فيها-ويقال فى التى قبلها، ويقال فى السنة الخامسة-نزل جبريل وميكائيل من السماء فشقّا صدر النبى ﷺ المقدس، وهو فى بنى سعد بن بكر عند حليمة مرضعته؛ وذلك أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يغدو مع أخيه وأخته فى البهم قريبا من الحىّ، فبينما هم يوما يلعبون فى البهم خلف البيوت، قالت حليمة: إذ أتانا أخوه يشتدّ ويصيح: يا أماه أدركى أخى القرشى فإنه قد قتل. ويقال: إنه قال: ذاك أخى القرشى أخذه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه فشقّا بطنه، فهما يسوطانه. فخرجت أنا وأبوه نحوه نعدوا، فوجدناه
_________________
(١) تاريخ الطبرى ٤:٤٧، وانظر الإصابة ٢:٣٤١ - ٣٤٤.
(٢) لم يرد هذا الاسم فى م. وكذا فى دلائل النبوة ١:٢٩٦، وتاريخ الخميس ١:٢٣٩.
[ ١ / ٧٢ ]
قائما منتقع اللون، فجعلت أضمه إلىّ مرّة وأبوه مرّة، ونقول:
ما شأنك؟ فيقول: لا أدرى، إلا أنه أتانى رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوء ثلجا، فأخذانى فأضجعانى فشقّا بطنى، فاستخرجا قلبى فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوادء-أو قال شيئا- فطرحاها-ويقال: فاستخرجا منه مغمز الشيطان وعلق الدم-ثم غسلا بطنى وقلبى بذلك الثلج حتى أنقياه، وجعلا الخاتم بين كتفىّ، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمّته، فوزننى بعشرة فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته، فوزننى بهم فوزنتهم، ثم قال:
زنه بألف من أمته، فوزننى بهم فوزنتهم، فقال: دعه فلو وزنته بأمته لوزنها (^١).
قالت حليمة: فرجعنا به معنا إلى خيامنا، وقال أبوه:
يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فبادرى به أهله فألحقيه بهم قبل أن يتفاقم به الأمر عندنا، وقبل أن يظهر ذلك به. فلم تكن لى همّة إلا أن أتيت مكّة فأتيت به أمّه، فقلت:
يا ظئر (^٢) هذا ابنى قد فصلته وارتفع عن العاهة. فقالت: ما أقدمك به يا ظئر، ومالك زاهدة فيه-وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك-وقد كنت قبل اليوم تسألين أن أتركه عندك؟! فقلنا: لا والله يا ظئر إلا أن الله قد أدى عنّا، وقضينا الذى علينا،/وقلنا نخشى الأتلاف والأحداث نردّه على أهله، فأدّيت أمانتى وذمّتى عليك كما تحبين. قالت: ما هذا شأنكما فاصدقانى خبركما. فلم
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ١:١٠٦، وتاريخ الطبرى ٢:١٣٠.
(٢) نداء حليمة للسيدة آمنة بيا ظئر من باب المجاز لأن الظئر هى المرضع لغير ولدها.
[ ١ / ٧٣ ]
تدعنا حتى أخبرناها، فلم يرعها ذلك، قالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ قلت: نعم. قالت: كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل (^١) -ويقال قالت آمنة: لا تخافى هذا؛ فإن ابنى هذا معصوم من الشيطان. أو كلام هذا معناه-وإنه لكائن لابنى هذا شأن من الشأن، ألا أخبركما خبره؟ قلنا: بلى. قالت: حملت به فما حملت قط حملا (^٢) أخف منه، فأريت فى المنام حين حملت به كأنّه خرج منى نور أضاءت له قصور الشام، ثم وقع حين ولدته وقوعا ما يقعه المولود؛ معتمدا على يديه، رافعا رأسه إلى السماء، فدعاه عنكما وانطلقا راشدين.
ويقال: إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يلعب مع الصبيان فأتاه آت فأخذه فصرعه فشق عن صدره فاستخرج القلب، ثم شق القلب فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظّ الشيطان منك. فغسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه
_________________
(١) الخصائص الكبرى ١:١٣٦.
(٢) وفى سبل الهدى والرشاد ١:٤٨١ «يفهم [من قول آمنة] أنها حملت بغيره ﷺ، وقد ورد ما هو أصرح منه؛ قال ابن سعد، أخبرنا عمرو بن عاصم، أخبرنا همام، عن أسحاق بن عبد الله قال: قالت أم النبى ﷺ: قد حملت الأولاد فما حملت أخف منه. قال ابن سعد ﵀، قال محمد بن عمر الواقدى: وهذا مما لا يعرف عندنا ولا عند أهل العلم، لم تلد آمنة ولا عبد الله غير النبى ﷺ. ونقل عن ابن الجوزى قوله أجمع علماء النقل على أن آمنة لم تحمل بغير رسول الله ﷺ، ومعنى قولها لم أحمل حملا أخف منه خرج على وجه المبالغة، أو على أنه وقع اتفاقا. ويعلق محقق الخصائص الكبرى ١:١٣٦ بقوله: معلوم أن آمنة لم تحمل بغير رسول الله ﷺ فإنها لم تتزوج بعد زوجها عبد الله؛ فلعل الرواية حملا بكسر الحاء.
[ ١ / ٧٤ ]
فأعاده فى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه-يعنى ظئره-فقالوا:
قتل محمد. فجاءوا فاستقبلهم النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم وهو منتقع اللون، فسألت حليمة ابنها: ما رأيت؟ قال؟ رأيت طائرين أبيضين وقعا، فقال أحدهما: أهو هو؟ فقال: نعم. فأخداه فسلقاه (^١) على ظهره فشقّا بطنه، وأخرجا ما كان فى بطنه، ثم قال أحدهما: إيتنى بماء ثلج. فجاء به فغسل بطنه، ثم قال: إيتنى بماء برد. فجاء به فغسل بطنه، ثم أعاده كما هو.
فلما رأوا ما أصابه شاورت أمّه أباه وقالت: ترى أن نرده على أمه؟ إنا نخاف أن يصيبه عندنا ما هو أشدّ من هذا، فنردّه إلى أمه فيعالج؛ فإنى أخاف أن يكون به لمم، إن هذا أعظم مولود رآه أحد بركة، والله إن أصابه إلا حسد من آل فلان؛ لما يرون من عظم بركته منذ كان بين أظهرنا. قال أبوه: يا حليمة أخذناه ولنا عشرة أعنز عجاف، فغنمنا اليوم ثلاثمائة. قالت: إنى أخاف عليه.
قالت حليمة: فاحتملناه فقدمنا به على أمه (^٢).
وقيل: إن رجلا سأل النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقال:
كيف كان أوّل شأنك يا رسول الله؟ فقال: كانت حاضنتى من بنى سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها فى بهم لنا ولم نأخذ لنا زادا، فقلت:
يا أخى اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا-فانطلق أخى-وكنت (^٣)
_________________
(١) سلقاه: يقال سلقه الطبيب أى مده على ظهره. (المعجم الوسيط)
(٢) دلائل النبوة ١:٢٩٣، السيرة النبوية لابن كثير ١:٢٣١، سبل الهدى والرشاد ١:٤٧٤.
(٣) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ١:٢٩٥، والوفا بأحوال المصطفى ١: ١١١ «ومكثت».
[ ١ / ٧٥ ]
عند البهم-فأقبل علىّ طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدرانى (^١)، فأخذانى فبطحانى إلى القفا فشقّا بطنى، ثم استخرجا قلبى فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتنى بماء ثلج. فغسلا به جوفى، ثم قال: ائتنى بماء برد. فغسلا به قلبى، ثم قال: أئتنى بالسكينة. فذراها فى قلبى، ثم قال أحدهما لصاحبه:
حصه (^٢). فحاصه، وختم عليه بخاتم النّبوّة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله فى كفّة واجعل ألفا من أمته فى كفّة. قال رسول الله ﷺ: فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقى أشفق أن يخرّ علىّ بعضهم. فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم. ثم انطلقا وتركانى- وقد فرقت فرقا شديدا-ثم انطلقت إلى أمّى فأخبرتها بالذى لقيت، فأشفقت أن يكون قد التبس بى، فقالت: أعيذك بالله.
ورحّلت (^٣) بعيرا لها، وحملتنى على الرّحل، وركبت خلفى حتى بلغنا إلى أمى، فقالت: أدّيت أمانتى وذمّتى، وحدثتها بالذى لقيت، فلم يرعها ذلك، وقالت: إنى رأيت خرج منى نور أضاءت له قصور الشام.
ويقال: لما قدمت به حليمة إلى أمه قالت أمه: ما أقدمك به
_________________
(١) كذا فى هـ، ودلائل النبوة ١:٢٩٥. وفى ت، م، والوفا بأحوال المصطفى ١:١١١ «يبتدران».
(٢) كذا فى م، هـ، ودلائل النبوة ١:٢٩٥. وفى ت «خيطه مخاطه» وفى الوفا بأحوال المصطفى ١:١١١ «خطه» -والمعنى واحد.
(٣) كذا فى م، هـ ودلائل النبوة ١:٢٩٥. وفى ت «ثم رحلت».
[ ١ / ٧٦ ]
ياظئر-وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟! فقالت: نعم قد بلّغ الله بابنى، وقضيت الذى علىّ، وتخوّفت الأحداث عليه؛ فأدّيت أمانتى وذمّتى عليك كما تحبّين. قالت: ما هذا شأنك!! فاصدقينى خبرك. فلم تدعنى حتى أخبرتها بالذى لقيت، فلم يرعها ذلك وقالت: أتخوّفت عليه الشيطان؟ قلت: نعم. قالت:
كلاّ والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإنه لكائن لابنى هذا لشأن من الشأن، أفلا أخبرك خبره؟ قلت: بلى. قالت: إنى حملت به، فو الله ما رأيت من حمل قط كان أخفّ ولا أيسر منه علىّ، ولا أعظم بركة؛ رأيت نورا كأنه شهاب خرج منى حين وضعته أضاءت له قصور بصرى-ويروى أعناق الإبل ببصرى-من أرض الشام، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يده بالأرض رافعا رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقى راشدة (^١).
وقيل: إن شيخا من بنى عامر جاء إلى النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: يا ابن عبد المطلب، إنى أنبئت أنّك تزعم أنك رسول الله إلى الناس، فأنبئنى بحقيقة ذلك، وبدء شأنك. فقال:
يا أخا بنى عامر، إن حقيقة قولى وبدء شأنى دعوة إبراهيم، وبشرى أخى عيسى بن مريم، وأن أمى لما ولدتنى كنت مسترضعا فى بنى ليث بن بكر. فبينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلى فى بطن واد مع أتراب لى من الصبيان، إذ أنا برهط ثلاثة معهم طست من ذهب ملئ ثلجا. فأخذونى من بين أصحابى، فخرج أصحابى هرابا حتى انتهوا إلى
_________________
(١) الوفا بأحوال المصطفى ١:١١٠.
[ ١ / ٧٧ ]
شفير الوادى. ثم أقبلوا على الرّهط فقالوا: ما أربكم إلى هذا الغلام؟ فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا؛ غلام يتيم ليس له أب، فماذا يرد عليكم قتله؟ فإن كنتم لا بد قاتليه فاختاروا منّا أيّنا شئتم فاقتلوه. فلما رأى الصبيان أن القوم لا يحيرون إليهم جوابا انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحىّ يستصرخونهم. فعمد أحدهم فأضجعنى على الأرض إضجاعا لطيفا. ثم شقّ ما بين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى-وأنا أنظر إليه (^١) -فصدعه، ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها، ثم مال بيده يمنه ويسرة كأنه يتناول شيئا. فإذا أنا بخاتم فى يده من نور، يحار الناظرون دونه، فختم قلبى فامتلأ نورا، ثم أعاده مكانه، فوجدت برد ذلك الخاتم فى قلبى دهرا. ثم قال الثالث لصاحبه: تنحّ، فنحاه عنى، فأمرّ يده ما بين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى؛ فالتأم ذلك الشق بإذن الله. ثم أخذ بيدى فأنهضنى من مكانى إنهاضا لطيفا. ثم قال للأوّل الذى شق بطنى: زنه بعشرة من أمته. فوزننى بهم فرجحتهم، ثم قال:
زنه بمائة. فوزنونى بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته فوزنونى فرجحتهم، فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم. ثم ضمونى إلى صدورهم وقبلوا رأسى [وما] (^٢) بين عينىّ، ثم قالوا: يا حبيب الله لم ترع إنك لو تدرى ما يراد بك من الخير لقرّت عيناك.
_________________
(١) فى تاريخ الطبرى ٢:١٢٨، والوفا بأحوال المصطفى ١:١١٢، والخصائص الكبرى ١:١٤١ «وأنا أنظر إليه لم أجد لذلك مسا، ثم أخرج أحشاء بطنى، ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها، ثم قام الثانى وقال لصاحبه: تنح. ثم أدخل يده فى جوفى فأخرج قلبى وأنا أنظر إليه فصدعه … الخ».
(٢) إضافة عن تاريخ الطبرى ٢:١٢٩، والخصائص الكبرى ١:١٤١. وفى الوفا بأحوال المصطفى ١:١١٣ «وقبلوا ما بين رأسى وبين عينى».
[ ١ / ٧٨ ]
فبينا نحن كذلك إذا بالحىّ قد حلّوا بحذافيرهم، وإذا أمى- وهى ظئرى-أمام الحىّ تهتف بأعلى صوتها وهى تقول: يا ضعيفاه.
فأكبوا علىّ فقبلوا رأسى وما بين عينىّ، فقالوا: حبذا أنت من ضعيف، ثم قالت ظئرى: يا يتيماه مستضعف أنت من بين أصحابك فقتلت لضعفك، ثم ضمتنى إلى صدرها. فو الذى نفسى بيده إنى لفى حجرها وإن يدى لفى يد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم فإذا هم لا يبصرونهم، فقال بعض/ القوم: إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجن؛ فانطلقوا به إلى كاهننا (^١) لينظر إليه ويداويه. فقلت: ما بى شئ مما يذكر.
فقال أبى-وهو زوج ظئرى-: ألا ترون كلامه كلام صحيح؟ إنى لأرجو ألاّ يكون بابنى بأس. فاتفقوا على أن يذهبوا بى إلى الكاهن، فذهبوا بى إليه؛ فقصّوا عليه قصتى. فقال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام؛ فإنه أعلم بأمره منكم، فسألنى. فقصصت عليه أمرى، فوثب إلىّ وضمنى إلى صدره ثم نادى: يا آل العرب، اقتلوا هذا الغلام واقتلونى معه. واللات والعزّى لئن تركتموه وأدرك ليبدّلن دينكم. ثم احتملونى، فذلك بدء شأنى.
يقال: إن حليمة قالت: لمّا فطمت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تكلم كلاما عجيبا؛ سمعته يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. فلما ترعرع كان
_________________
(١) فى الأصول «كاهنتنا» والمثبت عن المراجع السابقة، ويرجحه ما سيرد من أنهم اتفقوا على أن يذهبوا به إلى الكاهن.
[ ١ / ٧٩ ]
يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم، فقال لى يوما من الأيام:
يا أمّاه. مالى لا أرى إخوتى بالنهار؟ قلت: فداء لك نفسى، يرعون غنما لنا فيروحون من ليل إلى ليل. فأسبل عينيه وبكى وقال: يا أمّاه، فما أصنع هاهنا وحدى؟ ابعثينى معهم. قلت: أو تحبّ ذلك؟ قال: نعم. فلما أصبح دهنته وكحّلته وقمّصته، وعمدت إلى خرزة جزع يمانية فعلقت (^١) فى عنقه من العين؛ فأخذ عصا وخرج مع إخوته، فكان يخرج مسرورا ويرجع مسرورا. فلما كان يوما من الأيام (^٢) خرجوا يرعون بهما لنا حول بيوتنا، فلما انتصف النهار إذ أنا بابنى ضمرة يعدو فزعا وجبينه يرشح، قد علاه البهر (^٣)، باكيا ينادى: يا أباه ويا أمه، الحقا أخى محمدا فما تلحقانه إلا ميّتا، قلت: وما قصته؟ قال: بينا نحن قياما نترامى ونلعب إذ أتاه رجل فاختطفه من أوساطنا، وعلا به ذروة الجبل-ونحن ننظر إليه- حتى شق من صدره إلى عانته، ولا أدرى ما فعل به، وما أظنكما (^٤) تلحقانه أبدا إلا ميّتا. فأقبلت أنا وأبوه-يعنى زوجها-نسعى سعيا فإذا نحن به قاعدا على ذروة الجبل شاخصا ببصره إلى السماء يبتسم ويضحك، فأكببت عليه وقبّلت بين عينيه وقلت: فدتك (^٥)
_________________
(١) كذا فى الأصول. ولعلها «فعلقتها».
(٢) كذا فى ت. وفى م، هـ، والخصائص الكبرى ١:١٣٧ «من ذلك».
(٣) البهر: تتابع النفس من الإعياء. (المعجم الوسيط)
(٤) كذا فى م، هـ. وفى ت «ولا أظنكما».
(٥) كذا فى م، والخصائص الكبرى ١:١٣٧. وفى ت «فدو لك» وفى هـ «فدوتك».
[ ١ / ٨٠ ]
نفسى، ما لذى دهاك؟ قال: خيرا يا أماه؛ بينا أنا الساعة قائم مع إخوتى إذ أتانى رهط ثلاثة بيد أحدهم إبريق فضة، وفى يد الثانى طست من زمردة خضراء ماؤها ثلج، فأخذونى فانطلقوا بى إلى ذروة الجبل فأضجعونى على الجيل إضجاعا لطيفا، ثم شقّ من صدرى إلى عانتى. وأنا أنظر إليه-فلم أجد لذلك حسّا ولا ألما؛ ثم أدخل يده فى جوفى فأخرج أحشاء بطنى فغسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها، ثم أعادها. وقام الثانى وقال للأوّل: تنحّ فقد أنجزت ما وعدك الله به، فدنا منى فأدخل يده فى جوفى فانتزع قلبى وشقّه، فأخرج منه نكتة سوداء مملوءة بالدم فرمى بها وقال: هذا حظّ الشيطان منك يا حبيب الله، ثم حشاه بشئ كان معه. وردّه مكانه، ثم ختمه بخاتم من نور. فأنا الساعة أجد برد الخاتم فى عروقى ومفاصلى. وقام الثالث وقال: تنحيّا فقد أنجزتما أمر الله ﷿ فيه. ثم دنا الثالث منى فأمرّ بيده ما بين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى [فالتأم الشق بإذن الله تعالى] (^١)، قال الملك: زنوه بعشرة من أمته. فوزنونى فرجحتهم، ثم قال: دعوه، ولو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم. ثم أخذ بيدى فأنهضنى إنهاضا لطيفا، فأكبوا علىّ وقبلوا رأسى وما بين عينىّ، وقالوا: يا حبيب الله، إنك لن ترع، ولو تدرى ما يراد بك من الخير لقرّت عيناك. وتركونى قاعدا فى مكانى هذا. ثم جعلوا يطيرون حتى دخلوا حيال السماء. وأنا أنظر إليهم.
ولو شئت لأريتك موضع دخولهم. فاحتملته فأتيت به منزلا من منازل
_________________
(١) الإضافة عن سبل الهدى والرشاد ١:٤٧٤.
[ ١ / ٨١ ]
بنى سعد بن بكر، فقال لى الناس: اذهبى به إلى الكاهن حتى ينظر إليه ويداويه. فقال: ما بى شئ مما تذكرون، وإنى أرى نفسى سليمة وفؤادى صحيحا (^١) بحمد الله ﵎. فقال الناس: أصابه لمم أو طائف من الجن، فغلبونى على رأيى (^٢)؛ فانطلقت به إلى الكاهن فقصصت عليه القصة، قال: دعينى أنا أسمع منه؛ فإن الغلام أبصر بأمره منكم، تكلم يا غلام. قالت حليمة: فقصّ ابنى محمد قصته ما بين أولها إلى آخرها، فوثب الكاهن قائما على قدميه فضمه إلى صدره ونادى بأعلى صوته: يا للعرب يا للعرب من شرّ قد أقترب، اقتلوا هذا الغلام واقتلونى معه، فإنكم إن تركتموه وأدرك مدرك الرجال ليسفّهن أحلامكم، وليكذبن أديناكم، وليدعونكم إلى رب لا تعرفونه، ودين تنكرونه. فلما سمعت مقالته انتزعته من يده وقلت: لأنت أعته منى (^٣) وأجن، ولو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به، أطلب لنفسك من يقتلك، فإنا لا نقتل محمدا.
فاحتملته فأتيت به منزلى، فما أتيت-يعلم الله-منزلا من منازل بنى سعد بن بكر إلا وقد شممنا منه ريح المسك الأذفر، وكان فى كل يوم ينزل عليه رجلان أبيضان فيغيبان فى ثيابه ولا يظهران، فقال الناس: ردّيه يا حليمة على جدّه عبد المطلب وأخرجيه من أمانتك.
قالت: فغزمت على ذلك، فسمعت مناديا ينادى: هنيئا لك
_________________
(١) فى الأصول، وسبل الهدى والرشاد ١:٤٧٥ «صحيح» والمثبت عن الخصائص الكبرى ١:١٣٩.
(٢) كذا فى هـ. وفى م، وسبل الهدى والرشاد ١:٤٧٥ «أمرى» وبياض فى ت.
(٣) كذا فى الأصول. وفى الخصائص الكبرى ١:١٣٩، وسبل الهدى والرشاد ١:٤٧٥ «منه».
[ ١ / ٨٢ ]
يا بطحاء مكة؛ اليوم يردّ عليك النور والدين والبهاء والكمال، فقد أمنت أن (^١) تخذلى أو تخزى (^١) أبد الآبدين، ودهر الداهرين.
ويقال: إن حليمة رجعت بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم مرّة أخرى إلى بلادها، وكانت لا تدعه يذهب مكانا بعيدا، ثم إنها خرجت يوما تطلبه فوجدته مع أخته (^٢) فقالت: فى هذا الحرّ؟! فقالت أخته: يا أمّاه. ما وجد أخى حرّا؛ رأيت غمامة تظل عليه فإذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع.
فأفزعها ذلك من أمره (^٣).