فيها فى رمضان-ويقال: فى النصف من شوال، وقيل أوّل ذى القعدة، بعد أن تم للنبى ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد وعشرون يوما، أو ثمانية أيام-مات عمّه أبو طالب وهو ابن بضع وثمانين سنة. ولمّا مرض أرسل إلى النبى ﷺ وقال: ادع ربّك أن يشفينى، فإنّ ربك يطيعك، وابعث إلى بقطاف من قطاف الجنة. فأرسل إليه النبىّ ﷺ: يا عمّ، وأنت إن أطعت أطاعك.
وكان أبو طالب مرض قبل ذلك فعاده النبىّ ﷺ (^٢) فقال:
ابن أخى ادع ربّك الذى بعثك أن يعافينى. فقال: اللهم اشف عمّى. فقام أبو طالب كأنما نشط من عقال (^٢). فقال يا ابن أخى: إن ربّك الذى تعبد ليطيعك. قال: وأنت يا عمّاه لئن أطعت الله ليطيعنّك.
_________________
(١) وقد توفى ﵁ بالطائف فى سنة ٦٨ هـ على أرجح الأقوال. (الإصابة ٢:٣٣٠ - ٣٣٤)
(٢) سقط فى ت، هـ. والمثبت من م والخصائص الكبرى ١:٣٣٠، وفيه «تفرد به الهيثم وهو ضعيف».
[ ١ / ٢٩٩ ]
ولما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده عبد الله بن أبى أميّة، وأبا جهل بن هشام، فقال رسول الله ﷺ: يا عم، قل لا إله إلا الله وحده أشهد لك بها عند الله-أو قل لا إله إلا الله أحاجّ لك بها عند الله-فقال له أبو جهل-لعنه الله-وعبد الله بن أبى أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملّة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويقول: يا عمّ، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله. ويقولان: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟! حتى قال آخر كلمة تكلّم بها «على ملة عبد المطلب» فقال رسول الله ﷺ: لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك. فنزلت ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ إلى قوله ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (^١)
ويقال: إن أبا طالب قال للنبى ﷺ: يا ابن أخى، والله لولا أرهب أن تقول قريش وهرنى (^٢) الجزع فيكون سبّة عليك وعلى بنى أبيك لفعلت الذى تقول، وأقررت عينيك بها؛ لما أرى من شكرك ووجدك بى، ونصيحتك لى. ثم إن أبا طالب دعا بنى عبد
_________________
(١) سورة التوبة الآيتان ١١٣،١١٤. وانظر دلائل النبوة ٢:٩٨،٩٩، والاكتفا ١:٣٩٢،٣٩٣، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٠٦،٢٠٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٢٦،١٢٧، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٦٥.
(٢) وهرنى: أى أضعفنى. (هامش الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٠٧) وأوقعنى فيما لا مخرج منه فبقيت متحيرا. (المعجم الوسيط).
[ ١ / ٣٠٠ ]
المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره، فاتبعوه وأعينوه ترشدوا. فقال رسول الله ﷺ: لم تأمرهم بها وتدعها لنفسك؟ فقال أبو طالب: أما إنك لو سألتنى الكلمة وأنا صحيح لتابعتك (^١) على الذى تقول، ولكنى أكره أن أجزع عند الموت فترى قريش أنى أخذتها جزعا ورددتها فى صحتى./
ويقال: لما حضرت أبا طالب الوفاة أتاه النبىّ ﷺ فقال:
يا عماه، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. فقال: لولا أن تعيرنى قريش؛ يقولون إنما حمله عليها الجزع، لأقررت بها عينك.
فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (^٢)
ويقال: لما مرض أبو طالب جاءت قريش، وجاء النبى ﷺ-وعند رأس أبى طالب مجلس رجل-فقام أبو جهل كى يمنعه ذاك، وشكوه إلى أبى طالب. فقال: يا ابن أخى، ما تريد من قومك؟ قال: يا عمّ إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم (^٣) بها العرب، وتؤدى إليهم الجزية العجم؛ كلمة واحدة. قال: ما هى؟ قال: لا إله إلا الله. فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب!! ونزل فيهم ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ حتى بلغ ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ (^٤)
_________________
(١) كذا فى ت، هـ. وفى م والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٠٨ «لبايعتك».
(٢) سورة القصص آية ٥٦. وانظر دلائل النبوة ٢:١٠٠، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٠٧، وشرح المواهب ١:٢٩١.
(٣) كذا فى م، ودلائل النبوة ٢:١٠٠. وفى ت، هـ «إليهم».
(٤) سورة ص الآيات ١ - ٧.
[ ١ / ٣٠١ ]
ويقال: إن النبى ﷺ لما أتى أبا طالب فى مرضه قال له: أى عمّ، قل لا إله إلا الله استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. فقال:
يا ابن أخى، لولا أن تكون سبّة عليك وعلى أهل بيتك من بعدك (^١)؛ يرون أنى قلتها جزعا حين نزل بى الموت. لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها. فلما ثقل أبو طالب رئى يحرّك شفتيه، فأصغى إليه العباس ليستمع قوله، فرفع العباس عنه فقال: يا رسول الله. قد والله قال الكلمة التى سألته. فقال النبى ﷺ: لم أسمع. ولم يكن العباس يومئذ أسلم، وحين أسلم سأل النبى ﷺ عن حال أبى طالب فقال، ما فى الحديث الصحيح: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشئ؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، هو فى ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار (^٢).
وذكر أبو طالب عند النبى ﷺ فقال: لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة، فيجعل فى ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه يغلى منهما دماغه (^٣).
وقال النبى ﷺ: أهون أهل النار عذابا أبو طالب، منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه (^٤).
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ٢:٢٨٤، ودلائل النبوة ٢: ١٠١ «من بعدى».
(٢) وانظر مع المرجعين السابقين الاكتفا ١:٣٩٣، والوفا بأحوال المصطفى ١: ٢٠٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٢٨، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٦٥،٥٦٦.
(٣) دلائل النبوة ٢:١٠١،١٠٢، والاكتفا ١:٣٩٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٢٨، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٦٥.
(٤) دلائل النبوة ٢:١٠٢، والاكتفا ١:٣٩٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٢: ١٢٨، وشرح المواهب ٢:٢٩٤.
[ ١ / ٣٠٢ ]
ولما مات أبو طالب جاء ابنه علىّ بن أبى طالب ﵁ إلى النبى ﷺ فقال: إن عمّك الشيخ الضالّ قد مات. فبكى رسول الله ﷺ. فقال: اذهب فاغسله وكفّنه وواره-غفر الله له ورحمه. فقال على: إنه مات مشركا. فقال النبى ﷺ: اذهب فوار أباك ولا تحدثنّ شيئا حتى تأتينى. قال على: فأتيته فقلت له، فأمرنى فاغتسلت، ثم دعا لى بدعوات ما يسرنى أن لى بهن حمر النعم وسودها-ويقال: قال على: ثم دعا لى بدعوات ما يسرنى أن لى بهن ما على الأرض من شئ (^١).
ويقال: إن النبى ﷺ عاد من جنازة عمّه أبى طالب وقال:
وصلت (^٢) رحمك وجزاك الله خيرا يا عم.
ويقال: إن النبى ﷺ لم يقم على قبره. وقال رسول الله ﷺ: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. فاستغفر له رسول الله ﷺ أيّاما، ولا يخرج من بيته حتى نزل جبريل بهذه الآية ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (^٣)
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:١٠٣، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٠٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٢٩.
(٢) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ٢:١٠٣، والوفا بأحوال المصطفى ٢: ٢٠٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٢٩ «وصلتك رحم».
(٣) سورة التوبة آية ١١٣. وانظر الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٠٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٢٦.
[ ١ / ٣٠٣ ]
ولما مات أبو طالب عرض لرسول الله ﷺ سفيه من سفهاء قريش فألقى عليه ترابا، فرجع النبىّ ﷺ فأتت امرأة من بناته تسمح التراب عن وجهه وتبكى، فجعل يقول: أى بنيتى لا تبكى؛ فإن الله مانع أباك. ويقول بين ذلك: ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب (^١).
ثم بعد موت أبى طالب بثلاثة أيام-وقيل: بخمسة أيام، وقيل: بخمسة وثلاثين يوما، وقيل: بخمسة وخمسين يوما-ماتت خديجة بنت خويلد لعشر خلون من شهر رمضان (^٢).
وقال لها النبى ﷺ-وهى فى مرضها الذى ماتت فيه-:
يا لكره ما أرى منك يا خديجة، وقد يجعل الله لى فى الكره خيرا كثيرا، أما علمت أنّ الله قد زوّجنى معك فى الجنة مريم ابنة عمران، وكلثوم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون؟ قالت: وقد فعل الله ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم. قالت: بالرفاء والبنين. ودفنت بالحجون، ونزل النبى ﷺ فى حفرتها، ولم يكن يومئذ سنّة الجنازة الصلاة عليها (^٣).
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٢:٢٨٢،٢٨٣، وتاريخ الطبرى ٢:٢٢٩، دلائل النبوة ٢:١٠٤، والاكتفا ١:٣٩٠،٣٩١، وعيون الأثر ١:١٣٠، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٢٢،١٢٣، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٧٢.
(٢) وانظر فى ذلك السيرة النبوية لابن كثير ٢:١٣٢، والإمتاع ١:٢٧، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٧١، وتاريخ الخميس ١:٣٠١.
(٣) طبقات ابن سعد ٨:١٨، والروض الأنف ٢:١٧٢، وشرح المواهب ١:٢٩٦، والسيرة الحلبية ٢:٤١، وتاريخ الخميس ١:٣٠١ مع اختلاف يسير.
[ ١ / ٣٠٤ ]
واجتمع على النبى ﷺ بموت أبى طالب وخديجة مصيبتان، وسمّاه عام الحزن؛ لأن أبا طالب كان يحميه عند خروجه من بيته ممن يؤذيه، وخديجة كانت تصدّقه إذا آوى إلى منزله، وتسلّيه عن كل ما يجرى عليه، وتقول: أنت رسول الله حقّا.
فتناولت النبىّ ﷺ قريش، واجترأت عليه، ونالت منه ما لم تكن تنال ولا تطمع فيه، ووصلوا منه إلى ما لم يكونوا يصلون إليه فى حياة أبى طالب وخديجة، فلزم بيته وأبى الخروج. فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال: يا محمد، امض لما أردت، وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيّا فاضنعه، لا واللات والعزّى لا يوصل إليك حتى أموت (^١).
وسبّ ابن الغيطلة النبىّ ﷺ فأقبل عليه أبو لهب فنال منه، فولّى يصيح: يا معشر قريش صبأ أبو عتبة. فأقبلت قريش حتى وقفت على أبى لهب [وقالوا له: أفارقت دين عبد المطلب؟] (^٢) فقال: ما فارقت دين عبد المطلب؛ ولكن أمنع ابن أخى أن يضام حتى يمضى لما يريد. فقالوا: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم.
فمكث رسول الله ﷺ كذلك أياما يذهب ويأتى لا يعترض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب؛ فجاء عتبة بن أبى معيط، وأبو جهل إلى أبى لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ فقال أبو لهب: يا محمد أين مدخل أبى؟ فقال: مع قومه. فخرج
_________________
(١) الوفا بأحوال المصطفى ١:٢١٠، وسبل الهدى والرشاد ٢:٥٧٢.
(٢) سقط فى الأصول، والمثبت عن السيرة الحلبية ٢:٥٠، وشرح المواهب ١:٢٩٨
[ ١ / ٣٠٥ ]
إليهما أبو لهب فقال: قد سألته فقال: مع قومه. فقالا: يزعم أنه فى النار. فقال: يا محمد أيدخل عبد المطلب النار؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم، ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب دخل النار. فقال أبو لهب: والله لا برحت لك عدوّا أبدا، وأنت تزعم أن عبد المطلب فى النار. واشتد عليه هو وسائر قريش (^١).
فأرسل الله تعالى إلى نبيّه ﷺ جبريل ﵇ فقال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. ثم ناداه ملك الجبال فسلّم عليه، ثم قال: يا محمد، إنّ الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال، قد بعثنى إليك ربى لتأمرنى بما شئت؛ إن شئت نطبق عليهم الأخشبين (^٢). فقال النبى ﷺ: بل أرجو لهم أن يخرج من أشرارهم-أو قال من أصلابهم-من يعبد الله ولا يشرك به شيئا (^٣).
وفيها فى رمضان-بعد موت خديجة بأيام-تزوّج النبى ﷺ عائشة بنت أبى بكر الصديق، ثم سودة بنت زمعة. ويقال إنه تزوج أوّلا سودة ثم بعدها بشهر عائشة.
_________________
(١) الوفا بأحوال المصطفى ١:٢١٠،٢١١، وسبل الهدى والرشاد ٢: ٥٧٣، وتاريخ الخميس ١:٣٠٢.
(٢) الأخشبان قيل هما جبلان يضافان تارة إلى مكة وهما أبو قبيس وقعيقعان أو الجبل الأحمر الذى يقابل أبا قبيس المشرف على قعيقعان. وتارة يضافان إلى منى وهما الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى تحت المسجد. (شرح المواهب ١:٢٩٨، والسيرة الحلبية ٢:٥٧) وانظر معالم مكة للبلادى ٢٠
(٣) وفى السيرة الحلبية ٢:٥٦ - ٥٨ «أن هذا الخبر بعد عرض النبى ﷺ نفسه على ثقيف بالطائف، وأنهم هم المقصودون فى الخبر بقومه».
[ ١ / ٣٠٦ ]
قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص السلمية، امرأة عثمان بن مظعون: قلت: يا رسول الله، إنى أراك قد دخلتك خلّة لفقد خديجة. فقال: أجل؛ أمّ العيال، وربّة البيت. قلت: ألا أخطب عليك؟ قال: بلى؛ أما إنّكن معشر النساء أرفق بذلك. ثم قالت، قلت: إن شئت بكّرا وإن شئت ثيّبا. قال: فمن البكر؟ قلت:
ابنة أحبّ الخلق إليك عائشة ابنة أبى بكر. قال: ومن الثّيّب؟ قلت: سودة بنت زمعة (^١)؛ قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول.
قال: فاذهبى فاذكريهما علىّ.
فدخلت بيت أبى بكر فقالت: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة!! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلنى رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة. قالت: انتظرى أبا بكر حتى يأتى.
فجاء أبو بكر فقالت: يا أبا بكر، ما أدخل الله عليك من الخير والبركة!! قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلنى رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة. قال: وهل تصلح له؛ إنما هى ابنة أخيه. فرجعت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: ارجعى إليه فقولى له: أنا أخوك وأنت أخى فى الإسلام، وابنتك تصلح لى. فرجعت فذكرت ذلك له، قال: انتظرى، وخرج. قالت أم رومان: إن مطعم بن عدىّ قد كان ذكرها على ابنه، فو الله ما وعد وعدا قطّ فأخلفه-
_________________
(١) هى سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى. توفيت بالمدينة فى شوال سنة ٥٤ فى خلافة معاوية. (وانظر طبقات ابن سعد ٨:٥٢ - ٥٧)
[ ١ / ٣٠٧ ]
يعنى أبا بكر-فدخل أبو بكر على مطعم بن عدىّ-وعنده امرأته أمّ الفتى-فقال: ما تقول فى أمر هذه الجارية؟ فأقبل على امرأته فقال لها: ما تقولين يا هذه؟ فأقبلت على أبى بكر فقالت: يا ابن أبى قحافة لعلّك تصبئ صاحبنا وتدخله فى دينك الذى أنت عليه إن تزوج إليك. فأقبل عليه أبو بكر فقال: ماذا تقول أنت؟ فقال: إنما نقول ما تسمع. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان فى نفسه من عدته التى وعده، فرجع فقال لخولة: ادعى لى رسول الله ﷺ فدعوته، فزوّجها إيّاه على اثنتى عشرة أوقية و؟؟؟ نش-وقيل على أربعمائة درهم-وعائشة يومئذ بنت ست سنين (^١).
ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقلت: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة!! قالت: وما ذاك؟ قلت: أرسلنى رسول الله ﷺ أخطبك عليه. قالت: وددت أدخلى على أبى فاذكرى ذلك له-وكان شيخا كبيرا قد أدركته السن، وتخلّف عن الموسم. فدخلت عليه فحيّيته بتحيّة أهل الجاهلية فقلت: أنعم صباحا. فقال: من أنت؟ قلت: خولة بنت حكيم. فرحّب بها، وقال: ما شاء الله أن يقول، ثم قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلنى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أخطب عليه سودة. فقال:
كفء كريم، فماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذلك. قال:
ادعيها لى. فدعوتها فقال: أى بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:١٥٦، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٤٢،١٤٣، وتاريخ الخميس ١:٣٠٥.
[ ١ / ٣٠٨ ]
الله بن عبد المطلب أرسل يخطبك وهو كفء كريم، أتحبّين أن أزوّجكيه؟ قالت: نعم. قال: ادعيه لى. فجاء رسول الله ﷺ فزوّجها إيّاه، وأصدقها أربعمائة درهم. فجاء أخوها عبد الله بن زمعة من الحجّ فجعل يحثى التراب على رأسه. فقال بعد ما أسلم:
لعمرك إنى لسفيه يوم أحثى فى رأسى التراب أن تزوّج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة (^١).
وفيها اشتد البلاء على رسول الله ﷺ أشد مما كان، ففى ثالث شوال-ويقال: لليال بقين من شوال-بعد ثلاثة أشهر من موت أبى طالب وخديجة خرج النبىّ ﷺ-ومعه زيد بن حارثة- إلى الطائف، فعمد إلى ثقيف رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر هم سادة ثقيف يومئذ وأشرافهم، وهم إخوة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير (^٢) بن عوف، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلّمهم لما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه. فقال له أحدهم: هو يمرط (^٣) أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشئ قط. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ -أو قال: أعجز الله أن يرسل غيرك-وقال الثالث: والله
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:١٥٦،١٥٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٤٢، ١٤٣، والسيرة الحلبية ٢:٤٢،٤٣، وتاريخ الخميس ١:٣٠٥،٣٠٦.
(٢) فى الأصول «ابن عبيد». والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٢٨٥، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢١٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٤٩، والاكتفا ١: ٣٩٥، والسيرة الحلبية ٢:٥٢.
(٣) يمرط: ينتفها ويقطعها، وقيل يسرقها. (السيرة الحلبية ٢:٥٢)
[ ١ / ٣٠٩ ]
لا أكلمك كلمة بعد مجلسك هذا أبدا؛ والله لئن كنت رسولا من الله-كما تقول-لأنت أعظم شرفا وحقّا وخطرا من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله لأنت أشرّ من أن أكلمك.
وتهزّءوا به. فقام رسول الله ﷺ وهو يئس من خير ثقيف، وفشا كلام الأخوة الثلاثة-فى قومهم-الذى راجعوا النبىّ ﷺ به.
وأقام النبىّ ﷺ بالطائف شهرا-وقيل عشرة أيام-يدعوهم إلى الإسلام، لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلّمه؛ فلم يستجيبوا له، ولم يجد منهم خيرا، وخافوا على أحداثهم فقالوا:
يا محمد، أخرج من بلدنا والحق بمحالك (^١) من الأرض، وأغروا به سفهاءهم؛ فقاموا له صفّين على طريقه، فلما مرّ رسول الله ﷺ بين صفيهم جعلوا يسبّونه ويرمونه بالحجارة حتى أدموا كعبيه-وزيد يقيه بنفسه حتى لقد شجّ فى رأسه شجاجا-ويقال: إنهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه، واجتمع عليه الناس فخلص منهم ورجلاه تسيلان بالدماء.
وألجئوه إلى حائط (^٢) لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه/، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس إليه، وهو مكروب موجع تسيل رجلاه دما،
_________________
(١) كذا فى م، هـ. ولكن هـ أعجمت الجيم. وفى ت «بحالك» وفى طبقات ابن سعد ١:٢١٢ «بمجابك». وفى الوفا بأحوال المصطفى ١:٢١٢، وشرح المواهب ١:٢٩٧، وتاريخ الخميس ١:٣٠٢ «بمحابك» وفى السيرة الحلبية ٢:٥٢ «بمنجاتك».
(٢) الحائط: هو البستان. (السيرة الحلبية ٢:٥٣)
[ ١ / ٣١٠ ]
وابنا ربيعة ينظران إليه، ويرقّان لما لقى من سفهاء ثقيف، فلما رآهما كره مكانهما؛ لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله.
فلما اطمأن قال: اللهم إليك أشكو ضعف قوّتى، وقلّة حيلتى، وهوانى على الناس. يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى، إلى بعيد يتجّهمنى، أم إلى عدو ملّكته أمرى (^١)؟ إن لم يكن بك علىّ غضب فلا أبالى، ولكن عافيتك هى أوسع لى. أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بى غضبك، أو يحلّ على سخطك؛ لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.
فلما رأى عتبة وشيبة ابنا ربيعة ما لقى تحرّك له رحمهما، فدعيا لهما غلاما نصرانيا من أهل نينوى يقال له عدّاس فقالا له:
خد قطفا من هذا العنب، وضعه فى ذلك الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له: يأكل منه. ففعل، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله ﷺ، فلما وضع رسول الله ﷺ يده قال: بسم الله، ثم أكل. فنظر عدّاس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة. فقال له رسول الله ﷺ: ومن أى البلاد أنت؟ وما دينك؟ قال: أنا نصرانىّ، وأنا رجل من أهل نينوى.
فقال له رسول الله ﷺ: من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟ قال له عدّاس: وما يدريك ما يونس بن متّى؟ قال: ذاك أخى كان
_________________
(١) وفى شرح المواهب ١:٣٠٤ «والاستفهام للاستعطاف».
[ ١ / ٣١١ ]
نبيّا وأنا نبىّ-ويقال، فقال له النبى ﷺ-وكان لا يحقر أحدا أن يبلغه رسالة ربّه-: أنا رسول الله، والله أخبرنى خبر يونس بن متّى.
فلما أخبره بما أوحى الله إليه من شأن يونس بن متّى أكبّ عدّاس على رسول الله ﷺ فقبّل رأسه ويديه ورجليه-وهما يسيلان الدماء.
قال، يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما قالا له: ويلك يا عدّاس، مالك تقبّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه، ولم نرك فعلته بأحد منا؟! فقال:
يا سيدى، ما فى الأرض خير من هذا؛ لقد أخبرنى بأمر لا يعلمه إلا نبى-ويقال: فقال عداس: هذا رجل صالح؛ أخبرنى بشئ عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متّى. فضحكا به وقالا له: لا يفتنك عن نصرانيتك؛ فإنه رجل خدّاع.
ثم رجع النبىّ ﷺ إلى مكة وهو حزين، فلما كان بنخلة- وهى على مرحلة من مكّة-قام يصلّى من الليل، فصرف الله سبعة من جنّ نصيبين فاستمعوا له وهو يتلو سورة الجن، ولم يشعر بهم حتى نزل عليه ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (^١) فآمنوا به.
_________________
(١) سورة الأحقاف آية ٢٩. وانظر سيرة النبى لابن هشام ٢:٢٨٤ - ٢٨٧، وطبقات ابن سعد ١:٢١٠ - ٢١٢، ودلائل النبوة ٢:١٥٩ - ١٦١، والاكتفا ١:٣٩٣ - ٣٩٩، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢١١ - ٢١٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:١٤٩ - ١٥٣، وشرح المواهب ١:٢٩٦ - ٣٠٦، والسيرة الحلبية ٢:٥٢ - ٦١، وتاريخ الخميس ١:٣٠٢ - ٣٠٥.
[ ١ / ٣١٢ ]
وأقام رسول الله ﷺ بنخلة أيّاما، فقال له زيد: كيف تدخل عليهم وهم أخرجوك؟ -يعنى قريشا-فقال ﷺ: يا زيد إنّ الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه (^١).
فلما انتهى النبىّ ﷺ إلى حراء أرسل رجلا من خزاعة (^٢) إلى الأخنس بن شريق فقال له: هل أنت مجيرى حتى أبلّغ رسالة ربى؟ فقال الأخنس: إن الحليف لا يجير على الصريح. فأتى النبىّ ﷺ فأخبره قال: تعود؟ قال: نعم. قال: فأت سهيل بن عمرو فقل له إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيرى حتى أبلّغ رسالات ربى؟ فقال له ذلك، فقال: إن بنى عامر بن لؤى لا يجيرون على بنى كعب بن لؤى. فرجع إلى النبى ﷺ فأخبره، قال: تعود؟ قال: نعم. قال: فأت المطعم بن عدى فقل له: إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيرى حتى أبلغ رسالات ربى؟ قال: نعم فليدخل.
فرجع إليه وأخبره.
ودعا المطعم بنيه وقومه وقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت؛ فإنى قد أجرت محمدا. فدخل ﷺ ومعه زيد بن حارثة لثلاث وعشرين ليلة خلت من ذى القعدة حتى دخل المسجد، وانتهى إلى الركن فاستلمه، فقام المطعم بن عدى على راحلته فقال: يا معشر قريش، إنى قد أجرت محمدا فلا يهيجه (^٣)
_________________
(١) طبقات ابن سعد ١:٢١٢، وشرح المواهب ١:٣٠٦.
(٢) واسمه عبد الله بن أريقط كما فى سبل الهدى والرشاد ٢:٥٨٠، وشرح المواهب ١:٣٠٦.
(٣) كذا فى الأصول. وفى طبقات ابن سعد ١:٢١٢ «فلا يهجه».
[ ١ / ٣١٣ ]
أحد منكم. فانتهى النبى ﷺ إلى الحجر فاستلمه، وصلّى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدى وولده يطوفون به.
ويقال: إن المطعم لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه، فدخلوا المسجد، فلما رأى أبو جهل المطعم قال: أمجير أم متابع؟ قال:
بل مجير. قال: أجرنا من أجرت. فدخل النبىّ ﷺ مكّة وأقام بها (^١).
وفيها مات بمكة-وقيل بالحبشة-السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبدودّ (^٢).
***