فيها-ويقال: فى السنة العشرين-هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها كنانة، وبين قيس عيلان، وكان الذى هاجها أنّ النعمان ابن المنذر بعث بلطيمة (^٢) له إلى سوق عكاظ للتجارة، وأجارها له عروة الرحّال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، فقال البرّاض بن قيس: أحد بنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة: أتجيرها على كنانة؟ قال: نعم. وعلى الخلق. فخرج عروة الرّحّال، وخرج البرّاض يطلب غفلته، حتى إذا كان بتيمن (^٣) ذى طلال بالعالية غفل عروة فوثب عليه البرّاض فقتله فى الشهر الحرام، وهرب إلى خيبر واختفى بها. وقال البرّاض فى ذلك:-
_________________
(١) وانظر مناقشة الصالحى لهذا الخبر فى سبل الهدى والرشاد ٢:١٩٣، ١٩٤، وما جاء فى السيرة الحلبية ١:١٩٦.
(٢) اللطيمة: عير تحمل الطيب والبز وغيرهما للتجارة. (السيرة الحلبية ١:٢٠٩)
(٣) تيمن ذى طلال: واد إلى جنب فدك فى قول بعضهم والصحيح أنه بعالية نجد. (معجم البلدان ياقوت)
[ ١ / ١٠٩ ]
وداهية تهمّ الناس قبلى … شددت لها-بنى بكر-ضلوعى
هدمت بها بيوت بنى كلاب … وأرضعت الموالى بالضروع
رفعت له يدىّ بذى طلال (^١) … فخّر يميد كالجذع الصّريع
وقال لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب:/
وأبلغ إن عرضت بنى كلاب … وعامر والخطوب لها موالى
وبلّغ إن عرضت بنى نمير … وأخوال القتيل بنى هلال
بأنّ الوافد الرّحّال أمسى … مقيما عند تيمن ذى طلال (^٢)
فى أبيات.
وكان البرّاض لقى بشر بن أبى حازم الأسدى الشاعر فأخبره الخبر، وأمره أن يعلم بذلك عبد الله بن جدعان، وهشام بن المغيرة، وحرب بن أمية، ونوفل بن معاوية؛ فوافى عكاظ فأخبرهم، فخرجوا متوالين منعكسين (^٣) إلى الحرم، وهوازن لا تشعر، ثم بلغهم الخبر آخر ذلك اليوم. فقال أبو عامر بن مالك بن جعفر: ما كنا من قريش إلا فى خديعة. فخرجوا فى آثارهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل ودخلوا الحرم، فأمسكت عنهم هوازن، ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما والقوم متساندون، على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم، وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم.
_________________
(١) وفى شفاء الغرام ٢:٩٢ «… رفعت له بذى طلال كفى»
(٢) المرجع السابق ٢:٩٢.
(٣) كذا فى الأصول. وفى طبقات ابن سعد ١:١٢٧ «فخرجوا موائلين منكشفين».
[ ١ / ١١٠ ]
وشهد رسول الله ﷺ بعض أيّامهم؛ أخرجه أعمامه معهم. وقال رسول الله ﷺ: كنت أنبّل على أعمامى: أى أردّ عليهم نبل عدوّهم إذا رموا بها (^١).
ويقال: فخرجت هوازن فى إثر قريش فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، فناداهم رجل من بنى عامر يقال له الأدرم بأعلى صوته: إنّ ميعادا بيننا وبينكم هذه الليالى من قادم-ولم يقم تلك السنة سوق عكاظ.
فمكثت قريش وغيرها من كنانة وأسد بن خزيمة، ومن لحق بهم من الأحابيش يتأهبون لهذه الحرب، ثم حضروا من قابل- ورؤساء قريش عبد الله بن جدعان، وهشام بن المغيرة، وحرب بن أمية، وأبو أحيحة سعيد بن العاص، وعتبة بن ربيعة، والعاص بن وائل، ومعمر بن حبيب الجمحىّ، وعامر بن عكرمة بن هشام.
وكان قائدهم حرب بن أمية بن عبد شمس، ويقال: بل أمرهم إلى عبد الله بن جدعان.
وكان فى قيس أبو براء عامر بن مالك بن جعفر، وسبيعة بن ربيعة، ودريد بن الصّمّة، ومسعود بن معتّب، وعوف بن حارثة؛ فهؤلاء الرؤساء. ويقال: بل كان أمرهم جميعا إلى أبى براء، وكانت الراية بيده، وهو الذى سوّى صفوفهم.
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ١:١٢٠، وطبقات ابن سعد ١:١٢٦، وشفاء الغرام ٢:٩٢، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٠٥، والسيرة الحلبية ١:٢٠٩، وتاريخ الخميس ١:٢٥٩.
[ ١ / ١١١ ]
فالتقوا. وكانت الدائرة أوّل النهار لقيس على قريش وكنانة، ثم صارت الدائرة آخر النهار لقريش وكنانة على قيس؛ فقتلوهم قتلا ذريعا حتى نادى عتبة بن ربيعة يومئذ-وإنه لشاب ما كملت له ثلاثون سنة-إلى الصلح، فاصطلحوا على أن عدّوا (^١) القتلى، وودت قريش لقيس ما قتلت، وانصرفت قريش.
وقد قال رسول الله ﷺ-وذكر الفجار الأوّل: قد حضرته مع عمومتى ورميت فيه بأسهم، وقال: أحبّ أنى لم أكن فعلت (^٢).
ويقال: لما توافت كنانة وقيس من العام المقبل بعكاظ بعد العام الأول الذى كانوا التقوا فيه، ورأس الناس حرب [بن أمية] (^٣) خرج معه عتبة بن ربيعة-وهو يومئذ فى حجر حرب-فمنعه أن يخرج، وقال: يا بنى أنا [أضن] (^٤) بك. فاقتاد راحلته وتقدّم فى أوّل الناس، فلم يدر به حرب إلاّ وهو فى العسكر.
قال حكيم بن حزام: فنزلنا عكاظ، ونزلت هوازن بجمع كثير. فلما أصبحنا ركب عتبة جملا ثم صاح فى الناس: يا معشر مضر، علام تفانون بينكم؟ هلموا إلى الصلح. فقالت هوازن:
_________________
(١) كذا فى الأصول، وطبقات ابن سعد ١:١٢٨. ولعلها «على أن يدوا القتلى».
(٢) كذا فى الأصول. وفى طبقات ابن سعد ١:١٢٨ «وما أحب أنى لم أكن فعلت».
(٣) إضافة للتوضيح.
(٤) إضافة بقتضيها السياق، وانظر عيون الأثر ١:٤٦، والسيرة الحلبية ١: ٢١٠.
[ ١ / ١١٢ ]
وماذا تعرض؟ قال: أعرض أن أعطى دية من أصيب. قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. قالوا: قد قبلنا.
واصطلح الناس، ورضوا بما قال عتبة، وأعطوهم أربعين رجلا من فتيان قريش-وكنت فيهم-فلما أن رأت بنو عامر أن الرّهن قد صار فى أيديهم رغبوا فى العفو فأطلقوهم (^١).
***