فيها-وقيل: فى السنة التاسعة، ويقال: فى العاشرة، وقيل:
فى السادسة، ويقال: فى الثالثة؛ وفيه نظر. والأوّل أثبت-مات
_________________
(١) سقط فى ت، هـ.
(٢) دلائل النبوة ١:٣٠٠، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٢٠، وعيون الأثر ١: ٣٩، والخصائص الكبرى ١:١٩٨، وسبل الهدى والرشاد ٢:١٧٨.
[ ١ / ٩٦ ]
عبد المطلب بن هاشم، وعمره مائة وعشرون سنة-ويقال: مائة وإحدى وعشرون سنة، وقيل: خمسة وتسعون سنة، ويقال: اثنتان وثمانون سنة، وقيل: إنه بلغ مائة وأربعين سنة (^١) -ولما حضره الموت أوصى ولده أبا طالب-واسمه عبد مناف-شقيق عبد الله بحفظ رسول الله ﷺ وحياطته وقال:-
أوصيك يا عبد مناف بعدى … بموتم (^٢) بعد أبيه فرد
فارقه وهو ضجيع المهد … فكنت كالأم له فى الوجد
وذكر أبياتا أخر وقال فيهن:-
بل أحمد رجوته للرشد … قد علمت علام أهل العهد
أن الفتى سيد أهل نجد … يعلو على ذى البدن الأشد (^٣)
وقال أيضا:-
أوصيت من كنيته بطالب … عبد مناف وهو ذو تجارب
أن الذى قد غاب غير آيب
وذكر أبياتا أخر وقال فيهن:
فلست بالآيس غير الرائب … بأن يحقّ الله قول الراهب
فيه وأن يفضل آل غالب … إنى سمعت أعجب العجائب
من كل حبر عالم وكاتب … هذا الذى يقتاد كالجنائب/
_________________
(١) وانظر فى تقدير سنّ عبد المطلب عند وفاته شرح المواهب ١:١٨٩، وتاريخ الخميس ١:٢٥٣.
(٢) كذا فى ت، هـ. وفى م، ودلائل النبوة ١:٣٠٧ «بموحد».
(٣) دلائل النبوة ١:٣٠٧.
[ ١ / ٩٧ ]
من حلّ بالأبطح والأخاشب … أيضا ومن ثاب إلى المثاوب
من ساكن للحرم أو مجانب (^١)
وسبب وصية عبد المطلب إلى أبى طالب أنّ قوما من بنى مدلج قالوا لعبد المطلب: احتفظ بابنك هذا-يعنون رسول الله ﷺ-فإنه لم نر قدما أشبه بالقدم التى فى المقام منه. فقال لأبى طالب: اسمع ما يقول هؤلاء. وكان أبو طالب يحتفظ بالنبىّ ﷺ، فلما احتضر عبد المطلب أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله ﷺ وحياطته.
ويقال: إن عبد المطلب جمع بنيه وأوصاهم برسول الله ﷺ، فاقترع الزبير وأبو طالب أيهما يعقله؛ لأنهما كانا أخوى عبد الله لأم واحدة، فأصابت القرعة أبا طالب، فأخذه إليه. وقيل: بل اختاره رسول الله ﷺ على الزبير، وكان ألطف عميه به. ويقال: كفله الزّبير حتى مات، ثم كفله أبو طالب بعده-وهذا غلط؛ لأن الزبير بن عبد المطلب شهد حلف الفضول ولرسول الله ﷺ نيّف وعشرون سنة، ولا يختلف أهل العلم والآثار فى شخوص رسول الله ﷺ إلى الشام مع عمه أبى طالب بعد موت عبد المطلب بأقل من خمس سنين (^٢).
ولما حضرت عبد المطلب الوفاة جمع بناته وقال لهن: ابكين
_________________
(١) دلائل النبوة ١:٣٠٧.
(٢) وانظر السيرة الحلبية ١:١٨٥، وتاريخ الخميس ١:٢٥٣.
[ ١ / ٩٨ ]
علىّ حتى أسمع ما تقلن من بعد موتى (^١): فقالت صفيّة من قصيدة:
أرقت لصوت نائحة بليل … على رجل بقارعة الصعيد
ففاضت عند ذلكم دموعى … على خدّى كمنحدر الفريد
على رجل كريم غير وغل … له الفضل المبين على العبيد
على الفيّاض شيبة ذى المعالى … أبيك الخير وارث كل جود
عظيم الحلم من نفر كريم … خضارمة ملاوثة (^٢) أسود (^٣)
وقالت عاتكة من قصيدة:
أعينىّ جودا ولا تبخلا … بدمعكا بعد نوم النيام
على الجحفل الغمر فى النائبات … كريم المساعى وفىّ الذمام
على شيبة الحمد وارى الزّناد … وذى مصدق بعد ثبت المقام (^٤)
وقالت أم حكيم:-
ألا يا عين جودى واستهلى … وبكّى ذا الندى والمكرمات/
ألا يا عين ويحك أسعفينى … بدمع من دموعك هاطلات
_________________
(١) وفى سيرة النبى لابن هشام ١:١١٠ «قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن سعيد بن المسيب: أن عبد المطلب لما حضرته الوفاة وعرف أنه ميت جمع بناته وكن ست نسوة: صفية، وبرّة، وعاتكة، وأم حكيم البيضاء، وأميمة، وأروى. فقال لهن: ابكين على حتى أسمع ما تقلن قبل أن أموت. قال ابن هشام: ولم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر، إلا أنه لما رواه عن محمد بن سعيد بن المسيب كتبناه.
(٢) ملاوثة: جمع ملواث من اللوثة وهى القوة. (الروض الأنف ١:١٩٦).
(٣) اضطرب رسم كثير من ألفاظ هذه الأبيات فى ت، هـ، والمثبت من م وهو يوافق ما فى سيرة النبى لابن هشام ١:١١٠.
(٤) سيرة النبى لابن هشام ١:١١١ بأطول مما هنا.
[ ١ / ٩٩ ]
وبكّى خير من ركب المطايا … أباك الخير تيار الفرات
طويل الباع شيبة ذا المعالى … كريم الخيم (^١) محمود الهبات
وقالت أميمة:-
ألا هلك الراعى العشيرة ذو الرفد … وساقى الحجيج والمحامى عن المجد
ومن يؤلف الضيف الغريب بيوته … إذا ما سماء الناس تبخل (^٢) بالرعد
كسبت وليدا خير ما يكسب الفتى … فلم تنفكك تزداد يا شيبة الحمد
فقد كنت زينا للعشيرة كلها … وكنت حميدا حيث ما كان من حمد (^٣)
وقالت أروى:-
بكت عينى وحقّ لها البكاء … على سمح سجيته الحياء
على سهل الخليفة أبطحىّ … كريم الخيم نيّته العلاء
على الفيّاض شيبة ذى المعالى … أبيك الخير ليس له كفاء
مضى قدما بذى (^٤) ربد خشيب … عليه حين تبصره البهاء
فقال عبد المطلب: هكذا فابكين. ويقال: إن أميمة أنشدت غير ذلك وهو:-
أعينى جودا بدمع درر … على طيّب الخيم والمعتصر
_________________
(١) الخيم: الأصل. (المعجم الوسيط) وانظر الشعر بأطول من هذا فى سيرة النبى لابن هشام ١:١١١.
(٢) فى الأصول «أبخل» والمثبت عن المرجع السابق ١:١١٢.
(٣) وانظر الشعر بأطول من هذا فى المرجع السابق ١:١١٢.
(٤) ذو ربد: أى سيف ذو طرائق، والربد الطرائق. (الروض الأنف ١:١٩٨) وانظر الشعر بأطول من هذا فى سيرة النبى لابن هشام ١:١١٢.
[ ١ / ١٠٠ ]
على ماجد الجدّ وارى الزناد … جميل المحيا عظيم الخطر
على شيبة الحمد ذى المكرمات … وذ المجد والعز والمفتخر
وذى الحلم والفضل فى النائبات … كثير المكارم جم الفخر
له فضل مجد على قومه … منير (^١) يلوح كضوء القمر
أتته المنايا فلم تشوه … بصرف الليالى وريب القدر (^٢)
ولما مات عبد المطلب جززن نساء بنى عبد مناف الشعور، وقالت رقيقة بنت أبى صيفى بن هاشم لولدها مخرمه بن نوفل:
شقّ قميصك على خالك، لمن تستبقيه بعده؟!
وكان النبى ﷺ يبكى خلف سريره حتى دفن بالحجون (^٣)، ولم يبك أحد ما بكى عبد المطلب بعد موته، ولم يقم بمكة سوق بعد موته أياما كثيرة (^٤).
ولما توفى عبد المطلب ضم أبو طالب النبىّ ﷺ إليه وحاطه أتمّ حياطة، ورقّ عليه، وأحبه حبا شديدا لا يحبه ولده، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وصبّ به أبو طالب صبابة لم يصبّ مثلها بشئ قط. وقد كان يخصه بالطعام، وكان أبو طالب لا
_________________
(١) كذا فى م. وفى ت، هـ «ومنه يلوح». وفى طبقات ابن سعد ١:١١٨ «مبين يلوح»
(٢) نسب ابن هشام هذه القصيدة لبرة بنت عبد المطلب. (سيرة النبى لابن هشام ١:١١٠،١١١)
(٣) طبقات ابن سعد ١:١١٩، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٣١، وسبل الهدى والرشاد ٢:١٨٣، والسيرة الحلبية ١:١٨٤.
(٤) السيرة الحلبية ١:١٨٦.
[ ١ / ١٠١ ]
مال له (^١)، وكان له قطعة من إبل بعرنة فيبتدر إليها فيكون فيها، ويؤتى بلبنها إذا كان حاضرا بمكة.
وكان أبو طالب يقرّب إلى أولاده تصبيحهم (^٢) أوّل البكرة فيجلسون وينتهبون، ويكفّ رسول الله ﷺ يده لا ينتهب معهم؛ فلما رأى ذلك أبو طالب عزل له طعامه على حدة.
وكان النبى ﷺ يصبح فى أكثر أيامه فيأتى زمزم فيشرب منها شربة، فربما عرض عليه الغداء فيقول: لا أريده؛ أنا شبعان (^٣).
وكان إذا أكل عيال أبى طالب جميعا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله ﷺ شبعوا. وكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم يقول: كما أنتم حتى يحضر ابنى. فيأتى رسول الله ﷺ فيأكل معهم فيفضلون من طعامهم، وإن كان لبنا شرب رسول الله ﷺ أوّلهم، ثم يتناول العيال القعب يشربون منه، فيروون عن آخرهم من القعب الواحد-وإن كان أحدهم ليشرب قعبا وحده-فيقول أبو طالب: إنك لمبارك (^٤).
_________________
(١) طبقات ابن سعد ١:١١٩.
(٢) فى الأصول، والخصائص الكبرى ١:٢٠٥ «بصحفهم» والتصويب عن الإمتاع ١:٧، وسبل الهدى والرشاد ٢:١٨٤.
(٣) الإمتاع ١:٨، والخصائص الكبرى ١:٢٠٥، وسبل الهدى والرشاد ٢:١٨٤، والسيرة الحلبية ١:١٨٩.
(٤) طبقات ابن سعد ١:١٢٠، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٣١، والإمتاع ١:٧، والخصائص الكبرى ١:٢٠٥، والسيرة الحلبية ١:١٨٩. وتاريخ الخميس ١:٢٥٤.
[ ١ / ١٠٢ ]
وكان أولاد أبى طالب يصبحون رمصا غمصا عمشا شعثا، ويصبح رسول الله ﷺ صقيلا دهينا كحيلا.
وكان أبو طالب يلقى له وسادة يقعد عليها، فجاء النبى ﷺ يوما فقعد عليها، فقال أبو طالب: والذى يعبد إن ابنى ليحس بنعيم (^١)