فيها فى صفر (^٤) بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط-وقيل
_________________
(١) فى الأصول «لذلك» والمثبت عن مغازى الواقدى ١:٣٨٨، والإمتاع ١:١٨٥، وسبل الهدى والرشاد ٤:٤٨٠.
(٢) فى الأصول «والنقلة» والتصويب عن مغازى الواقدى ١:٣٨٩، والإمتاع ١:١٨٥، وسبل الهدى والرشاد ٤:٤٨٠.
(٣) سورة آل عمران آية ١٧٣.
(٤) كذا فى الأصول. وفى مغازى الواقدى ٢:٣٥٤، وطبقات ابن سعد ٢: ٥٥، وعيون الأثر ٢:٤٠، والمواهب اللدنية ٢:٦٤، والإمتاع ١:١٧٤، وتاريخ الخميس ١:٤٥٤ «فى صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة». وفى سيرة النبى لابن هشام ٣:٦٦٧، والدرر لابن عبد البر ١٦٨ «فى السنة الثالثة». وفى الكامل لابن الأثير ٢:٦٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:١٢٣، وشرح المواهب ٢:٦٤ «فى السنة الرابعة».
[ ١ / ٤٣٩ ]
ستة-منهم: عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح (^١)، وخبيب بن عدىّ، وزيد بن الدّثنّه، وخالد بن أبى البكير (^٢)، وعبد الله بن طارق، وأخوه لأمه معتّب (^٣) بن عبيد سرية عينا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصارى.
فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدّة-بين عسفان ومكة-ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان. فنفّروا لهم قريبا من مائة رجل كلّهم رام، فقصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا فى منزل نزلوه فقالوا: هذا تمر يثرب. فاتبعوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد فأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا (^٤) بأيديكم ولكم العهد والميثاق لا (^٥) نقتل منكم أحدا. فقال عاصم
_________________
(١) فى الأصول، وسيرة النبى لابن هشام ٣:٦٦٧، والإصابة ٢:٢٤٤ «ابن أبى الأفلح» والمثبت عن مغازى الواقدى ١:٣٥٥، وطبقات ابن سعد ٢:٤١، والاستيعاب ٢ ٧٧٩، والاكتفا ٢:١٣٤، وعيون الأثر ٢:٤١، وشرح المواهب ٢:٦٤ وفيه «ابن أبى الأقلح» -بالقاف واللام المهملة.
(٢) فى الأصول «ابن أبى بكر» والمثبت عن مغازى الواقدى ٢:٣٥٥، وطبقات ابن سعد ٢:٥٥، والإمتاع ١:١٧٥. وفى سيرة النبى لابن هشام ٣: ٦٦٧، والدرر ١٦٨، والاكتفا ٢:١٣٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:١٢٦، وشرح المواهب ٢:١٦٥ «ابن البكير».
(٣) فى الأصول «مغيب» والمثبت عن مغازى الواقدى ٢:٣٥٥، وطبقات ابن سعد ٢:٥٥، والإمتاع ١:١٧٥، وشرح المواهب ٢:٦٥.
(٤) فى الأصول «فأعطونا بأيديكم» والمثبت عن حلية الأولياء ١:١١٢، وصفة الصفوة ١:٦٢٠.
(٥) فى الأصول «أن نقتل منكم» والمثبت عن المرجعين السابقين.
[ ١ / ٤٤٠ ]
ابن ثابت أمير السرية: أيها القوم أمّا أنا فو الله لا أنزل اليوم فى ذمة كافر. ثم قال: اللهم أخبر عنا نبيّك. فرموهم بالنبل فقتلوا سبعة منهم عاصم، وأنزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب الأنصارى وزيد بن الدّثنّة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم؛ إن لى بهؤلاء أسوة-يريد القتل-فجرجروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى أن يصحبهم فقتلوه.
وانطلقوا بخبيب وزيد بن الدّثنّة حتى باعوهما بمكة، فابتاع خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف-وكان قتل الحارث بن عامر يوم بدر-فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها (^١) فأعارته، فدرج ابن لها-وهى غافلة-حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب فى وجهها، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك. قالت:
والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب فى يده وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: رزق من الله رزقه خبيبا.
فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه فى الحلّ، قال لهم خبيب:
دعونى أصلى ركعتين. فتركوه، فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أنما بى جزع لزدت، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا،/ولا تبق منهم أحدا. ثم أنشأ يقول:
_________________
(١) يستحد بها: أى يحلق عانته لئلا تظهر عند قتله (شرح المواهب ٢:٦٨)
[ ١ / ٤٤١ ]
فلست أبالى حين أقتل مسلما … على أىّ جنب كان لله مصرعى
وذلك فى ذات الإله وإن يشا … يبارك على أوصال شلو ممزّع
ثم قام أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله (^١)، وكان خبيب هو الذى سنّ الركعتين لكل مسلم قتل صبرا.
واستجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب، فأخبر النبىّ ﷺ أصحابه يوم أصيبوا. وبعث ناس من كفّار قريش إلى عاصم ابن ثابت-حين حدّثوا أنه قتل-أن يأتوا بشئ منه يعرف، فبعث الله على عاصم مثل الظّلّة من الدّبر (^٢) فحمته منهم ومن رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا.
ويقال إن هذه السرية كانت إلى الرجيع بناحية الحجاز-ماء لهذيل بين مكة وعسفان، وهو على سبعة أميال من عسفان- وخبرها أن رهطا من عضل والقارة وهم إلى الهون بن خزيمة أتوا النبى ﷺ، وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم شرائع الإسلام، فبعث معهم من ذكر، فلما كانوا بالرجيع غدروا بهم فقتلوهم غير زيد بن الدّثنّة، وخبيب بن عدىّ فإنهما أسرا وبيعا بمكة فقتلا بها بعد
_________________
(١) وفى سيرة النبى لابن هشام ٣:٦٧١ «قال ابن إسحاق، حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عقبة بن الحارث قال: سمعته يقول: ما أنا والله قتلت خبيبا؛ لأنى كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة أخا بنى عبد الدار أخذ الحربة فجعلها فى يدى، ثم أخذ بيدى وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله».
(٢) الدبر-بفتح الدال وسكون الموحدة: الزنابير، وقيل ذكور النحل، ولا واحد له من لفظه. (شرح المواهب ٢:٧٣)
[ ١ / ٤٤٢ ]
أن صلّى خبيب-قبل قتله-ركعتين، وهو أول من سنهما، ويقال بل زيد بن حارثة (^١) حينما أراد الكرىّ (^٢) الغدر به.
وفيها فى شوال-وقيل فى ذى القعدة-كان غزوة الخندق، وتسمى الأحزاب، وذلك أن النبى ﷺ لما أجلى بنى النضير، وساروا إلى خيبر خرج نفر من وجوه يهود بنى النضير، وبنى وائل وأشرافهم منهم: حيىّ بن أخطب، وكنانة (^٣) بن أبى الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلى من الأوس، وأبو عامر الراهب فى بضعة عشر رجلا حتى
_________________
(١) فى الأصول «أسامة بن زيد» والتصويب عن الروض الأنف ٣:٢٣٥، وشرح المواهب ٢:٧٢. وفى تاريخ الخميس ١:٤٥٧ «وفى سيرة مغلطاى أن هذه القصة وقعت لأسامة بن زيد والصواب أنها لأسامة بن حارثة» والخبر كما يروى عن الليث ابن سعد قال: بلغنى أن زيد بن حارثة اكترى من رجل بغلا من الطائف، واشترط عليه الكرى أن ينزله حيث شاء. قال: فمال به إلى خربة فقال له: انزل. فنزل، فإذا فى الخربة قتلى كثيرة، قال: فلما أراد أن يقتله قال: دعنى أصلى ركعتين. قال: صلّ، فقد صلى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئا. قال: فلما صليت أتانى ليقتلنى، قال، فقلت: يا أرحم الراحمين. قال، فسمع صوتا: لا تقتله. قال: فهاب ذلك فخرج يطلب أحدا فلم ير شيئا فرجع إلى، فناديت: يا أرحم الراحمين-ففعل ذلك ثلاثا-فإذا أنا بفارس بيده حربة حديد فى رأسها شعلة من نار، فطعنه بها فأنفذها من ظهره فوقع ميتا، ثم قال: لما دعوت المرة الأولى يا أرحم الراحمين كنت فى السماء السابعة، فلما دعوت المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت فى السماء الدنيا، فلما دعوت المرة الثالثة يا أرحم الراحمين أتيتك.
(٢) الكرى: الذى يكريك دابته-فعيل بمعنى مفعل. (المعجم الوسيط)
(٣) فى الأصول «كندر» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٠٠، ومغازى الواقدى ٢:٤٤١، والدرر ١٧٩، والاكتفا ٢:١٥٨، وعيون الأثر ٢:٥٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:١٨١، والإمتاع ١:٢١٦، والسيرة الحلبية ٢:٦٢٨، وتاريخ الخميس ١:٤٨٠.
[ ١ / ٤٤٣ ]
قدموا مكة على قريش، فألّبوهم ودعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وقالوا: نكون معكم حتى نستأصل محمدا، جئنا لنحالفكم على عداوته وقتاله. فقال أبو سفيان: مرحبا، وأحبّ الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد، وأخرج خمسين رجلا من بطون قريش كلها،/ وتحالفوا وتعاقدوا-وقد ألصقوا أكبادهم بالكعبة، وهم بينها وبين أستارها-ألا يخذل بعضهم بعضا وليكونن يدا واحدة على محمد ما بقى منهم رجل. ثم قال أبو سفيان: يا معشر يهود، أنتم أهل الكتاب الأول والعلم، أخبرونا عمّا أصبحنا نحن فيه ومحمد، أديننا خير أم دين محمد؟ فنحن عمّار البيت، وننحر الكور، ونسقى الحجيج، ونعبد الأصنام. فقالت يهود: اللهم أنتم أولى بالحق منه؛ إنكم لتعظمون هذا البيت، وتقومون على السقاية، وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم، وأنتم أولى بالحق منه. فأنزل الله فى ذلك ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (^١) واتّعدوا لذلك موعدا، ثم خرجوا من عندهم حتى أتوا غطفان وسلّموا، فاستصرخوهم لحرب النبىّ ﷺ، وأنهم يكونون معهم عليه، وأخبروهم بمبايعة قريش؛ فأجابوهم.
وتجهّزت قريش بأحابيشها ومن تبعها من العرب، فكانوا أربعة آلاف، وعقدوا اللواء فى دار الندوة، وأعطوه عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، فحمله. وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وألفا وخمسمائة بعير، وخرجت-قائدها أبو سفيان بن حرب بن أمية-ووافتهم
_________________
(١) سورة النساء آية ٥١.
[ ١ / ٤٤٤ ]
غطفان (^١) بمر الظهران، [وخرجت] (^٢) فزارة فى ألف، قائدها عيينة بن حصن بن حذيفة، وبنو سليم فى سبعمائة، يقودهم مسعود بن رخيلة، وبنو مرّة فى أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف بن أبى حارثة-ويقال إنه رجع بهم فلم يشهد الخندق أحد من بنى مرة.
فأقبلت قريش والأحابيش ومن معهم من بنى كنانة وأهل تهامة فى عشرة آلاف حتى نزلت وادى العقيق بمجتمع الأسيال، ونزلت غطفان بذنب نقمى إلى جانب أحد-وكانوا ثلاثة عساكر- وعناج (^٣) الأمر إلى أبى سفيان.
ولما أن خرجت قريش من مكة أتى ركب خزاعة لرسول الله ﷺ فى أربع ليال حتى أخبروه، فندب النبىّ ﷺ الناس وأخبرهم خبر عدوّهم، وشاورهم أيبرز من المدينة أم يكون فيها ويخندق عليها، أم يكون قريبا والجبل وراءهم؟ فاختلفوا، فأشار سلمان [الفارسى] (^٤) بالخندق، فأعجبهم ذلك، وذكروا يوم أحد فأحبوا الثبات فى المدينة.
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى مغازى الواقدى ٢:٤٤٣، وطبقات ابن سعد ٢: ٦٦، والإمتاع ١:٢١٨، وسبل الهدى والرشاد ٤:٥١٣، وشرح المواهب ٢:١٠٤ «بنو سليم».
(٢) إضافة يقتضيها السياق.
(٣) عناج الأمر-بعين مهملة مكسورة فنون مخففة فألف وجيم: أى ملاكه- بكسر الميم وفتحها: وهو ما يقوم به. ومعناه أنه كان صاحبهم، ومدبر أمرهم، والقائم بشأنهم كما يحمل ثقل الدلو عناجها وهو الحبل الذى يشد تحت الدلو ثم يشد فى العروة ليكون عونا لعراها فلا تنقطع (سبل الهدى والرشاد ٤:٥٦٦).
(٤) إضافة عن الإمتاع ١:٢١٩.
[ ١ / ٤٤٥ ]
وكانت مدة حصار الخندق خمسة عشر يوما، وقيل عشرين يوما،/وقيل قريبا من شهر (^١).
***