فيها اشتدت قريش فى إيذاء المسلمين؛ وذلك أنّ قريشا كانت لا تنكر على رسول الله ﷺ من أمره حتى عاب آلهتم التى يعبدونها من دون الله، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر، واشتدّ أمره عليهم؛ فأجمعوا على خلافه، وأظهروا عدواته، وكايدوه وآذوه، وأغروا به سفهاءهم، وأرادوا قتله أو إخراجه، فعرضوا على قومه أن يعطوهم ديته ويقتلوه فأبى قومه ذلك (^١)، فحدب عليه عمّه أبو طالب.
وسألت قريش النبىّ ﷺ: إن كنت تطلب مالا جمعنا لك مالا تكون به أكثرنا مالا، وإن كنت تريد الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيّا (^٢) قد غلب عليك بذلنا أموالنا فى طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم النبى ﷺ: ما بى ما تقولون، ولكن الله بعثنى إليكم رسولا، وأنزل على كتابا، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظّكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه علىّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم (^٣).
وجهر عبد الله بن مسعود بالقرآن، فكان أوّل من جهر به من الصحابة، وصعب الأمر وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضا،
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:٥٨،٥٩.
(٢) الرئى: التابع من الجن. (سبل الهدى والرشاد ٢:٤٥٠)
(٣) السيرة النبوية لابن كثير ١:٤٧٩، وشرح المواهب ١:٢٥٧،٢٥٨.
[ ١ / ٢١١ ]
وتآمرت قريش على من أسلم منهم، واشتدوا على من تبعه على دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، فكانت فتنة شديدة وزلزالا شديدا، فمنهم من عصم الله، ومنهم من افتتن، ومنع الله رسوله بعمّه أبى طالب وبنى هاشم-غير أبى لهب-وبنى عبد المطلب.
وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد، وأوقفوهم فى الشمس، فما من أحد إلاّ وقد وافقهم على ما أرادوا غير بلال؛ فإنه هانت عليه نفسه فى الله، وهان على قومه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطرحونه فى شعاب مكة، وجعل يقول:
أحد أحد. ثم اشتراه أبو بكر وأعتقه، وأعتق ستة آخرين: عامر ابن (^١) فهيرة، وأم عبيس (^٢)، والنهدية (^٣) وبنتها، والمؤمليّة (^٤)، وزنّيرة (^٥) -وكانت زنّيرة ذهب بصرها بعد أن أسلمت، وكانت مما
_________________
(١) هو عامر بن فهيرة التميمى أحد السابقين إلى الإسلام، واستشهد بوقعة بئرمعونة فى السنة الرابعة من الهجرة-أو على رأس ٣٦ شهرا من الهجرة-على يد رجل من كلاب يقال له جبار بن سلمى. (مغازى الواقدى ١:٣٤٦ - ٣٥٢، والإصابة ٢:٢٥٦)
(٢) وفى الاستيعاب ٤:١٩٤٦ «ويقال أم عبس» وفى سبل الهدى والرشاد ٢: ٤٨٣ «أم عنيس، بعين مضمومة فنون مفتوحة» وكانت لبنى زهرة وكان الأسود بن عبد يغوث يعذبها على إسلامها. (الإصابة ٤:٤٧٥)
(٣) فى الأصول «الهندية». والمثبت عن سبل الهدى والرشاد ٢:٤٨٣، وشرح المواهب ١:٢٦٦، وكانت مولدة لبنى فهد بن زيد، فصارت لامرأة من بنى عبد الدار، فكانت تعذبها، فاشتراها أبو بكر وابنتها وأعتقهما.
(٤) فى سبل الهدى والرشاد ٢:٤٨٣ «وجارية بنى المؤمل» وكذا فى شرح المواهب ١:٢٦٦. وفى الإصابة ٤:٣٩٩ وردت فى غالب الروايات غير مسماة، وسماها البلاذرى لبيبة جارية بنى المؤمل بن حبيب بن تميم بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب.
(٥) وفى الاستيعاب ٤:١٨٤٩ «وقيل كانت رومية فأسلمت» وانظر الإصابة ٤: ٣١١،٣١٢. وفى شرح المواهب ١:٢٦٩ وكانت أمة عمر بن الخطاب وأسلمت قبله فكان يضربها فذهب بصرها.
[ ١ / ٢١٢ ]
يعذّب فى الله على الإسلام، فتأبى إلا الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلاّ اللاّت والعزّى. فقالت: كلا والله ما هو كذلك.
فردّ الله عليها بصرها (^١).
ومرّ النبى ﷺ بعمّار وأهله وهم يعذبون فقال: أبشروا آل عمّار-أو آل ياسر-فإن موعدكم الجنة. وقتلت فى الله أمّ عمار ابن ياسر سميّة بنت خباط مولاة بنى مخزوم، فكانت أوّل قتيل فى الإسلام (^٢). وقيل أوّل قتيل الحارث بن أبى هالة ربيب النبى ﷺ (^٣).
وأتى خبّاب-لمّا أن لقى هو والمسلمون الشدة من المشركين-إلى النبى ﷺ-وكان متوسدا بردة فى ظلّ الكعبة- فقال خبّاب: يا رسول الله: ألا تدعو الله لنا؟ فقعد النبىّ ﷺ وهو محمر وجهه-فقال: إنّ من كان قبلكم ليمشّط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه (^٤) من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه (^٥).
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:٥٧.
(٢) شرح المواهب ١:٢٦٦ والعقد الثمين ٨:٢٤٣.
(٣) الإصابة ١:٢٩٣.
(٤) كذا فى م ودلائل النبوة ٢:٥٧. وفى ت، هـ «مادون لحمه من لحم».
(٥) وانظر المرجع السابق، والخصائص الكبرى ١:٣٦٢.
[ ١ / ٢١٣ ]
فلما كثر المسلمون واشتد أذى قريش لهم، وفتنتهم إياهم، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة فى دينهم، وضاقت عليهم مكة.- وكان رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان فى منعة من قومه ومن عمه لا يصل إليه شئ مما يكره مما ينال أصحابه-أذن النبى ﷺ لأصحابه فى الهجرة إلى أرض الحبشة، وقال لهم: إن بها ملكا لا يظلم الناس عنده-أو لا يظلم أحد عنده-فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه. فهاجر فى شهر رجب منهم اثنا عشر رجلا وأربع نسوة-وقيل أحد عشر رجلا وامرأتان، وقيل عشر رجال وأربع نسوة-سرّا، وستر الباقون إسلامهم (^١).
فالذين هاجروا عثمان بن عفان-وهو أول من خرج- وزوجته رقية ابنة النبى ﷺ، وعثمان بن مظعون، والزّبير بن العوّام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأمرأته أم سلمة بنت أبى أميّة، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبى خيثمة، وأبو سبرة بن أبى رهم، وحاطب بن عمر بن عبد شمس، وسهيل بن البيضاء، وعبد الله بن مسعود، وأبو حذيفة بن عتبة، وزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو. وخرجوا سرّا متسلّلين-منهم الراكب ومنهم الماشى-حتى انتهوا إلى الشّعيبة (^٢)، فقيّض الله لهم حينئذ سفينتين للتجار إلى أرض الحبشة، حملوهم فيهما بنصف دينار.
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ١:٢١٣، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٨٥، وشرح المواهب ١:٢٧٠،٢٧١.
(٢) فى الأصول «السفينة» والتصويب عن طبقات ابن سعد ١:٢٠٤. والشعيبة كانت ثغر مكة قبل أن تصير جدة ثغرا لمكه. (معجم البلدان لياقوت)
[ ١ / ٢١٤ ]
وخرجت قريش فى أثرهم حتى بلغوا حيث ركبوا، فلم يدركوا منهم أحد.
ولما أن أخرج عثمان بن عفان وزوجته رقيّة أبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما، فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد رأيت ختنك وامرأته. قال: على أى حال رأيتيهما؟ قالت: رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذه الدّبّابة (^١) وهو يسوقها. فقال رسول الله ﷺ: صحبهم الله، إن عثمان لأوّل من هاجر بأهله بعد لوط.
وهى أوّل هجرة كانت فى الإسلام، فأقاموا عنده بخير دار فى أحسن جوار، أمنوا فيه على دينهم وأنفسهم، وعبدوا الله لا يؤذون، ولا يسمعون شيئا يكرهونه. فأقاموا شعبان ورمضان، وقدموا فى شوال إلى مكة (^٢) ودخلوا فى جوار طائفة من قومهم إلا ابن مسعود فإنه عاد مهاجرا إلى الحبشة (^٣).
وسبب رجوعهم ما كان قد بلغهم من أمر سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ قارب قومه، وكفّوا عنه، ودنا منهم ودنوا منه. فقعد يوما فى ناد من أنديتهم حوال الكعبة فقرأ عليهم ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلما بلغ ﴿أَ فَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى وَمَناةَ﴾
_________________
(١) كذا فى م، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٥. وفيها علق المحقق بقوله: الضعيفة التى تدب فى المشى. وفى ت، هـ «هذه الديار».
(٢) سبل الهدى والرشاد ٢:٤٨٦، وشرح المواهب ١:٢٧٠،٢٧١، وتاريخ الخميس ١:٢٨٩.
(٣) سبل الهدى والرشاد ٢:٤٨٨،٤٨٩.
[ ١ / ٢١٥ ]
﴿الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ ألقى الشيطان على لسانه: وإنهن الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتهن لهى التى ترتجى. فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر السورة سجد وسجد كل من حضر من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة، وقيل: أبا أحيحة سعيد بن العاص، ويقال:
كلاهما جميعا-وكانا شيخين كبيرين لا يقدران على السجود-رفعا على كفّيهما ترابا إلى جبهتهما فسجدا عليه، ورضوا بما ألقاه الشيطان على لسانه، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت، ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فأما إذ جعلت لنا نصيبا فنحن معك. وكبر ذلك على رسول الله ﷺ حتى جلس فى بيته، فأوحى الله إليه ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ إلى قوله ﴿لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ (^١)
وفشت تلك السجدة فى الناس حتى بلغت أصحاب رسول الله ﷺ الذين بالحبشة، وأنّ قريشا سجدوا معه وأسلموا، فقالوا:
إذا كانوا قد آمنوا فلنرجع إلى عشائرنا أحب إلينا. فخرجوا حتى كان بينهم وبين مكّة ساعة من نهار فلقوا ركبا من الركبان فسألوهم، فقالوا: ذكر محمد آلهتهم [(^٢) بخير فتابعه الملأ، ثم ارتد عنها فعاد لشتم إلهتهم (^٢)] فعادوا له بالشّر، فتركناهم على ذلك. فأتمروا فى الرجوع إلى الحبشة، ثم قالوا: ندخل فننظر ما فيه قريش، ونحدث عهدا بأهلنا ثم نرجع، فدخلوا-بعضهم مستخفيا وبعضهم بجوار-غير
_________________
(١) سورة الإسراء الآيات ٧٣ - ٧٥.
(٢) سقط فى الأصول. والمثبت عن عيون الأثر ١:١٢٠، وشرح المواهب ١:٢٨٠
[ ١ / ٢١٦ ]
ابن مسعود فإنه مكث يسيرا ولم يدخل مكة ثم رجع إلى أرض الحبشة.
ويقال: إن النبىّ ﷺ لما قرأ سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلما بلغ ﴿أَ فَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى* وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله تعالى آخر الطواغيت فقال: وإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهى التى ترجى. وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان فى قلب كل مشرك بمكّة، ودلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دينه الأوّل؛ دين قومه.
فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر ﴿وَالنَّجْمِ﴾ سجد وسجد كلّ من حضر من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة-وكان شيخا كبيرا-رفع ملء كفّيه ترابا فسجد عليه. فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم فى السجود بسجود رسول الله ﷺ/، فأما المسلمون فقد عجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذى ألقى الشيطان على ألسنة المشركين.
وأما المشركون فاطمأنت نفوسهم إلى النبى ﷺ وأصحابه لما ألقى فى أمنية النبى ﷺ، وحدّثهم الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها فى السجدة فسجدوا تعظيما لآلهتهم.
وفشت تلك الكلمة فى الناس فأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين عنه، وحدّث أنّ أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلّوا مع رسول الله ﷺ، وبلغهم سجود الوليد بن
[ ١ / ٢١٧ ]
المغيرة على التراب على كفّيه، وحدّثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة؛ فأقبلوا سراعا. وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته وحفظها من الباطل، فقال تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (^١) فلما بين الله [قضاءه] (^٢)، وصانه وبرّأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم، وعداوتهم على المسلمين، واشتدوا عليهم (^٣).
_________________
(١) سورة الحج الآيتان ٥٢،٥٣.
(٢) سقط فى الأصول، والمثبت عن دلائل النبوة ٢:٦١، والاكتفا ١: ٣٥٣، وتفسير ابن كثير ٥:٤٤٠.
(٣) وقد جاء فى عيون الأثر ١:١٢١ بعد خبر الغرانيق-عن السهيلى-وأهل الأصول يدفعون هذا الحديث بالحجة … والحديث على ما خيلت غير مقطوع بصحته. قلت-أى ابن سيد الناس-: بلغنى عن الحافظ عبد العظيم المنذرى ﵀ أنه كان يرد هذا الحديث من جهة الرواة بالكلية، وكان شيخنا الحافظ عبد المؤمن الدمياطى يخالفه فى ذلك. والذى عندى فى هذا الخبر: أنه جار مجرى ما يذكر من أخبار هذا الباب من المغازى والسير، والذى ذهب إليه كثير من أهل العلم الترخص فى الرقائق وما لا حكم فيه من أخبار المغازى وما يجرى مجرى ذلك، وأنه يقبل فيها ما لا يقبل فى الحلال والحرام لعدم تعلق الأحكام بها. وجاء فى تفسير ابن كثير للأيات ٥٢،٥٣ من سورة الحج «ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركى قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسله، ولم أرها مسندة من وجه صحيح ثم قال بعد ذكر طرق روايتها: وكلها مرسلات ومنقطعات، وساقها البغوى فى تفسيره ثم سأل هاهنا سؤالا: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله لرسوله ﷺ؟ ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها: أن الشيطان أوقع فى مسامع-
[ ١ / ٢١٨ ]
ثم لقى المسلمون من قريش تعنيفا شديدا بالأذى، فكانت أعظم مشقة من الأولى، وكان قد اشتدّ على قريش ما بلغهم من حسن جوار النّجاشى لهم.
وكان ممن دخل بجوار عثمان بن مظعون؛ أجاره الوليد بن المغيرة، فلما رأى عثمان بن مظعون الذى يلقى رسول الله ﷺ وأصحابه من البلاء، وعذب طائفة منهم بالنار والسياط، وعثمان معافى لا يعرض (^١) له، استحبّ البلاء على العافية فقال: أما من كان فى عهد الله وذمته وذمة رسوله ﷺ الذى (^٢) اختار الله ﷿ لأوليائه من أهل الإسلام فهو مبتلى، ومن دخل فيه فهو خائف. وأما من كان فى عهد الشيطان وأوليائه من الناس فهو معافى!! فعمد إلى الوليد بن المغيرة فقال: يا عم قد أجرتنى وأحسنت إلى، فأنا أحب أن تخرجنى إلى عشيرتك فتبرأ منى بين ظهرانيهم. فقال له الوليد: يا ابن أخى لعل أحدا من قومك آذاك أو شتمك وأنت فى ذمتى فأكفيك ذلك./قال: لا والله ما اعترض لى أحد ولا ذآنى. فلما أبى إلا أن يتبرأ منه الوليد أخرجه إلى المسجد-وقريش فيه كأحفل ما كانوا، ولبيد بن ربيعة الشاعر
_________________
(١) -المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ﷺ، وليس كذلك فى نفس الأمر بل إنما كان من صنيع الشيطان، لا من رسول الرحمن ﷺ. وانظر تفصيل الخلاف حول هذا الخبر، ومن رواه، واجتهاد العلماء حوله: فى شرح المواهب ١:٢٨٠ - ٢٨٦.
(٢) كذا فى ت، م، ودلائل النبوة ٢:٦١. وفى هـ «يتعرض».
(٣) كذا فى ت. وفى م، هـ، ودلائل النبوة ٢:٦١ «التى».
[ ١ / ٢١٩ ]
ينشدهم-فأخذ الوليد بيد عثمان فأتى به قريشا فقال: إن هذا قد غلبنى وحملنى على أن أتبرأ من جواره، وإنى أشهدكم أنى برئ منه إلاّ أن يشاء. فقال عثمان: صدق وأنا والله أكرهته على ذلك، وهو منى برئ. ثم جلس مع القوم ولبيد ينشدهم، فقال لبيد:-
*ألا كلّ شئ ما خلا الله باطل*
فقال عثمان صدقت. ثم أتم لبيد فقال:
*وكلّ نعيم لا محالة زائل*
فقال عثمان كذبت. فأسكت (^١) القوم ولم يدروا ما أراد بكلمته. ثم أعادوها الثانية وأمروه بذلك، فقال عثمان حين أعادها مثل كلمتيه الأوليين؛ صدّقة مرّة وكذّبه مرّة. إذا ذكر: «ألا كل شئ ما خلا الله باطل» صدقه، وإذا ذكر: «وكل نعيم لا محالة زائل» كذبه؛ لأنّ نعيم الجنة لا يزول. فنزى عند ذلك رجل من قريش فلطم عين عثمان بن مظعون فاخضرّت. فقال الوليد بن المغيرة وأصحابه: قد كنت فى ذمة مانعة ممنوعة فخرجت منها، وكنت عن الذى لقيت غنيّا!! فقال عثمان: بل كنت إلى الذى لقيت منكم فقيرا، وعينى التى لم تلطم إلى مثل ما لقيت صاحبتها فقيرة، ولى فيمن هو أحبّ إلىّ منكم أسوة. فقال الوليد بن المغيرة: إن شئت أجرتك الثانية.
فقال عثمان بن مظعون: لا أرب لى فى جوارك (^٢).
_________________
(١) كذا فى م، هـ، ودلائل النبوة ٢:٦٢. وفى ت «فأنكر».
(٢) دلائل النبوة ٢:٦١،٦٢، والاكتفا ١:٣٥٥،٣٥٦، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٨٩،٤٩٠، وشرح المواهب ١:٢٨٠.
[ ١ / ٢٢٠ ]
فأذن النبى ﷺ لأصحابه فى الخروج إلى أرض الحبشة.
فقال عثمان بن عفان: نهاجر ولست معنا؟ فقال: أنتم مهاجرون إلى الله وإلىّ، لكم هاتان الهجرتان جميعا. فقال عثمان: فحسبنا يا رسول الله (^١). فهاجروا ثانيا إلى أرض الحبشة، وردّ الله كيد قريش فى نحورهم.
وكان جملة من هاجر من الصحابة نيّفا وثمانين سوى الصّغار-وقيل: ثلاثة وثمانون رجلا، إن كان فيهم عمار بن ياسر، ففيه شك-وثمان عشرة امرأة منهن سبع غرائب، وإحدى عشرة قرشية (^٢). وهم-على خلاف فى بعضهم-: الأسود بن نوفل، وأسماء بنت عميس، وأبو الرّوم بن عمير، وأبو سبرة بن أبى رهم، وأبو فكيهة، وأبو قيس بن الحارث، وأم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، وبركة بنت يسار، وتميم-ويقال: نمير، وقيل: بشر-بن الحارث، وجابر بن سفيان بن معمر،/وجعفر بن أبى طالب، وجنادة بن سفيان، وجهم بن قيس، والحارث بن حاطب، والحارث ابن خالد التيمى، والحارث بن عبد قيس بن عامر، وحاطب بن الحارث-ومات بالحبشة-وحاطب بن عمر، والحجاج بن الحارث السهمى، وحرملة بنت عبد الأسود، وحسنة أم شرحبيل، وحطّاب بن الحارث-ومات بالحبشة-وقيس بن حذافة، وربيعة ابن هلال، ورقيّة بنت رسول الله ﷺ، وخالد بن حزام بن
_________________
(١) طبقات ابن سعد ١:٢٠٧، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥١٧.
(٢) كذا فى المرجعين السابقين.
[ ١ / ٢٢١ ]
خويلد، وخالد بن سعيد بن العاص، وخزيمة بن جهيم، ورملة بنت أبى عوف، وريطة بنت الحارث، والزّبير بن العوّام، والسائب ابن الحارث، والسائب بن عثمان بن مظعون، وسعيد بن حرملة، وسعيد بن الحارث بن قيس، وسعيد بن عبد قيس الزّهرى، وسعيد-وقيل اسمه معمر-بن عمر التميمى، وسفيان بن معمر الجمحىّ، والسّكران بن عمرو، وسلمة بن هشام بن المغيرة، وسليط بن عمرو العامرى، وسهيل بن بيضاء (^١)، وسهلة بنت سهل، وسويبط العبدرى، وسودة بنت زمعة، وشرحبيل بن حسنة، وشمّاس بن عثمان، وطليب بن أزهر، وطليب بن عمير، وعامر بن ربيعة، وعامر بن أبى وقّاص، وأبو عبيدة عامر بن عبد الله ابن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن جحش، وعبد الله بن الحارث بن قيس، وعبد الله بن حذافة السّهمى، وعبد الله ابن سفيان، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وعبد الله بن شهاب، وأبو سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد، وأبو موسى بن عبد الله بن قيس، وعبد الله ابن مخرمة بن عبد العزّى، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن مظعون، وعتبة بن غزوان، وعتبة بن مسعود، وعثمان ابن عفّان، وعثمان بن ربيعة بن وهبان، وعثمان بن عبد غنم الفهرىّ، وعدىّ بن نضلة، وعروة بن أبى أمامة، وعمّار بن ياسر، وعمران ابن رئاب، وعمرو بن أميّة بن الحارث، وعمرو-
_________________
(١) وبيضاء أمه، واسمها دعد بنت جحدم بن أمية بن الظرب بن الحارث بن فهر، وأبوه وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة. (السيرة النبوية لابن كثير ٢:٩).
[ ١ / ٢٢٢ ]
وقيل اسمه معمر-بن أبى سرح، وعمرو بن جهم، وعمرو بن الحارث بن زهير، وعمرو بن سعيد بن العاص، وعمرو بن عثمان بن كعب التّيمىّ، وعمير بن رئاب التّيمىّ، وعميرة بنت السعدى، وعيّاش بن أبى ربيعة، وعياض بن زهير، وفاطمة بنت صفوان بن أميّة، وفاطمة بنت المجلّل، وفراس بن النّضر بن الحارث، وفكيهة بنت يسار، وقدامة بن مظعون، وقيس بن حذافة السهمى، وقيس بن عبد الله من بنى أسد بن خزيمة، وليلى بنت أبى حثمة، ومالك بن زمعة، ومحمد بن حاطب، ومحمية بن جزء السهمى، ومصعب بن عمير، والمطّلب بن أزهر، ومعبد- ويقال: معمر-بن الحارث السهمى، ومعتّب بن عوف، ومعمر ابن عبد الله بن نضلة، ومعيقيب بن أبى فاطمة، والمقداد بن الأسود، وهاشم بن أبى عتبة بن أبى ربيعة، ونبيه بن عثمان بن ربيعة، وهمينة-ويقال: أمينة-بنت خلف، وهند بنت أبى أميّة، ويزيد بن زمعة بن الأسود. فأقاموا عند النجاشى فى أحسن حال (^١).
ويقال: إن النبى ﷺ كتب مع عمرو بن أميّة الضّمرى إلى النجاشى فى شأن جعفر بن أبى طالب وأصحابه؛ فصفة الكتاب:-
_________________
(١) وانظر سيرة النبى لابن هشام ١:٢١٣ - ٢١٩ وعيون الأثر ١:١٥٥ - ١١٨ - والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٦ - ٩.
[ ١ / ٢٢٣ ]
﷽
من محمد رسول الله-ﷺ-إلى النجاشى؟؟؟ الحبشة، سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الملك القدّوس؟؟؟ المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيّبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه. وإنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى وتؤمن بى وبالذى جاءنى، فإنى رسول الله. وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرا ومعه نفر من المسلمين فإذا جاءوك فأقرهم ودع التّجبّر؛ فإنى أدعوك وجنودك إلى الله، وقد بلّغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتى، والسلام على من اتبع الهدى.
فكتب النجاشى إلى رسول الله ﷺ:-
﷽
إلى محمد رسول الله ﷺ من النجاشى الأصحم بن أبجر، سلام عليك يا نبىّ الله من الله، ورحمة الله وبركاته، لا إله إلاّ هو الذى هدانى إلى الإسلام؛ فقد بلغنى كتابك يا رسول الله، فما (^١) ذكرت من أمر عيسى فو ربّ السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرينا (^٢) ابن عمك
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ٢:٧٩، والبداية والنهاية ٣:٨٤، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٢٥ «فيما ذكرت».
(٢) فى الأصول، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٢٥ «مر بنا». والمثبت عن دلائل النبوة ٢:٧٩ والبداية والنهاية ٣:٨٤.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدّقا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك. وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين، وقد بعثت إليك يا نبى الله أريحا بن الأصحم بن أبجر، فإنى لا أملك إلاّ نفسى، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله؛ فإنى أشهد أن ما تقول حقّ.
ولما خرج المسلمون إلى الحبشة،/ومنع الله نبيّه ﷺ بعمّه أبى طالب رأت قريش أن لا سبيل لهم عليه، فرماه الوليد بن المغيرة بالسّحر والكهانة والجنون، وتبعه قومه على ذلك، فنزل فيه ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ الآيات (^١)، وفى النفر الذين تابعوه ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (^٢).
ثم بالغوا فى أذى النبى ﷺ؛ فمما فعلوه وقد اجتمعت أشرافهم يوما فى الحجر فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط؛ قد سفّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم-أو كما قالوا-فبينما هم كذلك إذا طلع رسول الله ﷺ، فأقبل يمشى حتى استلم الرّكن، ثم مرّ بهم طائفا بالبيت، فلما مرّ بهم غمزوه ببعض القول، فعرف ذلك فى وجهه ﷺ، ثم مضى، ثم مرّ بهم الثانية، فغمزوه بمثلها، فعرف فى وجهه، ثم مضى، ثم مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: ألا تسمعون يا معشر
_________________
(١) سورة المدثر الآيات ١١ - ٣٠.
(٢) سورة الحجر آية ٩١.
[ ١ / ٢٢٥ ]
قريش!! أما والذى نفس محمد بيده-ويقال: أما والذى نفسى بيده-لقد جئتكم بالذّبح. فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدّهم فيه وطأة (^١) قبل ذلك ليرفؤه (^٢) بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول:
انصرف أبا القاسم راشدا، فو الله ما كنت جهولا.
فانصرف رسول الله ﷺ حتى إذا كان من الغد اجتمعوا فى الحجر فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون له:
أنت الذى تقول كذا وكذا؟! لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم- فيقول رسول الله ﷺ: نعم أنا الذى أقول ذلك. فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه، وقام أبو بكر يقيه ويبكى، ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربّى الله؟! ثم انصرفوا عنه.
وطاف النبىّ ﷺ يوما ضحى، فلقيته قريش حين فرغ فأخذوا بمجامع ردائه فقالوا: أنت الذى تنهانا عمّا كان يعبد أباؤنا؟! فقال: أنا ذاك. فقام أبو بكر فالتزمه من ورائه، ثم قال ﴿أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ﴾
_________________
(١) كذا فى ت، وتاريخ الإسلام ٢:٩٧. وفى م، هـ وسيرة النبى لابن هشام ١:١٨٧، ودلائل النبوة ٢:٥١ «وصاة» وفى الخصائص الكبرى ١:٣٦٠ «وضأة».
(٢) ليرفؤه: أى يسكنه ويرفق به ويدعو له. (هامش تاريخ الإسلام ٢:٩٧)
[ ١ / ٢٢٦ ]
﴿يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ (^١) رافعا صوته بذلك، وعيناه تسفحان حتى أرسلوه (^٢).
واجتمع مشركو قريش فى الحجر فقالوا: إذا مرّ محمد علينا ضربه كل واحد منا ضربة، فسمعت ذلك فاطمة فذكرت ذلك لأبيها، فقال لها: يا بنيّتى اسكتى. ثم خرج فدخل عليهم المسجد، فرفعوا إليه رءوسهم ثم نكّسوا، فأخذ قبضة من تراب فرمى بها نحوهم ثم قال: شاهت الوجوه (^٣).
ويقال: اجتمعوا مرّة فى الحجر فتعاهدوا باللات والعزّى، ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف: لو قد رأينا محمدا قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله. فأقبلت ابنته فاطمة تبكى حتى دخلت على أبيها رسول الله ﷺ فقالت: هؤلاء الملأ من قريش من قومك فى الحجر قد تعاهدوا عليك أن لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا وقد عرف نصيبه من ديتك. فقال:
يا بنيّة لا تبكى: أرينى وضوءا. فتوضّأ ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: هوذا. وأخفضوا أبصارهم، وسقطت رقابهم فى صدورهم، وعقروا فى مجالسهم، فلم يرفعوا إليه أبصارهم، ولم يقم منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رءوسهم، فأخذ
_________________
(١) سورة غافر آية ٢٨.
(٢) وانظر المراجع السابقة، وتفسير ابن كثير ٧:١٣٠.
(٣) دلائل النبوة ٢:٥٣.
[ ١ / ٢٢٧ ]
قبضة من تراب فحصيهم بها، وقال: شاهت الوجوه. فما أصاب رجلا منهم من ذلك الحصى (^١) حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا.
وقال العباس بن عبد المطلب: كنت يوما فى المسجد، فأقبل أبو جهل فقال: إنّ لله علىّ إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ رقبته.
فخرجت على (^٢) رسول الله ﷺ حتى دخلت عليه وأخبرته بقول أبى جهل. فخرج غضبان حتى جاء المسجد وعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط، فقلت: هذا يوم شرّ، فاتّزرت ثم اتّبعته.
فدخل رسول الله ﷺ يقرأ ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فلما بلغ شأن أبى جهل ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ (^٣) قال إنسان لأبى جهل: هذا محمد. فقال أبو جهل: ألا ترون ما أرى؟ والله لقد سدّ أفق السماء علىّ. فلما بلغ النبىّ ﷺ إلى آخر السّورة سجد (^٤).
وقال يوما أبو جهل: هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟! فقيل: نعم. فقال: واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ولأعفّرنّ وجهه فى التراب. فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلى ليطأ على رقبته فما علم به إلاّ وهو ينكص على عقبيه ويرجع إلى
_________________
(١) كذا فى هـ. وفى ت، م «من ذلك الحصباء حصاة» وانظر دلائل النبوة ٢:٥٣، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٨٦،١٨٧، والخصائص الكبرى ١:٣٦١، والسيرة الحلبية ١:٤٧٤.
(٢) فى الأصول «مع» والمثبت عن الخصائص الكبرى ١:٣١٦.
(٣) سورة العلق الآيات ١ - ٧.
(٤) وانظر عيون الاثر ١:١٠٢.
[ ١ / ٢٢٨ ]
خلفه ويتّقى بيده، فقيل له: ما لك؟ قال: رأيت بينى وبينه خندقا من نار وهولا، ورأيت ملائكة ذوى أجنحة. فقال رسول الله ﷺ: أما لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. وأنزل الله تعالى ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى قوله ﴿إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ يعنى أبا جهل ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ قومه ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ الملائكة (^١).
ومرّ أبو جهل بالنبى ﷺ وهو يصلى فقال: ألم أنهك عن أن تصلى يا محمد؟! لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا منى. فانتهره النبى ﷺ، فقال جبريل ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ* سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب (^٢).
قال عثمان بن عفان: كان رسول الله ﷺ يطوف بالبيت- ويده فى يد أبى بكر-وفى الحجر ثلاثة [نفر] (^٣) جلوس: عقبة ابن أبى معيط، وأبو جهل، وأميّة بن خلف، فمرّ رسول الله ﷺ فلما حاذاهم أسمعوه بعض ما يكره؛ فعرف ذلك فى وجه رسول الله ﷺ، فدنوت منه حتى وسطته، فكان بينى وبين أبى بكر، وأدخل أصابعه فى أصابعى حتى طفنا جميعا. فلما حاذاهم قالوا:
والله لا نصالحك ما بلّ بحر صوفة-وأنت تنهانا أن نعبد ما كان
_________________
(١) تاريخ الإسلام ٢:٨٧، وتفسير ابن كثير ٨:٤٦١، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٦٧، والخصائص الكبرى ١:٣١٥.
(٢) تاريخ الإسلام ٢:٨٨،٨٩، والسيرة الحلبية ١:٤٦٥.
(٣) الإضافة عن الوفا بأحوال المصطفى ١:١٨٨.
[ ١ / ٢٢٩ ]
يعبد آباؤنا. فقال لهم رسول الله ﷺ: أنا على ذلك. ثم مضى عنهم، فصنعوا به فى الشوط الثالث مثل ذلك، حتى إذا كان فى الشوط الرابع ناهضوه، ووثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجمع ثوبه، فدفعته فى صدره فوقع على استه، ودفع أبو بكر أميّة بن خلف، ودفع رسول الله ﷺ عقبة بن أبى معيط، ثم انفرجوا عن رسول الله ﷺ وهو واقف، ثم قال لهم: أما والله لا تنتهون حتى يحلّكم الله عذابه عاجلا. فو الله ما منهم رجل إلا وقد أخذه أفكل (^١)، وهو يرتعد، فجعل رسول الله ﷺ يقول: بئس القوم أنتم لنبيّكم. ثم انصرف إلى بيته وتبعناه، فقال: أبشروا فإن الله مظهر دينه، ومتم كلمته، وناصر نبيه؛ إن هؤلاء الذين ترون ممن يذبح الله بأيديكم عاجلا. ثم انصرفنا إلى بيوتنا، فو الله لقد رأيتهم ذبحهم الله بأيدينا (^٢).
وأتمرت قريش يوما وهم جلوس فى ظلّ الكعبة، ورسول الله ﷺ يصلى عند المقام/، فقام إليه عقبة بن أبى معيط فجعل رداءه فى عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه ساقطا، وتصايح الناس، فظنوا أنه مقتول، فأقبل أبو بكر يشتد حتى أخذ بضبعى رسول الله ﷺ من ورائه وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ، فقام فصلّى؛ فلما قضى صلاته مرّ بهم وهم
_________________
(١) كذا فى الأصول، والخصائص الكبرى ١:٣٦١. وفى الوفا بأحوال المصطفى ١:١٨٩ «الخوف» -والأفكل: الرعدة من برد أو خوف. (المعجم الوسيط)
(٢) وانظر المراجع السابقة، وعيون الاثر ١:١٠٤، والسيرة الحلبية ١:٤٧١، ٤٧٢.
[ ١ / ٢٣٠ ]
جلوس فقال: يا معشر قريش أما والذى نفسى بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذّبح وأشار بيده إلى حلقه. فأخذت القوم كلهم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طير واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة (^١) قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف أبا القاسم راشدا فو الله ما كنت جهولا.
ويقال: إن رسول الله ﷺ كان يوما بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبى معيط فأخذ بمنكب النبى ﷺ ولوى بثوبه فى عنقه فخنقه خنقا شديدا فاقتفى (^٢) أبو بكر فأخذ بمنكبيه ودفعه عن رسول الله ﷺ، وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم (^٣).
وقالت ابنة الحكم: قلت لجدّى الحكم ما رأيت قوما أعجز منكم ولا أسوأ رأيا يا بنى أميّة فى رسول الله ﷺ. قال: لا تلومينا يا بنيّة إنى لا أحدثك إلا ما رأيت بعينىّ هاتين، قلنا: والله لا نزال نسمع قريشا تعلى أصواتها على رسول الله ﷺ فى هذا المسجد:
تواعدوا له حتى تأخذوه. فتواعدنا فجئنا إليه لنأخذه، فسمعنا صوتا
_________________
(١) كذا فى م، هـ، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٨٨، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٧١. وفى ت، والخصائص الكبرى ١:٣٦٠ «وضاءة».
(٢) كذا فى م. وفى هـ «فاغتفى»، وبياض فى ت. وفى دلائل النبوة ٢: ٥٠، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٩٠ «فأقبل».
(٣) وانظر المرجعين السابقين، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٧٠، وتاريخ الخميس ١:٢٩٢.
[ ١ / ٢٣١ ]
ما ظننا أنه بقى جبل بتهامة إلا تفتّت، فغشى علينا فما عقلنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا له ليلة أخرى، فلما جاء نهضنا إليه، فجاءت الصفا والمروة حتى التقت (^١) إحداهما بالأخرى فحالتا بيننا وبينه، فو الله ما نفعنا ذلك حتى رزق الله الإسلام وأذن لنا فيه.
وقدم رجل من إراش يقال له كهل الأصغر بن عصام بن كهل الأكبر (^٢) بإبل له مكّة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها، وأقبل الإراشىّ حتى وقف على نادى قريش-ورسول الله ﷺ جالس فى ناحية المسجد-فقال: يا معشر قريش من رجل يعدينى (^٣) على أبى الحكم بن هشام؟ فإنى رجل غريب وابن سبيل، وقد غلبنى علىّ حقّى؛ فإنه ابتاع منى ظهرا فمطلنى بثمنه وحبسنى به حتى شقّ علىّ، فمن رجل يقوم معى فيأخذ لى حقى منه؟ فقال أهل المجلس: ترى ذلك الجالس؟ انطلق إليه يأخذ لك حقك-وهم يستهزئون به لما يعلمون ما بينه وبين أبى جهل من العداوة-فأقبل الإراشى حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: يا عبد الله. إن أبا
_________________
(١) كذا فى ت، والخصائص الكبرى ١:٣٢٢. وفى م، هـ «التقتا» وفى السيرة الحلبية ١:٤٦٥ «التصقتا».
(٢) وفى الروض الأنف ٢:١٣٨ «قال ابن إسحاق: هو من إراش وهو ابن الغوث، أو ابن عمرو بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبا، وهو والد أنمار الذى ولد بجيله وخثعم، وإراشة الذى ذكر ابن هشام بطن من خثعم.» وفى سبل الهدى والرشاد ٥:٥٥٢ «اسمه كهلة الأصغر بن عصام بن كهلة الأكبر، ينسب إلى جد له اسمه إراشة.» وفى معجم البلدان لياقوت: إراش: موضع.
(٣) يعدينى: أى يزيل العدوان والعداء وهو الظلم. (الروض الأنف ٢:١٣٩)
[ ١ / ٢٣٢ ]
الحكم بن هشام قد غلبنى على حق لى قبله، وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يعيننى عليه يأخذ لى حقى منه، فأشاروا إليك؛ فخذ لى حقى منه رحمك الله. قال: أنطلق إليه.
وقام رسول الله ﷺ معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن كان معهم: اتبعه، وانظر ماذا يصنع. وخرج رسول الله ﷺ حتى جاء أبا جهل فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: محمد بن عبد الله، فاخرج إلىّ. ففتح الباب وخرج وما فى وجهه [من] (^١) رائحة (^٢) وقد انتقع لونه، فقال له: أعط هذا الرجل حقه. قال:
نعم. فقال: لست أبرح أو تعطيه حقه. قال: نعم لا تبرح حتى أعطيه حقه الذى له. فدخل البيت فخرج إليه بحقه فدفعه إليه. ثم انصرف رسول الله ﷺ، وقال للإراشى: الحق بشأنك. فأقبل الإراشى حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرا؛ فقد- والله-أخذ لى حقى بأيسر الأمور، ثم انصرف وجاء الذى بعثوه معه، فقالوا: ويحك ماذا رأيت؟ قال: رأيت عجبا من العجب؛ ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه، فقال: أعط هذا حقه قال: نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه. فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه. ثم لم يلبثوا أن جاء أبو جهل بن هشام فقالوا له: ويلك مالك، والله ما رأينا مثل ما صنعت، فو الله ما بعثنا الرجل إلى محمد إلاّ هازئين. فقال: ويحكم دعونى فو الله ما هو إلا أن
_________________
(١) إضافة عن سيرة النبى لابن هشام ١:٢٦١، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٥١.
(٢) أى بقية روح، فكأن معناه: روح باقية. (الروض الأنف ٢:١٣٩)
[ ١ / ٢٣٣ ]
ضرب علىّ بابى وسمعت صوته فملئت منه رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته وقصرته (^١) وأنيابه قط، فاتحا فاه، والله لو أبيت لأكلنى، فأعطيت الرجل حقه.
فقال القوم: ما هو إلاّ بعض سحره (^٢).
ويقال: إن الإراشى خرج على أباعر له يحمل طعاما من الشام إلى مكة، فباع طعامه من أبى جهل، فمطله بحقه، فلما طال ذلك عليه أتى جماعة من قريش فشكاه إليهم، فقالوا-وهم يهزؤون به:-عليك بذلك الجالس-يعنون النبىّ ﷺ-فأتاه فشكاه إليه، وسأله أن يكلمه، فنهض معه حتى جاءه فدعاه فخرج، فقال له: أعط هذا حقه. قال: نعم الساعة. فأعطاه حقه، فلامته قريش فقالوا: كلمناك فأبيت وشفّعت محمدا!! فقال: رأيت معه (^٣) بعيرا فاغرا فاه (^٣)، والله لو لم أعطه لأكلنى.
ويقال إنّ رجلا كان له على أبى جهل دين فلم يعطه، فقيل له: ألا ندلّك على من يستخرج لك حقّك؟ قال: بلى. قالوا:
عليك بمحمد بن عبد الله. فأتاه، فجاء معه إلى أبى جهل فقال: أعطه حقه. قال نعم. فدخل البيت فأخرج دراهمه فأعطاه إيّاها. فقالوا لأبى جهل: فرقت من محمد كل هذا؟ قال: والذى نفسى بيده لقد
_________________
(١) القصرة: أصل العنق. (سبل الهدى والرشاد ٢:٥٥٢)
(٢) وانظر المراجع السابقة، والاكتفا ١:٣٧٠، والسيرة النبوية لابن كثير.
(٣) فى الأصول «بقرا عرافا» ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٢٣٤ ]
رأيت معه رجالا معهم حراب تلمع-أو قال تتلألأ-لو لم أعطه لخفت أن ينفح (^١) بها بطنى.
وكان النبى ﷺ قائما يصلى عند البيت فى ظلّه-ورهط من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبى معيط جلوس فى مجالسهم فى الحجر-فقال أبو جهل بن هشام: ألا تنظرون إلى هذا المرائى، أيّكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجئ به فيلقيه على ظهر محمد إذا سجد؟ وكانت جزورا قد نحرت بالأمس بأسفل مكة، فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبى معيط-وكان أسفه قريش-فجاء به فنظر حتى إذا سجد النبىّ ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه، وثبت النبىّ ﷺ ساجدا لا يرفع رأسه، فجعلوا يضحكون حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى بنته فاطمة-وهى جويرية-فأقبلت تسعى حتى ألقته عنه، ثم أقبلت عليهم تسبّهم، فلم يرجعوا إليها شيئا، فلما قضى النبىّ ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم-وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا-فقال: اللهم عليك بالملأ من قريش-ويقال: اللهم عليك بقريش-ثلاث مرات. فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وشقّ عليهم أن دعا عليهم، وخافوا دعوته، وكانوا يرون أن الدّعوة فى البلد مستجابة. ثم قال: اللهم عليك بأبى جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأميّة بن خلف، وعقبة بن أبى معيط/، وعمارة
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى الخصائص الكبرى ١:٣١٧ «أن يبعج بها بطنى».
[ ١ / ٢٣٥ ]
ابن الوليد (^١). ثم قال لأبى جهل: والله لتنتهينّ أو لينزلنّ الله عليك قارعة، وقال لعتبة: يا ابن أبان ما أنت بمقصر عما ترى؟ فقال:
لا، حتى تدع ما أنت عليه. فقال: والله لتنتهينّ أو ليحلّن بك قارعة.
وخرج رسول الله ﷺ فلقيه أبو البخترىّ العاص بن هشام ابن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ-وكان أقل الناس أذى للنبى ﷺ-فأنكر وجهه، فسأله عن خبره فأخبره، وكان معه سوط فأتى أبا جهل فعلاه به، فتشاور بنو مخزوم وبنو أسد بن عبد العزى، فقال أبو جهل: ويلكم إنما يريد محمد أن يلقى بينكم العداوة (^٢)، ووالله لئن رأيت محمدا يصلى لأطأن رقبته. فبلغه أنه يصلى، فأقبل مسرعا فقال: ألم أنهك يا محمد عن الصلاة؟! فانتهره رسول الله ﷺ، فقال: أتنهرنى وتهدّدنى وأنا أعزّ أهل البطحاء!! فسمعه العاص بن عبد المطلب فقال: كذبت. فنزلت ﴿أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى* عَبْدًا إِذا صَلّى﴾ يعنى أبا جهل ﴿أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى﴾ (^٣) يعنى رسول الله ﷺ.
وقال أبو جهل: يا محمد، ابعث لنا رجلين أو ثلاثة من أبنائنا ممن قد مات؛ فلست بأهون على الله من عيسى-فيما تزعم-فقد
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:٥٤،٥٥، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٦٨، وشرح المواهب ١:٢٥٢ - ٢٥٥، والسيرة الحلبية ١:٤٦٩،٤٧٠.
(٢) سبل الهدى والرشاد ٢:٥٧٤،٥٧٥، والسيرة الحلبية ١:٤٦٩، ٤٧٠.
(٣) سورة العلق الأيات ٩ - ١١.
[ ١ / ٢٣٦ ]
كان عيسى يفعل ذلك. فقال: لم يقدرنى الله على ذلك. قال:
فسخّر لنا الريح تحملنا إلى الشام فى يوم وتردّنا فى يوم؛ فإن طول السفر يجهدنا، فلست بأهون على الله من سليمان بن داود؛ قد كان يأمر الريح فتغدو به مسيرة شهر، وتروح به مسيرة شهر.
فقال: لا أستطيع ذلك. فقال أبو جهل: فإن كنت غير فاعل شيئا مما سألناك فلا تذكر آلهتنا بسوء. فقال عبد الله بن أبى أميّة بن المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم: فأرنا كرامتك على ربّك؛ فليكن لك بيت من زخرف، وجنّة من نخيل وعنب، تجرى فيها الأنهار، وفجّر لنا ينبوعا مكان زمزم فقد شقّ علينا المتح عليها، وإلا فأسقط السماء علينا كسفا. فقال: ليس هذا بيدى، هو بيد الذى خلقنى. قال: فارق إلى السماء فأتنا بكتاب نقرؤه ونحن ننظر إليك. فنزلت فيه الآيات من سورة الإسراء (^١).
ولما نزلت ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ* طَعامُ الْأَثِيمِ* كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ* كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ (^٢) قال أبو جهل: أنا أدعوكم يا معشر قريش بالزّقّوم. فدعا بزبد وتمر فقال: تزقّموا من هذا؛ فإنا لا نعلم زقّوما غيره. فبيّن الله أمرها فقال ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ* طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ (^٣) فقالت قريش: شجرة تنبت فى النار؟! فكانت فتنة لهم. وجعل المستهزئون يضحكون.
_________________
(١) وهى الآيات ٩٠ - ٩٣.
(٢) سورة الدخان الآيات ٤٣ - ٤٦.
(٣) سورة الصافات الآيتان ٦٤،٦٥.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ويقال: لما نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ* لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ (^١) قال أبو جهل: ائتونا بزبد وتمر، وقال: تزقّموا فإن هذا هو الزّقّوم. فنزلت ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ* طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ (^٢) يعنى أبا جهل. ونزلت ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (^٣)
قيل: لما نزلت آية الزّقّوم لم تعرفه قريش. قال أبو جهل: هذا الشّجر لا ينبت بأرضنا فمن منكم يعرفه؟ فقال رجل قدم من إفريقية: الزّقّوم-بلغة إفريقية: الزّبد والتّمر. فقال أبو جهل: يا جارية، هاتى تمرا وزبدا نزدقمه. فجعلوا يأكلون ويزقمون ويقولون:
أبهذا يخوّفنا محمد فى الآخرة؟! فبيّن الله فى آية أخرى الزّقّوم بقوله ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (^٣)
وقدم رجل من هذيل-يقال له عمرو-بغنم له فباعها، ورآه النبىّ ﷺ فأخبره بالحق ودعاه إليه، فقام إليه أبو جهل-وكان خفيفا حديد الوجه والنظر به حول-فقال: انظر ما دعاك إليه هذا الرجل، فإيّاك أن تركن إلى قوله فيه، أو تسمع منه شيئا؛ فإنه قد سفّه أحلامنا، وزعم أن من مات منا كافرا يدخل النار بعد الموت، وما أعجب ما يأتى به. قال: فما تخرجونه من أرضكم؟ قال: لئن خرج من بين أظهرنا فيسمع كلامه وحلاوة لسانه أحداث ليتبعنّه، ثم لا نأمن أن يكرّ علينا بهم. قال: فأين أسرته عنه؟ قال: إنما امتنع بأسرته.
_________________
(١) سورة الواقعة الآيتان ٥١،٥٢.
(٢) سورة الدخان، الآيتان ٤٣،٤٤.
(٣) سورة الصافات آية ٦٤.
[ ١ / ٢٣٨ ]
وكان رسول الله ﷺ جالسا فى المسجد ومعه أبو بكر وسعد بن أبى وقّاص إذ أقبل رجل من زبيد وهو يقول: يا معشر قريش، كيف تدخل عليكم المادة والجلب وأنتم تظلمون من دخل إليكم؟! وجعل يقف على الحلق [حلقة حلقة] (^١) حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ وهو فى أصحابه-فقال له: من ظلمك؟ قال: أبو الحكم؛ طلب منى ثلاثة أجمال هى خيار إبلى، فلم أبعه إياها بالوكس (^٢)، فليس يبتاعها منى أحد اتباعا لمرضاته؛ فقد أكسد سلعتى وظلمنى. فقال ﷺ:
وأين أجمالك؟ قال: هى بالحزورة. فابتاعها منه رسول الله ﷺ، فباع منها جملين بالثمن الذى التمسه، ثم باع البعير الثالث وأعطى ثمنه أرامل بنى عبد المطلب-وأبو جهل جالس فى ناحية من السوق لا يتكلّم، ثم أقبل إليه رسول الله ﷺ فقال: يا عمرو، إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الأعرابى فترى منى ما تكره. فقال: لا أعود يا محمد. فلما انصرف رسول الله ﷺ أقبل عليه أميّة بن خلف ومن حضره من المشركين، فقالوا: لقد ذللت (^٣) فى يدى محمد، كأنك تريد اتباعه. فقال: لا أتبعه والله أبدا، إنما كان انكسارى عنه لما رأيت من سحره؛ لقد رأيت عن يمينه وشماله رجالا معهم رماح يشرعونها إلىّ، لو خالفته لكان إياها (^٤). فقالوا: هذا سحر منه.
_________________
(١) إضافة عن سبل الهدى والرشاد ٢:٥٥٢.
(٢) الوكس: الغبن والخسارة. (المعجم الوسيط).
(٣) فى الأصول «دخلت». والمثبت عن عيون الأثر ١:١١٢،١١٣، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٥٣، والسيرة الحلبية ١:٥٠٦.
(٤) زادت المراجع السابقة «أى لأتوا على نفسى».
[ ١ / ٢٣٩ ]
وجاء أبو جهل فى عدة من المشركين يريدون رسول الله ﷺ بسوء، فخرج عليهم وهو يقول ﴿يس﴾ وجعل التراب على رءوسهم وهم لا يرونه، فلما انصرف أقبلوا ينفضون التراب عن رءوسهم ويتعجبون ويقولون: هذا سحر من سحر محمد (^١).
وكان عقّبة بن أبى معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا عليه (^٢) جيرانه: أهل مكة كلّهم، فكان يكثر مجالسة النبىّ ﷺ ويعجبه حديثه، ويغلب عليه الشقاء؛ فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاما، ثم دعا رسول الله ﷺ إلى طعامه، فقال: ما أنا بالذى آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله. قال: اطعم يا ابن أخى. قال: ما أنا بالذى أفعل حتى تقول. فشهد بذلك، فطعم من طعامه. فبلغ ذلك أبىّ بن خلف فأتاه فقال: أصبوت يا عقبة؟ -وكان خليله-فقال: لا والله ما صبوت ولكن دخل علىّ رجل فأبى أن يطعم من طعامى إلا أن أشهد له، فاستحيت أن يخرج من بيتى قبل أن يطعم فشهدتّ له فطعم.
قال: ما أنا بالذى أرضى عنك أبدا حتى تأتينّه فتبزق فى وجهه، وتطأ على عنقه. ففعل عقبة ذلك، وأخذ رحم [شاة] (^٣) فألقاه بين كتفيه، فقال رسول الله ﷺ: لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف (^٤).
_________________
(١) والمعروف أن هذا كان فى حديث الهجرة وسيأتى فى موضعه.
(٢) كذا فى م، هـ. وفى ت «إليه».
(٣) سقط فى الأصول والمثبت يقتضيه السياق.
(٤) انظر السيرة الحلبية ١:٥٠٨،٢:٤٤١،٤٤٢.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ويقال: إن عقبة بن أبى معيط كان يجلس مع النبى ﷺ بمكة لا يؤذيه، فكان رجلا حليما، وكانت قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لابن أبى معيط خليل غائب بالشام، فقالت قريش:
صبأ ابن أبى معيط، وقدم خليله من الشام ليلا فقال لامرأته: ما فعل محمد فيما كان عليه؟ فقالت: هو أشدّ ما كان أمرا. فقال:
ما فعل خليلى ابن أبى معيط؟ فقالت: صبأ. فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه ابن أبى معيط فحيّاه فلم يردّ عليه التحيّة، فقال:
ما لك لا تردّ علىّ تحيّتى؟ فقال: كيف أردّ عليك تحيّتك وقد صبوت؟! قال: وقد فعلتها قريش؟ قال: نعم. قال: فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه فى مجلسه فتبزق فى وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلم. فجاء إلى النبىّ ﷺ ففعل ما أمره به، فلم يزد النبىّ ﷺ على أن مسح وجهه من البزاق، ثم التفت إليه فقال:
لئن وجدتك خارجا من جبال مكة لأضربن عنقك صبرا (^١).
وكان أبى بن خلف يلقى رسول الله ﷺ فيقول: يا محمد، إن عندى فرسا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها. فيقول رسول الله ﷺ: بل أنا أقتلك إن شاء الله. ويقال: إن ذلك لما افتدى أبىّ بن خلف نفسه يوم بدر (^٢).
_________________
(١) سبل الهدى والرشاد ٢:٦١٦.
(٢) سيرة النبى لابن هشام ٣:٦٠١،٦٠٢، وسبل الهدى والرشاد ٤:٣٠٧، ٣٠٨، والسيرة الحلبية ٢:٥١٠.
[ ١ / ٢٤١ ]
واجتمع عتبة وشيبة، وأبو سفيان بن حرب، والنّضر بن الحارث، وأبو البخخترىّ، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أميّة، وأميّة بن خلف، والعاص بن وائل، ومنبّه ونبيه ابنا الحجاج بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلّموه وخاصموه حتى تعذروا فيه. فبعثوا إليه: إنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم. فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا-وهو يظن أن قد بدا لقومه فى أمره بداء (^١)، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعزّ عليه عنتهم-حتى جلس إليهم، فقالوا له: يا محمد إنّا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنّا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك؛ لقد شتمت الآباء، وعبت الدين. وشتمت الآلهة، وسفّهت الأحلام، وفرّقت الجماعة، فما بقى من أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك-أو كما قالوا-فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيّا تراه قد غلب عليك-وكانوا يسمون التابع من الجن رئيّا-فربما كان ذلك؛ بذلنا لك أموالنا فى طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم رسول الله ﷺ: ما بى ما
_________________
(١) كذا فى الأصول وسيرة النبى لابن هشام ١:١٩١. وفى السيرة النبوية لابن كثير ١:٤٧٩ «بدو» والبداء تعنى أنه نشأ لهم فيه رأى. سبل الهدى والرشاد ٢:٤٤٠.
[ ١ / ٢٤٢ ]
تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثنى إليكم رسولا، وأنزل على كتابا، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلّغتكم رسالات ربى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظّكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم-أو كما قال ﷺ (^١).
قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضنا عليك فإنك قد علمت ليس من الناس أحد أضيق بلدا، ولا أقلّ ماء، ولا أشدّ عيشا منا؛ فسل لنا ربّك الذى بعثك بما بعثك به فليسيّر عنا هذه الجبال التى قد ضيّقت علينا، وليبسط علينا بلادنا، وليخرق لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصىّ بن كلاب؛ فإنه كان شيخ صدق، نسألهم عما تقول. أحقّ هو أم باطل؟ فإن صدّقوك، وصنعت ما سألناك صدّقناك، وعرفنا منزلتك من الله، (^٢) وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقول. فقال لهم ﷺ: ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثنى به (^٢)، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظّكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردّوه علىّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم.
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ١:١٩١،١٩٢، وعيون الأثر ١:١٠٥ - ١٠٧.
(٢) سقط فى ت، هـ. والمثبت عن م، وسيرة النبى لابن هشام ١:١٩٢، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٨٠.
[ ١ / ٢٤٣ ]
فقالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، وسل ربّك أن يبعث معك من يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، واسأله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغى؛ فإنك تقوم بالأسواق [كما نقوم] (^١) وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربّك إن كنت رسولا كما تزعم.
فقال لهم رسول الله ﷺ: ما أنا بفاعل وما أنا بالذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثنى بشيرا ونذيرا-أو كما قال-فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه علىّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم.
قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن يشأ (^٢) فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال رسول الله ﷺ: ذلك إلى الله إن شاء [أن] (^٣) يفعله بكم فعل.
قالوا: يا محمد، ما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك بما هو صانع فى ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟! إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، وقد أعذرنا إليك يا محمد،
_________________
(١) إضافة عن سيرة النبى لابن هشام ١:١٩٢.
(٢) كذا فى الأصول، وفى المرجع السابق ١:١٩٣ «إن شاء فعل».
(٣) سقط فى الأصول. والمثبت عن المرجع السابق.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى تهلك (^١) أو تهلكنا. فقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهى بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.
فلما قالوا ذلك لرسول الله ﷺ قام عنهم وقام معه عبد الله/ ابن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم-وهو ابن عمته، هو لعاتكة بنت عبد المطلب-فقال له: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله-كما تقول-ويصدقوك ويتبعوك (^٢) فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك بما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجّل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل-أو كما قال له-فو الله لا أومن أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلّما، ثم ترقى فيه، وأنا انظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتى معك بصكّ وأربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أنى مصدقك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينا أسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه.
فلما قام عنهم رسول الله ﷺ قال أبو جهل: يا معشر قريش: إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا،
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:١٩٣، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٨١ «حتى نهلكك».
(٢) فى الأصول «يمنعوك». والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ١:١٩٣.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا؛ وإنى أعاهد الله لأجلسنّ له غدا بحجر ما أطيق حمله-أو كما قال-فإذا سجد فى صلاته فضخت به رأسه، فأسلمونى عند ذلك أو امنعونى، فلتصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله لا نسلمك لشئ أبدا فامض لما تريد (^١).
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، وجلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان رسول الله ﷺ بمكة وقبلته إلى الشام؛ فكان إذا صلى صلى بين الركنين اليمانى والأسود، وجعل الكعبة بينه وبين الشام. فقام رسول الله ﷺ يصلى-وقد قعدت (^٢) قريش فى أنديتها ينتظرون ما أبو جهل فاعل-فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه، مرعوبا قد يبست يداه على الحجر، فقذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهمّ بى أن يأكلنى-قال النبى ﷺ: ذاك جبريل، لو دنا منى (^٣) لأخذه-
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ١:١٩٤.
(٢) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:١٩٤، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٥٤ «وقد غدت».
(٣) فى الأصول «منه»، والمثبت عن تاريخ الإسلام ٢:٨٨.
[ ١ / ٢٤٦ ]
فلما قال لهم أبو جهل ذلك قام النضر بن الحارث فقال: يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما ابتليتم بمثله قط.
وكان النبى ﷺ يقرأ فى المسجد فيجهر بالقراءة حتى تأذّى به ناس من قريش حتى قاموا ليأخذوه فإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا هم عمى لا يبصرون؛ فجاءوا إلى النبىّ ﷺ فقالوا:
ننشد الله والرحم يا محمد-ولم تكن بطن من بطون قريش إلاّ وللنبىّ ﷺ فيهم قرابة-فدعا النبى ﷺ حتى ذهب ذلك عنهم، فنزلت ﴿يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (^١) فلم يؤمن من أولئك النفر أحد (^٢).
وقام رجل من بنى مخزوم إلى النبىّ ﷺ وفى يده فهر ليرمى رسول الله ﷺ، فلما أتاه-وهو ساجد-رفع يده وفيها الفهر، فيبست يده على الحجر؛ فلم يستطع إرسال الفهر من يده، فرجع إلى أصحابه فقالوا: حنيت (^٣) على الرجل!! قال: لم أفعل، ولكن هذا فى يدى لا أستطيع إرساله. فعجبوا من ذلك، فوجدوا أصابعه قد يبست على الفهر، فعالجوا أصابعه حتى خلّصوها، وقالوا: هذا شئ يراد.
_________________
(١) سورة يس الآيات ١ - ١٠.
(٢) الخصائص الكبرى ١:٣٢٠ نقلا عن أبى نعيم من حديث عكرمة عن ابن عباس.
(٣) كذا فى الأصول. وفى الخصائص ١:٣٢١ «أجبنت عن الرجل».
[ ١ / ٢٤٧ ]
واجتمعت قريش يوما فقالوا: لقد انتشر علينا أمر محمد، ثم فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا، وعاب ديننا؛ فلو التمستم رجلا عالما بالسّحر والكهانة والشعر فليأته فليكلمه، ولينظر ماذا يردّ عليه.
قالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: ائته يا أبا الوليد.
فقال عتبة: لقد سمعت بقول السحرة والكهانة والشعر، وعلمت من ذلك علما، وما يخفى علىّ إن كان كذلك. فأتاه عتبة فقال:
يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت، ثم قال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت، ثم قال: أنت خير أم هاشم؟ فسكت، فقال:
فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التى عبت (^١)، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، فبم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا؟ ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك؛ فرّقت جماعتنا، وشتّت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا فى العرب، حتى لقد طار فيهم أن فى قريش ساحرا، وأن فى قريش كاهنا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى: أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى/، أيها الرجل إن كان ما بك إلاّ الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسا ما بقيت، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أىّ نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا، وإن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك من أموالنا ما تستغنى به أنت وعقبك من بعدك؛ حتى تكون أغنى قريش رجلا-ورسول الله ﷺ ساكت لا يتكلم-فقال رسول الله
_________________
(١) كذا فى الأصول والسيرة النبوية لابن كثير ١:٥٠١. وفى الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٠١ «التى عبتها».
[ ١ / ٢٤٨ ]
ﷺ: فرغت؟ قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ وقرأ حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ (^١) فقال عتبة: حسبك حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال: لا.
فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ فقال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلّمونه إلا وقد كلّمته. قالوا: فهل أجابك؟ قال: نعم، [ثم] (^٢) قال: لا والذى نصبها بنيّة ما فهمت شيئا مما قال، غير أنه قال: أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك؛ يكلمك رجل بالعربية لا تدرى ما قال!! قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة (^٣).
ويقال: إن عتبة لما قرأ عليه النبى ﷺ، وبلغ ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ أمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكفّ عنه، ولم يخرج إلى أهله، واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلا قد صبا إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه.
_________________
(١) سورة فصلت الآيات ١ - ١٣.
(٢) إضافة عن السيرة النبوية لابن كثير ١:٥٠٢.
(٣) الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٠١،٢٠٢.
[ ١ / ٢٤٩ ]
فأتوه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما خشينا (^١) إلاّ أنك صبوت إلى محمد، وأعجبك أمره، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد. فغضب وأقسم بالله لا يكلّم محمدا أبدا، وقال: لقد علمتم أنى من أكثر قريش مالا، ولكننى أتيته- فقصّ عليهم القصة-فأجابنى بشئ، والله ما هو سحر، ولا شعر، ولا كهانة؛ قرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ حتى بلغ ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ (^٢) فأمسكت بفيه، وناشدته الرحم أن يكفّ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب.
ويقال:/إن رسول الله ﷺ كان جالسا يوما-وحده-فى المسجد وقريش فى أنديتهم، فقال عتبة بن ربيعة: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأكلّمه: فاعرض عليه أمورا لعلّه يقبل منا بعضها ويكفّ عنا؟ قالوا: بلى يا أبا الوليد. فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ، فذكر الحديث فيما قال له عتبة، وفيما عرض عليه من المال والملك وغير ذلك، حتى إذا فرغ قال رسول الله ﷺ:
أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاسمع منى ما أقول. قال:
أفعل. قال رسول الله ﷺ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم* تَنْزِيلٌ﴾
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى تاريخ الإسلام ٢:٩١ «ما حسبنا». وفى السيرة النبوية لابن كثير ١:٥٠٢ «ما جئنا». وفى سبل الهدى والرشاد ٢:٤٤٩ «ما جئناك»
(٢) سورة فصلت الآيات ١ - ١٣.
[ ١ / ٢٥٠ ]
﴿مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فمضى رسول الله ﷺ يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليهما، يستمع منه، حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة فسجد فيها، ثم قال: سمعت يا أبا الوليد؟ قال: سمعتت. قال: فأنت وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به. فلما جلس [إليهم] (^١) قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائى أنى والله قد سمعت قولا ما سمعت بمثله قطّ، والله ما هو بالشعر، ولا السحر، ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعونى واجعلوها بى، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، واعتزلوه؛ فو الله ليكونن لقوله الذى سمعت [منه] (^٢) نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. فقال: هذا رأيى لكم (^٣) فاصنعوا ما بدا لكم.
ويقال: إن عتبة لما أتى أصحابه قال لهم: يا قوم أطيعونى فى هذا اليوم، واعصونى فيما بعده؛ فو الله لقد سمعت من هذا الرجل
_________________
(١) الإضافة عن سيرة النبى لابن هشام ١:١٩٠، ودلائل النبوة ١:٤٥١، وعيون الأثر ١:١٠٦.
(٢) الإضافة عن سيرة النبى لابن هشام ١:١٩٠، وعيون الأثر ١:١٠٦.
(٣) كذا فى الأصول، ودلائل النبوة ١:٤٥٢، والسيرة النبوية لابن كثير ١: ٥٠٥. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:١٩١، وعيون الأثر ١:١٠٦ «رأيى فيه».
[ ١ / ٢٥١ ]
كلاما ما سمعت أذناى-قط-كلاما مثله، وما دريت ما أردّ عليه (^١).
واجتمع نفر من قريش-وقد حضر الموسم-فقال الوليد بن المغيرة-وكان ذا سنّ فيهم-: يا معشر قريش إنه حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب تقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا، ويردّ قولكم بعضه بعضا. قالوا: فافعل يا أبا عبد شمس فقم وأقم لنا رأيا نقل به. فقال: بل أنتم قولوا أسمع. قالوا:
نقول إنه كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن؛ لقد رأيت الكهّان فما هو بزمزمة (^٢) /الكهّان ولا سجعهم. قالوا: فنقول إنه مجنون.
فقال: ما هو بمجنون؛ ولقد رأينا الجنون وعرفناه؛ فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول إنه شاعر. قال: ما هو بشاعر؛ لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه، ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر؛ لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده.
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن
_________________
(١) دلائل النبوة ١:٤٥٢، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٥٠٥ وفيه «وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه».
(٢) الزمزمة: صوت ضعيف كنحو ما كانت الفرس تفعله عند شربها الماء، ويقال أيضا زمزم الرعد: وهو صوت له قبل الهدر. وكذلك الكهان كانت لهم زمزمة الله أعلم بكيفيتها. وأما زمزمة الفرس فكانت من الأنف. (الروض الأنف ٢:٢١)
[ ١ / ٢٥٢ ]
أصله لعذق، وإن فرعه لجناة (^١)، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلاّ عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا هو ساحر، جاء بقول يفرّق به بين المرء وبين ابنه، وبين المرء وبين أخيه، وبين المرء وبين زوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفّرقوا عنه بذلك؛ فجعلوا يجلسون للناس حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحد إلا حذّروه إيّاه، وذكروا لهم من أمره، فأنزل الله ﷿ فى الوليد بن المغيرة ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى قوله ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (^٢) وأنزل الله ﷿ فى النفر الذين كانوا معه ويصنّفون (^٣) القول فى رسول الله ﷺ فيما جاء به ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أى أصنافا ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٤) فجعل أولئك النّفر يقولون ذلك فى رسول الله ﷺ فيمن لقوه من الناس، وصدرت العرب فى ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ، فانتشر ذكره فى بلاد العرب كلها (^٥).
قال الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ-وكان رجلا شريفا شاعرا لبيبا-: قدمت مكة-ورسول الله ﷺ بها-فمشى إلىّ رجال من قريش فقالوا لى: يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذى
_________________
(١) وإن فرعة لجناة: أى فيه تمريجنى. (سبل الهدى والرشاد ٢:٤٧٥)
(٢) سورة المدثر الأيات ١١ - ٢٦.
(٣) كذا فى م، وسيرة النبى لابن هشام ١:١٧٥. وفى ت، هـ، ودلائل النبوة ١:٤٤٨ «يصفون».
(٤) سورة الحجرات الآيات ٩١ - ٩٣.
(٥) وانظر شرح المواهب ٥:٨٧،٨٨.
[ ١ / ٢٥٣ ]
بين ظهرانينا قد عضل بنا، وفرّق جماعتنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وبين ابنه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلّمه، ولا تسمع منه. فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت على ألاّ أسمع منه شيئا، ولا أكلمه؛ حتى حشوت أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا (^١) -فرقا أن يبلغ منى قوله وأنا لا أريد أن أسمعه- فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلى عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعنى بعض قوله؛ فسمعت كلاما حسنا، فقلت فى نفسى: وا ثكل أمى، والله إنى لرجل لبيب [شاعر] (^٢) /ما يخفى علىّ الحسن من القبيح، فما يمنعنى من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذى يأتينى به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته، فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت:
يا محمد، إن قومك قالوا لى كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفوننى حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولا حسنا؛ فاعرض علىّ أمرك. فعرض علىّ الإسلام، وتلا القرآن، فو الله ما سمعت قولا قطّ أحسن، ولا أمرا أعدل منه.
فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبى الله إنى امرؤ
_________________
(١) الكرسف: القطن. (المعجم الوسيط)
(٢) الإضافة عن سيرة النبى لابن هشام ١:٢٥٦.
[ ١ / ٢٥٤ ]
مطاع فى قومى، وراجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام؛ فادع الله أن يجعل لى آية تكون لى عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: اللهم اجعل له آية. فخرجت إلى قومى حتى إذا كنت بثنية تطلعنى على الحاضر وقع نور بين عينىّ مثل المصباح، فقلت: اللهم فى غير وجهى؛ فإنى أخشى أن يظنّوا أنها مثلة وقعت فى وجهى لفراقى دينهم. فتحوّل فوقع فى رأس سوطى. فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور فى سوطى كالقنديل المعلّق، وأنا أنهبط (^١) إليهم من الثّنيّة، حتى جئتهم فأصبحت فيهم.
فلما نزلت أتانى أبى-وكان شيخا كبيرا-فقلت إليك عنى يا أبت، فلست منك ولست منى. قال: ولمه أى بنى؟ قلت:
أسلمت وتابعت دين محمد. قال أبى: فدينى دينك. فاغتسل وطهّر ثيابه ثم جاء، وعرضت عليه الإسلام فأسلم.
ثم أتتنى صاحبتى، فقلت لها: إليك عنى؛ فلست منك ولست منى. قالت: لم بأبى أنت وأمّى؟ قلت: فرّق بينى وبينك الإسلام، أسلمت وتابعت دين محمد. قالت: فدينى دينك وأسلمت.
ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطئوا علىّ.
ثم جئت رسول الله ﷺ فقلت: يا نبى الله، إنه قد غلبنى على دوس الزنا (^٢)، فادع الله عليهم. فقال: اللهم اهد دوسا،
_________________
(١) وفى سيرة النبى لابن هشام ١:٢٥٧ «أهبط».
(٢) كذا فى م وسيرة النبى لابن هشام ١:٢٥٨. وفى هـ «الرياء». وبياض فى ت.
[ ١ / ٢٥٥ ]
فارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم. فرجعت فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة؟؟؟ قضى بدرا وأحدا والخندق، ثم قدمت عليه بمن قد أسلم من؟؟؟ وهو بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين رجلا من دوس؟؟؟. (^١)
وبعث مشركو قريش النضر بن الحارث وعقبة بن؟؟؟ أبى العيط/ إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأوّل، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار اليهود عن رسول الله ﷺ، ووصفا لهم أمره ببعض قوله، فقالت أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبىّ مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل فروا فيه رأيكم؛ سلوه عن فتية ذهبوا فى الدّهر الأوّل، ما كان من أمرهم، فإنه كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وما كان بناؤه (^٢)؟ وسلوه عن الروح ما هو؟
فأقبل النضر بن الحارث وعقبة حتى قدما مكة على قريش، فقالا: يا معشر قريش قد جئنا بفصل (^٣) ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار اليهود أن نسأله عن أمور-وأخبروهم بها-
_________________
(١) وانظر الخصائص الكبرى ١:٣٣٦ - ٣٣٩.
(٢) كذا فى الأصول، ودلائل النبوة ٢:٤٧. وفى سيرة النبى لابن هشام ١: ١٩٦ «نبؤه» والمراد هنا السد الذى بناه ذو القرنين.
(٣) فى م، هـ «نفصل». وبياض فى ت. والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ١:١٩٦، ودلائل النبوة ٢:٤٧.
[ ١ / ٢٥٦ ]
فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا-فسألوه عما أمروهم به-فقال رسول الله ﷺ: أخبركم بما سألتم عنه غدا-ولم يستثن-فانصرفوا عنه. فمكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه فى ذلك وحيا، ولم يأته جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا لا يخبرنا بشئ مما سألناه عنه، حتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحى عنه، وشقّ عليه ما يتكلّم به أهل مكة.
ثم جاءه جبريل من عند الله ﷿ بسورة أصحاب (^١) الكهف، فيها معاتبته إيّاه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه فى أمر الفتية، والرّجل الطوّاف، والروح.
يقول الله تعالى ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (^٢)
ويقال: إن رسول الله ﷺ افتتح السورة فقال ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ يعنى محمدا؛ إنك رسول منى تحقيقا لما سألوه من نبوته ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا* قَيِّمًا﴾ أى معتدلا لا اختلاف فيه ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ (^٣) أى عاجل عقوبته فى الدنيا وعذابا فى الآخرة؛ أى من عند ربك الذى بعثك رسولا.
_________________
(١) كذا فى الأصول، وسيرة النبى لابن هشام ١:١٩٦، ودلائل النبوة ٢: ٤٧. وفى السيرة النبوية لابن كثير ١:٤٨٤ «بسورة الكهف».
(٢) سورة الإسراء آية ٨٥.
(٣) سورة الكهف الآيتان ١،٢.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ومشى رجال من أشراف قريش، منهم: عتبة وشيبة وأبو جهل إلى أبى طالب فقالوا: يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، وآذانا فى نادينا ومسجدنا؛ فإمّا أن تكفّه عنا وإما أن تخلى بيننا وبينه/-فإنك على ما نحن عليه من خلافه-فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردّهم ردّا جميلا. فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه يظهر دين الله، ويدعو إليه.
ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتطاعنوا (^١)، وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ بينها، وحضّ بعضهم بعضا [عليه] (^٢) حتى تمشّوا إلى أبى طالب مرّة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب، إن لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك، فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا. من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفّه عنا، أو ننازله وإياك فى هذا حتى يهلك أحد الفريقين. ثم انصرفوا عنه.
فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله ﷺ لهم ولا خذلانه، إلاّ أنه قال له: يا ابن أخى، إنّ قومك قد جاءونى فقالوا لى كذا وكذا؛ فأبق علىّ وعلى
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:١٧١، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٧٤، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٣٦ «تضاغنوا».
(٢) الإضافة عن المراجع السابقة.
[ ١ / ٢٥٨ ]
نفسك، ولا تحملنى من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك.
فظنّ رسول الله ﷺ أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن القيام معه، فقال رسول الله ﷺ:
والله يا عمّاه لو وضعوا الشمس فى يمينى، والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته. ثم بكى رسول الله ﷺ، فلما ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخى. فأقبل، فقال: اذهب فقل ما أحببت؛ فو الله لا أسلمك لشئ أبدا. ثم قال أبو طالب:-
والله لن يصلوا إليك بجمعهم … حتى أوسّد فى التراب دفينا
فانفذ لأمرك ما عليك غضاضة … فكفى به دنيا لديك ودينا
ودعوتنى وزعمت أنك ناصح … فلقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وعرضت دينا قد علمت بأنه … من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذارى سبّة … لوجدتنى سمحا بذاك ضنينا (^١)
ويقال: لما أن جاءت قريش إلى أبى طالب وتكلّموا معه أرسل ابنه عقيلا إلى النبى ﷺ فقال له: انطلق فأتنى بمحمد. فانطلق عقيل فأخرجه من بيت صغير فجاء به فى الظهيرة فى شدّة الحرّ، فلما أتاهم قال أبو طالب: إن بنى عمك هؤلاء قد زعموا أنك
_________________
(١) وانظر السيرة النبوية لابن كثير ١:٤٦٤، وسبل الهدى والرشاد ٢: ٤٣٧، وشرح المواهب ١:٢٤٨،٢٤٩، والديوان ١٧٦،١٧٧ مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
[ ١ / ٢٥٩ ]
تؤذيهم فى ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فحلّق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فقال: أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم.
قال: فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك [منكم] (^١) على أن تستشعلوا منه شعلة. فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخى قط فارجعوا.
ويقال: إن قريشا بعثوا رجلا (^٢) إلى أبى طالب فقال له: هؤلاء مشيخة قومك، يستأذنون عليك. قال: أدخلهم. فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيّدنا، فأنصفنا من ابن أخيك؛ فمره فليكفف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه. فبعث إليه أبو طالب، فلما جاء قال: يا ابن أخى، هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم، وقد سألوا النّصفة: أن تكفّ عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. قال: أى عم، أو لا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟ قال: وإلى ما تدعوهم؟ قال:
أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم.
قال أبو جهل: ما هى وأبيك فنعطينّكها (^٣) وعشرا أمثالها. قال: فقولوا لا إله إلا الله. فتفرّقوا، وقالوا: لو سألتنا غير هذه؟ فقال: لو جئتمونى بالشمس حتى تضعوها فى يدى ما سألتكم [غيرها] (^٤). فغضبوا وقاموا من عنده، وقالوا: والله لنشتمنّك وإلهك الذى يأمرك بهذا.
﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ (^٥)
_________________
(١) الإضافة عن السيرة النبوية لابن كثير ١:٤٦٣.
(٢) فى تاريخ الطبرى ٢:٢١٩، وتفسير ابن كثير ٧:٤٦ «اسمه المطلب».
(٣) كذا فى ت. وفى م، هـ، وتاريخ الطبرى ٢:٢١٩ «لنعطينكها».
(٤) الإضافة عن تاريخ الطبرى ٢:٢١٩، وتفسير ابن كثير ٧:٤٦.
(٥) سوره ص آية ٦.
[ ١ / ٢٦٠ ]
فلما عرفت قريش أنّ أبا طالب لا يخذل النبىّ ﷺ مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فقالوا:
يا أبا طالب: هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى فى قريش، فاحمله وخذه، وسلّم لنا ابن أخيك هذا الذى خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومه، وسفه أحلامنا فنقتله؛ فإنّما رجل كرجل (^١).
فقال: والله لبئس ما تسوموننى، أتعطونى ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابنى تقتلونه؟! هذا والله ما لا يكون أبدا.
ويقال: لما جاءت قريش بعمارة بن الوليد إلى أبى طالب قالوا:
قد عرفت حال عمارة فى قريش، ونحن ندفعه لك مكان محمد، وادفعه إلينا. قال: ما أنصفتمونى؛ أعطيكم ابن أخى تقتلونه وتعطونى ابن أخيكم أغذوه لكم؟! فقال المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما نكرهه، فما أراك أن تقبل منهم شيئا. فقال أبو طالب لمطعم: والله ما أنصفونى، ولكنّك قد أجمعت خذلانى، ومظاهرة القوم علىّ، فاصنع ما بدا لك.
فحميت الحرب حينئذ وتنابذ القوم،/ووثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله منهم بعمّه أبى طالب، وقام أبو طالب فى بنى هاشم وبنى المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ﷺ، والقيام دونه؛
_________________
(١) كذا فى الأصول، وتاريخ الطبرى ٢:٢٢٠. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:١٧٢ «رجل برجل».
[ ١ / ٢٦١ ]
فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الدفع عن رسول الله ﷺ-إلا ما كان من أبى لهب-فلما رأى أبو طالب من قومه ما سرّه من جدّهم معه وحدبهم عليه جعل [يمدحهم ويذكر قديمهم و] (^١) يذكر فضل رسول الله ﷺ فيهم (^٢) ومكانه منهم ليسدّد (^٣) لهم رأيهم، وقال أبو طالب:-
عجبت لظلم يا ابن شيبة حادث … وأحلام أقوام لديك سخاف
يقولون شايع من أراد محمدا … بسوء وقم فى أمره بخلاف
أضاميم إمّا حاسد ذو خيانة … وإمّا قريب منك غير مصاف
فلا تركبن الدهر منك ظلامة … وأنت أمرؤ من خير عبد مناف
فإن له قربى إليك وسيلة … وليس بذى حلف ولا بمضاف
ولكنه من هاشم فى صميمها … إلى أبحر فوق البحور طواف
فإن غضبت فيه قريش فقل لهم … بنى عمنّا ما قومكم بضعاف
وما قومكم بالقوم تغشون ظلمهم … وما نحن فيما ساءكم بخفاف (^٤)
وقال:-
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا … ولمّا نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرّع حوله … ونذهل عن أبنائنا والحلائل
_________________
(١) الإضافة عن سيرة النبى لابن هشام ١:١٧٤.
(٢) فى ت، هـ «فيه». وسقط فى م، والمثبت عن المرجع السابق.
(٣) كذا فى الأصول. وفى المرجع السابق وتاريخ الطبرى ٢:٢٢٠ «ليشد».
(٤) ديوان أبى طالب ص ٩١. مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وينهض قوم نحوكم غير عزّل … ببيض حديث عهدها بالصيافل
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل (^١)
واجتمع نفر من قريش، منهم: الوليد بن المغيرة، وأبو جهل ابن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزّى، وزمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، ونظراؤهم كثير، فقالوا للنبى ﷺ: إن كنت صادقا فشقّ لنا القمر فرقتين. فقال لهم النبى ﷺ: إن فعلت تؤمنوا؟ قالوا: نعم-وكانت ليلة بدر-فسأل رسول الله ﷺ الله ﷿ أن يعطيه ما سألوا. فأمسى القمر قد انشقّ نصفا على أبى قبيس ونصفا على قعيقعان-ويقال: انشق شقتين شقة على أبى قبيس، وشقة على السويداء-وقيل: انشق فلقتين فلقة من دون الجبل، وفلقة خلف الجبل-ويقال: انشق فلقتين فلقة فوق الجبل وفلقة دونه-وقيل: انشقّ فلقتين فستر الجبل فلقة وصارت فلقة فوق الجبل، وقيل: انشقّ باثنتين حتى رئى بينهما حراء-وقيل: انشقّ فلقتين فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه-فقال النبى ﷺ: اشهد- أو قال: فاشهدوا-وأقام القمر نصفين قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليهما، ثم غاب القمر؛ فقالت قريش: هذا سحر مستمر-
_________________
(١) ثمال اليتامى: أى قائم بمصالحهم وغياثهم. (سبل الهدى والرشاد ٢: ٥١٧) وانظر هذه الأبيات من لامية أبى طالب فى سيرة النبى لابن هشام ١:١٧٦ - ١٨٠، والاكتفا ١:٢٨٦ - ٢٩٣، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٨٦ - ٤٩١، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٠٦ - ٥٠٨ - والديوان ١٠٠ - ١٣٤.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ويقال: فقالوا: سحر القمر-وقيل: فقالوا هذا سحر سحركم به ابن أبى كبشة، فانظروا السّفّار يأتوكم، فإن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به؛ فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلّهم. فما قدم عليهم أحد من وجه من الوجوه إلاّ أخبرهم أنهم رأوا مثل ما رأوا، ونزلت ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (^١)
ويقال: انتهى أهل مكة إلى النبىّ ﷺ فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله؟ فهبط جبريل فقال: يا محمد قل لأهل مكة أن يحتفلوا هذه الليلة فسيرون آية إن أسعفوا بها. فأخبرهم رسول الله ﷺ مقالة جبريل، فخرجوا ليلة أربع عشرة فانشقّ القمر نصفين، نصفا على الصّفا، ونصفا على المروة، فنظروا ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها، ثم أعادوا النظر فنظروا، ثم مسحوا أعينهم، ثم نظروا فقالوا: يا محمد ما هذا إلاّ سحر ذاهب. فأنزل الله ﷿ ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾
وقال المشركون للنبى ﷺ: أتضلل آباءك وأجدادك يا محمد؟! فأنزل الله ﷿ ﴿قُلْ أَ فَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (^٢)
_________________
(١) سورة القمر آية ١. وانظر دلائل النبوة ٢:٤٠ - ٤٥، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٧٢،٢٧٣، وعيون الأثر ١:١١٤، وتفسير ابن كثير ٧:٤٤٦ - ٤٥٠، والخصائص الكبرى ١:٣١٢ - ٣١٤، وشرح المواهب ٥:١٠٦ - ١١٣، وتاريخ الخميس ١:٢٩٩.
(٢) سورة الزمر الآيات ٦٤ - ٦٦.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وقال أبو جهل بن هشام لقريش: إن محمدا يزعم أنكم إن لم تطيعوه كان بكم منه ذبح. فقال رسول الله ﷺ: أنا أقول ذلك، وأنت من ذلك الذبح (^١).
وكانت أم جميل امرأة أبى لهب تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبى ﷺ ليعقره وأصحابه (^٢).
وتواصى نفر من بنى مخزوم منهم: أبو جهل/، والوليد بن المغيرة ليقتلوا النبىّ ﷺ، فبينما هو قائم يصلى فلما سمعوا قراءته أرسلوا الوليد ليقتله، فانطلق حتى أتى المكان الذى كان النبى ﷺ يصلّى فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك، فأتاه من بعده أبو جهل والوليد ونفر منهم، فلما انتهوا إلى المكان الذى هو يصلى فيه سمعوا قراءته، فيذهبون إلى الصوت من خلفهم فينتهون إليه فيسمعونه أيضا من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلا؛ فذلك قوله ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ (^٣) إلى آخر الآية.
وقالت قريش للنبى ﷺ: لا نؤمن لك حتى تحوّل لنا الصفا ذهبا، فإن تحوّل لنا الصفا ذهبا آمنا بك. فأتاه جبريل فقال:
يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك إن شئت يصبح لهم
_________________
(١) وبمعناه فى سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٣٣.
(٢) سيرة النبى لابن هشام ١:٢٣٧، والسيرة الحلبية ١:٤٦٧.
(٣) سورة يس آية ٩. وانظر الخصائص الكبرى ١:٣١٩.
[ ١ / ٢٦٥ ]
الصفا ذهبا، فإن لم يؤمنوا أنزلت عليهم العذاب؛ فإنه ليس بعد نزول الآية منازعة، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. فقال: لا بل افتح لهم باب التوبة والرحمة (^١).
وقيل: إن قريشا قالوا لرسول الله ﷺ: إن أصبح الصفا والمروة لنا ذهبا آمنّا بك وصدّقناك. فأوحى الله تعالى إليه: إن أحببت أن يصبح الصفا والمروة ذهبا فمن كفر بعد ذلك عذّبته عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين، وإن شئت أفتح له باب التوبة والرحمة. فقال رسول الله ﷺ: لا بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة (^٢).
ويقال: إن قريشا سألوا النبى ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحّى عنهم الجبال فيزرعوا فيها. فقال الله تعالى: إن شئت آتيناهم ما سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم، وإن شئت أن تستأنى بهم لعلنا نستحيى منهم. [قال: لا بل أستأنى بهم] (^٣) فأنزل الله ﷿ ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ (^٤) الآية.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٥:٨٧،٨٨.
(٢) المرجع السابق، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٥٨.
(٣) الإضافة عن الوفا بأحوال المصطفى ٢:٤١٧، وسبل الهدى والرشاد ٢: ٤٥٨.
(٤) سورة الإسراء آية ٥٩. وانظر تفسير ابن كثير ٥:٨٧،٨٨.
[ ١ / ٢٦٦ ]
ولما كثرت أنواع الأذى من المشركين لرسول الله ﷺ استتر فى دار الأرقم بن أبى الأرقم المخزومى، وهى التى تعرف الآن بدار الخيزران-بالصفا-وهى أم الخليفة الهادى والرشيد.
وقال أبو طالب يحضّ النجاشىّ على حسن جوار من هاجر إليه من المسلمين إلى الحبشة، والدفع عنهم:-
تعلم زعيم الناس أن محمدا … رسول كموسى والمسيح ابن مريم/
أتى بالهدى مثل الذى أتيا به … فكلّ بأمر الله هاد ومعصم (^١)
وإنكم تتلونه فى كتابكم … بصدق حديث لا حديث مرجّم
وإنك ما يأتيك منا عصابة … بفضلك إلا أرفدوا بالتكرم
ولما رأت قريش استقرار المسلمين بالحبشة، وأنهم قد أصابوا دارا وأمنا ائتمروا على أن يبعثوا إلى النجاشىّ رجلين جلدين فى أمر المسلمين ليخرجوهم من بلاده ويردّوهم عليهم، وأن يهدوا إليه هدايا مما يستطرف من متاع مكة-ومن أعجب ما يأتيهم منها الأدم- فجمعوا له أدما كثيرة، ومما أعدوا له فرسا وجبّة ديباج، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية على حدة. ثم بعثوا بذلك عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبى ربيعة المخزومى-ويقال عوض عبد الله بن أبى ربيعة. عمارة بن الوليد بن المغيرة-وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما:
ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلّما النجاشىّ فيهم، ثم قدّما إلى النجاشى هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما، وإن استطعتما أن يردهم عليكما قبل أن يكلّمهم فافعلا. وأمروهما أن يسرعا السير
_________________
(١) وفى البيت اقواء. وانظر الديوان ١٦٣،١٦٤.
[ ١ / ٢٦٧ ]
قويا، فقدما على النجاشى، وفعلا ما أمرا به؛ فأبى النجاشىّ، وردّ عليهما هداياهما، وردّهما خائبين-فى خبر طويل-وكان حينئذ مشركا.
ولما رجع عمرو بن العاص إلى مكة جلس فى بيته فلم يخرج إلى قريش، فقالوا: ما شأنه، ما له لا يخرج؟ فقال عمرو: إن بنى أصحمة تزعم أن صاحبكم نبى (^١).
وفى هذه السنة ولد أسامة بن زيد (^٢)، وأنس بن مالك (^٣)، والمغيرة بن شعبة (^٤)، وأبو موسى الأشعرى (^٥)، وزيد بن خالد الجهنى (^٦)، وحبيب بن مسلمة الفهرى (^٧).
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ١:٢٢٢ - ٢٢٦، ودلائل النبوة ٢:٦٣ - ٦٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٧ - ٢٣، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥١٧ - ٥٢١ - وتاريخ الخميس ١:٢٩٠ - ٢٩٢.
(٢) هو أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العرى بن زيد بن امرئ القيس الكلبى، الحب ابن الحب، مات فى سنة ٥٤ هـ. (وانظر الإصابة ١:٣١).
(٣) وهو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن غنم بن عدى بن النجار، أبو حمزة الأنصارى الخزرجى، خادم رسول الله ﷺ توفى سنة ٩٠ هـ أو ٩١ هـ أو ٩٣ هـ. (وانظر الإصابة ١:٧١،٧٢)
(٤) هو المغيرة بن شعبة بن أبى عامر بن مسعود بن مغيث الثقفى، أبو عيسى أو أبو محمد، كان يقال له مغيرة الرأى، وكان من دهاة العرب، توفى سنة ٥٠ هـ على الخلاف. (الإصابة ٣:٤٥٢،٤٥٣)
(٥) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار بن حرب بن عامر بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر، أبو موسى الأشعرى، توفى سنة ٤٢ هـ أو ٤٤ هـ أو ٥٠ هـ أو ٥١ هـ أو ٥٣ هـ، واختلف هل مات بالكوفة أو بمكة. (الإصابة ٢:٣٥٩،٣٦٠).
(٦) واختلف فى كنيته فقيل أبو زرعة، وأبو عبد الرحمن، وأبو طلحة. كان حامل لواء جهينه يوم الفتح ومات سنة ٧٨ هـ أو ٦٨ هـ بالمدينة. (الإصابة ١:٥٦٥)
(٧) هو حبيب بن مسلمة بن مالك بن وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان ابن فهر، أبو عبد الرحمن الفهرى الحجازى، يقال له حبيب الروم؛ لكثرة دخوله إليهم ونيله منهم. توفى سنة ٤٢ هـ (الإصابة ١:٣٠٩)
[ ١ / ٢٦٨ ]