فيها قال أبو طالب لابن أخيه النبى ﷺ: أنا رجل لا مال لى، وقد اشتدّ الزمان علينا، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك فى عير لها، فلو جئتها فعرضت نفسك (^٢) لأسرعت إليك. فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمّه له، فأرسلت إليه فى ذلك وقالت: أنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك. فقال أبو طالب: هذا رزق قد ساقه الله إليك.
ويقال: إن خديجة لما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت أن يخرج فى مالها تاجرا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، فقبله منها رسول الله ﷺ، فاستأجرت النبىّ ﷺ على أربع بكرات، ويقال استأجرت معه رجلا آخر من قريش.
_________________
(١) وهو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، القرشى الأسدى، أبو عبد الله، حوارى رسول الله ﷺ وابن عمته. قتل سنة ٣٦ هـ بعد انصرافه عن وقعة الجمل بوادى السباع. (الإضافة ١:٥٤٥،٥٤٦)
(٢) كذا فى هـ، وطبقات ابن سعد ١:١٢٩، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٤٣، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢١٤. وفى ت، م «فعرضت بنفسك».
[ ١ / ١٣١ ]
وخرج النبى ﷺ مع غلام لخديجة يقال له ميسرة، وجعل عمومة النبى ﷺ يوصون به أهل العير، فبلغ سوق بصرى-وقيل سوق حباشة (^١) بتهامة-لأربع عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، فباع تجارته التى خرج بها؛ فربح ضعف ما كانوا يربحون، واشترى ما أراد أن يشترى. ثم أقبل قافلا إلى مكة-ومعه ميسرة-فلما كان بمرّ الظهران (^٢) قال ميسرة للنبى ﷺ: تقدم يا محمد فأخبر خديجة بما ربحناه. فدخل النبى ﷺ مكة ساعة الظهيرة، وخديجة فى علّيّة لها، فرأت رسول الله ﷺ وهو على بعيره وملكان يظلاّن عليه، فأرته نساءها فتعجبن لذلك، ودخل عليها رسول الله ﷺ فأخبرها بما ربحوا فى وجههم، فسرّت بذلك. فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فأخبرها أنه إذا كانت الهاجرة واشتد الحرّ يرى ملكان يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره، وأخبرها أنهم نزلوا فى ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرّهبان يقال له نسطور، فاطلع الراهب إلى ميسرة وقال: من هذا الرجل الذى نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم. فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلا نبى. ونظر إلى الغمامة وقد أظلته فسأل ميسرة: أفى عينيه حمرة؟ قال: نعم، لا تفارقه قط. فقال له: هو نبىّ، وهو آخر الأنبياء.
وأخبرها أنه وقع تلاح بينه وبين رجل فى بيع. فاستحلفه باللات والعزّى، فقال النبىّ ﷺ: ما حلفت بهما قط، وإنى لأمرّ فأعرض عنهما. فقال الرجل: القول قولك. ثم قال لميسرة: هذا والله نبىّ تجده أحبارنا فى كتبهم منعوتا.
_________________
(١) سوق بتهامة، وانظر معجم البلدان لياقوت، وشرح المواهب ١:١٩٨.
(٢) مر الظهران: هو واد قرب مكة. (معجم البلدان لياقوت)
[ ١ / ١٣٢ ]
وباعت خديجة ما جاء به النبىّ ﷺ فأضعف أو قريبا. فلما أخبرها ميسرة بذلك أضعفت للنبى ﷺ ضعف ما سمّت له (^١).
ورغبت إليه أن يتزوّجها لما رجت فى ذلك من الخير، وأخبرت خديجة ابن عمها ورقة بن نوفل ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب، وما كان رأى منه إذ كان الملكان يظلاّنه، فقال ورقة: لئن كان هذا حقّا يا خديجة أن كان محمد لنبىّ هذه الأمة؛ قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبىّ ينتظر، هذا زمانه-أو كما قال- وجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول: حتى متى؟! فكان يقول أشعارا يستبطئ فيها خبر خديجة ويستريب ما ذكرت، فقال ورقة بن نوفل:-
أتبكر أم أنت العشيّة رائح … وفى الصدر من إضمارك الحزن قادح
لفرقة قوم لا أحبّ فراقهم … كأنك عنهم بعد يومين نازح
وأخبار صدق خبّرت عن محمد … يخبّرها عنه إذا غاب ناصح
فذاك (^٢) الذى وجّهت يا خير حرّة … بغور وبالنجدين حيث الصحاصح
_________________
(١) طبقات ابن سعد ١:١٢٩، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٤٣، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢١٤، وشرح المواهب ١:١٩٧، وتاريخ الخميس ١:٢٦٣.
(٢) كذا فى الأصول. وفى الروض الأنف ١:٢٢٠، وسبل الهدى والرشاد ٢: ٢١٧ «فتاك».
[ ١ / ١٣٣ ]
إلى سوق بصرى فى الرّكاب التى غدت … وهنّ من الأحمال قعص (^١) دوالح
يخبرنا عن كلّ حبر بعلمه … وللحق أبواب لهن مفاتح (^٢)
بأن ابن عبد الله أحمد مرسل … إلى كل من ضمّت عليه (^٣) الأباطح
وظنّى به أن سوف يبعث صادقا … كما أرسل العبدان هود وصالح
وموسى وإبراهيم حتى (^٤) يرى له … بهاء ومنشور من الذكر واضح
ويتبعه حيّا لؤىّ بن غالب … شبابهم والأشيبون الجحاجح (^٥)
فإن أبق حتى يدرك الناس دهره … فإنى به مستبشر الودّ فارح (^٦)
_________________
(١) القعص: التى أصيبت بالقعاص، وهو داء فى الصدر-ودوالح: أى بطيئات مثقلات الخطو. (المعجم الوسيط)
(٢) كذا فى م، والروض الأنف ١:٢٢٠، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢١٧. وفى ت، هـ «فواتح».
(٣) فى الأصول «إليه» والمثبت عن المرجعين السابقين.
(٤) فى الأصول «حين» والمثبت عن المرجعين السابقين.
(٥) الجحاجح: جمع جحجح وهو السيد السمح الكريم. (المعجم الوسيط)
(٦) كذا فى م، والروض الأنف ١:٢٢١، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢١٧. وفى ت، هـ «فالح».
[ ١ / ١٣٤ ]
وإلاّ فإنى يا خديجة فاعلمى … عن ارضك فى الأرض العريضة سائح
***