فيها-ويقال: فى السنة الخامسة والعشرين، وهو غير صحيح-هدمت قريش الكعبة، وجدّدت عمارتها؛ وذلك أن الكعبة كانت مبنية بردم يابس ليس بمدر تنزوه (^٣) العناق، وكان بابها بالأرض، ولم يكن لها سقف وإنما تدلّى الكسوة على الجدر من
_________________
(١) بلدح: واد قبل مكة من جهة المغرب. (المعجم البلدان لياقوت)
(٢) وفى سيرة النبى لابن هشام بشرح الروض الأنف ١:٢٦٣، والبداية والنهاية ٢:٢٣٨ «أوثان الطواغى».
(٣) تنزوه: أى تثب عليه. (المعجم الوسيط)
[ ١ / ١٤٤ ]
خارج، وتربط من أعلى الجدر فى بطنها. وكان فى بطن الكعبة عن يمين من دخلها جبّ يكون فيه ما يهدى إلى الكعبة من مال وحلية؛ كهيئة الخزانة، وكان يكون على ذلك الجبّ حيّة تحرسه، بعثها الله تعالى منذ زمن جرهم؛ وذلك أنه عدا على ذلك الجبّ قوم من جرهم فسرقوا مالها وحليتها مرّة بعد مرّة، فعث الله تعالى تلك الحيّة فحرست الكعبة وما فيها خمسمائة سنة، فلم تزل كذلك حتى بنت قريش الكعبة، وكان قرنا الكبش الذى ذبحه إبراهيم خليل الرحمن معلقين فى بطنها بالجدر تلقاء من دخلها، يخلّقان ويطيّبان إذا طيّب البيت. وكان فيها معاليق من حلية كانت تهدى للكعبة، فكانت على ذلك من أمرها.
ثم إن امرأة من قريش ذهبت تجمّر الكعبة، فطارت من مجمرتها شرارة فاحترقت كسوتها-وكانت الكسوة عليها ركاما بعضها فوق بعض-فلما احترقت الكعبة توهّنت جدرانها من كل جانب وتصدّعت، وكانت الخرف (^١) والأربعة عليهم مظلّة، والسيول متواترة، ولمكّة سيول عوارم (^٢)، فجاء سيل على تلك الحالة فدخل الكعبة وصدّع جدرانها. ويقال كان السّيل ينزل من أعلى الكعبة حتى يدخلها، ففزعت من ذلك قريش فزعا شديدا، وخافوا أن تنهدم، وهابّوا هدمها، وخشوا إن مسّوها أن ينزل عليهم العذاب.
وسرق من الكعبة حلية وغزال من ذهب كان عليه درّ وجوهر.
_________________
(١) الخرف: جمع خريف، والأربعة: جمع ربيع.
(٢) كذا فى م وأخبار مكة للأزرقى ١:١٦٠. وفى ت «السيول العوارم» وفى هـ «سيول العوارم».
[ ١ / ١٤٥ ]
فبينما هم على ذلك ينتظرون ويتشارون إذا أقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانت بالشعيبة-وهى يومئذ ساحل مكّة-انكسرت، فسمعت بها قريش، فركب الوليد بن المغيرة فى نفر من قريش فاشتروا خشبها، وأعدّوه لسقف الكعبة، وأذنوا لأهلها أن يدخلوا مكة فيبيعون ما معهم من متاعهم على ألا يعشّروهم، وكانوا يعشرون من دخلها من تجّار الرّوم كما كانت الروم تعشّر من دخل منهم بلادها، فكان فى السفينة رجل رومىّ نجّار يسمى باقوم-ويقال: ورأسهم باقوم، وكان بانيا- فكلموه بأن يقدم معهم ويبنى لهم الكعبة بنيان الشام.
فلما قدموا بالخشب لمكة قالوا: لو بنينا بيت ربّنا. فأجمعوا لذلك، وتعاونوا وترافدوا فى النفقة، واختلفوا فى بنّيان مقدّم البيت، فقال أبو أمية بن المغيرة: يا معشر قريش لا تنافسوا ولا تباغضوا فيطمع فيكم غيركم، ولكن جزّئوا البيت أربعة أجزاء، ثم ربّعوا القبائل فلتكن أرباعا، ثم اقترعوا عند هبل فى بطن الكعبة على جوانبها. فطار قدح بنى عبد مناف وبنى زهرة على الوجه الذى فيه الباب وهو الشرقى، وقدح بنى عبد الدار، وبنى أسد بن عبد العزّى، وبنى عدىّ على الشق الذى يلى الحجر وهو الشق الشامى.
وطار قدح بنى سهم، وبنى جمح، وبنى عامر بن لؤى على ظهر الكعبة وهو الشق الغربى. وطار قدح بنى تيم وبنى مخزوم وقبائل من قريش ضموا معهم على الشق اليمانى الذى يلى الصفا وأجياد. وأمروا بالحجارة أن تجمع بين أجياد والضواحى (^١) فكانت قريش تنقل
_________________
(١) الضواحى: ظواهر مكة، وقريش الضواحى: أى النازلون بظواهر مكة. (المعجم الوسيط).
[ ١ / ١٤٦ ]
بأنفسها الحجارة تبرّرا وتبرّكا بالكعبة. وكان النبى ﷺ ينقل معهم الحجارة على رقبته، فبينما هو ينقلها إذ انكشفت نمرة كانت عليه،/فنودى يا محمد عورتك، وذلك أول ما نودى والله أعلم؛ فما رئيت لرسول الله. ﷺ عورة بعد ذلك. ولبج (^١) برسول الله ﷺ من الفزع حين نودى، فأخذه العباس بن عبد المطلب فضمّه إليه وقال: لو جعلت بعض نمرتك على عاتقك تقيك الحجارة.
قال: ما أصابنى هذا إلاّ من التّعرّى-أو قال إنى نهيت أن أتعرّى-فشدّ رسول الله ﷺ إزاره وجعل ينقل معهم (^٢).
ويقال إن النبى ﷺ كان ينقل مع قريش الحجارة، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة. فقال العباس للنبى ﷺ: يا ابن أخى لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة. فحلّه فجعله على منكبه، فخرّ إلى الأرض مغشيّا عليه، وطمحت (^٣) عيناه إلى السماء، ثم قام فقال: إزارى، إزارى. فشدّ عليه إزاره؛ فما رئى ﷺ بعد ذلك اليوم عريانا (^٤).
وقيل: إن العباس قال: إن كنا لننقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت، وأفّردت قريش رجلين رجلين، الرجال ينقلون
_________________
(١) لبج به: صرع وسقط من قيام. (المعجم الوسيط)
(٢) أخبار مكة ١:١٥٧ - ١٦١. وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٢٨ - ٢٣٦. وشرح المواهب ١:٢٠٥.
(٣) طمحت عيناه: أى رفعهما وحدّق، ويقال نظر. (المعجم الوسيط)
(٤) الخصائص الكبرى ١:٢١٧،٢١٨. وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٣٠. وشرح المواهب ١:٢٠٥.
[ ١ / ١٤٧ ]
الحجارة والنساء ينقلن الشّيد (^١)، وكنت أنا وابن أخى فكنا نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس اتّزرنا، فبينما أنا أمشى ومحمد قدامى ليس عليه شئ فخرّ محمد فانبطح على وجهه، فجئت أسعى وألقيت حجرى. وهو ينظر إلى السماء فوقه-فقلت:
ما شأنك؟ فقام فأخذ إزاره ثم قال: نهيت أن أمشى عريانا. قلت: اكتمه للناس-مخافة أن يقولوا مجنون (^٢).
ويقال: إن العباس قال: إن كنا صبيان نحمل الحجارة إلى المسجد لبناء الكعبة، فننزع أزرنا فنضعها على أكتافنا، ونضع الحجر عليه، فبينما نحن كذلك ورسول الله ﷺ إذ وقع وسقط الحجر-وأنا قائم-فقلت: يا ابن أخى (^٣) ما شأنك (^٣)، وإنى لا أرى بك بأسا. ولا أرى الحجر ضرّك؟ فنظر إلى السماء، ثم نظر إلىّ فقال: أشدد عليك إزارك؛ فإنى قد نهيت أن أتعرّى بعد هذا اليوم.
وقيل: بينا النبىّ ﷺ يحمل حجارة من أجياد الضواحى وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضع النّمرة على عاتقه فبدت (^٤) عورته من صغر النمرة، فنودى: يا محمد خمّر عورتك. فلم ير عريانا بعد.
_________________
(١) الشيد: كل ما طلى به البناء من جص ونحوه. (المعجم الوسيط)
(٢) زاد الخصائص الكبرى ١:٢١٨ «فكنت أكتمها».
(٣) بياض فى ت، والمثبت من م، هـ.
(٤) فى الأصول «فترى عورته» والمثبت عن سبل الهدى والرشاد ٢:٢٣٠ وشرح المواهب ١:٢٠٥.
[ ١ / ١٤٨ ]
وقيل: إن النبى ﷺ قال: إنى لمع غلمان هم أسنانى قد جعلنا أزرنا على أعناقنا لحجارة ننقلها نلعب بها، إذ لكمنى لاكم/ لكمة شديدة ثم قال: اشدد عليك إزارك (^١).
ولما أن أجمعت قريش على هدم الكعبة أخرجوا ما كان فيها من حلية ومال وقرنى الكبش، وجعلوه عند أبى طلحة عبد الله بن عبد العزّى بن عبد الدار بن قصىّ، وأخرجوا هبل. وكان على الجب الذى فيه، نصبه عمرو بن لحىّ هنالك، ونصب عند المقام (^٢).
ولما اجتمع لهم ما يريدون من الحجارة والخشب. وما يحتاجون إليه غدوا على هدمها، فخرجت الحية التى كانت فى بطنها تحرسها- سوداء الظهر بيضاء البطن رأسها مثل رأس الجدى-تمنعهم كلما أرادوا هدمها، فلما رأوا ذلك اعتزلوا عند مقام إبراهيم-وهو يومئذ فى مكانه الذى فيه اليوم-فقال لهم الوليد بن المغيرة-ويقال: أبو أحيحة سعيد بن العاص: يا قوم ألستم تريدون بهدمها الإصلاح؟ قالوا: بلى. قال: فإن الله لا يهلك المصلحين، ولكن لا تدخلوا فى عمارة بيت ربكم إلا من طيّب أموالكم، ولا تدخلوا فيه مالا من ربا، ولا مالا من ميسر، ولا مهر بغىّ، وجنبوه الخبيث من أموالكم، وما لم تقاطعوا رحما، ولا تظلموا فيه أحدا من الناس؛ فإن
_________________
(١) وبمعناه فى شرح المواهب ١:٢٠٥.
(٢) وأضاف الأزرقى فى أخبار مكه ١:١٦٦ «حتى فرغوا من بناء البيت، فردوا ذلك المال فى الجب، وعلقوا فيه الحلية وقرنى الكبش، ونصبوا هبل على الجب كما كان قبل ذلك».
[ ١ / ١٤٩ ]
الله لا يقبل إلا طيّبا. ففعلوا، ثم وقفوا عند المقام يدعون ربهم ويقولون: اللهم إن كان لك فى هدمها رضا فأتمه، واشغل عنا هذا الثعبان. فأقبل طائر من جو السماء كهيئة العقاب، ظهره أسود، وبطنه أبيض، ورجلاه صفراوان-والحية على جدار البيت فاغرة فاها-فأخذ برأسها ثم طار بها حتى أدخلها أجياد الصغير. فقالت قريش: إنّا لنرجو أن يكون الله ﷾ قد رضى عملكم، وقبل نفقتكم فاهدموه (^١).
ويقال: لمّا أرادت قريش أن تبنى الكعبة كانت الحية تخرج كل يوم من بئر الكعبة التى يطرح فيها ما يهدى لها، فتشرف (^٢) على جدار الكعبة، وكانوا يهابونها؛ وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألّت (^٣) وكشّت وفتحت فاها. فقالوا: إن أراد الله أن يتممه فسيكفيكموها. فبينا هى تشرف (^٤) على جدار الكعبة بعث الله
_________________
(١) أخبار مكة للأزرقى ١:١٦١،١٦٢، وشرح المواهب ١:٢٠٤.
(٢) كذا فى الأصول وأخبار مكة للأزرقى ١:١٧٠. وفى سيرة النبى لابن هشام بشرح الروض ١:٣٢٤، والاكتفا ١:٢٠٦ «فتتشرق». وفى سبل الهدى والرشاد ٢: ٢٢٨ «فتشرق».
(٣) فى الأصول، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٣٤ «أخزألت» بخاء معجمة فزاى فهمزة مفتوحة فلام مشددة فتاء تأنيث: أى رفعت ذنبها. والمخزئل المرتفع. والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام بشرح الروض ١:٣٢٤. والاكتفا ١:٢٠٦. وفى القاموس المحيط احزأل-بالحاء المهملة-البعير فى السير احزئلالا ارتفع، والجبل ارتفع فوق السراب، والشئ اجتمع- (وانظر لسان العرب حزل)
(٤) فيها الخلاف الذى فى التعليق قبل السابق.
[ ١ / ١٥٠ ]
عليها طائرا أبيض فأخذ بأنيابها فاختطفها فذهب بها. نحو الحجون (^١)، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضى ما أردنا، عندنا عامل رفيق وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية (^١).
ثم إنّ قريشا هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال [الوليد بن] (^٢) المغيرة: أتريدون الإصلاح أم تريدون الإساءة؟ فقالوا: بل نريد الإصلاح. قال: فإن الله لا يهلك المصلح، فقالوا: فمن ذا الذى يعلوها فيبدأ بهدمها؟ فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم فى هدمها؛ أنا شيخ كبير، فإن أصابنى أمر كان قد دنا أجلى، وإن كان غير ذلك فلم يرزأنى./فعلا البيت وفى يده عتلة-وقيل: معول، ويقال: فأس-يهدم بها، فتزعزع من تحت رجله حجر فقال:
اللهم لا ترع (^٣) إنما أردنا الإصلاح-أو إنّا لا نريد إلا الإصلاح.
ويقال: قال: اللهم لا نزغ (^٤)، اللهم لا نريد إلا الخير. وجعل يهدمها حجرا حجرا بالعتلة، فهدم يومه ذلك من ناحية الرّكنين، فقالت قريش: نخاف أن ينزل به العذاب إذا أمسى.
_________________
(١) أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٠، والاكتفا ١:٢٠٦، وسيرة النبى لابن هشام بشرح الروض ١:٢٢٤،٢٢٥. والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢٧٧.
(٢) الإضافة عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٥٨.
(٣) كذا فى الإصول. وفى أخبار مكة للأزرقى ١:١٦٢، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٣٠، وشرح المواهب ١:٢٠٤ «لم ترع» وفى شرح المواهب «بفوقية مضمومة فراء مفتوحة أى لم تفزع الكعبة، فأضمرها لتقدم ذكرها، وهذا أولى من إعادة السهيلى الضمير لله قائلا لا روع هنا».
(٤) فى شرح المواهب ١:٢٠٤ بفتح النون وكسر الزاى وغين معجمة قال: وهو جلى لا يشكل أى لم نحل دينك ولا خرجنا عنه.
[ ١ / ١٥١ ]
ويقال: فتربّص الناس به تلك الليلة وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم شيئا ورددناه كما كان، وإن لم يصبه شئ فقد رضى الله ما صنعنا (^١).
فأصبح الوليد غاديا على عمله، فلما أن رأته قريش ولم يأتهم ما يخافون من العذاب فهدمت قريش معه حتى بلغوا الأساس الذى رفع عليه إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، فأفضوا إلى حجارة خضر كأنها الإبل الخلف لا يطيق الحجر منها ثلاثون رجلا، يحرّك الحجر منها فترتجّ جوانبها، قد تشبك بعضها ببعض-وقيل: تحرك حجر فانتفضت مكة بأسرها-فأدخل الوليد بن المغيرة عتلته بين الحجرين فانفلقت منه فلقة فأخذها أبو وهب بن عمرو بن عائذ (^٢) ابن عمران بن مخزوم-وقيل عامر بن نوفل بن عبد مناف، والأوّل أثبت-فنزت من يده حتى عادت فى مكانها، وطارت من تحتها برقة كادت أن تخطف أبصارهم، ورجفت مكة بأسرها، فلما رأوا ذلك أمسكوا عن أن ينظروا ما تحت ذلك (^٣).
ويقال: إن قريشا لما هدموا الكعبة وأرادوا أن يأخذوا فى بنائها أحضروا عمّالهم، فلم يقدر رجل منهم أن يمضى أمامه موضع قدمه، وزعموا أنهم رأوا حيّة قد أحاطت بالبيت ورأسها عند ذنبها، فأشفقوا
_________________
(١) الاكتفا ١:٢٠٧، وشرح المواهب ١:٢٠٤.
(٢) فى الأصول «عابد» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ١:١٢٤، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٦٣، وتاريخ الخميس ١:١١٥.
(٣) أخبار مكة للأزرقى ١:١٦٢،١٦٣.
[ ١ / ١٥٢ ]
منها شفقة شديدة، وخشوا أن يكونوا قد وقعوا-مما عملوا-فى هلكة،-وكانت الكعبة حرزهم ومنعتهم من الناس، وشرفا لهم- فسقط فى أيديهم، وألبس عليهم أمرهم؛ فقام المغيرة بن عبد الله بن عمر (^١) بن مخزوم فقال: هل لكم فى أمر تبتغون به مرضاة رب هذا البيت، فإذا اجتهدتم رأيكم وجهدتم جهدكم نظرتم، فإن خلّى الله بينكم وبين بنيانها فذلك الذى أردتم، وإن حال بينكم وبينه كان ذلك وقد اجتهدتم. ثم قالوا: أشر علينا. قال: إنكم قد جمعتم لنفقة هذا البيت ما قد علمتم، وإنكم قد أخذتم فى هدمه وبنيانه على تحاسد منكم، وإنى أرى أن تقسّموا أربعة أقسام على منازلكم فى الآل والأرحام، ثم تقسّموا البيت على أربعة أقسام، ولا تجعلوا أحد جوانب البيت كاملا لكل ربع، ولكن اقتسموه أنصافا من كل جانب من جوانب البيت، فإذا فعلتم ذلك فليعين كل ربع منكم نصيبه، ولا تجعلنّ فى نفقة البيت شيئا أصبتموه غصبا، ولا قطعتم فيه رحما، ولا انتهكتم فيه ذمّة بينكم وبين أحد من الناس، فإذا فعلتم ذلك فاقترعوا بفناء البيت، ولا تنازعوا ولا تنافسوا، وليصب (^٢) كل ربع منكم موضع سهمه، ثم انطلقوا بعمالكم فلعلكم إذا فعلتم ذلك أن تخلصوا إليها. فلما سمعوا قول المغيرة رضوا به وانتهوا إليه، وفعلوا الذى أمرهم به. فلما فعلوا ذلك ذهبت الحية فى السماء وتغيّبت عنهم، ورأوا أن ذلك من الله ﷿ (^٣).
_________________
(١) كذا فى ت، هـ، ودلائل النبوة ١:٣٣١. وفى م والسيرة النبوية لابن كثير ١: ٢٧٥. «عمرو».
(٢) فى ت «وليجر» وفى م «وليصير» وفى هـ «وليصر». والمثبت عن دلائل النبوة ١:٣٣٢.
(٣) المرجع السابق ١:٣٣١،٣٣٢.
[ ١ / ١٥٣ ]
ويقال: إن طائرا خطف الحية وألقاها نحو أجياد (^١).
ووجدوا فى أساس ركن من أركانها فى حجر مكتوب: أنا يعفر ابن عبد قرا، أقرأ على ربى السلام من رأس ثلاثة ألاف سنة (^٢).
ووجدوا فى حجر من الأساس كتابا، فدعوا له رجلا من أهل اليمن وآخر من الرهبان، فإذا فيه: أنا الله ذو بكّة حرّمتها يوم خلقت السموات والأرض والشمس والقمر، ويوم صغت (^٣) هذين الجبلين، وصغتهما يوم صغت الشمس والقمر، وحففتهما بسبعة أملاك حنفاء، وجعلت رزق أهلها من ثلاثة سبل، لا يحلها أوّل من أهلها (^٤). فليس يؤتى أهل مكة إلا من ثلاثة طرق: أعلى الوادى، وأسفله، وكداء؛ وباركت لأهلها فى اللّحم والماء (^٥).
ووجدوا (^٦) فى بئر الكعبة فى نقضها كتابين من صفر مثل بيض النعامة، مكتوب فى أحدهما: هذا بيت الله الحرام، ورزق أهله العبادة، لا يحلّه أوّل من أهله. والآخر: براءة لبنى فلان-حىّ من العرب-من حجة لله حجّوها.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن كثير ١:٢٧٦
(٢) أخبار مكة للأزرقى ١:١٧٤.
(٣) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ١:٣٣٣ «وضعت».
(٤) الاكتفا ١:٢٠٨.
(٥) كذا فى الأصول. وفى المرجع السابق، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٣١ «فى الماء واللين».
(٦) فى الأصول «ووجد». والتصويب يقتضيه السياق.
[ ١ / ١٥٤ ]
ووجدوا فى الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو، حتى قرأه لهم رجل من اليهود، فإذا هو: أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض، وصوّرت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها فى الماء واللبن (^١).
ووجدوا فى حجر منها-ويقال إنه فى أسفل المقام-كتابا لم يدروا ما هو حتى جاءهم حبر من اليهود من اليمن، نظر إلى الكتاب فحدثهم أنه قد قرأه، فاستحلفوه لتحدثنا بما فيه ولتصدقنا عنه.
فأخبرهم أن فيه: أنا الله ذو بكة، حرمتها يوم خلقت السموات والأرض والشمس والقمر، ويوم رفعت هذين الجبلين، وحففتها بسبعة (^٢) أملاك حنفاء.
ويروى أنهم وجدوا كتابا بأسفل المقام، فدعوا رجلا من حمير فقال: إن فيه حرفا لو حدثتكموه لقتلتمونى. فظنت قريش أن فيه ذكر محمد فكتمهم إيّاه (^٣).
ووجد فى المقام كتاب: هذا بيت الله الحرام بمكة، توكّل الله برزق أهله من ثلاث سبل، مبارك لأهله فى اللحم واللبن، لا يحله أول من أهله، (^٤) ووجدوا فى الحجر كتابة من خلقة الحجر (^٤): أنا
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ١:١٢٦، والاكتفا ١:٢٠٨، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢٧٩، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٣١.
(٢) كذا فى ت ودلائل النبوة ١:٣٣٣. وفى م، هـ «بتسعة».
(٣) وفى دلائل النبوة ١:٣٣٤ «فظننا أن فيه ذكر محمد فكتمناه».
(٤) كذا فى هـ. وفى ت، م «ووجد فى الحجر كتاب من خلقه الحجر».
[ ١ / ١٥٥ ]
الله ذو بكة الحرام، صغتها يوم صغت الشمس والقمر، وحففتها بتسعة أملاك حنفاء، لا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها فى اللحم والماء، يحلها لأهلها (^١)، ولا يحلها أوّل من أهلها.
ولما جمعوا ما أخرجوه من النفقة قلّت النفقة على أن تبلغ بهم عمارة البيت كله، فتشاوروا فى ذلك، فأجمع رأيهم على أن يقصروا عن القواعد، ويحجروا (^٢) ما يقدرون عليه من بناء البيت، ويتركوا بقيته فى الحجر، عليه جدار مدار، يطوف الناس من ورائه، ففعلوا ذلك وبنوا فى بطن الكعبة أساسا يبنون عليه من شق الحجر، وتركوا من ورائه من قفا (^٣) البيت فى الحجر ستة أذرع وشبرا، فبنوا على ذلك. فلما وضعوا أيديهم فى بنائها قال أبو حذيفة بن المغيرة:
يا معشر قريش ارفعوا باب الكعبة عن الأرض، واكبسوها حتى لا تدخلها السيول، ولا ترقى إلا بسلّم، ولا يدخلها إلا من أردتم، ثم إن جاء أحد ممن تكرهون رميتم (^٤) به فسقط؛ فكان نكالا لمن رآه.
ففعلوا ذلك، وبنوها بساف (^٥) من حجارة وساف من خشب بين الحجارة، حتى انتهوا إلى موضع الركن فاختلفوا فى وضعة، وكثر الكلام فيه، وتنافسوا فى ذلك، فقالت بنو عبد مناف وزهرة: هو فى
_________________
(١) كذا فى م، هـ. وفى ت «يحلها أهلها» -وانظر الاكتفا ١:٢٠٨ بتقديم وتأخير فى السياق.
(٢) فى الأصول «يحجزوا». والمثبت عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٦٣.
(٣) كذا فى الأصول. وفى المرجع السابق «من فناء».
(٤) كذا فى الأصول. وفى المرجع السابق «دفعتموه».
(٥) الساف: المدماك، أو السطر والصف. (المعجم الوسيط)
[ ١ / ١٥٦ ]
الشق الذى وقع لنا، وقالت تيم ومخزوم: هو فى الشق الذى لنا، وقالت سائر القبائل: لم يكن الركن مما استهمنا عليه (^١). وقالت كل قبيلة: نحن أحقّ بوضعه. واختلفوا حتى تواعدوا للقتال، وقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما وأدخلوا أيديهم فى الدم، وتعاقدوا على الموت؛ فسموا لعقة الدم (^٢).
فمكثوا أربع ليال-أو خمس ليال-كذلك، ثم تشاوروا فقال أبو أميّة حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (^٣) بن مخزوم- وكان أسن قريش يومئذ-: يا قوم إنما أردنا البرّ ولم نرد الشّرّ؛ فلا تحاسدوا ولا تنافسوا، فإنكم إذا اختلفتم تشتّتت أموركم، وطمع فيكم غيركم، ولكن حكموا بينكم أوّل من يطلع عليكم من هذا الفجّ- وقيل: أول من يطلع عليكم من هذه السكة، ويقال: أول من يطلع. عليكم من باب هذا المسجد: يريد باب بنى شيبة-فقالوا:
رضينا وسلّمنا. فطلع رسول الله ﷺ فكان أوّل من دخل باب بنى شيبة، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، قد رضينا بما قضى بيننا. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال: هلمّوا إلىّ ثوبا. فأتى بثوب، يقال:
إنه كساء أبيض من متاع الشام للوليد بن المغيرة.
ويروى: وضع رسول الله ﷺ رداءه وبسطه فى الأرض، ثم
_________________
(١) أخبار مكة للأزرقى ١:١٦٣.
(٢) سيرة النبى لابن هشام ١:١٢٧، والاكتفا ١:٢٠٨، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢٨٠.
(٣) فى الأصول «ابن عمرو» والتصويب عن المراجع السابقة.
[ ١ / ١٥٧ ]
وضع فيه الركن بيده، ثم قال: ليأت من كلّ ربع من أرباع قريش رجل. فكان فى ربع عبد مناف عتبة بن ربيعة، وفى الربع الثانى أبو زمعة بن الأسود بن المطلب-وكان أسنّ القوم-وفى (^١) -الربع الثالث العاص بن وائل-وقيل: قيس بن عدى السّهمىّ- (^١) وفى الربع الرابع أبو حذيفة بن المغيرة، ثم قال رسول الله ﷺ: ليأخذ كل رجل منكم بزاوية من زوايا الثوب، ثم ارفعوه جميعا-ويروى فقال النبى ﷺ: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم قال: ارفعوه جميعا-ثم ارتقى النبىّ ﷺ على الجدر، ورفع القوم إليه الركنّ حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه رسول الله ﷺ بيده فى موضعه ذلك. فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبى ﷺ حجرا ليشدّ به الركن، فقال العباس بن عبد المطلب: لا. ونحّاه، وناول العباس النبىّ ﷺ حجرا فشدّ به الركن؛ فغضب النجدىّ حين نحّى، فقال رسول الله ﷺ: إنه ليس يبنى معنا فى البيت إلا منّا. فقال النجدىّ: وا عجباه لقوم أهل شرف وعقول، وسنّ وأموال عمدوا إلى أصغرهم سنّا وأقلّهم مالا فرأسوه عليهم فى مكرمتهم وحوزتهم كأنهم خدم له!! أما والله ليفوتنهم سبقا، وليقسمن عليهم حظوظا وجدودا-ويروى أن النجدى إبليس-فبنوا حتى رفعوا أربعة أذرع، ثم كبسوها. ووضعوا بابها مرتفعا على هذا الذرع، ورفعوها بمدماك خشب ومدماك حجارة، وكان طولها تسعة أذرع فاستقصروا طولها، وأرادوا الزيادة فيها فبنوها وزادوا فى طولها تسعة أذرع، وكرهوا أن تكون
_________________
(١) سقط فى ت، هـ. والمثبت من م.
[ ١ / ١٥٨ ]
بغير سقف، فلما بلغوا السّقف قال لهم با قوم الرومى: أتحبون أن تجعلوا سقفها مكبسا أم مسطحا؟ فقالوا: بل ابن بيت ربنا مسطّحا .. فبنوه مسطحا، وجعلوا فيه ست دعائم فى صفين، فى كل صف ثلاث دعائم (¬*) من الشّق الشامى الذى يلى الحجر إلى الشّق اليمانى، وجعلوا ارتفاعها من خارجها من الأرض إلى أعلاها ثمانية عشر ذراعا، وكانت قبل ذلك تسعة أذرع، فزادت قريش فى ارتفاعها فى السماء تسعة أذرع أخرى، وبنوها من أعلاها إلى أسفلها بمدماك من حجارة ومدماك من خشب، وكان الخشب خمسة عشر مدماكا، والحجارة ستة عشر مدماكا. وجعلوا ميزابها يسكب فى الحجر. وجعلوا درجة من خشب فى بطنها فى الركن الشامى يصعد فيها إلى ظهرها، وزوّقوا سقفها وجدرانها-من بطنها-ودعائمها، وجعلوا فى دعائمها صور الأنبياء. وكانت فيها (^١) صورة إبراهيم خليل الرحمن؛ شيخ يستقسم بالأزلام، وصورة الملائكة ﵈ أجمعين، وصور الشجر، وصورة مريم مزوقة (^٢) فى حجرها عيسى ابنها قاعدا مزوقّا، وكان تمثال عيسى وأمه فى العمود الذى يلى الباب، ويقال فى الوسطى من اللأتى تلى الباب الذى يلى الداخل.
وجعلوا لها بابا واحدا كان يغلق ويفتح.
_________________
(١) = *) فى م وضع الرسم التالى أمام هذا الكلام:-
(٢) فى ت، هـ «فيه» وسقطت من م. والتصويب عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٦٥، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٣٣.
(٣) فى الأصول «مزوقا».
[ ١ / ١٥٩ ]
فلما فرغوا من بناء البيت ردّوا المال فى الجب، و؟؟؟ فيه الحلية وقرنى الكبش، وردّوا الجب فى مكانه فيما؟؟؟ ق الشامى، ونصبوا هبل على الجبّ كما كان قبل ذلك، و؟؟؟ حين فرغوا من بنائها حبرات يمانية-ويقال كسوها الوصائل؟؟؟ وردموا الرّدم الأعلى، وصرفوا السّيل عن الكعبة.
وكانوا يفتحون الكعبة يوم الاثنين والخميس، وكان الحجّاب يجلسون عند الباب، فيرتقى الرجل فإذا كانوا لا يريدون دخوله يدفع ويطرح، فربما عطب. وكانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء-يعظمون ذلك-ويضعون نعالهم تحت الدّرجة، وأوّل من خلع الخفّ والنعل فلم يدخل بهما الوليد بن المغيرة؛ إعظاما لها، فجرى ذلك سنّة (^١).
وفى هذه السنة ولدت حفصة بنت عمر بن الخطاب (^٢).
وفيها-ويقال: فى سنة إحدى وأربعين-ولدت فاطمة الزهراء (^٣).
وفيها مات أبو سعيد زيد بن عمرو بن نفيل (^٤) القرشى العدوى، أحد من رفض الأصنام، وحرّم على نفسه ذبائحها، واتبع ملة إبراهيم ﷺ.
_________________
(١) طبقات ابن سعد ١:١٤٥ - ١٤٨. وأخبار مكة للأزرقى ١:١٦٣ - ١٧٤، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٢٨ - ٢٣٣.
(٢) وانظر فى ترجمتها والخلاف حول تاريخ موتها الإصابة ٤:٢٧٣.
(٣) انظر فى أخبارها ﵂ تاريخ الخميس ١:٢٧٧،٢٧٨.
(٤) وانظر ما سبق فى صدر أخبار السنة الرابعة والثلاثين من مولد النبى ﷺ.
[ ١ / ١٦٠ ]