فيها-ويقال: فى التى بعدها، وقيل: فى التى بعد بعدها- نقض حكم الصحيفة التى كتبتها قريش فى قطيعة الهاشميّين والمطّلبيّين، وسبب ذلك على قولين:-
أحدهما: أن الله تعالى أطلع نبيّه على أمر صحيفتهم، وأن الأرضة قد لحست ما فيها من القطيعة والظلم والجور والغدر، ولم تدع إلا اسم الله فقط، فذكر الرسول ﷺ ذلك لعمه أبى طالب، فقال: أحقّ ما تخبرنى به يا ابن أخى؟ قال: نعم والله. فذكر أبو طالب ذلك لإخوته وقال: والله ما كذبنى قطّ. فقالوا: ما ترى؟ قال: أرى أن تلبسوا أحسن ثيابكم، وتخرجوا إلى قريش فتذكروا ذلك لهم من قبل أن يبلغهم الخبر. فخرجوا حتى دخلوا المسجد، ثم أتوا
[ ١ / ٢٨٨ ]
الحجر فجلسوا فيه، فقالت قريش: أخرجهم الجوع. فجاءوا إليهم فقال أبو طالب: إنّا قد جئنا لأمر، فأجيبوا فيه. فقالوا: مرحبا بكم وأهلا. قال: إن ابن أخى قد أخبرنى-ولم يكذبنى قط-أن الله قد سلّط على صحيفتكم الأرضة فلحست (^١) كل ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم، وبقى فيها كلّ ما ذكر الله به، فإن كان ابن أخى صادقا نزعتم عن سوء رأيكم،-ووالله لا نسلمه حتى نموت عن آخرنا-وإن كان كاذبا دفعته إليكم فقتلتموه (^٢)، أو استحييتموه إن شئتم. فقالوا: وأبيك لقد أنصفتنا وقد رضينا. فأرسلوا إلى الصحيفة. فلما فتحوها إذا هى كما قال رسول الله ﷺ، فكبّر المسلمون، وانبعث وجوه المشركين، وسقط فى أيديهم، ثم نكسوا على رءوسهم، وقالوا: والله إن كان هذا إلا سحر من صاحبكم. فقال أبو طالب: قد تبيّن لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة، وأولى بالكذب والسّحر. فلم يراجعه أحد منهم وانصرفوا، ورجع أبو طالب وقومه إلى الشّعب.
ويقال: إنه تلاوم رجال من بنى عبد مناف، ومن بنى قصى، ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بنى هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفّوا بالحق؛ واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر، والبراءة منه. وبعث الله تبارك
_________________
(١) فى الأصول «فنسخت». والمثبت عن طبقات ابن سعد ١:٢١، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٩٨.
(٢) فى الأصول «فتقتلوه». والمثبت عن المرجعين السابقين.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وتعالى على صحيفتهم التى المكر فيها برسول الله ﷺ الأرضة فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق-ويقال: كانت معلقة فى سقف البيت-فلم تترك اسما لله إلا لحسته، وبقى ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم. وأطلع الله ﵎ رسوله ﷺ على الذى صنع بصحيفتهم، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لأبى طالب، فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبنى، فانطلق يمشى بعصابته من بنى عبد المطلب حتى أتى المسجد-وهو حافل من قريش-فلما رأوهم (^١) عامدين لجماعتهم أنكروا ذلك عليهم، وظنوا أنهم خرجوا من شدّة البلاء، فأتوهم ليعطوهم رسول الله ﷺ.
فتكلم أبو طالب فى ذلك فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها، فأتوا بصحيفتكم التى عاهدتم عليها، فلعلّه أن يكون بيننا وبينكم صلح-وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فى الصحيفة قبل أن يأتوا بها-فأتوا بصحيفتهم-معجبين بها، لا يشكون أن الرسول مدفوع إليهم-فوضعوها بينهم وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم؛ فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد؛ جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم.
فقال أبو طالب: إنما جئتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف: إن ابن أخى قد أخبرنى-ولم يكذبنى قط-أن الله ﷿ برئ من هذه الصحيفة التى فى أيديكم، ومحا كلّ اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيّانا، وتظاهركم علينا بالظلم؛ فإن
_________________
(١) فى الأصول «رآهم». والتصويب عن السيرة النبوية لابن كثير ٢:٤٥.
[ ١ / ٢٩٠ ]
كان الحديث الذى قال ابن أخى كما قال فأفيقوا، فو الله لا نسلمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذى قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم. قالوا: قد رضينا بالذى تقول.
ففتحوا الصحيفة، فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذى قال أبو طالب قالوا: والله إن كان هذا قط إلا سحرا من صاحبكم. فارتكسوا وعادوا لشرّ (^١) ما كانوا عليه من كفرهم، والشدة على رسول الله ﷺ والمسلمين، وعلى رهطه، والقيام بما تعاهدوا عليه. فقال أولئك النّفر من بنى عبد المطلب: إنّ أولى بالكذب والسحر غيرنا، فكيف ترون، وإنّا نعلم أن الذى اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا؟! ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهى فى أيديكم؛ طمس الله ما كان له فيها من اسم، وما كان فيها من بغى تركه، أفنحن السحرة أم أنتم؟!
فقال-عند ذلك-النفر من بنى عبد مناف وبنى قصى ورجال من قريش ولدتهم نساء بنى هاشم، منهم أبو البخترىّ، والمطعم بن عدىّ، وزهير بن أبى أميّة بن المغيرة، وزمعة بن الأسود، وهشام بن عمرو-وكانت الصحيفة عنده، وهو من بنى عامر بن لؤى-فى رجال من أشرافهم ووجوههم: نحن براء مما فى هذه الصحيفة. فقال أبو جهل: هذا أمر قد قضى بليل (^٢).
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى السيرة النبوية لابن كثير ٢:٤٦ «بشر».
(٢) انظر مع المرجع السابق سبل الهدى والرشاد ٢:٥٠٥،٥٠٦.
[ ١ / ٢٩١ ]
وأنشأ أبو طالب يقول:-
ألا أبلغا عنى على ذات بيننا … لؤيّا وخصّا من لؤىّ بنى كعب
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمدا … نبيّا كموسى خطّ فى أوّل الكتب
وأن عليه فى العباد محبة … ولا خير ممن خصّه الله بالحب
وأن الذى لفّقتم (^١) من كتابكم … لكم كائن نحسا (^٢) كراغية السّقب
فلا تتبعوا أمر الوشاه وتقطعوا … أواصرنا بعد المودة والقرب
فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا … لعزّاء من عضّ الزمان ولا كرب
ولما تبن منا ومنكم سوالف … وأيد أنزّت (^٣) بالقساسيّة الشهب
_________________
(١) كذا فى هـ. وفى ت، م «لصقتم» وفى سيرة النبى لابن هشام ١:٢٣٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٤٩، والديوان ص ٢٠ «ألصقتم».
(٢) فى الأصول «يخشى». والمثبت عن المراجع السابقة. وفى الروض الأنف ٢: ١١١ «وقوله راغية السقب يريد ولد ناقة صالح التى عقرها قدار، فرغا ولدها فصاح برغائه كل شئ له صوت فهلكت ثمود عند ذلك، فضربت العرب ذلك مثلا فى كل هلكة.
(٣) كذا فى الأصول، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٥٠، والديوان ص ٢٢. والمعنى قطعت. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:٢٣٦ «أثرت». وفى الروض الأنف ٢:١١١ «وقوله بالقساسية الشهب يعنى السيوف، نسبها إلى قساس، وهو معدن حديد لبنى أسد، وقيل اسم للجبل الذى فيه المعدن … وقال أبو عبيد فى القساسية: لا أدرى إلى أى شئ نسب، والذى ذكرناه قاله المبرد.
[ ١ / ٢٩٢ ]
بمعترك ضنك (^١) ترى كسر القنا … به والنسور الطّخم (^٢) يعكفن كالشّرب/
أليس أبونا هاشم شدّ أزره … وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
الثانى: أن هشام بن عمرو بن الحارث مشى إلى زهير بن أبى أمية بن المغيرة فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يبتاعون ولا يباع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟! أما إنى أحلف بالله لو كان أخوال أبى الحكم بن هشام ثم دعوت (^٣) إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا. قال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، ولو كان معى آخر لقمت فى نقضها حتى أنقضها.
قال: قد وجدت رجلا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: أبغنا ثالثا. فذهب إلى المطعم بن عدىّ فقال: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من عبد مناف وأنت موافق لقريش؟ قال: ويحك ماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: أبغنا ثالثا. قال: قد وجدت. قال: من هو؟
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:٢٣٦، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٥٠ والديوان ص ٢٣ «ضيق».
(٢) وفى الروض الأنف ٢:١١١ «النسور الطخمة: قيل هى السود الرءوس، قاله صاحب العين، وقال أيضا: الطخمة سواد فى مقدم الأنف».
(٣) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:٢٥٢، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٩٨ «دعوته».
[ ١ / ٢٩٣ ]
قال: زهير. قال: أبغنا رابعا. فذهب إلى أبى البخترىّ بن هشام فقال له نحوا مما قال للمطّعم بن عدى. قال: فهل من أحد يمضى على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير والمطعم وأنا معك. قال: أبغنا خامسا. فذهب إلى زمعة بن الأسود فكلّمه، وذكر له قرابتهم، فقال: وهل على ذلك معين؟ قال: نعم؛ فسمّى له القوم، فاتّعدوا خطم (^١) الحجون ليلا بأعلى مكة، واجتمعوا هنالك، فتعاقدوا على القيام فى الصحيفة حتى ينقضوها، فقال زهير: أنا أبدؤكم فى الصحيفة.
فلما أصبحوا غدوا على أنديتهم-وكانت قريش قد جاورت الكعبة، وكان شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن اليمانى والأسود لبنى مخزوم وتيم وقبائل من قريش ضمّوا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وبنى سهم، وكان شقّ الحجر؛ وهو الحطيم لبنى عبد الدار ولبنى أسد بن عبد العزّى وبنى كعب-فغدا زهير فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، إنّا نأكل الطعام، ونشرب الشراب، ونلبس الثياب؛ وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم. والله لا أقعد حتى تشقّ هذه الصحيفة الظالمة. فقال أبو جهل: كذبت والله لا تشقّ. فقال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب؛ ما رضينا كتابتها حين كتبت. فقال أبو البخترىّ: صدق زمعة؛ لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقرّبه، فقال المطعم: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك؛ نبرأ إلى الله
_________________
(١) فى الأصول «حطيم». والتصويب عن سيرة النبى لابن هشام ١:٢٥٢.
[ ١ / ٢٩٤ ]
منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. فقال عدوّ الله أبو جهل: هذا أمر قضى بليل، وتشوور به بغير هذا المكان. فقام المطعم بن عدى إلى الصحيفة فشقّها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلاّ ما كان من «باسمك اللهم».
وأسلم يومئذ جمع كثير من الرجال والنساء، فلبس الرجال الذين تلاوموا السّلاح، ودخلوا على بنى هاشم الشّعب فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم (^١)؛ وقالوا: اخرجوا بنى أبينا وأمّنا، فو الله لا يوصل إليكم أبدا حتى نموت. فعادوا إلى منازلهم.
وفيها فرح كفّار قريش-وشقّ على المسلمين-ما اتفق بين فارس والروم، وغلب فارس للروم؛ لأنّ فارس لم يكن لهم كتاب، وكانوا يجحدون البعث، ويعبدون الأصنام، وكان الرّوم أصحاب كتاب. فقال المشركون لأصحاب رسول الله ﷺ: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن [وفارس] (^٢) أميّون، وقد ظهر إخواننا من فارس على إخوانكم من الروم؛ فإن قاتلتمونا لنظهرنّ عليكم.
ويقال، قال المشركون للمسلمين: الروم أهل كتاب وقد غلبهم الفرس وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذى أنزل على نبيّكم، فسنغلبكم كما غلب فارس الروم. فأنزل الله ﵎ ﴿الم*﴾
_________________
(١) كذا فى م، هـ. وفى ت «منازلهم».
(٢) الإضافة عن تاريخ الخميس ١:٢٩٨.
[ ١ / ٢٩٥ ]
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (^١) فلما نزلت هذه الآية (^٢) صدّق المسلمون ربّهم، وعرفوا أن الروم ستظهر على أهل فارس، فخرج بها أبو بكر الصديق إلى المشركين فقالوا: هذا كلام صاحبك. فقال: الله أنزل هذا. فقالوا لأبى بكر: نراهنك على أن الروم لا تغلب فارس. فقال أبو بكر: البضع ما بين الثلاث إلى السبع. فقالوا: الوسط من ذلك ستّ. فوضعوا الرهان-وكان عشر قلائص إلى عشر قلائص- فرجع أبو بكر إلى أصحابه فأخبرهم، فلاموه وقالوا: هلاّ أقررتها كما أقرّها الله؟ لو شاء أن يقول شيئا لقال. فخرج أبو بكر وقال:
أزيدكم فى الخطر وأمدّكم فى الأجل إلى تسع سنين. فقهرهم أبو بكر وأخذ رهانهم، وظهرت الروم على فارس بعد تسع سنين ووافق التقاؤهم يوم بدر (^٣).
وفيها-أو فى التى بعدها-قدم ضماد الأزدى-من أزد شنوءة-مكّة معتمرا. قال ضماد: فجلست مجلسا فيه أبو جهل
_________________
(١) سورة الروم الآيات ١:٤.
(٢) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ٢:٩٣ «فلما نزلت هؤلاء الآيات». وفى الخصائص الكبرى ١:٣٥٥ «فلما نزلت هاتان الآيتان».
(٣) وفى دلائل النبوة ٢:٩٣،٩٤ «فأظهر الله الروم على فارس عند رأس السبع من قمارهم الأول، فكان ذلك مرجعهم من الحديبية» ونقل عنه السيوطى فى الخصائص الكبرى ١:٣٥٦. وفى السيرة النبوية لابن كثير ٢:٩٢ «وإن غلبة الروم على فارس كان يوم بدر أو كان يوم الحديبية والله أعلم». وانظر فى الاختلاف حول تاريخ التقاء الفرس بالروم وانتصار الروم عليهم تفسير ابن كثير ٦:٣٠٤ - ٣١٢. وانظر القصة بأطول مما هنا فى سبل الهدى والرشاد ٢:٥٦٠ - ٥٦٢.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وعتبة بن ربيعة وأميّة بن خلف، فقال أبو جهل: هذا الرجل الذى فرّق جماعتنا، وسفّه أحلامنا، وضلّل من مات منا، وعاب آلهتنا.
فقال أميّة: الرجل مجنون غير شك. قال ضماد: فوقعت فى نفسى كلمته وقلت: إنى أعالج من الرّيح. فقمت من ذلك المجلس أطلب رسول الله ﷺ، فلم أصادفه ذلك اليوم، حتى كان الغد فجئته فأجده جالسا خلف المقام يصلى، فجلست حتى فرغ من صلاته، ثم جلست إليه فقلت: يا ابن عبد المطلب. فأقبل علىّ فقال: ما تشاء؟ فقلت: إنى أعالج من الرّيح، فإن أحببت عالجتك ولا يكثرن ما بك؛ فقد عالجت من كان به أشدّ مما بك فبرأ، وسمعت قومك يذكرون فيك خصالا سيّئة؛ من تسفيه أحلامهم، وتفريق جماعتهم، وتضليل من مات منهم، وعيب آلهتهم.
فقلت: ما فعل هذا إلا رجل به جنّة. فقال رسول الله ﷺ:
الحمد لله، أحمده واستعينه، وأومن به وأتوكّل عليه، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد. قال ضماد: فسمعت كلاما لم أسمع كلاما قط أحسن منه، فاستعدته الكلام، فأعاده علىّ ثلاث مرّات، فقلت: إلى ما تدعو؟ قال:
إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له وتخلع الأوثان من رقبتك، وتشهد أنى رسول الله. قال: فماذا لى إن فعلت؟ قال: لك الجنة.
قلت: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأخلع الأوثان من رقبتى، وأبرأ منها، وأشهد أنك عبد الله ورسوله. فأقمت مع رسول الله ﷺ حتى علّمت سورا كثيرة من القرآن، ثم رجعت إلى قومى.
[ ١ / ٢٩٧ ]
ويقال إن ضمّادا كان يرقى من الريح، فسمع سفهاء من سفهاء أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون. فقال: لو أنى رأيت هذا الرجل لعلّ الله أن يشفيه على يدىّ. فلقيه فقال: يا محمد، إنى أرقى من هذه الرّيح، وإن الله يشفى على يدىّ من شاء، فهل لك …؟ فقال رسول الله ﷺ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد. فقال: أعد علىّ كلماتك هؤلاء. فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرّات، فقال: والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السّحرة، وقول الشعراء؛ فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، والله لقد بلغن قاموس (^١) البحر، فهات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه رسول الله ﷺ وقال له: وعلى قومك؟ فقال:
وعلى قومى (^٢).
***
_________________
(١) قاموس البحر: أبعد موضع فيه غورا. (هامش السير النبوية لابن كثير ١:٤٥٣)
(٢) دلائل النبوة ٢:١٠،١١، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٠٠، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٥٣، والخصائص الكبرى ١:٣٣٤.
[ ١ / ٢٩٨ ]