فيها كان النبى ﷺ يعرض نفسه على القبائل والناس بالموقف، فيقول/: هل من رجل يحملنى إلى قومه؛ فإن قريشا قد منعونى أن أبلّغ كلام ربى؟ فأتاه رجل من همدان فقال: أنا.
فقال: وهل فى قومك منعة؟ وسأل من أين هو، فقال: من
_________________
(١) وانظر مع المرجع السابق، الوفا بأحوال المصطفى ١:٢١٣،٢١٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٥٣،١٥٤، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٧٩،٥٨٠، وشرح المواهب ١:٣٠٦، والسيرة الحلبية ٢:٦١ - ٦٣.
(٢) وكان زوج أم المؤمنين سودة، فلما مات خلفه عليها رسول الله ﷺ بعد موت أم المؤمنين خديجة ﵂. (الاستيعاب ٢:٦٨٥،٦٨٦، والإصابة ٢: ٥٩)
[ ١ / ٣١٤ ]
همدان. ثم إن الرجل الهمدانى خشى أن يخفره قومه، فأتى رسول الله ﷺ فقال: أجيئهم فأخبرهم، ثم ألقاك فى عام قابل؟ قال: نعم.
فانطلق (^١).
وفيها-لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيّه، وإنجاز موعده له-خرج رسول الله ﷺ فى الموسم، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع فى كل موسم، فبينما هو عند العقبة (^٢) لقى رهطا من الخزرج ستة-ويقال ثمانية-وهم على قول من قال إنهم ثمانية: أسعد بن زرارة، ومعاذ بن عفراء، ومن بنى زريق ذكوان ورافع بن مالك بن العجلان، ومن بنى تميم عبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة-من حليف بنى عوف-بن عمرو، ومن بنى عبد الأشهل أبو الهيثم بن التّيّهان-حليف لهم من بلىّ، ومن عمرو بن عوف عويم بن ساعدة.
وعلى قول من قال إنهم ستة: فمن بنى النجار أبو أمامة أسعد ابن زرارة، وعوف بن الحارث بن عفراء، ومن بنى زريق رافع بن مالك بن العجلان، ومن بنى سلمة قطبة بن عامر بن حديدة، ومن بنى حرام بن كعب عقبة بن عامر بن نابى، ومن عبيد بن عدى بن
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:١٥٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٧١،١٧٢، وشرح المواهب ١:٣٠٩.
(٢) فى شرح المواهب ١:٣١٠ «أى عقبة الجمرة كما جزم به غير واحد، واستظهره البرهان تبعا للمحب الطبرى؛ إذ ليس ثم عقبة أظهر منها، ويجوز أن المراد بها المكان المرتفع عن يسار قاصد منى، ويعرف عند أهل مكة بمسجد البيعة، وعليه فالمعنى فى مكان قريب من العقبة».
[ ١ / ٣١٥ ]
سلمة جابر بن عبد الله بن رئاب (^١). وهم يحلقون رءوسهم- ويقال: قد رموا الجمرة ثم انصرفوا عنها-فاعترضهم رسول الله ﷺ وقال: ممّن أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالى يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلّمكم؟ قالوا: بلى.
فجلسوا معه، فأخبرهم خبره الذى اصطفاه الله به من كرامته ونبوّته، ودعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
وكان مما صنع الله بهم فى الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك وأصحاب أوثان، فكانوا إذا كان بينهم شئ قالت اليهود: إن نبيّا مبعوث (^٢) الآن، قد أظلّ زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم (^٣).
فلما كلّم رسول الله ﷺ أولئك النّفر ودعاهم إلى الله أيقنوا به، واطمأنت قلوبهم إلى ما سمعوا منه، وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من صفته، فقال بعضهم لبعض: يا قوم، اعلموا والله أن هذا النبىّ الذى تتوعّدكم به يهود. فأسرعوا الإجابة لله، وآمنوا
_________________
(١) كذا فى الأصول، وعيون الأثر ١:١٥٦. وفى شرح المواهب ١:٣١١ «رياب-بكسر الراء فتحتيه خفيفة».
(٢) كذا فى الأصول، وتاريخ الإسلام ٢:١٩٣. وفى عيون الأثر ١:١٥٦ «إن نبيا مبعوثا».
(٣) المراد نستأصلكم بالقتل. (شرح المواهب ١:٣١٠، والسيرة الحلبية ٢: ١٥٩)
[ ١ / ٣١٦ ]
بنبيّه وصدّقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام واتّبعوه، فقال لهم رسول الله ﷺ: تمنعون ظهرى حتى أبلّغ رسالة ربى. فقالوا: يا رسول الله، أما قد علمت الذى بين الأوس والخزرج من الاختلاف، وسفك الدماء، ونحن حرّاص على ما أرشدك الله به، مجتهدون لك بالنصيحة وإنا نشير عليك برأينا: فامكث على اسم الله حتى نرجع إلى قومنا فنذكر لهم شأنك، وندعوهم إلى الله ورسوله؛ فلعلّ الله يصلح ذات بينهم، ويجمع لهم أمرهم (^١)، فإنّا اليوم متباغضون متباعدون، فإنك إن تقدم علينا ولن نصطلح (^٢) لا يكون لنا جماعة (^٣) عليك، ولكنّا نواعدك الموسم من العام القابل. فرضى بذلك رسول الله ﷺ.
ويقال، قالوا: يا رسول الله إنّا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشّرّ ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين، عسى أن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك.
وقيل، قالوا: يا رسول الله إنما كانت بعاث (^٤) عام الأول؛
_________________
(١) فى الأصول «أمره». والمثبت عن دلائل النبوة ٢:١٧١، وتاريخ الإسلام ٢:١٩٧.
(٢) فى ت، هـ «نصلح». والمثبت عن م، ودلائل النبوة ٢:١٧١.
(٣) فى ت، هـ «حماية» والمثبت عن م والمرجع السابق.
(٤) بعاث: مكان قريب من المدينة على ليلتين منها عند بنى قريظة، ويقال إنه حصن للأوس، كان به القتال بين الأوس والخزرج قبل قدومه ﷺ المدينة بخمس سنين. (السيرة الحلبية ٢:١٥٩،١٦٠) وانظر شرح المواهب ١:٣١٢ فى شأن وقعة بعاث.
[ ١ / ٣١٧ ]
يوم من أيامنا اقتتلنا به، فإن تقدم علينا ونحن كذا لا يكون لنا عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله أن يصلح ذات بيننا، وموعدك الموسم العام القابل. فرجعوا إلى قومهم فدعوهم سرّا، وأخبروهم برسول الله ﷺ، والذى بعثه الله به، وتلوا عليهم القرآن حتى قلّ دار من دور الأنصار إلا وقد أسلم فيها ناس، وفشا الإسلام فيهم، ولم تبق دار من دورهم إلا وفيها ذكر النبى ﷺ (^١).
وفيها قال على بن أبى طالب: لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل (^٢) العرب خرج إلى منى-وأنا معه وأبو بكر- حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدّم أبو بكر، ووقفت أنا مع رسول الله ﷺ، وكان أبو بكر مقدّما فى كل خير، وكان رجلا نسّابة، فسلّم وقال: ممّن القوم؟ فقالوا: من ربيعة. قال أبو بكر:
فأى ربيعة أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر. قال أبو بكر: من هامتها أو من لهازمها؟ قالوا: من هامتها العظمى. فقال أبو بكر: وأى هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: من ذهل الأكبر. قال: فمنكم عوف الذى يقال له لا حر (^٣) بوادى عوف؟ قالوا: لا. قال: فمنكم جسّاس ابن مرّة حامى الذّمار ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال: فمنكم بسطام
_________________
(١) وانظر المراجع السابقة سيرة النبى لابن هشام ٢:٢٩٢،٢٩٣، وطبقات ابن سعد ١:٢١٧ - ٢١٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٧٨ - ١٨٠.
(٢) كذا فى م، هـ. وفى ت «على القبائل من العرب».
(٣) فى الأصول «خير»، والتصويب عن دلائل النبوة ٢:١٦٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٦٣، ومجمع الأمثال ٢:٢٣٦، ومستقصى الأمثال ٢:٢٦٢، والمثل يضرب للعزيز الذى يذل له الأعزاء.
[ ١ / ٣١٨ ]
ابن قيس أبو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: فمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا. قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال: فلستم من ذهل الأكبر، أنتم ذهل الأصغر.
فقام: إليه غلام من بنى شيبان، يقال له دغفل (^١) حين بقل عارضه (^٢) فقال:-
إنّ على سائلنا أن نسأله … والعبء لا نعرفه أو نجهله (^٣)
يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئا، فمن الرجل؟ فقال أبو بكر: من قريش. فقال الفتى: بخ بخ، أهل الشرف والرئاسة، فمن أى قريش أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرّة.
فقال الفتى: أمكنت والله الرامى من سواء الثّغرة (^٤)، فمنكم قصىّ الذى جمع القبائل من فهر، وكان يدعى مجمّعا؟ قال: لا.
قال: فمنكم هاشم الذى هشم الثريد لقومه، فقيل فيه:-
عمرو العلا هشم الثّريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف
_________________
(١) هو دغفل بن حنظلة الذهلى النسابة. (الاكتفا ١:٤٠٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٦٤)
(٢) بقل عارضه: أى نبت شعر وجهه. (المعجم الوسيط)
(٣) دلائل النبوة ٢:١٦٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٦٤ مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
(٤) فى الأصول «النقرة» والمثبت عن دلائل النبوة ٢:١٦٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٦٤، ولسان العرب-ت غ ر-وفيه وهى نقرة النحر فوق الصدر.
[ ١ / ٣١٩ ]
قال: لا. قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب، مطعم طير السماء، الذى كأن وجهه القمر يضئ فى الليلة؟؟؟ الظلماء؟ قال: لا. قال: فمن أهل النّدوة أنت؟ قال:؟؟؟ أفمن أهل الحجاية أنت؟ قال: لا. قال: أفمن؟؟؟ الرّفادة أنت؟ قال: لا. قال: فأنت إذا من زمعات قريش.
واجتذب أبو بكر زمام الناقة راجعا إلى رسول الله ﷺ، فقال الغلام:-
صادف درء السّيل درءا يدفعه … يهيّضه حينا وحينا يصدعه (^١)
أما والله لو ثبتّ لأخبرتك من قريش. فتبسّم رسول الله ﷺ. قال على فقلت: يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابى على باقعة (^٢). قال: أجل يا أبا الحسن (^٣)، ما من طامّة إلاّ وفوقها طامّة، والبلاء موكّل بالمنطق.
ثم دفعنا إلى مجلس عليهم السكينة والوقار، فتقدّم أبو بكر فسلّم وقال: ممن القوم؟ فقالوا من شيبان بن ثعلبة. فالتفت
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ٢:١٦٥ صادف در السيل درا يدفعه يهضبه حينا وحينا يصدعه وفى السيرة النبوية لابن كثير ٢:١٦٥: صادف درّ السيل درّ يدفعه يهيضه حينا وحينا يرفعه
(٢) فى الأصول «نافعة». والمثبت عن دلائل النبوة ٢:١٦٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٦٥، والسيرة الحلبية ٢:١٥٥. والباقعة: الرجل الداهية.
(٣) يلاحظ أن عليا ﵁ لم يكن قد تزوج بفاطمة وأنجب حسنا حتى يكنى به ويخاطبه أبو بكر بكنيته.
[ ١ / ٣٢٠ ]
أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبى أنت وأمى هؤلاء غرر الناس، وفيهم (^١) مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنّى ابن حارثة، والنّعمان بن شريك. وكان مفروق قد غلبهم كمالا (^٢) ولسانا، وكانت له غديرتان (^٣) تسقطان على تريبتيه، وكان أدنى القوم مجلسا [من أبى بكر ﵁] (^٤)، فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ قال مفروق: إنا لنزيد على ألف/، ولن تغلب الألف من قلّة. قال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: علينا الجهد ولكل قوم جدّ. فقال أبو بكر: وكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشدّ ما يكون غضبا حين نلقاهم (^٥) وأشد ما يكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح؛ والنصر من عند الله ﷿، يديلنا مرّة ويديل علينا أخرى، لعلك أخو قريش. فقال أبو بكر: وقد بلغكم أنه رسول الله ﷺ؟ فها هو ذا. قال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدّم رسول الله ﷺ فجلس، وقام أبو بكر يظلّه، فقال رسول الله ﷺ: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنى رسول الله، وإلى أن تؤوونى
_________________
(١) فى الأصول «وفهم». والمثبت عن دلائل النبوة ٢:١٦٦، وعيون الأثر ١:١٥٣، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٩٦، والسيرة الحلبية ٢:١٥٦
(٢) كذا فى الأصول. وفى المراجع السابقة «جمالا».
(٣) كذا فى م، والمراجع السابقة. وفى هـ «ضفيرتان» وبياض فى ت.
(٤) الإضافة عن المراجع السابقة.
(٥) كذا فى الأصول. وفى المراجع السابقة «حين نلقى».
[ ١ / ٣٢١ ]
وتنصرونى؟ فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله، وكذّبت رسله (^١)، وامتنعت بالباطل عن الحق، والله هو الغنى الحميد. فقال مفروق بن عمرو: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؛ فو الله ما سمعت كلاما أحسن من هذا؟ فتلا رسول الله ﷺ ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٢) قال مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؛ فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلام أهل الأرض لفهمناه؟ فتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ (^٣) الآية. فقال مفروق بن عمرو:
دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفكّ قوم كذّبوك، وظاهروا عليك-وكأنّه (^٤) أحب أن يشركه فى الكلام هانئ بن قبيصة فقال-: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا. فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإنى أرى تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا، ليس له أوّل ولا آخر إنه زلل فى الرأى، وقلّة نظر فى العاقبة، وإنما تكون الزّلّة مع (^٥) العجلة، ومن وراءنا قوم نكره أن نعقد عليهم
_________________
(١) كذا فى الأصول، ودلائل النبوة ٢:٢٦٦، وعيون الأثر ١:١٥٣. وفى سبل الهدى والرشاد ٢:٥٩٦، والسيرة الحلبية ٢:١٥٦ «رسوله».
(٢) سورة الأنعام الآيات ١٥١ - ١٥٣.
(٣) سورة النحل آية ٩٠.
(٤) فى الأصول «وكأن». والمثبت عن دلائل النبوة ٢:١٦٧، وعيون الأثر ١:١٥٤، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٩٧.
(٥) كذا فى م، هـ، ودلائل النبوة ٢:١٦٧، وعيون الأثر ١:١٥٤، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٩٧. وفى ت «فى العجلة».
[ ١ / ٣٢٢ ]
عقدا، ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر-وكأنه أحب أن يشرك المثنى بن حارثة فقال-: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا. فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة فى ترك ديننا ومتابعتك على دينك، وإنما نزلنا بين صريى (^١) اليمامة والسّمامة. فقال رسول الله ﷺ/: وما هذان الصريان؟ فقال: أنهار كسرى ومياه العرب؛ فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول [وأما ما كان مما يلى مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول.] (^٢) وإنما نزلنا على عهد أخذه كسرى علينا: ألا نحدث حدثا ولا نؤوى محدثا، فإنى أرى أن هذا الأمر الذى تدعونا إليه يا أخا قريش مما يكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلى مياه العرب فعلنا.
فقال رسول الله ﷺ: ما أسأتم الرّدّ إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه من جوانبه؛ أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم فلك ذلك.
_________________
(١) فى سبل الهدى والرشاد ٢:٦٠٣ «الصريين بصاد مهمله فراء مفتوحتين، فمثناتين تحتيتين الأولى مفتوحة مشددة والثانية ساكنة-سهو: فما فى اللسان تخفيف الأولى وسكون الثانية-وفى بعض نسخ العيون صيرين تثنية صير بكسر الصاد-قال فى المصباح والتقريب: صرى الماء صرى من باب تعب: طال مكثه وتغيره، ويقال طال استنقاعه، فهو صرى وصف بالمصدر. وقال فى النهاية: الصير الماء الذى يحضره الناس، وقد صار القوم يصيرون إذا حضروا الماء.
(٢) سقط فى الأصول، والمثبت عن دلائل النبوة ٢:١٦٧، وعيون الأثر ١: ١٥٤، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٩٧.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا* وَداعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ (^١) ثم نهض رسول الله ﷺ قائما على يدى أبى بكر وهو يقول: يا أبا بكر، أية أخلاق فى الجاهلية؟ ما أشرفها!! بها يدفع الله تعالى بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون (^٢) فيما بينهم.
فدفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ، وكانوا صدقا صبرا، فلقد رأيت رسول الله ﷺ وقد سرّ بما كان من أبى بكر ومعرفته بأنسابهم.
***