«وهى السنة الأولى من مبعثه ﷺ»
فيها بعد أن بلغ النبى ﷺ أربعين سنة-وقيل: وأربعين يوما، ويقال: وعشرة أيام، وقيل: وعشرين-أوحى الله ﷿ إلى نبيّه محمد ﷺ (^٢).
وكان ﷺ أوّل ما بدئ به من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (^٣).
_________________
(١) زادت م بعد هذا «رؤيا فى المنام».
(٢) طبقات ابن سعد ١:١٩٠، وشرح المواهب ١:٢٠٦،٢٠٧.
(٣) الوفا بأحوال المصطفى ١:١٦٢.
[ ١ / ١٦٢ ]
ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يأتى حراء فيتحنّث فيه-وهو التعبد-الليالى ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتى فجأه الحقّ وهو فى غار حراء، فنزل الملك على النبى ﷺ يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان (^١)، وقيل: لثمان عشرة خلت منه، وقيل: لأربع وعشرين ليلة خلت منه، ويقال: لسبع وعشرين من شهر رجب.
ويروى أن المبعث كان يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأوّل، ويقال: فى أول ربيع (^٢).
وقيل: كان ذلك فى سنة ثلاث وأربعين، ويقال فى سنة خمس وأربعين، لسبع وعشرين من رجب (^٣).
وقيل: أول ما أتى جبريل النبى ﷺ ليلة السبت، وليلة الأحد، ثم ظهر له برسالة الله إليه يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان-وكان النبى ﷺ صائما-فجاءه جبريل فقال: أبشر يا محمد؛ فأنا جبريل أرسلت إليك، وأنت رسول هذه الأمة.
فاطمأنّ له النبى ﷺ،/ثم أخرج له جبريل قطعة نمط فقال:
إقرأ. فكانت أوّل ما نزل من القرآن، فقال: والله ما قرأت شيئا قط. فقال: اقرأ. فقال رسول الله ﷺ: ما أنا بقارئ. فأخذه فغطّه
_________________
(١) طبقات ابن سعد ١:١٩٤، وشرح المواهب ١:٢٠٧.
(٢) شرح المواهب ١:٢٠٧.
(٣) وانظر السيرة الحلبية ١:٣٨٣،٣٨٤، وتاريخ الخميس ١:٢٨٠.
[ ١ / ١٦٣ ]
حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ حتى بلغ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (^١).
ثم أمره بالنزول إلى قرار الأرض، وأجلسه على بساط كهيئة الدّرنوك، فيه الياقوت واللؤلؤ. وعليه ثوبان أخضران، ثم ضرب برجله الأرض-ويقال: همز، وقيل: فحص بعقبه الأرض-فنبعت له عين ماء مزن، فتوضأ منها؛ غسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، وغسل رجليه إلى الكعبين، ثم نضح فرجه (^٢). ثم أمر النبىّ صلّى الله ﷺ فتوضّأ كذلك، ثم قام فصلّى بالنبى ﷺ ركعتين، وسجد أربع سجدات، ثم انصرف جبريل. وعقل النبى ﷺ رسالات ربّه، واتبع الذى جاء به جبريل من عند الله؛ فانصرف منقلبا إلى بيته لا يمر على شجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله.
فرجع مسرورا إلى أهله موقنا قد رأى أمرا عظيما (^٣). ورجع النبى ﷺ ترجف بوادره (^٤) حتى دخل على خديجة فقال:
زمّلونى، زملونى-حتى ذهب عنه الروع-يا خديجة ما لى؟!
_________________
(١) سورة العلق الآيات ١ - ٥. وانظر دلائل النبوة ١:٣٩٣، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٣٨٥.
(٢) عيون الأثر ١:٩١.
(٣) عيون الأثر ١:٨٣ وفيه «فرجع إلى بيته وهو موقن قد فاز فوزا عظيما» وكذا فى سبل الهدى والرشاد ٢:٣١٥.
(٤) البوادر: جمع بادرة وهى اللحمة بين المنكب والعنق. (المعجم الوسيط)
[ ١ / ١٦٤ ]
وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت على عقلى-أو قال: لقد أشفقت على نفسى، أو قال: لقد خشيت أن أكون كاهنا أو مجنونا-فثبتته وقالت: كلا والله لا يفعل الله ذلك، أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتؤدى الأمانة، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق.
ويروى أن النبى ﷺ لما جاء إلى خديجة أخذ بيدها حتى أتى بها العين، وأمرها فتوضّأت كما أراه جبريل، وصلّى بها كما صلى.
جبريل به، فكانت خديجة أوّل من آمن بالنبى ﷺ.
وانطلقت خديجة بالنبى ﷺ حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ، وهو ابن عم خديجة؛ ابن أخى أبيها. وكان امرأ تنصّر فى الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربى، يكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمى. فقالت خديجة: أى ابن عم، اسمع من ابن أخيك.
فقال ورقة: يا ابن أخى، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذى أنزل على موسى، يا ليتنى فيها جذعا، [ليتنى] (^١) أكون حيا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ: أو مخرجىّ هم؟ قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودى، فإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا (^٢).
_________________
(١) سقط فى الأصول والمثبت من الوفا بأحوال المصطفى ١:١٦٣.
(٢) المرجع السابق، وصفة الصفوة ١:٧٧ - ٨٠، ودلائل النبوة ١: ٣٩٤ - ٣٩٧، وعيون الأثر ١:٨٤،٨٥، وشرح المواهب ١:٢١١، والإمتاع ١: ١٣، وتاريخ الخميس ١:٢٨٢،٢٨٣.
[ ١ / ١٦٥ ]
ويروى أن خديجة أخبرت ورقة بالذى رأى النبى ﷺ، فقال: هل رأى زوجك صاحبه فى حضر؟ فقالت: نعم. فقال:
زوجك نبى وسيصيبه [من أمته (^١) بلاء].
ويروى أنه قال لما أخبرته خديجة: لئن كنت صدقتنى إنه ليأتيه الناموس الأكبر ناموس عيسى الذى لا تعلّمه بنو إسرائيل أبناءهم، ولئن نطق وأنا حى لأبلين الله فيه بلاء حسنا (^٢).
ويروى أن خديجة بنت خويلد قالت لرسول الله ﷺ-فيما تثبّته مما أكرمه الله به من نبوته-: يا ابن عم تستطيع أن تخبرنى بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك؟ فقال: نعم. فقالت: إذا جاءك فأخبرنى. فبينما رسول الله ﷺ عندها إذ جاء جبريل فرآه رسول الله ﷺ، فقال: يا خديجة هذا جبريل. فقالت: أتراه الآن؟ فقال: نعم. فقالت: فاجلس إلى شقى الأيمن. فتحول فجلس. فقالت: هل تراه الآن؟ قال: نعم. قالت: فتحوّل فاجلس فى حجرى. فتحول رسول الله ﷺ فجلس فى حجرها، فقالت: هل تراه الآن؟ قال: نعم. فحسرت رأسها فألقت خمارها-ورسول الله ﷺ جالس فى حجرها-فقالت: هل تراه الآن؟ قال: لا. قالت: ما هذا شيطان. إن هذا لملك يا ابن عم، فاثبت وأبشر. ثم آمنت به وشهدت أن الذى جاء به هو
_________________
(١) بياض فى الأصول بمقدار كلمتين إلى خمس. والمثبت من الخصائص الكبرى ١:٢٣٨.
(٢) سبل الهدى والرشاد ٢:٣٢٤،٣٢٥ من رواية أبى نعيم فى الدلائل.
[ ١ / ١٦٦ ]
الحق-ويروى أن خديجة أدخلت النبىّ ﷺ بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريل (^١).
ويروى، قال ورقة لما ذكرت له خديجة أنه ذكر لها جبريل:
سبّوح سبّوح، وما لجبريل يذكر فى هذه الأرض التى تعبد فيها الأوثان!! جبريل أمين الله بينه وبين رسله، اذهبى به إلى المكان الذى رأى فيه ما رأى، فإن أتاه فتحسّرى، فإن يكن من عند الله لا يراه. ففعلت فلما تحسّرت تغيّب جبريل ولم يره، فرجعت وأخبرت ورقة، فقال: إنه ليأتيه الناموس الأكبر الذى لا تعلّمه بنو إسرائيل أبناءهم إلا بالثمن (^٢).
ويروى: أن أبا بكر الصديق كان نديما للنبى ﷺ فى الجاهلية، وكان النبىّ ﷺ إذا برز سمع من يناديه: يا محمد. فإذا سمع الصوت انطلق هاربا، فأسرّ ذلك إلى أبى بكر (^٣).
ويروى: أن النبى ﷺ قال لخديجة: إذا خلوت وحدى سمعت نداء، وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا. فقالت: معاذ الله؛ ما كان الله ليفعل بك، فو الله إنك لتؤدّى الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر على خديجة-وليس رسول الله ﷺ ثمة-فذكرت خديجة حديثه لأبى بكر وقالت:
_________________
(١) دلائل النبوة ١:٤٠٧، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٦٤، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤١٠، والخصائص الكبرى ١:٢٣٦،٢٣٧، وسبل الهدى والرشاد ٢:٣١٤.
(٢) الوفا بأحوال المصطفى ١:١٦٤.
(٣) الخصائص الكبرى ١:٢٣٨.
[ ١ / ١٦٧ ]
يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة. فلما دخل رسول الله ﷺ أخذ أبو بكر بيده فقال: انطلق بنا إلى ورقة. فقال رسول الله ﷺ: من أخبرك؟ قال: خديجة. فانطلقا إليه، فقصّا عليه، فقال ﷺ: إذا خلوت وحدى سمعت نداء خلفى: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هاربا فى الأرض. فقال [ورقة] (^١): لا تفعل، فإذا أتاك فأثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتنى فأخبرنى. فلما خلا ناداه: يا محمد قل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ حتى إذا بلغ ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ ثم قال: قل آمين، ثم قال: قل لا إله إلاّ الله. فأتى النبى ﷺ ورقة فذكر ذلك له، فقال ورقة: أبشر ثم أبشر؛ فأنا (^٢) أشهد أنك الذى بشّر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبىّ مرسل، وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركنى ذلك لأجاهدنّ معك (^٣).
ويروى أن مجاورة النبى ﷺ لحراء كانت معه زوجته خديجة، وأن مجئ الملك إليه بحراء كان وهو نائم؛ وذلك فيما ورد أن النبى ﷺ قال: فجاءنى الملك وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ. فغتنى حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى-ويقال: ثم كشفه عنى-فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ.
_________________
(١) إضافة على ما فى الأصول.
(٢) كذا فى ت. وفى م، هـ «فإنى».
(٣) دلائل النبوة ١:٤١٢،٤١٣، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٦١، والخصائص الكبرى ١:٢٣٧.
[ ١ / ١٦٨ ]
فغتنى حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلنى فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ. فغتنى حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى قال: اقرأ. قلت:
ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا لأفتدى منه ألاّ يعود لى بمثل ما صنع بى، قال ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (^١) فقرأتها ثم انتهى فانصرف عنى، وهببت من نومى فكأنما كتب فى قلبى كتابا (^٢)، ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلى من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أنظر إليهما، فقلت: إن الأبعد-يعنى نفسه-لشاعر أو مجنون، ثم قلت لا تتحدث بهذا قريش عنى أبدا؛ لأعمدن إلى حالق من الجبل ولأطرحنّ نفسى منه فلأقتلنها فلأستريحنّ، فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت فى وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل.
فرفعت رأسى إلى السماء أنظر فإذا جبريل، فوقفت أنظر إليه، وشغلنى ذلك عما أريد، فوقفت وما أقدر على أن أتقدّم ولا أتأخر، وما أصرف وجهى فى ناحية من السماء إلا رأيته فيها، فما زلت واقفا لا أتقدم أمامى ولا أرجع ورائى حتى بعثت خديجة رسلها فى طلبى، حتى بلغوا [أعلى] (^٣) مكة ورجعوا إليها وأنا واقف فى مكانى ذلك، فلم أزل كذلك حتى كاد النهار أن يتحول، ثم
_________________
(١) سورة العلق الآيات ١ - ٥.
(٢) سبل الهدى والرشاد ٢:٣١٢.
(٣) الإضافة عن سيرة النبى لابن هشام ١:١٥٦.
[ ١ / ١٦٩ ]
انصرف عنى، فانصرفت راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مفضيا (^١) إليها، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فو الله لقد بعثت رسلى فى طلبك حتى بلغوا [أعلى] (^٢) مكة ورجعوا إلىّ. قال ﷺ فقلت لها: إن الأبعد لشاعر أو مجنون.
فقالت: أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم؛ ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك، وما ذاك يا ابن عم؟ لعلك رأيت شيئا أو سمعته. قلت: نعم، ثم حدثتها الذى رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عم، واثبت له؛ فو الذى نفس خديجة بيده-أو فو الذى يحلف به- إنى لأرجو أن تكون نبىّ هذه الأمة.
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل-وهو ابن عمها، وكان قد تنصّر، وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل-فأخبرته الخبر، وقصّت عليه ما قصّ [عليها] (^٣) رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع. فقال ورقة: قدّوس قدوس قدوس، والذى نفسى بيده لئن كنت صدقتينى يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبى هذه الأمة، فقولى له فليثبت.
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى المرجع السابق «مضينا». وفى دلائل النبوة ١: ٤٠٣ «مضيفا».
(٢) الإضافة عن سيرة النبى لابن هشام ١:١٥٦.
(٣) الإضافة عن دلائل النبوة ١:٤٠٤.
[ ١ / ١٧٠ ]
فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة، فسهّل عليه ذلك بعض ما كان فيه من الهم بما جاءه.
فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف، صنع فيه كما كان يصنع، فإنه ﷺ كان إذا انصرف أوّل ما يبدأ به الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته. فبدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل. وهو يطوف بالكعبة. وقال له: يا ابن أخى أخبرنى بما رأيت وسمعت، فقصّ عليه رسول لله ﷺ خبره، فقال له ورقة: والذى نفسى بيده إنك لنبىّ هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذى جاء موسى، ولتكذّبن ولتؤذين ولتقاتلن ولتنصرن، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرنك نصرا يعلمه الله. ثم أدنى إليه رأسه فقبّل يافوخه، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله، وقد زاده ذلك-من قول ورقة- ثباتا، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم (^١).
ويروى: أن النبى ﷺ شقّ صدره بحراء، وذلك فيما ورد (^٢): أن النبى ﷺ نذر أن يعتكف شهرا هو وخديجة بحراء، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج النبى ﷺ ذات ليلة فسمع:
السلام عليك، قال: فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعا حتى دخلت على خديجة، فسجّتنى بثوب وقالت: ما شأنك يا ابن عبد
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ١:١٥٥،١٥٦، ودلائل النبوة ١:٤٠٣،٤٠٤.
(٢) أى عن عائشة ﵂ كما فى الوفا بأحوال المصطفى ١:١٦٤، والخصائص الكبرى ١:٢٤٠.
[ ١ / ١٧١ ]
الله؟ فأخبرتها، فقالت: أبشر يا ابن عبد الله؛ فإن السلام خير. ثم قال: خرجت مرّة أخرى فإذا أنا بجبريل على الشمس، جناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب، فهبت (^١) منه فجئت مسرعا، فإذا هو بينى وبين الباب، فكلّمنى حتى أنست به، ثم وعدنى موعدا فجئت له، فأبطأ علىّ، فرأيت (^٢) أن أرجع، فإذا أنا به وميكائيل بين السماء والأرض قد سدّ الأفق. فهبط جبريل وبقى ميكائيل بين السماء والأرض، فأخذنى جبريل فسلقنى لحلاوة القفا، لم يمل به عن ذلك إلى أحد جانبيه، ثم شقّ عن قلبى، فاستخرج منه ما شاء الله أن يستخرج، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه، ثم أكفأنى كما يكفأ الأديم (^٣)، ثم ختم فى ظهرى حتى وجدت مسّ الخاتم فى قلبى، وأخذ بحلقى حتى أجهشت بالبكاء، ثم قال: اقرأ-ولم أك قرأت كتابا قط-فلم أدر ما أقرأ، ثم قال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ؟ قال ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى انتهى إلى خمس آيات منها، فما نسيت شيئا بعد. ثم وزننى برجل فوزنته، ثم وزننى بآخر فوزنته، حتى وزنت بمائة رجل. فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة، فجعلت لا يلقانى حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة فقالت:/السلام عليك يا رسول الله.
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى الوفا بأحوال المصطفى ١:١٦٥، والخصائص الكبرى ١:٢٤٠ «فهلت» وشرحها محقق الخصائص: أى خفت وفزعت.
(٢) كذا فى الأصول، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٦٥. وفى الخصائص الكبرى ١:٢٤٠ «فأردت أن أرجع».
(٣) وفى الخصائص الكبرى ١:٢٤١ «كما يكفأ الإناء».
[ ١ / ١٧٢ ]
وقال ورقة بن نوفل. لما ذكرت له خديجة من أمر رسول الله ﷺ:-
فإن يك حقّا يا خديجة فاعلمى … حديثك إيّانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما … من الله وحى يشرح الصدر منزل
يفوز به من فاز فيها بتوبة … ويشقى به العانى الغرير المضلّل
فريقان منهم فرقة فى جنانه … وأخرى بأحواز الجحيم تغلّل
إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت … مقامع فى هاماتها ثم تشعل
فسبحان من تهوى الرياح بأمره … ومن هو فى الأيام ما شاء يفعل
ومن عرشه فوق السموات كلها … وأقضاؤه فى خلقه لا تبدّل (^١)
وقال ورقة ابن نوفل أيضا:-
يا للرجال وصرف الدهر والقدر … وما لشئ قضاه الله من غير
حتى خديجة تدعونى لأخبرها … وما لها بخفىّ الغيب من خبر
جاءت لتسألنى عنه لأخبرها … أمرا أراه سيأتى الناس من أخر
فخبرتنى بأمر قد سمعت به … فيما مضى من قديم الدهر والعصر
بأن أحمد يأتيه فيخبره … جبريل أنّك مبعوث إلى البشر
فقلت علّ الذى ترجين ينجزه … لك الإله فرجّى الخير وانتظرى
وأرسليه إلينا كى نسائله … عن أمره ما يرى فى النوم والسّهر
فقال حين أتانا منطقا عجبا … يقفّ منه أعالى الجلد والشعر
_________________
(١) دلائل النبوة ١:٤٠٥، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٠٠، وسبل الهدى والرشاد ٢:٣١٧ مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
[ ١ / ١٧٣ ]
إنى رأيت أمين الله واجهنى … فى صورة أكملت من أعظم الصور
ثم استمر فكاد الخوف يذعرنى … مما يسّلم من حولى من الشجر
فقلت ظنّى وما أدرى أيصدقنى … أن سوف يبعث يتلو منزل السور
وسوف يبليك إن أعلنت دعوتهم … من الجهاد بلا منّ ولا كدر (^١)
ويروى: أن جبريل جاء إلى النبى ﷺ قبل ذلك فى النوم، وذلك فيما ورد أن النبى ﷺ بينا هو بمكة رأى أنه أتى إلى سقف بيته فنزع شبحة شبحة (^٢) حتى إذا نزع أدخل فيه سلم من فضّة/-فيما يخيل إليه-ثم نزل إليه رجلان، قال رسول الله ﷺ: فأردت أن أستغيث فحبسانى مكانى، ومنعت الكلام، فقعد أحدهما إلىّ والآخر إلى جنبى-وأنا فرق-فأدخل أحدهما يده فى جنبى فنزع ضلعين منه كما ينزع غلق الصندوق (^٣) الشديد، ثم أدخل يده فى جوفى-وأنا أجد بردها-فأخذ قلبى ووضعه على كفّه، وقال لصاحبه: نعم القلب، وقال: قلب رجل صالح. ثم أدخلا القلب مكانه، وردّا الضلعين كما يرد غلق الصندوق الشديد، ثم ارتفعا ورفعا سلّمهما؛ فاستيقظت فإذا السقف كما هو، فقلت:
تحلم. فذكره النبىّ ﷺ لخديجة، فعصمها الله من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا، ولم
_________________
(١) دلائل النبوة ١:٤٠٥،٤٠٦، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٠١، والخصائص الكبرى ١:٢٤٣،٢٤٤، وسبل الهدى والرشاد ٢:٣١٦،٣١٧.
(٢) شبحة شبحة: أى عودا عودا. (هامش الخصائص الكبرى ١:٢٣٣)
(٣) كذا فى م، هـ. وفى ت «الصندوق الجديد الشديد».
[ ١ / ١٧٤ ]
يصنع بك إلا خيرا. ثم إنه خرج من عندها، ثم رجع إليها وأخبرها أنه رأى بطنه شقّ وطهّر وغسّل ثم أعيد كما كان، فقالت: هذه (^١) والله خير فأبشر.
ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة من قبل حراء، فوضع يده على رأسه وفؤاده وبين كتفيه، وقال له: لا تخف أنا جبريل.
وأجلسه معه على مجلس كريم كهيئة الدّرنوك فيه الياقوت واللؤلؤ، فبشّره برسالة (^٢) الله. حتى اطمأن إلى جبريل، فقال له جبريل:
اقرأ. قال: كيف أقرأ؟! قال ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ فأبدى له جبريل نفسه؛ له جناحان من ياقوت يخطفان البصر، ففتح جبريل عينا من الماء فتوضّأ-ومحمد ﷺ ينظر إليه-فوضأ وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ونضح فرجه. وسجد سجدتين مواجه البيت، ففعل محمد كما رأى جبريل يفعل. وقبل الرسول رسالة ربه وسألها (^٣) الله بحقها. واتبع الذى نزل به جبريل من عند رب العرش العظيم.
فلما قبل الذى جاءه من عند ربه وانصرف منقلبا إلى بيته جعل لا يمرّ على حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله،
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ١:٣٩٨، والخصائص الكبرى ١: ٢٣٢ «هذا والله خير».
(٢) كذا فى هـ، ودلائل النبوة ١:٣٩٨، والخصائص الكبرى ١:٢٣٢. وفى ت، م «برسالات».
(٣) كذا فى ت، م. وفى هـ «وسأل الله».
[ ١ / ١٧٥ ]
فرجع مسرورا إلى أهله وهو موقن؛ قد رأى أمرا عظيما. فلما دخل على خديجة أخبرها قال: أرأيتك الذى كنت أحدّثك أنى رأيت (^١) فى المنام؟ فإنه جبريل قد استعلن إلىّ (^٢)، أرسله إلىّ ربى ﷿. وأخبرها بالذى جاءه من عند الله وما سمع منه. فقالت:
أبشر فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا. فاقبل الذى أتاك من عند الله فإنه حق، وأبشر فإنك رسول الله حقا.
ثم انطلقت حتى أتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال له عدّاس، فقالت له: يا عدّاس أذكرك بالله إلاّ ما أخبرتنى هل عندك علم من جبريل؟ فلما سمعها عدّاس تذكر جبريل قال: قدّوس قدّوس، ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التى أهلها أهل الأوثان!! قالت: أحب أن تخبرنى بعلمك عنه. قال: فإنه أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى.
فرجعت خديجة من عنده فأتت ورقة بن نوفل-وكان ورقة قد كره عبادة الأوثان هو وزيد بن عمرو بن نفيل، وكان زيد قد حرّم كل شئ حرّمه الله من الدّم والذّبيحة على النّصب، وكل شئ من أبواب الظلم فى الجاهلية-فلما وصفت خديجة لورقة حين
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ١:٣٩٩، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٠٥، والخصائص الكبرى ١:٢٣٢ «رأيته».
(٢) كذا فى الأصول والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٠٥. وفى دلائل النبوة ١: ٣٩٩، والخصائص الكبرى ١:٢٣٢ «استعلن لى».
[ ١ / ١٧٦ ]
جاءته-شأن محمد، وذكرت له جبريل وما جاء به من عند الله إلى رسوله قال لها: يا ابنة أخى والله ما أدرى، لعل صاحبك النبى الذى ينتظره (^١) أهل الكتاب، والذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل، وأقسم بالله إن كان إيّاه ثم دعا الناس وأنا حى لألبّين (^٢) الله فى طاعة؛ رسوله وحسن المؤازرة والنصرة له.
ولما أن صلّت خديجة مع النبى ﷺ جاء علىّ بن أبى طالب بعد ذلك بيوم فوجدهما يصلّيان، فقال على: ما هذا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ: دين الله الذى اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته وكفر اللات والعزّى. فقال على: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدّث به أبا طالب. فكره رسول الله ﷺ أن يفشى عليه سرّه قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا علىّ إذا لم تسلم فأكتم. فمكث علىّ تلك الليلة، ثم إن الله أوقع فى قلب على الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال: ماذا عرضت علىّ يا محمد؟ فقال له رسول الله ﷺ: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وتكفر باللات والعزّى، وتبرأ من الأبدال (^٣). ففعل على وأسلم.
_________________
(١) كذا فى هـ. وفى ت، م ودلائل النبوة ١:٤٠١، والخصائص الكبرى ١: ٢٣٣ «ينتظر».
(٢) كذا فى الأصول. وفى المرجعين السابقين «لأبلين الله».
(٣) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ١:٤١٤، وسبل الهدى والرشاد ٢: ٤٠٣ «من الأنداد».
[ ١ / ١٧٧ ]
فمكث علىّ يأتيه على خوف من أبى طالب، وكتم علىّ إسلامه ولم يظهره، ثم كان مما أنعم الله على علىّ أنه كان فى حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام؛ وذلك أنه كان أصاب قريشا أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة (^١)، فقال رسول الله ﷺ لعمه العباس-وكان من أيسر بنى هاشم-: يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق حتى نخفّف عنه من عياله. فأخذ رسول الله ﷺ عليا فضمّه إليه، فلم يزل علىّ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيا، فاتّبعه علىّ وآمن به وصدق (^٢).
ثم أسلم زيد بن حارثة (^٣) فمكث هو وعلىّ يلزمان رسول الله ﷺ.
وكان النبى ﷺ يخرج إلى الكعبة أوّل النهار ويصلى صلاة الضحى، فكانت تلك صلاة لا تنكرها قريش إنما تنكر غيرها، وكان إذا صلى فى سائر اليوم بعد ذلك قعد علىّ وزيد يرصدانه، وكان إذا جاء وقت العصر تفرّقوا فى الشعاب فيصلون فرادى ومثنى (^٤).
ويروى: كان إذا حضرت الصلاة خرج النبى ﷺ إلى
_________________
(١) كذا فى ت، هـ. وفى م «كثير العيال».
(٢) دلائل النبوة ١:٤١٥، وتاريخ الإسلام ٢:٧٥،٧٦. وانظر سيرة النبى لابن هشام ١:١٦٢، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٠٣،٤٠٤.
(٣) انظر ترجمة زيد وإسلامه فى سيرة النبى لابن هشام ١ ١٦٣،١٦٤.
(٤) الإمتاع ١:١٦،١٧
[ ١ / ١٧٨ ]
شعاب مكة-ومعه على-مستخفيا من عمه (^١) أبى طالب، ومن جميع أعمامه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك إلى ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله ﷺ: يا ابن أخى ما هذا [الدين] (^٢) الذى أراك تدين به؟ قال: أى عمّ، هذا دين الله، ودين ملائكته ورسله، ودين أبينا إبراهيم، بعثنى به الله رسولا إلى العباد، وأنت- أى عم-أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابنى إليه، وأعاننى عليه. فقال: أى ابن أخى، إنى لا أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك شئ تكرهه ما بقيت. وقال لعلى: أى بنى، ما هذا [الدين] (^٢) الذى أنت عليه؟ قال: يا أبت، آمنت برسول الله ﷺ، وصدقته بما جاء به. وصلّيت معه واتبعته. فقال: أما إنه لم يدعك إلاّ إلى خير، فاتبعه والزمه (^٣).
ويروى: أن أبا طالب لما رأى النبى ﷺ وعلى بن أبى طالب يصلّيان ببطن نخلة فقال: ماذا تصنعان يا ابن أخى؟ فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: ما بى بالذى تصنعان بأس والذى تقولان، ولكن والله لا تعلونى استى أبدا (^٤).
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:١٦٣ «مستخفيا من أبيه أبى طالب».
(٢) الإضافة عن المرجع السابق ١:١٦٣، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٠٤.
(٣) سيرة النبى لابن هشام ١:١٦٣، وتاريخ الإسلام ٢:٧٧، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٠٣،٤٠٤.
(٤) سبل الهدى والرشاد ٢:٤٠٤.
[ ١ / ١٧٩ ]
ثم بعد إسلام زيد بن حارثة لقى أبو بكر الصديق رسول الله ﷺ، فقال: أحقّ ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك إيّانا (^١)؟ فقال رسول الله ﷺ: بلى أنا رسول الله ونبيّه، بعثنى لأبلّغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق، فو الله إنه للحقّ، أدعوك يا أبا بكر إلى (^٢) الله وحده لا شريك له، ولا يعبد (^٣) غيره، والموالاة على طاعته، وقرأ عليه القرآن، فلم يقرّ (^٤) ولم ينكر، فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وآمن بحق الإسلام، ورجع وهو مؤمن مصدّق؛ قال رسول الله ﷺ: ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردّد، إلا أبا بكر ما عكم (^٥) عنه حين ذكرته، وما تردّد فيه.
_________________
(١) كذا فى ت، م، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٠٥. وفى هـ، ودلائل النبوة ١:٤١٧ «آباءنا».
(٢) فى الأصول «إن الله وحده»، والمثبت عن دلائل النبوة ١:٤١٧، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٣٣.
(٣) كذا فى الأصول ودلائل النبوة ١:٤١٧. وفى السيرة النبوية لابن كثير ١: ٤٣٣، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٠٥ «لا تعبد غيره».
(٤) كذا فى م، هـ، ودلائل النبوة ١:٤١٧، والسيرة النبوية لابن كثير ١: ٤٣٣. وبياض فى ت. وفى سبل الهدى والرشاد ٢:٤٠٥ «فلم يعز ولم ينكر» ويعلق ابن كثير ١:٤٣٣ على إيراد ابن إسحاق قوله «لم يقر ولم ينكر» قائلا: وهذا الذى ذكره ابن إسحاق منكر؛ فإن ابن إسحاق وغيره ذكروا أنه كان صاحب رسول الله قبل البعثة، وكان يعلم من صدقه وأمانته وحسن سجيته وكرم أخلاقه ما يمنعه من الكذب على الخلق، فكيف يكذب على الله؟! ولهذا بمجرد ما ذكر له أن الله أرسله بادر إلى تصديقه ولم يتلعثم ولا عكم.
(٥) عكم: أى تلبث. كما فى سيرة النبى لابن هشام ١:١٦٢
[ ١ / ١٨٠ ]
وأقام رسول الله ﷺ ثلاث سنين-وقيل أربع سنين- لا يظهر دعوته إلا للمختصين به ممن يثق إليه، منهم: خديجة وعلىّ وزيد وأبو بكر، ويستتر بالنبوة عمّن لا يثق إليه، وكان أبو بكر يدعو أيضا من يثق من قومه، ممن يغشاه ويجلس إليه.
ولمّا أسلم أبو بكر أظهر إسلامه، ودعا إلى الله ورسوله، وكان رجلا مألفا لقومه محبّبا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا، ذا خلق ومعروف، وكان جلّ قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وتجارته (^١)، وحسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه الزّبير بن العوام، وعثمان بن عفّان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبى وقّاص، وعبد الرحمن بن عوف. فانطلقوا حتى أتوا رسول الله ﷺ ومعهم أبو بكر، فعرض عليهم الإسلام، وقرأ عليهم القرآن، وأنبأهم بحقّ الإسلام، وبما وعدهم الله من الكرامة؛ فآمنوا وأصبحوا مقرّين بحق الإسلام. فكان هؤلاء النّفر الثمانية (^٢) الذين سبقوا إلى الإسلام، فصلوا وصدّقوا رسول الله ﷺ، وآمنوا بما جاء من عند الله.
_________________
(١) فى الأصول «تجاربه». والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ١:١٦٥، ودلائل النبوة ١:٤١٨، وعيون الأثر ١:٩٤، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٣٧.
(٢) كذا فى الأصول والمراجع السابقة. وانظر الخلاف حول السابقين إلى الإسلام فى سبل الهدى والرشاد ٢:٤٠٩ - ٤٢٠.
[ ١ / ١٨١ ]