فيها خرج النبى ﷺ إلى سوق عكاظ. وسمع خطبة قسّ بن ساعدة الإيادى. قال عبد الله بن عباس: قدم وفد إياد على رسول الله ﷺ، فسألهم عن قسّ بن ساعدة الإيادى، فقالوا: هلك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: لقد شهدته فى الموسم بعكاظ وهو على جمل له أحمر-أو على ناقة حمراء-وهو ينادى فى الناس:
أيها الناس اجتمعوا واسمعوا، وعوا واتّعظوا تنتفعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. أما بعد فإن فى السماء لخبرا، وإن فى الأرض لعبرا، نجوم تمور-ويقال: نجوم تغور-ولا تفور، وبحار تفور ولا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، (^٢) وأنهار فنبوع (^٢)، أقسم قسّ قسما بالله-لا كذبا ولا آثما. ليتبعن هذا
_________________
(١) وانظر المرجعين السابقين.
(٢) فى الأصول «وأنهار منبوع» ولعل الصواب ما ذكرت، أو لعله «ونهر وينبوع، أو ونهر منبوع».
[ ١ / ١١٣ ]
الأمر شخصا، وما هذا باللعب، وإن من وراء هذا لعجب، أقسم قسّ قسما بالله-لا كذبا ولا آثما-إن لله دينا هو أرضى له من دين نحن عليه. ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا؟ ثم أنشد قسّ بن ساعدة أبياتا من الشعر لم أحفظها عنه. فقال أبو بكر الصديق: أنا حضرت ذلك المقام، وحفظت تلك المقالة. فقال رسول الله ﷺ: ما هى؟ فقال أبو بكر: قال قس بن ساعدة فى آخر كلامه:-
فى الذاهبين الأولي … ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا … للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومى نحوها … تمضى الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضى ولا … يبقى من الباقين غابر
أيقنت أنى لا محا … لة حيث صار القوم صائر
ويقال: إنه لما قدم وفد إياد على رسول الله ﷺ قال: ما فعل قسّ بن ساعدة؟ قالوا: مات. قال: كأنى أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل له أورق، وهو يتكلم بكلام له حلاوة ما أجدنى أحفظه. فقال رجل من القوم: أنا أحفظه، سمعته يقول: أيها الناس احفظوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، وبحار تزخر، ونجوم تزهر، وضوء وظلام، وبرّ وآثام، ومطعم وملبس، ومشرب ومركب، ما لى أرى الناس يذهبون فلا يرجعون!! أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا؟ وإله قسّ ما على وجه الأرض دين أفضل من دين قد أظلكم زمانه، وأدرككم أوانه، فطوبى لمن أدركه فاتبعه، وويل لمن خالفه. ثم أنشأ يقول:-
[ ١ / ١١٤ ]
فى الذاهبين الأولي … ن من القرون لنا مصائر
لما رأيت مواردا … للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومى نحوها … تمضى الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضى إلي … ك ولا من الباقين غابر
سكنوا البيوت فوطنوا … إن البيوت هى المقابر
أيقنت أنى لا محا … لة حيث صار القوم صائر
فقال النبى ﷺ: يرحم الله قسّا إنى لأرجو يوم القيامة أن يبعثه الله أمة وحده (^١).
ويقال: لما قدم وفد إياد على النبى ﷺ: قال النبى ﷺ:
ما فعل قسّ بن ساعدة الإيادى؟ قالوا: هلك. قال: أما إنى سمعت منه كلاما ما أرى أنى أحفظه. فقال بعض القوم: نحن نحفظه يا رسول الله. قال: هاتوا. فقال قائلهم: إنه وفد بسوق عكاظ فقال: أيها الناس استمعوا واسمعوا وعوا، كل من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأنهار مجراة، إن فى السماء لخبرا، وإن فى الأرض لعبرا؛ أرى الناس يمرون ولا يرجعون!! أرضوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا؟
(^٢) يقسم قسّ قسما بالله لا إثم فيه. إن لله دينا هو أرضى مما أنتم عليه (^٢).
_________________
(١) عيون الأثر ١:٦٨ - والبداية والنهاية ٢:٢٣٠.
(٢) أوردت الأصول ما بين الرقمين على صورة الشعر، وقدمته بقولها: ثم انشأ يقول. ولما كان مضطرب الوزن فقد آثرنا إثبات ما جاء فى البداية والنهاية ٢:٢٣٦،٢٣٧.
[ ١ / ١١٥ ]
ثم أنشأ يقول:-
فى الذاهبين الأولي … ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا … للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومى نحوها … تمضى الأكابر والأصاغر
أيقنت أنى لا محا … لة حيث صار القوم صائر (^١)
ويقال: إن النبى ﷺ قال للجارود (^٢) بن عبد الله لما قدم عليه وسأله عن قسّ بن ساعدة: يا جارود، فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل له أورق، وهو يتكلم بكلام مونق، ما أظن أنى أحفظه، فهل منكم يا معشر المهاجرين والأنصار من يحفظ لنا منه شيئا؟ فوثب أبو بكر ﵁ وقال: يا رسول الله إنى أحفظه، وكنت حاضرا ذلك اليوم بسوق عكاظ، حين خطب فأطنب، ورغّب ورهّب، وحذّر وأنذر، وقال فى خطبته: أيها الناس اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا؛ إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وأرزاق وأقوات، وآباء وأمهات، وأحياء وأموات، جميع وأشتات، وآيات بعد آيات؛ إن فى السماء لخبرا، وإن فى الأرض لعبرا، ليل داج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات رتاج، وبحار ذات أمواج. ما لى أرى الناس يذهبون فلا يرجعون!! / أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا هناك فناموا؟ أقسم قس قسما حقا لا حانثا
_________________
(١) البداية والنهاية ٢:٢٣٦،٢٣٧.
(٢) هو الجارود بن المعلى بن حنش بن معلى العبدى، كان نصرانيا حسن المعرفة بتفسير الكتب وتأويلها، عالما بسير الفرس وأقاوليها، بصيرا بالفلسفة والطب، ظاهر الدهاء والأدب، كامل الجمال. ذا ثروة ومال، وفد على النبى ﷺ وأسلم فى رجال من عبد القيس. (البداية والنهاية ٢:٢٣٢، والاستيعاب ١:٢٦٢، والإصابة ١:٢١٦،٢١٧)
[ ١ / ١١٦ ]
فيه ولا آثما: إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم الذى أنتم عليه، ونبيا قد حان حينه وأظلكم أوانه، وأدرككم إبانه، فطوبى لمن أدركه وآمن به فهداه، وويل لمن خالفه وعصاه. ثم قال: تبا لأرباب الغفلة من الأمم الخالية، والقرون الماضية، يا معشر إياد أين الآباء والأجداد؟ وأين المريض والعوّاد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ أين من بنى وشيّد، وزخرف ونجّد، وغرّه المال والولد؟ أين من بغى وطغى، وجمع فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى؟! ألم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأبعد منكم أمالا، وأطول منكم آجالا؟ طحنهم الثرى بكلكله، وفرقهم بتطاوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خالية (^١)، عمرتها الذئاب العاوية. كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود. ثم أنشأ يقول الأبيات المذكورة.
***