فيها فى رجب قدم المجدّع (^٢) فى الله أمير المؤمنين عبد الله بن جحش، وهو أوّل من لقّب أمير المؤمنين فى اثنى عشر مهاجرا- ويقال ثمانية-كل اثنين يعتقبان بعيرا من المدينة إلى نخلة-على ليلة من مكة-ترصد عيرا لقريش، فمرت بهم عير لهم من الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمىّ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومى، وأخوه نوفل، والحكم بن كيسان المخزومى، فهابهم أهل العير وأنكروا أمرهم، فحلق عكّاشة بن محصن الأسدى رأسه، ثم وافى ليطمئن القوم، فقال المشركون: لا بأس؛ قوم عمّار، فأمنوا وقيّدوا ركابهم وسرّحوها. فاشتور المسلمون فى أمرهم، وكان آخر يوم من رجب- ويقال أول يوم من شعبان-فقال قائل منهم: هذه غرّة من عدو وغنم رزقتموه، ولا ندرى من الشهر الحرام هذا اليوم أم لا. وقال قائل منهم: لا نعلم اليوم إلاّ من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى تاريخ الخميس ١:٣٥٣ «أن يظهر دين ابن أبى كبشة».
(٢) عرف بذلك لأنه مثل به يوم أحد وقطع أنفه. (الاستيعاب ٣:٨٧٨)
[ ١ / ٣٩٨ ]
لطمع أشفيتم عليه. فغلب على الأمر الذين يريدون عرض الدنيا وقاتلوهم، فرمى واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين (^١) التميمى اليربوعى عمرو بن الحضرمى بسهم فقتله، وشد القوم عليهم فأسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان، وأعجزهم نوفل ابن عبد الله بن المغيرة، واستاقوا العير-وكانت تحمل خمرا وأدما وزبيبا-حتى قدموا بها على النبى ﷺ؛ فهى أوّل غنيمة كانت فى الإسلام./ويقال بل عزل أمير الجيش الخمس وقسّم الباقى، فكان أول خمس خمّس، وأوّل غنيمة، وأوّل قتيل، وأوّل أسير كان فى الإسلام. فأوقف النبىّ ﷺ العير فلم يأخذ منها شيئا، وحبس الأسيرين، وقال لأصحابه: ما أمرتكم بالقتال فى الشهر الحرام.
فسقط فى أيديهم، وعنّفهم المسلمون، وظنوا أن قد هلكوا.
وقالت قريش قد استحلّ محمد سفك الدم، وأحل القتال فى الشهر الحرام فأنزل الله تعالى ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (^٢) وبعثت قريش إلى النبى ﷺ فى فداء أصحابهم، فقال: لن نفديهما حتى يعدم صاحبانا؛ يعنى سعد بن أبى وقّاص، وعتبة بن غزوان، وكانا زميلين فضلّ بعيرهما وأقاما يومين يبغيانه، فلم يشهدا نخلة، ثم قدما المدينة (^٣) ففادى رسول الله ﷺ حينئذ الأسيرين (^٣) [ووقّف] (^٤) الغنيمة حتى يرجع من
_________________
(١) فى الأصول «غرير» والتصويب عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٣٦، والإصابة ٣:٦٢٨.
(٢) سورة البقرة آية ٢١٧.
(٣) كذا فى م، وعبارة ت غير مستقيمة.
(٤) الإضافة عن مغازى الواقدى ١:١٨، وطبقات ابن سعد ٢:١١، والإمتاع ١:٥٨
[ ١ / ٣٩٩ ]
بدر، فقسّمها مع غنائم أهل بدر، وأعطى كلّ قوم حقّهم. ويقال ودى النبىّ ﷺ عمرو بن الحضرمىّ، والصحيح أنه لم يده (^١).
*** وفيها تحيّن رسول الله ﷺ انصراف العير التى خرج من أجلها إلى العشيرة، وإقبالها من الشام، فبعث طلحة وسعيد بن زيد يتحسّسان (^٢) خبرها، وندب أصحابه وقال: إن لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا. فجعل رجال يستأذنونه فى ظهر لهم فى علو المدينة، فقال: لا، إلا من كان ظهره حاضرا.
ويقال: إن النبىّ ﷺ أخبر أصحابه ما مع أبى سفيان من المال مع قلّة عدده، فخرج أقوام منهم لطلب الغنيمة، وقعد أخرون لم يظنّوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا.
وخرج رسول الله ﷺ يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة خلت من رمضان-وقيل: لثلاث خلون من رمضان-وخرجت معه الأنصار، ولم يكن غزا بأحد منهم قبلها، وقدّم عينا له على المشركين بسبس بن عمرو وعدى بن أبى الزّغباء. ولما بلغ أبا سفيان خروج رسول الله ﷺ ليأخذ ما معه استأجر ضمضم بن عمرو الغفارىّ فبعثه إلى مكة يستنفر قريشا لأجل أموالهم، فخرج ضمضم سريعا.
_________________
(١) وانظر مع المراجع السابقة دلائل النبوة ٢:٣٠٦،٣١٠، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٣٦٦ - ٣٧٢، وتاريخ الخميس ١:٣٦٥،٣٦٦.
(٢) فى الأصول «يتجسسان» والمثبت عن مغازى الواقدى ١:١٩. وفى الروض الأنف ٣:٤٣ «التحسس بالحاء أن تتسّمع الأخبار بنفسك، والتجسس أن تفحص عنها بغيرك».
[ ١ / ٤٠٠ ]
وكانت عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت-قبل قدوم ضمضم مكّة بثلاث ليال-رؤيا أفزعتها، فأخبرت بها أخاها العباس ابن عبد المطلب، وأمرته أن يكتم ذلك؛ قالت: رأيت راكبا على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته: أن انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم فى ثلاث. فاجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هو حوله مثل (^١) به بعيره على ظهر الكعبة يصرخ بأعلى صوته: انفروا يا آل غدر لمصارعكم. ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت فما بقى بيت من بيوت مكّة ولا دار من دورها إلا دخلت فيها فلقة. فقال لها العباس:
اكتميها. ثم لقى الوليد بن عتبة-وكان صديقا له-فذكرها له واستكتمه، ثم لقى الوليد أباه (^٢) عتبة فذكرها له، ففشا الحديث حتى تحدّثت به قريش.
قال العباس: فلقينى أبو جهل فقال: يا أبا الفضل متى حدثت فيكم هذه النبيّة؟ قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التى رأتها عاتكة، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى يتنبأ نساؤكم؟! وقد
_________________
(١) مثل به بعيره: أى انتصب به على ظهر الكعبة. (السيرة الحلبية ٢: ٣٧٦)
(٢) فى الأصول، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٣٨٢ «ابنه» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٤١، ودلائل النبوة ٢:٣١٥، والاكتفا ٢:١٥، وعيون الأثر ١:٢٤٣، وتاريخ الإسلام ٢:١١٤، والسيرة الحلبية ٢:٣٧٦، وتاريخ الخميس ١: ٣٦٦.
[ ١ / ٤٠١ ]
زعمت عاتكة أنه قال: انفروا فى ثلاث، فسنتربّص بكم هذه الثلاث، فإن يكن ما قالت حقّا فسيكون، وإن تمض هذه الثلاث ولم يكن من ذلك شئ فنكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت فى العرب. قال العباس: فجحدت ذلك وأنكرت بأن تكون رأت شيئا، ثم تفرقنا، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب حتى أتتنى فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم تكن عندك غيرة لما سمعت؟! فقلت: قد والله فعلت ذلك، وأيّم الله لأتعرضن له فإن عاد كفيتكموه. قال: فغدوت فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة-وأنا مغضب أرى أن قد فاتنى منه أمر أحب أن أدركه منه-فدخلت المسجد فرأيته، فو الله إنى لأمشى نحوه أتعرّض له ليعود لبعض ما قال فأقع به إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ، فقلت فى نفسى: ما له لعنه الله، أكل هذا فرقا من أن أشاتمه؟! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع: صوت ضمضم بن عمرو الغفارى وهو يصرخ ببطن الوادى، وهو واقف على بعيره وقد جدّع أذنيه، وشقّ قميصه، وحول رحله وهو يقول: يا معشر قريش، يا آل لؤى بن غالب، اللّطيمة (^١) اللّطيمة، أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه، والله ما أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. فشغلنى عنه وشغله عنى ما جاء من الأمر (^٢).
_________________
(١) اللطيمة: هى العير التى تحمل الطيب والبز. (السيرة الحلبية ٢:٣٧٧)
(٢) وانظر مع المراجع السابقة مغازى الواقدى ١:٢٩،٣٠.
[ ١ / ٤٠٢ ]
فتجهّز الناس سريعا فى ثلاثة أيام-ويقال: فى يومين-ونفروا على الصعب والذلول، وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن يكون كعير ابن الحضرمىّ؟! كلا والله ليعلمن غير ذلك. وأعان قويّهم ضعيفهم، وقام سهيل بن عمرو، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عدى، وحنظلة بن أبى سفيان، وعمرو بن أبى سفيان يحضّون الناس على الخروج، ومشى نوفل بن معاوية الدّيلى إلى أهل القوّة من قريش فكلّمهم فى بذل النفقة والحملان لمن خرج، فقال عبد الله بن ربيعة: هذه خمسمائة دينار، فضعها حيث رأيت. وأخذ من حويطب بن عبد العزّى مائتى دينار- أو ثلاثمائة دينار-قوّى بها السلاح والظهر، وحمل طعيمة بن عدى على عشرين بعيرا، وقوّاهم وخلفهم فى أهلهم بمعونة، وكان لا يتخلّف أحد من قريش إلا بعث مكانه بعيثا.
ومشوا إلى أبى لهب فأبى أن يخرج أو يبعث أحدا-ويقال:
إنه بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكان له عليه دين فقال: أخرج ودينى لك. فخرج عنه (^١).
وكان أمية بن خلف شيخا كبيرا فأجمع القعود لذلك، ولما قاله سعد بن معاذ لما نزل عليه بمكّة معتمرا، وخاصمه أبو جهل عند الطواف، وصار أميّة يقول له (^٢): لا ترفع صوتك عليه (^٣) فإنه
_________________
(١) الإمتاع ١:٦٧.
(٢) أى لسعد بن معاذ كما فى السيرة النبوية لابن كثير ٢:٣٨٤، والسيرة الحلبية ٢:٣٧٨.
(٣) أى على أبى جهل الحكم بن هشام. (وانظر المرجعين، سبل الهدى ٤: ٧٢)
[ ١ / ٤٠٣ ]
سيّد أهل الوادى-وكررّ ذلك [فقال سعد: دعنا عنك يا أميّة فو الله لقد سمعت] (^١)، محمدا قال لى: إنه قاتلك (^١). قال:
إيّاى؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد. وأخبر أمرأته بذلك، فلما كان الصريخ إلى بدر قالت له امرأته: أما تذكر ما قال لك أخوك اليثربىّ سعد بن معاذ؟ فأتاه عقبة بن أبى معيط وأبو جهل فعنّفاه، وقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادى: فسر معنا يوما أو يومين. وحمل عقبة مجمرة فيها نار [وبخور] (^٢) فوضعها بين يديه، ثم قال: استجمر فإنما أنت من النساء. فقال له: قبّحك الله وقبّح ما جئت به. ثم تجهّز وقال لهما: ابتاعا لى أفضل بعير فى الوادى. فابتاغوا له جملا بثلاثمائة درهم من نعم بنى قشير؛ فغنمه المسلمون وقتل هو كما سيأتى.
وأبى عقبة بن أبى معيط أن يخرج؛ فإنه لما هاجر النبىّ ﷺ إلى المدينة قال وهو بمكة:-
يا راكب الناقة القصوى مهاجرة … عما قليل ترانى راكب الفرس/
أعلّ رمحى فيكم ثم أنهله … والسيف يأخذ منكم كلّ ملتبس
فلما بلغ النبىّ ﷺ قوله قال: اللهم كبّه لنحره واصرعه.
_________________
(١) فى الأصول «وكرر ذلك وهو أن محمدا قال له: إنه قاتلك» والسقط فيها ظاهر والاختصار مخل مما اقتضى إضافة ما بين الحاصرتين وتصويب بقية العبارة عن سبل الهدى والرشاد ٤:٧٢.
(٢) إضافة عن المرجع السابق. وفى سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٤٣ «فيها نار ومجمر» والمجمر: هو البخور.
[ ١ / ٤٠٤ ]
فقال له أصحابه: اخرج معنا. فقال: قد وعدنى هذا الرجل إن أخذنى خارجا من جبال مكة يضرب عنقى صبرا. فقالوا:
لك جمل أحمر لا يذرى، فإن كانت الهزيمة طرت. فخرج معهم وقتل كما سيأتى.
وأخذ عدّاس يخذّل شيبة وعتبة ابنى ربيعة والعاص بن منبّه ابن الحجّاج عن الخروج، وما كان أحد من قريش أكره للخروج من الحارث بن عامر، وكان من أبطالهم هو وأميّة بن خلف وابنه علىّ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وحكيم بن حزام، وأبو البخترىّ، والعاص ابن منبّه حتى بكّتهم أبو جهل بالجبن، وأعانه عقبة بن أبى معيط والنّضر بن الحارث بن كلدة، فأجمعوا المسير.
وكان استقسم أميّة بن خلف وعتبة وشيبة وزمعة بن الأسود وعمير بن وهب وحكيم بن حزام عند هبل بالآمر والناهى من الأزلام، فخرج القدح النّاهى عن الخروج (^١).
ورأى ضمضم بن عمرو أنّ وادى مكّة يسيل دما ما بين أسفله وأعلاه (^٢).
ولما أجمعوا المسير ذكروا ما بينهم وبين (^٣) كنانة قالوا:
نخشى أن يأتونا من خلفنا فتبدّى لهم إبليس فى صورة خالد بن
_________________
(١) الإمتاع ١:٦٧، والسيرة الحلبية ٢:٣٧٩.
(٢) الإمتاع ١:٦٨.
(٣) سقط فى م.
[ ١ / ٤٠٥ ]
جعشم (^١) -وكان من أشراف كنانة-فقال: أنا جار لكم من كنانة. فخرجوا سراعا فى تجمّل عظيم، وحنق زائد على النبى ﷺ وأصحابه؛ لما يرون من أخذ عيرهم، وما أصابوا (^٢) من قتل عمرو ابن الحضرمىّ، وأخذ العير التى كانت معه، ومعهم القيان والدفوف يغنّين فى كل منهل، وهم ينحرون الجزر ويطعمون الطعام من أتاهم، وهم تسعمائة وخمسون مقاتلا، وقادوا مائة (^٣) فرس عليها مائة درع سوى دروع فى المشاة، وكانت إبلهم سبعمائة بعير، وهم كما قال الله تعالى ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النّاسِ﴾ (^٤)
ولما نزلوا مرّ الظهران (^٥) رجعت بنو عدىّ منه، ونحر أبو جهل جزرا فكانت جزور منها بها حياة فما بقى خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها (^٦).
_________________
(١) كذا فى ت. وفى سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٤٥، والمغازى للواقدى ١: ٣٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٣٨٦، وسبل الهدى والرشاد ٤:٣٦، وتاريخ الخميس ١:٣٧٠ «فتبدى لهم إبليس فى صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى».
(٢) كذا فى م، وفى ت «لما أصابها من قتل».
(٣) كذا فى الأصول، ومغازى الواقدى ١:٣٩. وفى السيرة النبوية لابن كثير ٢:٣٨٧ «مائتا فرس».
(٤) سورة الأنفال آية ٤٧.
(٥) مر الظهران: من أجل أودية الحجاز ويسمى حاليا وادى فاطمة وبه قرى كثيرة لخصوبة أرضه وكثرة مياهه وانظر معالم مكة للبلادى ٢٥٨ - ٢٦٥.
(٦) الإمتاع ١:٦٨.
[ ١ / ٤٠٦ ]
ولما نزلوا الجحفة رأى جهيم [بن الصلت] (^١) بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إنى رأيت فيما يرى النائم، أو إنى لبين النائم واليقظان إذ رأيت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وزمعة بن الأسود، وأميّة بن خلف، وأبو البخترى، وأبو الحكم، ونوفل بن خويلد فى رجال سمّاهم ممن قتل يومئذ من أشراف قريش. وأسر سهيل ابن عمرو، وفرّ الحارث بن هشام، وقائل يقول: والله إنى لأظنكم تخرجون إلى مصارعكم، ثم رآه كأنه ضرب فى لبّة بعيره، وأرسله فى العسكر؛ فما بقى حىّ من أحياء العرب، أو خباء من أخبية العسكر إلا أصابه بعض دمه-أو نضح دمه-فشاعت هذه الرؤيا فى العسكر فبلغت أبا جهل، فقال: وهذا أيضا نبىّ آخر من بنى عبد المطلب، سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.
وأما ما كان من خبر أبى سفيان فإنه أسرع بالعير على طريق الساحل، فلما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش:
إنكم (^٢) إنما جئتم لتمنعوا عيركم وأموالكم، وقد نجّاها الله فارجعوا. فأتاهم قيس بن امرئ القيس يأمرهم بالرجوع ويخبرهم أن قد نجت عيرهم فلا تجزروا (^٣) أنفسكم أهل يثرب، فلا حاجة لكم فيما وراء ذلك (^٢)، إنما
_________________
(١) الإضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٥٠، ومغازى الواقدى ١:٤٢، والإمتاع ١:٧٠، والإصابة ١:٧٥٥ وفيه «وقد أسلم بعد الفتح».
(٢) سقط فى م.
(٣) لا تجزروا أنفسكم-يقال أجزره شاة: أى جعلها له جزرا تذبح؛ يريد لا تجعلوا أنفسكم ذبائح لأهل يثرب يذبحونكم كما تذبح الشاة. (هامش الإمتاع ١:٧١)
[ ١ / ٤٠٧ ]
خرجتم لتمنعوا العير وأموالكم وقد نجّاها الله. فعالج قريشا فأبت الرجوع وردّوا القيان من الجحفة. وقال أبو جهل: لا والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم عليه ثلاثا ننحر الجزر ونطعم الطعام، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، وتسمع العرب بنا فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا.
فقال الأخنس بن شريق-واسمه أبىّ-: يا بنى زهرة قد نجىّ الله أموالكم فارجعوا ولا تسمعوا ما يقول هذا. فرجعوا، ولم يشهد بدرا أحد من بنى زهرة-وقال بعضهم: بل شهدها رجلان منهم هما عمّا مسلم بن شهاب بن عبد الله [الزّهرى] (^١) وقتلا كافرين.
ويقال: إنّ الأخنس بن شريق خلا بأبى جهل-لمّا تراءى الجمعان-فقال: أترى محمدا يكذب؟ فقال أبو جهل: كيف يكذب على الله وقد كنّا نسمّيه الأمين لأنّه ما كذب قطّ، ولكن إذا كانت فى بنى عبد مناف السّقاية والرّفادة والمشورة ثم تكون فيهم النّبوّة فأى شئ بقى لنا؟ فحينئذا تخنس الأخنس ببنى زهرة.
ورجع مع من رجع طالب بن أبى طالب. وقال:
لاهمّ إمّا يغزونّ طالب … فى عصبة محالف محارب
فى مقنب من هذه المقانب … فليكن المسلوب غير السالب/
وليكن المغلوب غير الغالب (^٢)
_________________
(١) الإضافة عن سبل الهدى والرشاد ٤:٤٧.
(٢) سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٥١، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٤٠٠ والإمتاع ١:٧١،٧٢، وتاريخ الخميس ١:٣٧٥.
[ ١ / ٤٠٨ ]
ويقال إنه خرج مع المشركين مكرها فقال:-
يا رب إمّا يذهبوا بطالب … فى مقنب من تلكم المقانب
فى نفر مقاتل محارب … فاجعلهم المغلوب غير الغالب
والرجل المسلوب غير السالب
ويقال إنه قال:-
يا رب إما يذهبوا بطالب … فى نفر مقاتل محارب
فليكن المسلوب غير السالب … والراجع المغلوب غير الغالب
وعدم يوم بدر فلم يوقف له خبر.
وعاد قيس إلى أبى سفيان وقد بلغ الهدّة-على تسعة أميال من عقبة عسفان-فأخبره بمضى قريش، فقال: واقوماه، هذا عمل عمرو بن هشام؛ كره أن يرجع لأنه قد ترأس على الناس، فبغى، والبغى نقص (^١) وشؤم، وإن أصاب محمد النفير ذللنا. ثم لحق المشركين فمضى معهم، فلحقه يوم بدر جراحات، وأفلت هاربا على قدميه.
ومضت قريش حتى نزلت بالعدوة (^٢) القصوى من الوادى خلف العقنقل (^٣).
_________________
(١) كذا فى الأصول، وفى مغازى الواقدى ١:٤٣، والإمتاع ١:٧١. «والبغى منقصة وشؤم».
(٢) العدوة: الجانب المرتفع من الوادى. (سبل الهدى والرشاد ٤:٢١٤)
(٣) العقنقل: الكثيب المتداخل الرمل. المرجع السابق.
[ ١ / ٤٠٩ ]
فلما اطمأن القوم بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب إليهم يقول: ارجعوا فإنه إن يل هذا الأمر منى غيركم أحبّ إلى من أن تلوه منى [وإن] (^١) أليه من غيركم أحبّ إلى من أن أليه منكم.
فقال حكيم بن حزام: قد عرض نصفا فاقبلوه، والله لا تنصرون عليه بعد ما عرض من النّصف. وقام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا؛ فو الله إن أصبتموه لا يزال رجل ينظر فى وجه رجل يكره النظر إليه؛ قتل ابن عمه أو قتل ابن خاله، أو رجالا من عشيرته، فارجعوا وخلّوا بين محمد وسائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذى أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم (^٢)، ولم تعرّضوا منه ما تريدون. فقال أبو جهل: والله لا نرجع بعد أن أمكننا منهم.
وأقبل نفر من قريش حتى وردوا الحوض؛ منهم حكيم بن حزام، فأراد المسلمون طردهم فقال رسول الله ﷺ: دعوهم.
فوردوا الماء فشربوا، فما شرب منهم أحد إلا قتل إلاّ ما كان من حكيم بن حزام فإنه نجا (^٣).
وبعثت قريش عمير بن وهب الجمحىّ ليحرز المسلمين، فجاء بفرسه نحو العسكر ثم رجع فقال: القوم ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا
_________________
(١) الإضافة عن المرجع السابق ٤:٥٣.
(٢) فى ت «أكفاكم» والمثبت عن م، وسيرة النبى لابن هشام ٢:٤٥٤، والاكتفا ٢:٢٦، وسبل الهدى والرشاد ٤:٥٢،٢١٨، وتاريخ الخميس ١:٣٧٧.
(٣) السيرة النبوية لابن كثير ٢:٤٠٤.
[ ١ / ٤١٠ ]
أو ينقصون، معهم سبعون بعيرا وفرسان، ولكن أمهلونى حتى أنظر إلى القوم هل لهم كمين؟ فضرب فى الوادى حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع فقال: ما رأيت شيئا، ولكنى رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا؛ نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، ألا ترونهم خرسا لا يتكلّمون، يتلمظون تلمظ الأفاعى؟ والله ما أرى أن يقتل منهم رجل حتى يقتل منكم رجلا، فإذا أصابوا منكم مثل عددهم فما خير فى العيش بعد ذلك، فروا رأيكم (^١).
فبعثوا أيضا أبا سلمة الجشمىّ، فأطاف بالمسلمين على فرسه، ثم رجع فقال: والله ما رأيت جلدا، ولا عددا (^٢)، ولا حلقة ولا كراعا، ولكنى رأيت قوما لا يريدون أن يئوبوا إلى أهليهم، قوما مستميتين ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، زرق العيون كأنها الحصى تحت الحجف (^٣)، فروا رأيكم.
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى فى الناس ليرجعوا، وجاء إلى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيّدها؛ هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟ -أو هل
_________________
(١) الاكتفا ٢:٢٥، والإمتاع ١:٨٢،٨٣، والسيرة الحلبية ٢:٣٩٥، ٣٩٦.
(٢) كذا فى الأصول. وفى الإمتاع ١:٨٣ «عدادا».
(٣) الحجف: جمع حجفة وهى الدرقة أو الترس من جلد. (الإمتاع ١: ٨٣، وسبل الهدى ٤:٢١٨)
[ ١ / ٤١١ ]
لك إلى أن تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ -قال: وما ذاك يا حكيم، أفعل ماذا؟ فقلت: إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمى، وهو حليفك فتحمّل بديته، وترجع بالناس. فقال له:
أنت وذاك؛ فأنا أتحمّل بدية حليفى فاذهب إلى ابن الحنظلية (^١) - يعنى أبا جهل-فقل له: هل لك إلى أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك؟ فجئت فإذا هو فى جماعة من بين يديه ومن ورائه، وإذا عامر بن الحضرمى واقف على رأسه وهو يقول: نسخت (^٢) عقدى من عبد شمس، وعقدى إلى بنى مخزوم. ووجدته قد نثل (^٣) درعا له من جرابها وهو يهنئها (^٤)، فقلت له: إن عتبة أرسلنى إليك، وهو يقول لك: هل لك أن ترجع بالناس عن ابن عمك؟ قال: أما وجد رسولا غيرك، انتفخ والله سحره (^٥) حين رأى محمدا، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة الجزور، وفيهم ابنه وقد تخوفكم عليه-يعنى أبا حذيفة بن عتبة، وكان قد أسلم-قال حكيم:
فخرجت أبادر إلى عتبة، وعتبة متكئ على أيماء بن رحضة-وقد
_________________
(١) والحنظلية أم أبى جهل، وهى أسماء بنت مخربة أحد بنى نهشل بن دارم بن مالك بن تميم (سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٥٤).
(٢) كذا فى الأصول. وفى تاريخ الخميس ١:٣٧٧ «قد فسخت عقدى».
(٣) أى استخرجها من جرابها، ويقال للدرع الواسعة النثيلة. (سبل الهدى والرشاد ٤:٢١٨)
(٤) يهنئها: أى يطليها ويتفقدها. (المرجع السابق)
(٥) انتفح سحره: كلمة تقال للجبان. (تاريخ الخميس ١:٣٧٨) والسحر: الرئة وما حولها مما يعلق بالحلقوم من فوق السرة. (سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٥٥)
[ ١ / ٤١٢ ]
أهدى إلى المشركين عشر جزائر-فطلع أبو جهل والشّرّ فى وجهه، فقال لعتبة: انتفخ والله سحرك. فقال له عتبة: ستعلم. فسلّ أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه، فقال أيماء بن رحضة: بئس الفأل هذا. ثم بعث إلى عامر بن الحضرمى أخى عمرو المقتول بنخلة وقال له: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وحثّه على أخذ ثأر أخيه، وقال له: قد رأيت ثأرك بعينك، فقم فاشهد (^١) مقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرمى فاكتشف ثم حثى (^٢) على رأسه التراب وصرخ: وا عمراه وا عمراه: فأفسد على الناس الرأى الذى دعاهم إليه عتبة، ثم حرّش بين الناس، وحمل فناوش المسلمين، وحميت الحرب، فخرج إليهم مهجع مولى عمر فقتله عامر.
فلما تراجف (^٣) الناس قال الأسود بن عبد الأسود المخزومى:
أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتن دونه. فشدّ حتى دنا منه، فاستقبله حمزة بن عبد المطلب فضربه فأطنّ (^٤) قدمه، فزحف الأسود حتى وقع فى الحوض فهدمه برجله الصحيحة وشرب منه، وحمزة يتبعه، فضربه فى الحوض فقتله (^٥).
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى المرجع السابق، وسبل الهدى والرشاد ٤:٥٣، وتاريخ الخميس ١:٣٧٨ «فقم فانشد حفرتك ومقتل أخيك».
(٢) حثى: واوية ويائية.
(٣) تراجف: أى تهيئوا للحرب. (المعجم الوسيط)
(٤) أطن قدمه: أطار قدمه. (هامش المغازى للواقدى ١:٦٨)
(٥) الإمتاع ١:٨٤،٨٥.
[ ١ / ٤١٣ ]
وخرج عتبة وشيبة، والوليد بن عتبة فدعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة فتيان من الأنصار، وهم: معاذ ومعوّذ وعوف بنو عفراء- ويقال ثالثهم عبد الله بن رواحة-فاستحيا رسول الله ﷺ وكره أن يكون أوّل قتال لقى فيه المسلمون المشركين فى الأنصار، وأحبّ أن تكون الشوكة لبنى عمه وقومه، فأمرهم بالرجوع، فرجعوا إلى مصافّهم، وقال لهم خيرا، ثم نادى منادى المشركين: يا محمد أخرج لنا الأكفاء من قومنا. فقال النبى ﷺ: يا بنى هاشم قوموا فقاتلوا لحقّكم (^١) الذى جاء به نبيّكم إذ جاءوا بباطلهم ليطفئوا نور الله.
فقام حمزة وعلىّ وعبيدة بن الحارث بن المطلب، فمشوا إليهم، فقال عتبة لابنه: قم يا وليد. فقام فقتله علىّ، ثم قام عتبة فقتله حمزة، ثم قام شيبة فقام إليه عبيدة بن الحارث فضربه شيبة فقطع ساقه، فكرّ حمزة وعلىّ فقتلا شيبة (^٢)، واحتملا عبيدة إلى الصف، فنزلت فيهما (^٣) هذه الآية/ ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (^٤)
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى المغازى للواقدى ١:٦٨، والإمتاع ١:٨٥، والسيرة الحلبية ٢:٤٠١ «بحقكم».
(٢) كذا فى الأصول، والمغازى للواقدى ١:٦٩، والإمتاع ١:٨٥. وفى سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٥٦، وسبل الهدى والرشاد ٤:٥٨، وتاريخ الخميس ١:٣٧٨ «بارز حمزة شيبة وأبو عبيدة عتبة» وانظر الخلاف فى ذلك فى شرح المواهب ١:٤١٧، والسيرة الحلبية ٢:٤٠١.
(٣) علق الأستاذ محمود شاكر بهامش الإمتاع ١:٨٥ على هذا الضمير بقوله: لا معنى لتخصيص الآية باثنين، وإنما نزلت فى الذين تقاتلوا من المؤمنين والمشركين عامة ولذلك قال الله تعالى (اختصموا) فجمع. وفى سبل الهدى والرشاد ٤:٥٨ «نزلت فى الذين برزوا يوم بدر». وفى تاريخ الخميس ١:٣٧٨ «نزلت فى هؤلاء الستة».
(٤) سورة الحج آية ١٩.
[ ١ / ٤١٤ ]
واستفتح أبو جهل يومئذ فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعلم، فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح على نفسه، فأنزل الله ﷿ ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (^١) الآية. وقال أيضا يومئذ:
ما تنقم الحرب العوان منى … بازل عامين حديث سنّى
لمثل هذا ولدتنى أمى (^٢)
وتصوّر إبليس فى صورة سراقة [بن مالك] (^٣) بن جعشم [المدلجى] (^٣) يذمر (^٤) المشركين، ويخبرهم أنّه لا غالب لهم من الناس، فلما أبصر عدّو الله الملائكة نكص على عقبيه وقال: إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون. فتشبّث به الحارث بن هشام-وهو يرى أنه سراقة-فضرب فى صدر الحارث فسقط، وانطلق إبليس لا يرى حتى وقع فى البحر (^٥).
وأقبل أبو جهل يحضّ المشركين على القتال، بكلام كثير.
وأبصر بلال أميّة بن خلف فنادى: يا معشر الأنصار، أميّة ابن خلف رأس الكفر، لا نجوت إن نجا. فأقبلوا حتى طرحوا أميّة بن خلف على ظهره، فقطع الحباب بن المنذر أرنبة أنفه، وضربه خبيب ابن يساف حتى قتله (^٦).
_________________
(١) سورة الأنفال آية ١٩.
(٢) الإمتاع ١:٨٦، وسبل الهدى والرشاد ٤:٧٧، والسيرة الحلبية ٢:٤١٨.
(٣) الإضافة عن الإصابة ٢:١٩.
(٤) يذمر: أى يحرص. (القاموس المحيط)
(٥) الإمتاع ١:٨٦.
(٦) الإمتاع ١:٩٠.
[ ١ / ٤١٥ ]
ثم إن رسول الله ﷺ ابتهل إلى الله تعالى، وأكثر من الدعاء، وأخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا، ثم قال:؟؟؟ هت الوجوه. ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه فقال: شدّوا. وأيّدهم؟؟؟ الله بالملائكة فقاتلوا معهم، فكانت الهزيمة على المشركين؛ فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم، فقال النبىّ ﷺ لأصحابه: أنى قد عرفت أنّ رجالا من بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى منكم أحدا من بنى هاشم فلا يقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب عمّ النبى- ﷺ-فلا يقتله، إنما أخرج مستكرها (^١). ونهى عن قتل أبى البخترىّ بن هشام فقتله المجذّر بن ذياد حيث لم يستأسر له- ويقال بل قتله أبو داود المازنى (^١) -ونهى عن قتل الحارث بن عامر ابن نوفل؛ فقتله خبيب بن يساف وهو لا يعرفه. ونهى عن قتل زمعة بن الأسود؛ فقتله ثابت بن الجذع وهو لا يعرفه (^١). وقتل علىّ بن أميّة بن خلف؛ قتله عمّار بن ياسر. وعبيدة بن سعيد بن العاص؛ قتله الزّبير بن العوام. وعاصم بن أبى عوف بن هبيرة السّهمى؛ قتله أبو دجانة. وعبد الله بن المنذر بن أبى رفاعة، وحرملة بن عمرو؛ قتلهما علىّ-وهو يراهما أبا جهل-وقيس بن الفاكه؛ قتله حمزة-وهو يراه أبا جهل.
وصمد معاذ بن عمرو بن الجموح إلى أبى جهل وضربه طرح رجله من الساق، فأقبل عكرمة بن أبى جهل على معاذ فضربه
_________________
(١) الإمتاع ١:٨٩،٩٠.
[ ١ / ٤١٦ ]
على عاتقه طرح يده من العاتق، وبقيت الجلدة، فوضع معاذ عليها رجله وتمطّى عليها حتى قطعها؛ وضرب أبا جهل مع معاذ معوّذ وعوف ابنا عفراء.
ولما وضعت الحرب أوزارها أمر رسول الله ﷺ أن يلتمس أبو جهل، فوجده عبد الله بن مسعود فى آخر رمق، فوضع رجله على عنقه وضربه فقطع رأسه-ويقال إن معاذا ومعوّذا ابنى عفراء أثبتا أبا جهل، وضرب ابن مسعود عنقه فى آخر رمق-وقد رأى فى كتفيه آثار السياط (^١).
وقال النبى ﷺ: اللهم اكفنى نوفل بن خويلد. فأسره جبّار بن صخر، فلقيه علىّ فقتله (^٢).
وأسر أبو بردة بن نيار رجلا يقال له معبد بن معبد (^٣) من بنى سعد بن ليث، فلقيه عمر بن الخطاب-قبل أن يتفرّق الناس-فقال: أترون يا عمر أنكم قد غلبتم؟! كلاّ واللات والعزّى. فقال عمر: يا عدوّ الله أتتكلم وأنت أسير فى أيدينا؟! ثم أخذه من أبى بردة فضرب عنقه-ويقال إن أبا بردة قتله.
وأمر النبى ﷺ بالقلب فغوّرت، وطرحت القتلى فيها، إلا أميّة بن خلف فإنه كان سمينا فانتفخ، ولما أرادوا أن يلقوه تزايل (^٤).
_________________
(١) وفى سبل الهدى والرشاد ٤:٧٩ «فأتى-عبد الله بن مسعود-إلى النبى ﷺ فأخبره بذلك، فقال: ذلك ضرب الملائكة.» وانظر الإمتاع ١:٩١.
(٢) الإمتاع ١:٩٢، والسيرة الحلبية ٢:٤١٧.
(٣) كذا فى الأصول. وفى الإمتاع ١:٩٥ «معبد بن وهب من بنى سعد بن ليث».
(٤) تزايل: تفرق لحمه وتفكك. (هامش الامتاع ١:٩٧)
[ ١ / ٤١٧ ]
ثم وقف النبى ﷺ فناداهم: يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا أميّة بن خلف، يا أبا جهل بن هشام؛ هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا، فإنى قد وجدت ما وعدنى ربى حقا؟ بئس القوم كنتم لنبيّكم؛ كذّبتمونى وصدّقنى الناس، وأخرجتمونى وآوانى الناس، وقاتلتمونى ونصرنى الله (^١). قالوا: يا رسول الله، تنادى قوما قد ماتوا!! قال: قد علموا أن ما وعدهم ربّهم حق.
وصلى النبىّ ﷺ العصر، وسار نحو المدينة ومعه الأسرى؛ وهم سبعون أسيرا، وفيهم العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبى طالب-وقد خرجا كرها-ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعقبة بن أبى معيط-وكان خرج كارها-وحلّ به جمله فى خدد من الأرض-أو جمحت به فرسه-فأخذه عبد الله بن سلمة العجلانى. فأمر رسول الله ﷺ عاصم (^٢) بن ثابت بن أبى الأقلح فضرب عنقه صبرا-بعرق الظّبية (^٣) -وهو راجع إلى المدينة، وصدق رسول الله ﷺ فى قوله له: إن وجدتك خارج جبال مكة قتلتك صبرا. ولما أمر بقتله قال: أتقتلنى من بين هؤلاء وأنا أكبرهم سنّا وأكثرهم مالا؟! فقال: نعم؛ بما بزقت فى وجهى. فأنزل الله
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى الإمتاع ١:٩٨، وسبل الهدى والرشاد ١:٨٥ «ونصرنى الناس».
(٢) كذا فى م، والمغازى للواقدى ١:١٣٨، والإمتاع ١:٩٠، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٤٩٣، وسبل الهدى والرشاد ٤:٩٧. وفى ت «عامر».
(٣) عرق الظبية: موضع بوادى الروحاء، وقال السهيلى الظبية شجرة تشبه القتادة يستظل بها، وبهذا الموضع قتل عقبة بن أبى معيط صبرا (وفاء الوفا ٢:٣٤٠)
[ ١ / ٤١٨ ]
﷿ فى ابن أبى معيط ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا﴾ (^١)
وبلغ الخبر إلى أهل مكة؛ فكان أوّل من قدم به الحيسمان (^٢) بن عبد الله بن إياس الخزاعى. قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: كنت غلاما للعبّاس، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وأسلمت أمّ الفضل وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم، ويكتم إسلامه، وكان ذا مال كبير متفرق [فى قومه] (^٣) فلما جاء الخبر عن مصائب أهل بدر وجدنا فى أنفسنا قوّة وعزّة؛ فو الله إنى لجالس فى حجرة زمزم أنحت القداح- وعندى أمّ الفضل جالسة، وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر-إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه فجلس، فأقبل أبو سفيان بن الحارث، فقال له أبو لهب: هلمّ إلىّ يا ابن أخى فعندك الخبر. فجلس إليه، فقال: أخبرنى كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شئ، والله إن كان إلاّ أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا ويأسرون كيف شاءوا، وأيّم الله-مع ذلك-ما لمت الناس؛ لقينا رجالا بيضا على خيل
_________________
(١) سورة الفرقان الآيات ٢٧ - ٢٩. وانظر السيرة الحلبية ٢:٤٤١،٤٤٢.
(٢) فى ت «الحسرات بن عبد الله» وفى م «الحزان بن عبد الله» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٧٣، والمغازى للواقدى ١:١٢٠، والإصابة ١:٣٦٦، وسبل الهدى والرشاد ٤:١٠١، وتاريخ الخميس ١:٣٨٨.
(٣) الإضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٧٤.
[ ١ / ٤١٩ ]
بلق بين السماء والأرض ما يقوم لها شئ. قال أبو رافع: فقلت: فتلك الملائكة. فرفع أبو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة، فثاورته فاحتملنى فضرب بى الأرض، ثم برك علىّ يضربنى، فقامت أم الفضل إلى عمود فضربته ضربة شجّته، وقالت: تستضعفه إذ غاب عنه سيّده؟ فقام مولّيا ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى مات (^١).
وناحت قريش على قتلاها بمكّة شهرا، وجزّ النساء شعورهن.
ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ ذلك محمدا وأصحابه فيشمتوا بنا، ولا تبعثوا فى فداء الأسارى حتى تستأنوا بهم لئلا يشتطّ عليكم فى الفداء./
وكان الأسود بن عبد يغوث قد أصيب ثلاثة من ولده: زمعة وعقيل والحارث، وكان يحبّ أن يبكى بنيه، فسمع نائحة من الليل فقال لغلامه: انظر هل أحلّ النحيب؟ هل بكت قريش على قتلاها؛ لعلّى أبكى على زمعة فإن جوفى قد احترق؟ فقال الغلام: إنما هى امرأة تبكى على بعير أضلته (^٢).
ولمّا حبس النبى ﷺ الأسرى بعثوا إلى أبى بكر وعمر ليكلّما النبىّ ﷺ فى أمرهم، فأخذ أبو بكر رضى الله تعالى عنه يكلّم النبىّ ﷺ فيهم ويليّنه أن يمنّ عليهم أو يفاديهم، وأخذ عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه يحثّ رسول الله ﷺ على ضرب أعناقهم؛ فقبل النبىّ ﷺ منهم الفداء (^٣).
_________________
(١) وانظر المراجع السابقة، ودلائل النبوة ٢:٣٧٩، والسيرة الحلبية ٢:٤٤٤، ٤٤٥.
(٢) سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٧٥، وسبل الهدى والرشاد ٤:١٠٣، والسيرة الحلبية ٢:٤٤٥،٤٤٦.
(٣) الإمتاع ١:٩٧.
[ ١ / ٤٢٠ ]
وقدم جبير بن مطعم فى فداء الأسارى، وقدم أربعة عشر من قريش، فجعل ﷺ على كلّ واحد أربعين أوقية (^١)، وأربعة (^٢) آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى ألف [درهم] (^٣). ومنهم من منّ عليه لأنه لا مال له، ولم يقدم له أحد، أو لغير ذلك، ومنهم:
السّائب بن عبيد، وعبيد بن عمرو بن علقمة، وأبو عزّة عمرو بن عبد الله بن عمر الجمحى الشاعر، بعد ما أعطى النبىّ ﷺ ألاّ يقاتله ولا يكثر عليه أبدا. ومن الذين لا مال لهم من كان يحسن الكتابة-ولم يكن فى الأنصار من يحسنها-فقبل منه أن يعلّم عشرة من الغلمان الكتابة ويخلى سبيله؛ فتعلم يومئذ زيد بن ثابت الكتابة فى جماعة من غلمة الأنصار (^٤).
وجعل ﷺ على العباس مائة أوقيّة (^٥)، وعلى عقيل ثمانين أوقية. فقال العباس: لم، أللقرابة صنعت هذا؟! فو الذى يحلف به العباس لقد تركتنى فقير قريش ما بقيت. فقال: كيف تكون فقير قريش وقد استودعت بنادق الذهب أمّ الفضل، ثم أقبلت إليها فقلت لها: إن قتلت فقد تركتك غنيّة ما بقيت، وإن رجعت فلا
_________________
(١) زاد سبل الهدى والرشاد ٤:١٠٩ «من ذهب».
(٢) المراد أو أربعة آلاف درهم إلى ثلاثة آلاف درهم … الخ. وانظر سبل الهدى ٤:١٠٥
(٣) إضافة عن المرجع السابق.
(٤) الإمتاع ١:٩٧،١٠١.
(٥) وانظر فى فداء العباس المرجع السابق، وسبل الهدى والرشاد ٤:١٠٥، ١٠٩، والسيرة الحلبية ٢:٤٥٩.
[ ١ / ٤٢١ ]
يهمّنك شئ؟ فقال! إنى أشهد أن الذى تقول قد كان، وما اطلع عليه إلا الله. فأنزل الله تعالى على نبيه ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ (^١) -الآية، فقال العباس حين نزلت: لوددت أنّك كنت أخذت منى أضعافها؛ فأتانى الله خيرا منها. وفدى العباس عقيلا لأنّه لا مال له، وقال للنبى ﷺ: من قتلت من أشرافهم؟ فقال:
قتل أبو جهل. فقال: الآن صفا لك الوادى. ورجع إلى مكة (^٢).
ويقال إن العباس فدى نوفل بن الحارث، ثم أسلم، ويقال: بل هو الذى فدى نفسه برماحه؛ وذلك أن رسول الله ﷺ قال له: افد نفسك. قال: ما لى شئ أفتدى به. قال: افد نفسك برماحك التى بجدّة. فقال: والله ما علم أحد أن لى بجدة رماحا غيرى بعد الله، أشهد أنك رسول الله. ففدى نفسه بها، فكانت ألف رمح (^٣).
وكان فى الأسرى النّضر بن الحارث، أسره المقداد بن الأسود، فعرض على رسول الله ﷺ بالأثيل (^٤) -وقد سار من بدر فقتله علىّ بالسيف صبرا (^٥).
_________________
(١) سورة الأنفال آية ٧٠.
(٢) السيرة الحلبية ٢:٤٥٩، وتاريخ الخميس ١:٣٩٠،٣٩١، وانظر تفسير ابن كثير لسورة الأنفال.
(٣) الإصابة ٣:٥٧٧، الخصائص الكبرى ١:٥١٧، وسبل الهدى والرشاد ٤: ١٠٥ وشرح المواهب ١:٤٤٣.
(٤) الأثيل: موضع بين بدر والصفراء، به عين لآل جعفر بن أبى طالب (وفاء الوفا ٢:٢٤٢)
(٥) الإمتاع ١:٩٦.
[ ١ / ٤٢٢ ]
و[أسر] (^١) سهيل بن عمرو أيضا، ففرّ بالرّوحاء من مالك ابن الدّخشم، فقال النبى ﷺ: من وجده فليقتله. فوجده النبىّ ﷺ بين سمرات-وقد خرج مع الناس فى طلبه-فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله [دعنى] (^٢) أنزع ثنيّتيه يدلع (^٣) لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا أبدا. فقال النبى ﷺ: لا أمثّل به فيمثّل الله بى وإن كنت نبيا، ولعلّه يقوم مقاما لا تكرهه. ثم أسلم، وقام حين جاءته وفاة النبى ﷺ بخطبة أبى بكر (^٤) -بمكّة-كأنه كان سمعها، فقال عمر حين بلغه كلام سهيل: أشهد أنك رسول الله. يريد قول النبىّ ﷺ «لعلّه يقوم مقاما لا تكرهه».
وبعثت زينب بنت رسول الله ﷺ-فى فداء زوجها أبى
_________________
(١) سقط فى الأصول والإثبات عن الإمتاع ١:٩٥.
(٢) إضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٧٦، والسيرة الحلبية ٢:٤٥٥.
(٣) يدلع لسانه: أى يخرج لسانه. (السيرة الحلبية ٢:٤٥٥)
(٤) وفى السيرة الحلبية ٢:٤٥٥،٤٥٦ «فإنه لما مات رسول الله ﷺ أراد أكثر أهل مكة الرجوع عن الإسلام حتى خافهم أمير مكة عتاب بن أسيد ﵁ وتوارى، فقام سهيل بن عمرو ﵁ خطيبا فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله ﷺ وقال: أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، ألم تعلموا أن الله تعالى قال ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآيات، وتلا آيات أخر، ثم قال: والله إنى أعلم أن هذا سيمتد امتداد الشمس فى طلوعها وغروبها فلا يغرنكم هذا من أنفسكم-يعنى أبا سفيان- فإنه لا يعلم من هذا الأمر ما أعلم، لكنه قد ختم على صدره حسد بنى هاشم، وتوكلوا على ربكم فإن دين الله قائم وكلمته تامه، وإن الله ناصر من نصره ومقو دينه، وقد جمعكم الله على خيركم-يعنى أبا بكر ﵁-وقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رأيناه ارتد ضربنا عنقه …».
[ ١ / ٤٢٣ ]
العاص بن الرّبيع-بقلادة لها كانت لخديجة من جزع ظفار (^١) مع أخيه عمرو بن الرّبيع، فرقّ لها رسول الله ﷺ وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا عليها متاعها فعلتم. قالوا: نعم. فأطلقوا أبا العاصى وردّوا القلادة إلى زينب، وأخذ النبى ﷺ على أبى العاصى أن يخلى سبيل زينب، فوعده على ذلك. وكان الذى أسره عبد الله بن جبير بن النعمان أخو خوّات بن جبير (^٢).
ولما قدم أبو العاصى مكّة أمر زينب ابنة النبى ﷺ باللحوق بأبيها، فتجهّزت وقدّم إليها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيرا فركبته، وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقودها-وهى فى الهودج-فتحدّث بذلك رجال من قريش، فخرجوا فى طلبها، فأدركوها بذى طوى. وكان أوّل من سبق إليها هبّار بن الأسود، فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى طرحها وألقت ما فى بطنها، وأهريقت دما-وكانت حاملا-ولم يزل بها مرضها ذلك حتى ماتت بالمدينة، ونزل (^٣) حموها ينثر كنانته وقال: والله لا يدنو منى رجل إلا وضعت فيه سهما. فرجع الناس عنه، فجاء أبو سفيان فقال: ويحك قد عرفت مصيبتنا، ثم خرجت بالمرأة علانية؛ فيظنّ الناس أن ذلك عن ذلّ منا، ولعمرى ما لنا حاجة فى حبسها عن أبيها، ولكن ردّها، فإذا هدأ الصوت، وتحدّث الناس أنّا قد رددناها فسر بها سرّا فألحقها بأبيها. ففعل.
_________________
(١) جزع ظفار: خرز منسوب إلى ظفار، فيه سواد وبياض كأنه عين. (هامش الأمتاع ١:١٠٠)
(٢) الإمتاع ١:١٠٠،١٠١.
(٣) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٨٠، والسيرة الحلبية ٢: ٤٥٤ «برك».
[ ١ / ٤٢٤ ]
وتشاجر فى زينب بنو هاشم وبنو أميّة-وكانت عند هند بنت عتبة بن ربيعة، وكانت تقول لها هند: هذا فى سبيل أبيك.
وقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتجئ بزينب؟ فقال: بلى يا رسول الله. قال: فخذ خاتمى فأعطه إيّاها. فانطلق زيد فلم يزل يتلطّف حتى لقى راعيا فقال: لمن ترعى؟ قال: لأبى العاص. قال: فلمن هذه الغنم؟ قال: لزينب بنت محمد، فسار معه شيئا ثم قال: هل لك أن أعطيك شيئا تعطيها إيّاه، ولا تذكره لأحد؟ قال: نعم. فأعطاه الخاتم، فانطلق الراعى فأدخل الغنم وأعطاها الخاتم، فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل. قالت: فأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا.
فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه، فلما جاءته قال: اركبى بين يدىّ على بعيرى. قالت: لا، ولكن اركب أنت بين يدىّ.
فركب وركبت وراءه حتى أتت المدينة. فكان رسول الله ﷺ يقول:
هى أفضل بناتى؛ أصيبت فىّ (^١).
ولما كان بعد مصاب أهل بدر بيسير جلس عمير بن وهب الجمحى مع صفوان بن أميّة فى الحجر-وكان عمير شيطانا من شياطين قريش، وكان يؤذى رسول الله ﷺ وأصحابه، وكان ابنه وهب بن عمير فى أسارى بدر-فذكر أصحاب القليب ومصابهم،
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٧٧ - ٤٨٢، والاكتفا ٢:٥٤ - ٥٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٥١٨، والسيرة الحلبية ٢:٤٥٤. وتاريخ الخميس ١: ٣٩٠ - ٣٩٢.
[ ١ / ٤٢٥ ]
فقال صفوان: والله أن ليس فى العيش خير بعدهم. فقال عمير:
صدقت، أما والله لولا دين علىّ ليس عندى قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضّيعة بعدى لركبت إلى محمد حتى أقتله؛ فإن لى قبلهم علّة: ابنى أسير فى أيديهم. فقال صفوان: فعلىّ دينك أن أقضيه عنك، وعيالك مع عيالى أواسيهم (^١) ما بقوا، قال عمير: فاكتم علىّ شأنى وشأنك. قال: أفعل. ثم إن عميرا أمر بسيفه فشحذ له وسمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فرآه عمر قد أناخ بعيره على باب المسجد متوشّحا السيف، فقال: هذا عدوّ الله عمير ما جاء إلاّ لشرّ، وهو الذى حرشّ بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا نبىّ الله هذا عدوّ الله عمير، قد جاء متوشحا سيفه. قال: فأدخله علىّ. فأقبل عمر حتى أخذ بحمائل سيفه فى عنقه، قال: أرسله يا عمر، أدن يا عمير. فدنا ثم قال: أنعموا صباحا-وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم-فقال رسول الله ﷺ: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتكم يا عمير؛ بالسلام تحية أهل الجنة، ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لأفتدى الأسير الذى بين أيديكم، فأحسنوا فيه. قال ﷺ: فما بال السّيف فى عنقك؟ قال: قبّحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا، إنما أنسيته (^٢) حين نزلت وهو فى عنقى. فقال النبىّ ﷺ: اصدقنى
_________________
(١) فى الأصول «آسوتهم». والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٨٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٤٨٦، والسيرة الحلبية ٢:٤٥٧.
(٢) فى الأصول «نسيتها» والمثبت عن الإمتاع ١:١٠٠.
[ ١ / ٤٢٦ ]
ما الذى جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك. فقال: بل (^١) قعدت أنت وصفوان بن أميّة فى الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علىّ (^٢) وعيال عندى (^٢) لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلنى، والله حائل بينى وبينك. فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، وأنك صادق، قد كنا نكذب [ك بما تأتى به من خبر السماء] (^٣)، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فو الله إنى لأعلم ما أتاك به إلاّ الله، والحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق. ثم شهد شهادة الحقّ، فقال رسول الله ﷺ: فقّهوا أخاكم فى دينه، وعلّموه القرآن، وأطلقوا له أسيره. ففعلوا، ثم قال:
يا رسول الله إنى كنت جاهدا فى إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وإنى أحبّ أن تأذن لى فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، ولعلّ الله أن يهديهم، وإلاّ آذيتهم فى دينهم كما كنت أوذى أصحابك فى دينهم. فأذن له، فلحق بمكّة.
وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن فى أيّام تنسيكم وقعة بدر. وكان صفوان يسأل عنه الرّكبان، حتى قدم ركب فأخبره بإسلامه، فحلف ألاّ يكلمه
_________________
(١) فى الأصول «بلى» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٤٨٦، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٤٨٧.
(٢) بياض فى ت. وفى م «وعلى عيالى» والمثبت عن المرجعين السابقين.
(٣) الإضافة عن المرجعين السابقين.
[ ١ / ٤٢٧ ]
أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا. فلما قدم مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذى من خالفه، فأسلم على يديه ناس كثير.
ولما رجع أبو سفيان بن حرب، [وفل] (^١) من المشركين من بدر-وقتلت رءوسهم-نذر ألا يمسّ رأسه دهن ولا طيب، ولا يقرب أهله حتى يثأر من محمد وأصحابه بمن أصيب من قومه، فلم يجتمع له الناس كما يريد، فأقبل فى مائتى راكب-ويقال: ثلاثين، ويقال: أربعين-حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له ثيب (^٢) من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل حتى أتى بنى النّضير فضرب على حيىّ بن أخطب بابه فلم يفتح له وخافه، فذهب عنه إلى سلاّم بن مشكم-وكان سيّد بنى النضير فى زمانه ذلك، وصاحب كنزهم (^٣) -فاستأذن عليه فأذن له، وقراه وسقاه خمرا، وأبطن له من خبر الناس، ثم خرج فى عقب ليلته حتى جاء أصحابه، فبعث رجلا أو رجلين منهم وأمرهما أن يحرقا أدنى نخل
_________________
(١) الإضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٥٥٩، وعيون الأثر ١:٢٩٦، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٥٤٠، وسبل الهدى والرشاد ٤:٢٥٨.
(٢) كذا فى م، وسيرة النبى لابن هشام ٢:٥٥٩ - وانظر تحرير اللفظ بين ثيب، وتيت، ويتيب فى وفاء والوفا فى الفصل الحادى عشر فى بيان الألفاظ المتعلقة بتحرير حرم المدينة وهو جبل شرقى المدينة، وكذا هو فى العقيق. وقد أورد فى شرحه ما هنا من حديث غزوة السويق.
(٣) أى المال الذى كانوا يجمعونه ويدخرونه لنوائبهم وما يعرض لهم، وكان حليا يعيرونه لأهل مكة. (السيرة الحلبية ٢:٤٧٩)
[ ١ / ٤٢٨ ]
يأتيانه من نخل المدينة، فأتوا ناحيه منها يقال لها العريض على ثلاثة أميال منها، فحرقا حرثا لهم وقتلا رجلا من الأنصار وأجيرا له فى حرث لهما، وانطلقا، فانطلق أبو سفيان وأصحابه-ورأى أن يمينه قد برّت-سراعا هاربين قبل مكة، ونذر بهم الناس، فخرج رسول الله ﷺ ومعه مائتا راكب-ويقال: ثمانون راكبا-من المهاجرين والأنصار فى إثرهم-واستخلف على المدينة أبا لبابة بشير ابن عبد المنذر-حتى بلغ قرقرة (^١) الكدر فلم يدركهم. وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخفّفون للهرب والنجاة فيلقون أزوادهم، وكان فيها سويق (^٢) -وهى عامة أزوادهم-فأخذها المسلمون، فسمّيت غزوة السّويق بذلك، وكان ذلك فى يوم الأحد لخمس خلون من ذى الحجة-وقيل فى صفر (^٣).
وفيها فى صفر مات أبو وهب المطعم بن عدىّ بن نوفل بن
_________________
(١) القرقرة: أرض ملساء، والكدر: طير فى ألوانها كدرة. وعرف بها ذلك الموضع؛ يعنى أنها مستقر هذه الطيور. (سبل الهدى والرشاد ٤:٢٥٦) وفى وفاء الوفا ٢:٣٦٥ «بناحية معدن بنى سليم قريب من الأرحضية وراء سد معاوية، بلغها رسول الله ﷺ فى غزوة السويق يطلب أبا سفيان».
(٢) السويق: قمح أو شعير يقلى ثم يطحن ليسف، تارة بماء وتارة بسمن، وتارة بعسل وسمن- (السيرة الحلبية ٢:٤٨٠)
(٣) سيرة النبى لابن هشام ٢:٥٥٨،٥٥٩، ودلائل النبوة ٢:٤٣٢ - ٤٣٤، وتاريخ الخميس ١:٤١٠.
[ ١ / ٤٢٩ ]
عبد مناف كافرا، ودفن بالحجون، فأقيم النوح عليه سنة. وأبو أحيحة سعد بن العاص بن أمية كافرا بالطائف (¬*).
***