فيها فى يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم كانت سرية عبد الله ابن أنيس وحده إلى سفيان بن (^٢) خالد بن نبيح الهذلى ثم اللحيانى بعرنة-وهو وادى عرفة (^٣) -وذلك أنه بلغ النبى ﷺ أن سفيان ابن خالد نزل عرفة وما حولها فى ناس يجمع لحربه، وضوى إليه بشر كثير من أفناء العرب، فدعا النبى ﷺ عبد الله بن أنيس فقال:
_________________
(١) فى الأصول «فى زمن» والمثبت عن مغازى الواقدى ١:٣٣٢.
(٢) كذا فى الأصول، وطبقات ابن سعد ٢:٥٠، وعيون الأثر ٢:٣٩، وتاريخ الخميس ١:٤٥٠. وفى الاكتفا ٢:٤١٧ «خالد بن سفيان».
(٣) ويقال: بطن عرنة واد بحذاء عرفات، ويقال بطن عرنة مسجد عرفة والمسيل كله، وله ذكر فى الحديث، وهو بطن عرفة. (معجم البلدان لياقوت).
[ ١ / ٤٣٥ ]
إنه بلغنى أن سفيان بن خالد بن نبيح الهذلى جمع لى الناس ليغزونى وهو بنخلة (^١) أو بعرنة (^٢) فاقتله، وقال: انتسب إلى خزاعة.
فقال عبد الله: يا رسول الله انعته لى حتى أعرفه. قال ﷺ: إنك إذا رأيته هبته وفرقت منه وذكرت الشيطان، وآية ذلك أن تجد له قشعريرة إذا رأيته. فاستأذن النبى ﷺ فى القول، فأذن له، فأخذ سيفه وتوشّح به. وخرج حتى إذا كان ببطن عرنة (^٣) لقى سفيان يمشى ووراءه الأحابيش، فهابه، وعرفه بالنعت الذى نعت له رسول الله ﷺ-وقد دخل العصر-قال عبد الله: فلما رأيته وجدت ما وصف لى رسول الله ﷺ من القشعريرة، فأخذت نحوه، وخشيت أن يكون بينى وبينه مجاولة تشغلنى عن الصلاة، فصليت وأنا أمشى نحوه (^٤) وأومئ برأسى، فلما انتهيت إليه قال: من (^٥) الرجل؟ قلت: رجل من العرب-أو قال رجل من خزاعة-سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك. فقال: أنا فى ذلك. فمشيت معه أحادثه وأنشده، وقلت: عجبا لما أحدث محمد من هذا الدين
_________________
(١) فى الأصول «بنجد» والتصويب عن الاكتفا ٢:٤١٨، وتاريخ الخميس ١:٤٥
(٢) فى الأصول «بعرفة» والتصويب عن المرجعين السابقين.
(٣) فى الأصول «عرفة» والتصويب عن عيون الأثر ٢:٣٩، وطبقات ابن سعد ٢:٥١.
(٤) فى الأصول «خلفه» والمثبت عن الاكتفا ٢:٤١٨، وتاريخ الإسلام للذهبى ١:٢٧١.
(٥) فى الأصول «ممن» والمثبت عن الاكتفا ٢:٤١٨، وطبقات ابن سعد ٢: ٥١، وتاريخ الإسلام للذهبى ١:٢٧١.
[ ١ / ٤٣٦ ]
المحدث؛ فارق الآباء وسفّه أحلامهم!! فقال سفيان: لم يلق محمد من يشبهنى. حتى انتهى إلى خبائه وتفرّق عنه أصحابه، فقال: يا أخا خزاعة. فدنوت منه وجلس عندى حتى نام الناس، فحملت عليه بالسيف حتى قتلته، ثم خرجت-وتركت ظعائنه منكبات عليه-حتى قدمت على النبى ﷺ-ويقال إن سفيان بن خالد لما رقد اغتره عبد الله بن أنيس فقتله، وأخذ رأسه فدخل به غارا فى الجبل وضربت عليه العنكبوت، وجاء الطلب فلم يروا شيئا فانصرفوا راجعين. وخرج فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى قدم المدينة فى يوم السبت لسبع بقين من المحرم.
وفيها لهلال ذى القعدة كانت غزوة بدر الموعد، وسببها أن أبا سفيان بن حرب لما أراد أن ينصرف يوم أحد نادى: موعد بيننا وبينكم بدر الصغرى (^١) برأس الحول نلتقى فيه فنقتتل. فقال عمر بن الخطاب-وقد أمره رسول الله ﷺ: نعم إن شاء الله.
وكانت بدر الصغرى مجمعا للعرب فى سوق يقام لهلال ذى القعدة إلى ثمان منه، فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج وأحب
_________________
(١) كذا فى الأصول، وفى نهاية الخبر فى طبقات ابن سعد ٢:٦٠ «وهى غزوة بدر الصغرى» وفى شرح المواهب ٢:٩٣ «غزوة بدر الأخيرة وهى الصغرى-لعدم وقوع حرب فيها فكانت صغرى بالنسبة للكبرى؛ فهى تسمية اصطلاحية للتمييز». وفى مغازى الواقدى ١:٣٨٤، وطبقات ابن سعد ٢:٥٩، والإمتاع ١:١٨٣، وسبل الهدى والرشاد ٤:٤٧٨ «بدر الصفراء». وفى معجم البلدان لياقوت «وبدر الموعد، وبدر القتال، وبدر الأولى والثانية، كله موضع واحد … وبدر ماء مشهور بين مكة والمدينة أسفل وادى الصفراء، بينه وبين الجار-وهو ساحل البحر-ليلة».
[ ١ / ٤٣٧ ]
ألا يوافى رسول الله ﷺ الموعد (^١)، وكان يظهر أنه يريد الغزو فى جمع كثير، فبلغ أهل المدينة أنه يجمع الجموع ويسير فى العرب، فتأهب المسلمون له.
وقدم نعيم بن مسعود الأشجعى مكّة فأخبر أبا سفيان وقريشا بتهيّؤ المسلمين لحربهم-وكان عام جدب-فأخبره أبو سفيان بأنه كاره للخروج إلى لقاء المسلمين، واعتل بجدب الأرض، وجعل له عشرين فريضة توضع تحت يد سهيل بن عمرو على أن يخذّل المسلمين عن المسير لموعده، وحمله على بعير، فقدم المدينة وأرجف بكثرة جموع أبى سفيان حتى رعّب المسلمين، وهو يطوف فيهم حتى قذف الرعب فى قلوب المسلمين، ولم تبق لهم نيّة فى الخروج، واستبشر المنافقون واليهود وقالوا: محمد لا يفلت (^٢) من هذا الجمع. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج النبى ﷺ فى ألف وخمسمائة ومعه عشرة أفراس حتى وافى بدرا، وأقاموا بها ثمانية أيام-والسوق قائمة-وانصرف راجعا فأنزل الله تعالى ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (^٣)
ويقال إن أبا سفيان خرج فى ألفين ومعهم خمسون فرسا حتى بلغ عسفان وقيل مجنّة من ناحية مرّ (^٤) الظهران، ثم رجع لجدب البلاد فسماهم أهل مكة جيش السّويق.
_________________
(١) سقط فى ت، والمثبت من م والإمتاع ١:١٨٣.
(٢) كذا فى ت، ومغازى الواقدى ١:٣٨٦. وفى م والإمتاع ١:١٨٤ «لا يغلب».
(٣) سورة آل عمران آية ١٧٤.
(٤) فى الأصول «من» والتصويب عن طبقات ابن سعد ٢:٦٠، ومعجم البلدان لياقوت، والسيرة الحلبية ٢:٥٨٠، وشرح المواهب ٢:٩٣، وتاريخ الخميس ١:٤٦٥.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وانطلق معبد بن أبى معبد الخزاعى سريعا-بعد انقضاء الموسم-إلى مكة، وأخبر بكثرة المسلمين وأنهم أهل ذلك (^١) الموسم، وأخبرهم بما قال رسول الله ﷺ للضّمرى.
فأخذوا فى الكيد والنفقة (^٢) فى قتال رسول الله ﷺ، واستجلبوا من حولهم من العرب، وجمعوا الأموال؛ فضربوا البعث على أهل مكة، فلم يترك أحد منهم إلا أن يأتى بمال، ولم يقبل من أحد أقلّ من أوقية لغزو الخندق. وأنزل الله ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (^٣) يعنى نعيم بن مسعود.
***