فيها-بعد أن أتت على النبى ﷺ إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر-أتاه جبريل وميكائيل-وهو قائم فى بيته ظهرا يوم الجمعة، لسبعة عشر يوما خلون من شهر رمضان، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا-فقالا له: انطلق إلى ما كنت تسأل-وذلك أن النبى ﷺ كان يسأل أن يرى الجنة والنار-فذهبا به إلى ما بين زمزم والمقام، فأتى بالمعراج-وهو أحسن شئ منظرا-فعرجا به إلى السموات السبع سماء سماء (^٣).
_________________
(١) سورة الأحزاب الآيتان ٤٥،٤٦.
(٢) كذا فى الأصول، ودلائل النبوة ٢:١٦٨. وفى عيون الأثر ١:١٥٥ «يتجازون».
(٣) عيون الأثر ١:١٤٦،١٤٧.
[ ١ / ٣٢٤ ]
ويقال: إن النبى ﷺ قال: بينا أنا جالس إذ جاء جبريل فوكز بين كتفىّ، فقمت معه إلى شجرة فيها مثل وكرى الطير، فقعد جبريل فى أحدهما وقعدت فى الآخر، فسمت وارتفعت حتى سدّت الخافقين وأنا أقلب طرفى (^١).
ويقال: إن النبى ﷺ كان فى ملأ من أصحابه، فجاءه جبريل فنكث فى ظهره، فذهب به إلى الشجرة (^٢).
ويقال: إن النبى ﷺ قال: فرج سقف بيتى وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدرى، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، ثم أفرغها فى صدرى ثم أطبقه، ثم أخذ بيدى فعرج بى إلى السماء (^٣).
ويقال: إن النبى ﷺ كان فى بيت أم هانئ راقدا وقد صلّى العشاء الأخيرة (^٤).
وفيها-أو فى التى بعدها-سمعت قريش قائلا يقول فى الليل على أبى قبيس:-
فإن يسلم السعدان يصبح محمد … بمكة لا يخشى خلاف المخالف
_________________
(١) تاريخ الإسلام ٢:١٦١، والخصائص الكبرى ١:٣٩١، وسبل الهدى والرشاد ٣:١٠٥.
(٢) الخصائص الكبرى ١:٣٩١.
(٣) عيون الأثر ١:١٤٥، وتاريخ الإسلام ٢:١٦٦،١٦٧.
(٤) تاريخ الإسلام ٢:١٧٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٩٦،٩٧، وسبل الهدى والرشاد ٣:٩٤.
[ ١ / ٣٢٥ ]
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان؟! سعد بن بكر، وسعد بن تميم، وسعد بن هذيم (^١).
فلما كانت الليلة الثانية سمعوه يقول:-
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا … ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعى الهدى وتمنيّا … على الله فى الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطّالب الهدى … جنان من الفردوس ذات رفارف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ، وسعد ابن عبادة (^٢).
وفيها وافى الموسم-من الأنصار-اثنا عشر رجلا، وقيل أحد عشر رجلا، منهم تسعة من الخزرج وهم: أسعد بن زرارة، وابنا عفراء عوف ومعاذ (^٣) ابنا الحارث بن رفاعة، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر، وذكوان ابن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق، وعبادة بن الصّامت، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم،
_________________
(١) فى الأصول «جذيم». والمثبت عن الروض الأنف ٢:١٩٩، والخصائص الكبرى ١:٤٦٤.
(٢) تاريخ الإسلام ٢:١٩٢.
(٣) فى تاريخ الإسلام ٢:١٩٤ «ومعوذ».
[ ١ / ٣٢٦ ]
وثلاثة من الأوس وهم: أبو الهيثم مالك بن التّيّهان، وعويم بن ساعدة، والبراء بن معرور-وقيل عوض البراء عباس بن عبادة بن نضلة-فأسلموا.
وقد كان مع النبى ﷺ حينئذ أبو بكر وعلى. فبايعوه عند العقبة على الإسلام-وهى البيعة الأولى-كبيعة النساء على ألا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوه فى معروف، والسمع والطاعة فى العسر واليسر، والمنشط والمكره-وأسرّه علينا- وألا ينازعوا الأمر أهله، وأن يقولوا الحقّ أينما كان، لا يخافون فى الله لومة لائم. ثم قال النبى ﷺ: فإن وفّيتم بذلك فلكم الجنة، ومن غشى من ذلك شيئا كان أمره إلى الله ﷿؛ إن شاء عذّبه وإن شاء عفا عنه-ولم يكن فرض القتال يومئذ-ثم انصرفوا إلى المدينة، وبعث معهم النبى ﷺ مصعب بن عمير، وعبد الله بن أم مكتوم ليعلّما من أسلم القرآن، ويدعوا إلى الله ﷿ (^١).
ويقال: إنهم لمّا انصرفوا إلى بلادهم بعثوا إلى النبى ﷺ معاذ ابن عفراء، ورافع بن مالك فقالا: إنّ الإسلام فشا فينا، فآبعث إلينا رجلا من أصحابك يقرئنا القرآن، ويفقهنا فى الإسلام، ويقيم فينا سنّته وشرائعه، ويؤمنا فى صلاتنا. فبعث إليهم مصعب بن عمير أخا عبد الدار بن قصىّ (^٢).
***
_________________
(١) السيرة الحلبية ٢:١٦٢،١٦٣.
(٢) المرجع السابق.
[ ١ / ٣٢٧ ]