ١ / ٥٤٩ ]
جنده، وهزم الأحزاب وحده. فلما ارتحلوا واستقلوا قال النبى ﷺ:
قولوا آيبؤن تائبون عابدون لربنا حامدون. وقيل يا رسول الله ادع على ثقيف. فقال ﷺ: اللهم اهد ثقيفا وأت بهم (^١).
وانصرف النبى ﷺ عن الطائف، فأخذ على دحنا (^٢) وقال: إن الله خلق منها آدم، ومسح ظهره بنعمان الأراك (^٣) - ويقال بالسحاب-جبل قرب عرفة (^٤)، حتى انتهى النبى ﷺ إلى الجعرانة لخمس ليال خلون من ذى القعدة، فقسم بها غنائم حنين، وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس؛ فأعطى أبا سفيان بن حرب وابنيه يزيد ومعاوية كلّ واحد أربعين أوقية، ومائة من الإبل، وحكيم بن حزام مائة ثم مائة (^٥)، والنّضير (^٦) بن الحارث بن كلدة، والحارث بن
_________________
(١) مغازى الواقدى ٣:٩٣٧، وطبقات ابن سعد ٢:١٥٩، وعيون الأثر ٢: ٢٠١،٢٠٢، والإمتاع ١:٤٢٠، وشرح المواهب ٣:٣٤.
(٢) دحنا: من مخاليف الطائف. (مراصد الاطلاع)
(٣) وانظر حديث مسح ظهر آدم بنعمان الأراك فى الروض الأنف ٤:١٦٥.
(٤) هذا تعريف بنعمان الأراك وانظر فيه معجم البلدان لياقوت.
(٥) أى بعد ما سأله مائة أخرى. (عيون الأثر ٢:١٩٣، وتاريخ الخميس ٢: ١١٤، وشرح المواهب ٣:٣٧. وفى مغازى الواقدى ٣:٩٤٥ من حديث حكيم بن حزام قال، سألت رسول الله ﷺ بحنين مائة من الإبل فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها. ثم قال رسول الله ﷺ: يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذى يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من السفلى وابدأ بمن تعول. قال: فكان حكيم يقول: والذى بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا. فكان عمر بن الخطاب ﵁ يدعوه إلى عطائه فيأبى يأخذه، فيقول عمر: أيها الناس إنى اشهدكم على حكيم أنى ادعوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذه. قال حدثنا ابن أبى الزناد قال: أخذ حكيم المائة الأولى ثم ترك. وانظر الإمتاع ٤:٤٢٣،٤٢٤.
(٦) فى الأصول «النضر» والمثبت عن مغازى الواقدى ٣:٩٤٥، وتاريخ الطبرى ٣:١٣٦، وعيون الأثر ٢:١٩٣، والإمتاع ١:٤٢٤.
[ ١ / ٥٥٠ ]
هشام، وصفوان بن أمية، وقيس بن عدى، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزّى، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف، وأسيد بن جارية الثقفى كل واحد مائة من الإبل؛ وأعطى العلاء بن جارية الثقفى، ومخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع، وعثمان بن وهب، وهشام بن عمرو العامرى كل واحد خمسين بعيرا؛ والعباس بن مرداس أربعين من الإبل-أو أباعر-سخطها فأنشد شعرا يعاتب رسول الله ﷺ فقال:
كانت نهابا تلافيتها … بكرّى على المهر فى الأجرع
وإيقاظى القوم أن يرقدوا … إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبى ونهب العبي … د بين عينيه والأقرع
وقد كنت فى الحرب ذا تدرإ … فلم أعط شيئا ولم أمنع
ولكن أفائل أعطيتها … عديد قوائمها (^١) الأربع
وما كان حصن ولا حابس … يفوقان شيخى فى المجمع
وما كنت دون امرئ منهما … ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال رسول الله ﷺ: اذهبوا به فاقطعوا عنى لسانه، فأعطوه حتى رضى. فكان ذلك قطع لسانه الذى أمر به رسول الله ﷺ./
_________________
(١) فى الأصول، والكامل لابن الأثير ٢:١١٣، والاكتفا ٢:٣٦٠ «قوائمه» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٣٠، ومغازى الواقدى ٣:٩٤٧، وتاريخ الطبرى ٣:١٣٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٨٠،٦٨١.
[ ١ / ٥٥١ ]
ويقال إن النبى ﷺ أتمها له مائة، ويقال خمسين كل ذلك من الخمس.
فلما أعطاهم ذلك وجدت الأنصار فى أنفسها حتى قال قائلهم: لقى والله رسول الله ﷺ قومه. فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن هذا الحىّ من الأنصار قد وجدوا عليك فى أنفسهم. فقال: فيم يا سعد؟ فقال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم فى قومك وفى سائر العرب، ولم يكن [فى هذا الحىّ من الأنصار] (^١) من ذلك شئ. فقال رسول الله ﷺ: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال: ما أنا إلا امرؤ من قومى. فقال رسول الله ﷺ: فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة، فإذا اجتمعوا فيها فأعلمنى. فخرج سعد فصرخ عليهم فجمعهم فى تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فأذن لهم فدخلوا، وجاء رجال آخرون فمنعوا. حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع إليه أتاه فقال:
يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحيّ من الأنصار حيث أمرتنى أن أجمعهم. فخرج رسول الله ﷺ فقام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلاّلا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. ثم قال رسول الله ﷺ: ألا تجيبونى يا معشر الأنصار؟ فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟ وماذا نجيبك؟ المنّ لله ﷿
_________________
(١) إضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٣٥، وتاريخ الطبرى ٣:١٣٨، وعيون الأثر ٢:١٩٤، والاكتفا ٢:٣٦٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٧٨، والسيرة الحلبية ٣:٩٠.
[ ١ / ٥٥٢ ]
ولرسوله ﷺ. فقال: أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتم؛ جئتنا طريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك، وخائفا فأمّنّاك، ومخذولا فنصرناك. فقالوا: المنّ لله ولرسوله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ:
وجدتم فى أنفسكم يا معشر الأنصار فى لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام!! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبوا برسول الله ﷺ إلى رحالكم، فو الذى نفس محمد بيده لو سلك الناس واديا وشعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت [امرأ] (^١) من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله [ربّا] (^١) ورسوله قسما/ وحظا. ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا (^٢).
وقدم على النبى ﷺ بالجعرانة أربعة عشر رجلا من وفد هوازن، ورأسهم أبو جرول (^٣) زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عمّ
_________________
(١) الإضافة عن السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٧٩.
(٢) وفى المرجع السابق قال ابن كثير: «هكذا رواه الإمام أحمد من حديث ابن إسحاق، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه، وهو صحيح.
(٣) كذا فى الأصول. وفى الروض الأنف ٤:١٦٦ «يكنى أبا جرول وقيل أبا صرد، وفى الإصابة ١:٥٥٣ يكنى أبا جرول وأبا صرد. وفى سيرة النبى لابن هشام ٤: ٩٢٥، ومغازى الواقدى ٣:٩٥٠، وتاريخ الطبرى ٣:١٣٤، والاكتفا ٢:٣٥٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٦٧، والإمتاع ١:٤٢٧ «أبو صرد».
[ ١ / ٥٥٣ ]
النبى ﷺ من الرضاعة-وقد أسلموا-فقالوا: يا رسول الله إنّا (^١) أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منّ الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: إنما فى الحظائر-من السبايا-خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، فلو أننا ملحنا للحارث بن أبى شمر (^٢) والنعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذى أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما؛ وأنت خير المكفولين. ثم أنشده:-
امنن علينا رسول الله فى كرم … فإنك المرء نرجوه وننتظر
امنن على بيضة قد عاقها قدر … مفرّق شملها فى دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتّافا على حزن … على قلوبهم الغمّاء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها … يا أرجح الناس حلما حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها … إذ فوك تملؤه من محضها الدّرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتى وما تذر
يا خير من مرحت كمت الجياد به … عند الهياج إذا ما استوقد الشّرر
_________________
(١) فى الأصول «لنا» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٦٧، والاكتفا ٢:٣٥٤، والإمتاع ١:٤٢٧. وفى مغازى الواقدى ٣:٩٥٠ «إنا أهلك» وفى تاريخ الطبرى ٣:١٣٤، والكامل ٢:١١٢، وتاريخ الخميس ٢:١١٢، والسيرة الحلبية ٣:٩٤ «انا أصل وعشيرة».
(٢) كذا ضبطها محقق السيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٦٧، والإمتاع ١: ٤٢٧. وضبطت فى سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٥، ومغازى الواقدى ٣:٩٥٠، وتاريخ الطبرى ٣:١٣٤، والاكتفا ٢:٣٥٤ «بكسر الشين وسكون الميم» وهو ملك الشام والنعمان بن المنذر ملك العراق. السيرة الحلبية ٣:٩٤.
[ ١ / ٥٥٤ ]
لا تجعلنّا كمن شالت نعامته … واستبق منّا فإنّا معشر زهر
إنا نؤمّل عفوا منك تلبسه … هذى البريّة إذ تعفو وتنتصر
إنّا لنشكر للنّعماء إذ كفرت … وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه … من أمّهاتك إنّ العفو مشتهر
واعف عفا الله عمّا أنت راهبه … يوم القيامة إذ أضحى لك الظّفر (^١)
ويقال بينما النبى ﷺ يقسم الغنائم بالجعرانه وثب أبو جرول زهير بن صرد-وكان فى السّبي-حتى قعد بين يدي رسول الله ﷺ يذكره حيث شبّ ونشأ فى هوازن، وحيث أرضعوه، وأنشأ يقول: … فقال رسول الله ﷺ: نساؤكم وأبناؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله ﷺ خيّرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا، أبناؤنا ونساؤنا أحبّ إلينا. فقال رسول الله ﷺ: أمّا ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صلّيت بالناس فقوموا وقولوا إنّا نتشفع برسول الله ﷺ [إلى المسلمين] (^٢) وبالمسلمين إلى رسول الله فى أبنائنا ونسائنا، فسأعينكم (^٣) عند ذلك وأسأل لكم. فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر قاموا فقالوا ما
_________________
(١) وانظر الروض الأنف ٤:١٦٦، والاكتفا ٢:٣٥٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٦٧،٦٦٨، والإمتاع ١:٤٢٧،٤٢٨ مع اختلاف فى بعض الألفاظ وتقديم وتأخير.
(٢) سقط فى الأصول، والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٦، ومغازى الواقدى ٣:٩٥١، وتاريخ الطبرى ٣:١٣٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٦٨.
(٣) كذا فى الأصول، وفى المراجع السابقة «فسأعطيكم».
[ ١ / ٥٥٥ ]
أمرهم به رسول الله ﷺ، فقال [رسول الله ﷺ] (^١): أمّا ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لله ولكم. وقالت قريش: وما كان لنا فهو لله ولرسوله ﷺ. وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لله ولرسوله. فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ.
[فقال عباس بن مرداس لبنى سليم: وهّنتمونى.] (^٢) وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا. فقال رسول الله ﷺ: إن هؤلاء قد جاءوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بهم [فخيّرتهم بين النساء والأبناء والأموال] (^٣) فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده منهن شئ فطابت به نفسه [أن يردّه] (^٣) فسبيل ذلك، ومن أبى ذلك فليردّ عليهم وليكن ذلك قرضا علينا بستّ فرائض من أول ما يفئ الله علينا.
قالوا: رضينا وسلّمنا. فردّوا عليهم، سوى عيينة بن حصن فإنه أبى أن يردّ عجوزا صارت فى يده منهم، ثم ردّها بعد ذلك.
وكان النبى ﷺ قد كسا السّبى قبطيّة؛ أمر رجلا (^٤) أن يأتى مكة فيشترى لهم ثياب المعقد (^٥) فلا يخرج الحرّ منهم إلا كاسيا (^٦).
_________________
(١) سقط فى الأصول والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٦، ومغازى الواقدى ٣:٩٥١.
(٢) إضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٦، ومغازى الواقدى ٣:٩٥٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٦٨.
(٣) إضافة عن مغازى الواقدى ٣:٩٥٢، والامتاع ١:٤٢٩.
(٤) هو بسر بن سفيان الخزاعى كما فى مغازى الواقدى ٣:٩٤٩.
(٥) المعقد: نوع من برود هجر. (النهاية فى غريب الحديث).
(٦) السيرة الحلبية ٣:٩٧، وفيها «يشترى له ثياب المتعة».
[ ١ / ٥٥٦ ]
وقال: احبسوا أهل مالك بن عوف بمكة عند عمّتهم أم عبد الله بن أبى أميّة. فقال الوفد: يا رسول الله أولئك ساداتنا وأحبّتنا. فقال رسول الله ﷺ: إنما أريد بهم الخير (^١).
ثم ركب رسول الله ﷺ واتّبعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقسم علينا فيئنا. حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه، فقال رسول الله ﷺ: يا أيها الناس ردّوا علىّ ردائى، فو الذى نفسى بيده/ لو كان لكم عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتمونى بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا (^٢).
ثم قام رسول الله ﷺ إلى جنب بعير وأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه وقال: أيها الناس والله مالى من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة. فجاء رجل من الأنصار بكبّة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذه لأخيط بها برذعة بعير لى دبر. فقال رسول الله ﷺ: أما حقى منها فلك. فقال الرجل: أما إذا بلغ الأمر هذا فلا حاجة لى بها.
فرمى بها من يده (^٣).
_________________
(١) السيرة الحلبية ٣:٩٧، وانظر الإمتاع ١:٤٣٠.
(٢) سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٦٩.
(٣) سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٩، ومغازى الواقدى ٣:٩٤٣؛ والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٦٩.
[ ١ / ٥٥٧ ]
ثم أمر النبى ﷺ زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم فقسم عليهم، وكان للرجل أربع من الإبل وأربعون شاة، وللفارس اثنتا عشرة من الإبل ومائة وعشرون شاة.
وكان النبى ﷺ سأل وفد هوازن عن مالك بن عوف وما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف. فقال النبى ﷺ: أخبروا مالكا أنه إن أتانى مسلما رددت إليه أهله، وأعطيته مائة من الإبل.
فبلغ ذلك مالكا، وخاف من ثقيف على نفسه أن يعلموا أن رسول الله ﷺ قال له ما قال فيحبسوه، فأمر براحلة له فهيّئت، وأمر بفرس له فأتى به الطائف، فخرج ليلا فجلس على فرسه فركضه حتى أتى راحلته حيث أمر بها (^١)، فجلس عليها ثم لحق برسول الله ﷺ، فأدركه بالجعرانة-أو بمكة-فردّ عليه أهله وماله، وأعطاه مائة من الإبل كما سبق فى إعطائه المؤلفة قلوبهم، فأسلم فحسن إسلامه. وقال مالك بن عوف حين أتى رسول الله ﷺ:-
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله … فى الناس كلّهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى … وإذا تشأ يخبرك عمّا فى غد
وإذا الكتيبة عرّدت أنيابها … أمّ العدى فيها بكلّ مهنّد
فكأنه ليث لدى أشباله … وسط الهباءة خادر فى مرصد (^٢) /
_________________
(١) وفى مغازى الواقدى ٣:٩٥٥ «أنه أمر براحلته فقدمت حتى وضعت بدحنا».
(٢) سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٨، ومغازى الواقدى ٣:٩٥٦، والاكتفا ٢:٣٥٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٨٣ مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
[ ١ / ٥٥٨ ]
ثم استعمله رسول الله ﷺ على قومه وتلك القبائل من ثمالة وسلمة وفهم، وكان يقاتل بهم ثقيفا، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه، حتى ضيّق عليهم، فقال فى ذلك أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفى:-
هابت الأعداء جانبنا … ثم يغزونا بنو سلمة
وأتانا مالك بهم … ناقضا للعهد والحرمة
وأتونا فى منازلنا … ولقد كنا أولى نقمة (^١)
وأقام رسول الله ﷺ بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة، وأحرم منها هو وبعض أصحابه فى ليلة الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة، ثم خرجوا ليلا حتى أتوا مكة فطافوا مضطبعين-جعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ووضعوها على عواتقهم اليسرى-ثم رملوا بالبيت ثلاثة أشواط، ومشوا أربعة، وسعوا، وقصّر ﷺ من رأسه؛ قصّر له معاوية. ثم رجع من ليلته [إلى الجعرانة] (^٢) فأصبح بها كبائت، فلذلك خفيت على كثير من الناس (^٣).
وأمر رسول الله ﷺ ببقايا الفئ فحبس بمجنّة من ناحية مرّ الظهران (^٤).
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٢٨.
(٢) إضافة عن الإمتاع ١:٤٣٢.
(٣) وانظر سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٣٦، والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٦٩٢ - ٦٩٨.
(٤) سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٣٦.
[ ١ / ٥٥٩ ]
فلما زالت الشمس من الغد يوم الخميس خرج من الجعرانة فى واديها حتى خرج على سرف، ثم أخذ الطريق على مرّ الظهران حتى أتى المدينة فى بقية ذى القعدة-أو فى أول ذى الحجة-واستخلف النبى ﷺ على مكة عتّاب بن أسيد، ورزقه كل يوم درهما-ويقال فرض له أربعين أوقية من فضة-وقال له: تدرى على من ولّيتك؟ ولّيتك على أهل الله. وخلف معه معاذا وأبا موسى الأشعرى يعلمان الناس القرآن ويفقهانهم فى الدين (^١).
وخرج عروة بن مسعود الثقفى يتبع النبىّ ﷺ حتى لقيه بالطريق قبل أن يدخل المدينة فأسلم، واستأذن النبىّ ﷺ فى الرجوع إلى قومه، فقال النبى ﷺ: إنهم قاتلوك (^٢). وقال النبى ﷺ: إنه فى قومه مثل صاحب ﴿يس﴾ فى قومه (^٣). فرجع إلى قومه ودعاهم إلى/ الإسلام، فرموه بالنبل فأصابه سهم فقتله، فأوصى أن يدفن خارج الطائف مع الذين استشهدوا عند حصار الطائف، فدفن معهم (^٤).
_________________
(١) الاكتفا ٢:٣٦٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٦٩٧، وتاريخ الخميس ٢: ١١٧، وانظر سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٣٦، والإمتاع ١:٤٣٢.
(٢) أضافت بعض المراجع أن النبى ﷺ عرف أن فى ثقيف نخوة الامتناع للذى كان منهم، فقال لعروة ما قال، فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم أو من أبصارهم. (سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٦٤ والاكتفا ٢:٣٩٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٤:٥٣، والامتاع ١:٤٨٩. وتاريخ الخميس ٢:١١٧).
(٣) وهو الذى قال الله تعالى فيه ﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ الخ (سورة يس الآيات من ٢٠ - ٣٠).
(٤) سيرة النبى لابن هشام ٤:٩٦٤، ومغازى الواقدى ٣:٩٦٠ - ٩٦٢، وتاريخ الطبرى ٣:١٤٠، وعيون الأثر ٢:٢٢٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٤:٥٣،٥٤، وتاريخ الخميس ٢:١١٧.
[ ١ / ٥٦٠ ]
وفيها أقاد رسول الله ﷺ رجلا من هذيل برجل من بنى ليث (^١).
وفيها لم يؤذن للنبى ﷺ فى الحج تلك السنة، ولم يبلغنا أنه استعمل عتّابا على الحج تلك السنة، ولا أمره فيه بشئ. فلما جاء الحجّ حجّ المسلمون والمشركون فدفعوا معا، وكان المسلمون فى ناحية يدفع بهم عتّاب ابن أسيد، ويقف بهم المواقف؛ لأنه أمير البلد، فكان أوّل أمير أقام الحجّ فى الإسلام، وكان المشركون ممن كان له عهد ومن لم يكن له عهد فى ناحية، يدفع بهم أبو سارة العدوانى على أتان عوراء رسنها ليف (^٢).
***