وهى السنة الأولى من الهجرة»
فيها-أو فى آخر التى قبلها-لما شخص السبعون الذين بايعوا النبى ﷺ عند العقبة أشتدّ ذلك على قريش؛ لما يعلمون من (^٢) الخزرج، ورأوا أنه قد صار للنبىّ ﷺ منعة ودار هجرة، فضيّقوا على المسلمين وآذوهم، وتعبّثوا بهم، ونالوا منهم من الشتم والأذى والتناول ما لم يكونوا ينالونه أبدا، فشكا المسلمون ذلك إلى النبى ﷺ، وسألوه الهجرة، فقالوا: إنه لم يؤذن لى فى ذلك بعد.
ثم إن الله أوحى إليه: أىّ هذه الثلاث نزلت فهى دار هجرتك: المدينة أو البحرين أو قنّسرين. ثم إنه خرج عليهم بعد ذلك بأيام مسرورا فقال: رأيت فى المنام أننى أهاجر من مكّة إلى
_________________
(١) طبقات ابن سعد ١:٢٢٣.
(٢) كذا فى الأصول. وفى شرح المواهب ١:٣١٨ «لما يعلنون من الخروج». وفى طبقات ابن سعد ١:٢٢٦، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣١٣ «لما يعلمون من الخروج».
[ ١ / ٣٥٢ ]
أرض بها نخل، فذهب وهلى (^١) أنها اليمامة أو هجر فإذا هى يثرب (^٢).
ويروى أن النبى ﷺ قال: أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهرانى حرّة (^٣)، فإما أن تكون هجر، وإما أن تكون يثرب.
وأمر النبى ﷺ من معه من المسلمين بمكة بالخروج إلى المدينة، والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: إنّ الله قد جعل لكم إخوانا، ودارا تأمنون بها؛ فمن أراد الخروج فليخرج فإن البلاد قريبة، وأنتم عارفون بها، وهى طريق عيركم إلى الشام. فجعلوا يتجهّزون ويترافقون ويتواسون بالمال والظهر، ويخفون ذلك، وخرجوا أرسالا يتراسلون؛ فخرج أبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أمّ سلمة بنت أبى أميّة، وعامر بن ربيعة وامرأته أم عبد الله بنت أبى حثمة (^٤) -ويروى أن أوّل ظعينة قدمت المدينة أم سلمة، ويقال: أم عبد الله-ومصعب بن عمير، ثم عمرو بن أم مكتوم الأعمى، ثم عمّار بن ياسر، وسعد بن أبى وقّاص، وعبد الله بن مسعود، وبلال، وعثمان بن مظعون، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الشّريد.
_________________
(١) وهلى: أى وهمى. (السيرة الحلبية ٢:١٨٠)
(٢) دلائل النبوة ٢:١٩٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢١٣،٢١٤، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٣٢، والسيرة الحلبية ٢:١٨٠،١٨١، وتاريخ الخميس ١:٣٢٠، وشرح المواهب ١:٣١٨.
(٣) كذا فى الأصول. وفى السيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٢٣، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٣٢، وتاريخ الخميس ١:٣٢٠ «ظهرانى حرتين».
(٤) وهى ليلى بنت أبى حثمة بن حذيفة القرشية العدوية، وهى أم ولده عبد الله وبه تكنى (أسد الغابة ٥:٥٤١)
[ ١ / ٣٥٣ ]
فنزل أبو سلمة وعبد الله بن جحش فى بنى عمرو بن عوف.
وعدا أبو سفيان بن حرب على دار بنى جحش-وهى دار أبان بن عثمان-عند الرّدم فتملّكها؛ إذ بقيت يبابا لا أحد بها، لأنهم هاجروا بنسائهم.
ثم خرج عمر بن الخطاب، وعيّاش بن أبى ربيعة، وأبو عبيدة ابن الجرّاح، وسالم مولى أبى حذيفة فى عشرين راكبا، فنزلوا فى بنى عمرو بن عوف (^١).
قال عمر بن الخطاب: لما اجتمعنا للهجرة اتّعدت أنا وعيّاش ابن أبى ربيعة،/وهشام بن العاص بن وائل، وقلنا: الميعاد بيننا التّناضب (^٢) من أضاة بنى غفار، فمن أصبح منكم لم يأتها فقد حبس، فليمض صاحباه. وأصبحت عندها أنا وعيّاش بن أبى ربيعة، وحبس عنا هشام، وفتن فافتتن. وقدمنا المدينة. فكنا نقول: ما الله بقابل من هؤلاء توبة؛ قوم عرفوا الله وآمنوا به، وصدّقوا رسوله، ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم من الدنيا وكانوا يقولونه لأنفسهم. فأنزل الله ﷿ فيهم ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ (^٣) الآية، فكتبتها
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:١٩٧.
(٢) التناضب: بضم الضاد اسم لموضع-قريب من مكة-وبكسر الضاد جمع تنضب لنوع من الشجر. (سبل الهدى ٣:٣٢٣، وهامش الاكتفا ١:٤٣٤) وأضاة بنى غفار موضع على عشرة أميال من مكة، وهو غدير أو مسيل ماء إلى الغدير (المرجعان السابقان ومعجم البلدان لياقوت) ويقال إذا خرجت من سرف شمالا خرجت فيها، بينها وبين قبر ام المؤمنين ميمونة بنت الحارث مقبرة صغيرة (معالم مكة للبلادى ٥٠)
(٣) سورة الزمر آية ٥٣.
[ ١ / ٣٥٤ ]
بيدى كتابا، ثم بعثت بها إلى هشام بن العاص. قال هشام: فلما قدمت علىّ خرجت بها إلى ذى طوى (^١) فجعلت أصعّد بها وأصوّب لأفهمها، فقلت: اللهم فهّمنيها، فعرفت أنما أنزلت فينا بما كنا نقول فى أنفسنا-ويقال: فينا-فرجعت فجلست على بعيرى فلحقت برسول الله ﷺ (^٢).
فطلب أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام، والعاص (^٣) بن هشام عياش بن أبى ربيعة-وهو أخوهم لأمهم-فقدموا المدينة، وذكروا له حزن أمه وقالوا له: إنها حلفت أنها لا يظلّها سقف بيت، ولا يمس رأسها دهن حتى تراك، ولولا ذلك لم نطلبك؛ فنذكّرك الله فى أمّك- وكان بها رحيما، وكان يعلم من حبها إياه ورأفتها به-فصدّق قولهم، ورقّ لها. ولما ذكروا له منها (^٤) أبى أن يتبعهم حتى عقد له الحارث بن هشام عقدا. فلما خرجا (^٥) أوثقاه، فلم يزل هنا لك حتى خرج مع من خرج قبل فتح مكة.
_________________
(١) ذى طوى: بتثليث الطاء، والفتح أشهر من الضم وهو أشهر من الكسر، وهو مقصور: واد بمكة على فرسخ منها يعرف الآن بالزاهر فى طريق التنعيم، ويجوز صرفه ومنعه. (سبل الهدى والرشاد ٤:٣٧٦) ويقال هو الوادى الذى يمر بين الحجون وربع الكحل مارا بجرول. وطوى بئر معروفة اليوم بجرول بين القبة وريع أبى لهب (معالم مكة للبلادى ١٦٨)
(٢) دلائل النبوة ٢:١٩٨، وتاريخ الإسلام ٢:٢١٤،٢١٥، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣١٣ - ٣١٧.
(٣) كذا فى الأصول ودلائل النبوة ٢:١٩٧. وفى عيون الأثر ١:١٧٤ «ثم إن أبا جهل والحارث ابنا هشام ومن الناس من يذكر معهما أخاهما العاص بن هشام.» وفى سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٢٧،٣٢٨، والاكتفا ١:٤٣٥، وتاريخ الإسلام ٢:٢١٤، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣١٦، والسيرة الحلبية ٢:١٨٤ -: أن أبا جهل بن هشام وشقيقه الحارث بن هشام هما اللذان خرجا إلى المدينة فى طلب عياش.
(٤) فى الأصول «فأبى» والمثبت من دلائل النبوة ٢:١٩٧.
(٥) كذا فى الأصول، ودلائل النبوة ٢:١٩٧. ولعله ترجح عند المصنفين رواية =
[ ١ / ٣٥٥ ]
وكان رسول الله ﷺ يدعو له بالخلاص.
وخرج عبد الرحمن بن عوف فنزل على سعد بن الربيع فى بنى الحارث بن الخزرج، وخرج عثمان بن عفّان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العّوام وطائفة أخرى. فأما طلحة فخرج إلى الشام.
ثم تتابع أصحاب النبى ﷺ كذلك إلى المدينة أرسالا، ومكث ناس من الصحابة بمكة حتى قدموا بعد مقدم النبى ﷺ المدينة، منهم سعد بن أبى وقّاص-وقيل: بل قدم قبل قدوم النبى ﷺ (^١).
ولمّا نزل المسلمون على الأنصار فى دورهم آووهم وواسوهم ونصروهم. وكلبت قريش عليهم حين خرجوا، وحزنوا واغتاظوا. وفشا الإسلام بالمدينة.
وأقام النبى ﷺ بمكة ينتظر أن يؤذن له فى الهجرة، وقال:
لست بخارج حتى يأذن لى ربى، ولم يتخلّف معه بمكة إلا أبو بكر الصديق، وعلى بن أبى طالب، أو معوّق محبوس، أو ضعيف عن الخروج، أو مريض (^٢).
وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن النبىّ ﷺ فى الهجرة، فيقول له رسول الله ﷺ: لا تعجل لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا. فيطمع
_________________
(١) = أن اللذين خرجا لطلب عباش هما أبو جهل والحارث ابنا هشام فقط.
(٢) دلائل النبوة ٢: ١٩٧، ١٩٨.
(٣) الاكتفا ١: ٤٣٧، وعيون الأثر ١: ١٧٦، ١٧٧، وسبل الهدى والرشاد ٣: ٣١٨
[ ١ / ٣٥٦ ]
أبو بكر بأن رسول الله ﷺ يعنى نفسه؛ فابتاع راحلتين بثمانمائة درهم من نعم بنى قشير، فحبسهما فى داره يعلفهما إعدادا لذلك (^١).
ويروى: أن أبا بكر استأذن النبى ﷺ أن يخرج مع من خرج فحبسه وقال: أنظرنى لعلّه أن يؤذن لى. فقال أبو بكر: تطمع أن يؤذن لك يا رسول الله؟ قال: نعم (^٢).
ويقال: إن أبا بكر تجهز مهاجرا قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ: على رسلك؛ فإنى أرجو أن يؤذن لى. فقال أبو بكر لرسول الله ﷺ: هل ترجو ذلك بأبى أنت وأمى؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق الشجر أربعة أشهر (^٣).
فلما رأت قريش أن النبى ﷺ قد تربع، وصارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم-بذراريهم وأطفالهم-عرفوا أنهم (^٤) قد نزلوا فى أباة فأصابوا منهم منعة (^٤)، وأنهم أهل حلقة وبأس؛ فخافوا خروج
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٣٠،٣٣١، وعيون الأثر ١:١٧٦،١٧٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٣٢،٢٣٣، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣١٩، والسيرة الحلبية ٢:١٨٨، وتاريخ الخميس ١:٣٢٨.
(٢) السيرة الحلبية ٢:١٨٨.
(٣) سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٣٤، ودلائل النبوة ٢:٢٠٧، والسيرة الحلبية ٢:١٨٨، وتاريخ الخميس ١:٣٤٠.
(٤) كذا فى م، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٢٤. وفى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٣٣١، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٢٧ «قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة» وفى ت، هـ «نزلوا منهم إباء فهابوا منهم منعة».
[ ١ / ٣٥٧ ]
رسول الله ﷺ إليهم-وعرفوا أنه قد جمع لحربهم-فاجتمعوا فى دار النّدوة-وهى دار قصىّ بن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها-يتشاورون فيما يصنعون فى أمر رسول الله ﷺ، ولم يتخلّف منهم من أهل الحجى والرأى أحد. فممن اجتمع: من بنى عبد شمس: شيبة وعتبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب. ومن بنى نوفل [بن] (^١) عبد مناف: [طعيمة بن عدى، وجبير بن مطعم، والحارث بن عامر بن نوفل] (^١). ومن بنى عبد الدار [بن] (^١) قصى: النّضر بن الحارث بن كلدة. ومن بنى أسد بن عبد العزّى: أبو البخترىّ بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام. ومن بنى مخزوم: أبو جهل. ومن بنى سهم: نبيه ومنبّه ابنا الحجاج. ومن بنى جمح: أميّة بن خلف.
ويروى أن عدة الذين اجتمعوا بدار الندوة خمسة عشر رجلا، وقيل مائة رجل.
فلما دخلوا الدّار اعترضهم الشيطان فى صورة رجل شيخ جليل جميل، مشتمل الصماء، عليه بتّ (^٢) له، فوقف على باب الدّار قال: أدخل؟ قالوا: من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل نجد، سمع بالذى اجتمعتم له، وأراد أن يحضره معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيا ونصحا. قالوا: أجل فادخل. فدخل معهم، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما
_________________
(١) الإضافات عن سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٣١.
(٢) البت: الكساء الغليظ من الصوف أو الوبر. (المعجم الوسيط).
[ ١ / ٣٥٨ ]
كان، وإنا والله لا نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتّبعه من غيرنا؛ فأجمعوا رأيا واحدا فيه. فقال بعضهم (^١): احبسوه فى الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربّصوا به ما أصاب أشباهه (^٢) من الشعراء الذين كانوا قبله-زهيرا والنابغة ومن مضى منهم-من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال النجدىّ: لا والله ما هذا لكم برأى؛ والله لئن حبستموه-كما تقولون-ليخرجنّ أمره من وراء الباب الذى أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأى فانظروا فى غيره.
فتشاوروا ثم قال قائل (^٣) منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فو الله لا نبالى إلى أين ذهب، ولا حيث وقع إذا غاب عنا، وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
قال النجدىّ: لا والله ما هذا لكم برأى؛ ألم تروا إلى حسن حديثه، وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى به؟! والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحلّ على حىّ من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى
_________________
(١) هو أبو البخترى بن هشام كما فى الروض الأنف ٢:٢٢٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٢٨، والسيرة الحلبية ٢:١٩٠.
(٢) فى ت، هـ «أصحابه». والمثبت من م، وسيرة النبى لابن هشام ٢: ٣٣٢، والسيرة الحلبية ٢:١٩٠.
(٣) هو الأسود بن ربيعة بن عمير. (الروض الأنف ٢:٢٢٦، سبل الهدى ٣:٣٢٥، والسيرة الحلبية ٢:١٩٠)
[ ١ / ٣٥٩ ]
يطأكم بهم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد؛ دبّروا فيه رأيا غير هذا.
قال أبو جهل بن هشام: والله إنّ لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة من قريش فتى شابا نهدا جلدا، نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما-ويقال: ثم تعطوهم شفارا صارمة-ثم يعمدون إليه فيضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه فى القبائل جميعا فلم يقدر (^١) بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع، ولم يقووا على حرب قومهم جميعا، فإنما قصاراهم عند ذلك أن يأخذوا العقل، فتدونه.
فقال النجدى: لله درّ هذا الفتى، القول ما قاله، هذا هو الرأى وإلا فلا شئ، ولا أرى لكم رأيا غيره.
فأجمع رأيهم على ذلك وتفرقوا.
فأتى جبريل النبى ﷺ وأخبره بخبر القوم، وأنزل عليه ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ٢:٢٠٣، وتاريخ الإسلام ٢: ٢١٧ «فلم يدر عبد مناف». وفى طبقات ابن سعد ١:٢٢٧ «فلا يدرى بنو عبد مناف». وفى سيرة النبى لابن هشام ٢:٢٣٢ والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٣٠، وعيون الأثر ١:١٧٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٢٩ والاكتفا ١:٤٣٩، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٢٦، والسيرة الحلبية ٢:١٩٠، وتاريخ الخميس ١: ٣٢٣، وشرح المواهب ١:٣٢١ «فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا».
[ ١ / ٣٦٠ ]
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ (^١) وأنزل عليه أيضا ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ* قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ (^٢)
وأذن الله ﷿ له بالهجرة، وأمره جبريل ألاّ يبيت على فراشه الذى كان يبيت عليه، وأمره بالهجرة، وأن يستصحب معه أبا بكر الصديق.
قالت عائشة ﵂: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتى بيت أبى بكر أحد طرفى النهار، إمّا بكرة وإما عشيّا، حتى كان اليوم الذى أذن الله فيه لرسوله فى الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرى قومه، أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة فى ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال قائل (^٣) لأبى بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنّعا، فقال أبو بكر: فدى له أبى وأمى، والله ما جاء رسول الله ﷺ فى هذه الساعة إلا لأمر حدث. فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له، فلما دخل تأخّر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء-فقال رسول الله ﷺ:
أخرج عنى من عندك. فقال: يا رسول الله إنما هما ابنتاى-أو إنما هم أهلك-بأبى وأمى أنت، يا رسول الله، وما ذاك فداك أبى
_________________
(١) سورة الأنفال آية ٣٠.
(٢) سورة الطور الآيتان ٣٠،٣١.
(٣) قيل هى أسماء بنت أبى بكر، وقيل هو عامر بن فهيرة مولى أبى بكر. (السيرة الحلبية ٢:١٩٨، وشرح المواهب ١:٣٢٦).
[ ١ / ٣٦١ ]
وأمى؟ قال: أشعرت أن الله قد أذن لى فى الخروج والهجرة. فقال أبو بكر: الصحبة بأبى أنت يا رسول الله. قال: الصحبة. فبكى أبو بكر-فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكى يومئذ-ثم قال: يا نبى الله إن هاتين راحلتاى. كنت أعددتهما لهذا، فخذ إحداهما. قال رسول الله ﷺ: بالثمن. قال أبو بكر: بالثمن. فأخذ النبى ﷺ إحداهما وهى القصواء-ويقال الجدعاء-
وخلّف النبى ﷺ عليّا بمكة يخرج إليه بأهله، وأمره أن يؤدى عنه الودائع التى كانت عنده للناس-وكان رسول الله ﷺ ليس أحد بمكة عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عنده؛ لما يعلم من صدقه وأمانته-وأمر عليّا أن يقضى عنه ديونا ويلحق به (^١).
واستأجر النبىّ ﷺ وأبو بكر عبد الله بن الأريقط-رجلا من بنى الدّيل بن بكر، وكان مشركا-يدلهما على الطريق، فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فكانت الراحلتان عنده يرعاهما لميعادهما (^٢).
فلما كان العتمة اجتمع على باب النبىّ ﷺ أبو جهل، والحكم بن أبى العاصى، وعقبة بن أبى معيط، والنّضر بن الحارث،
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٣٤،٣٣٥، وطبقات ابن سعد ١:٢٢٧، ٢٢٨، ودلائل النبوة ٢:٢٠٧،٢٠٨، وتاريخ الإسلام ٢:٢١٩،٢٢٠، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٣٣،٢٣٤، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٣٦،٣٣٧، والسيرة الحلبية ٢:١٩٧ - ١٩٩، وتاريخ الخميس ١:٣٢٢،٣٢٣.
(٢) تاريخ الإسلام ٢:٢٢٠، وتاريخ الخميس ١:٣٢٤.
[ ١ / ٣٦٢ ]
وأميّة بن خلف، وابن الغيطلة، وزمعة بن الأسود، وطعمة بن عدىّ، وأبو لهب، وعتبة (^١) بن خلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج؛ فترصدوا النبى ﷺ حتى ينام، فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم دعا علىّ بن أبى طالب وأمره أن يبيت على فراشه، ويتسجّى ببرد له أخضر-وكان رسول الله ﷺ ينام فى برده ذلك إذا نام-وقال النبى ﷺ لعلىّ: إن قريشا لم يفقدونى ما رأوك، ولا يخلص إليك شئ تكرهه منهم. وفيه نزلت ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ (^٢) فكان أوّل من شرى نفسه، وفى ذلك يقول:-
وقيت بنفسى خير من وطئ الحصى … ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله خاف أن يمكروا به … فنجّاه ذو الطّول الإله من المكر (^٣)
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى طبقات ابن سعد ١:٢٢٨، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٣١ «أبى بن خلف».
(٢) سورة البقرة آية ٢٠٧ - ويلاحظ أن سورة البقرة مدنية، وجاء فى السيرة الحلبية ٢:١٩٢، «وقد قيل أنها نزلت فى صهيب ﵁ … ولا مانع من تكرر نزول الآية فى حق على وفى حق صهيب. ونزول هذه الآية بمكة لا يخرج سورة البقرة عن كونها مدنية؛ لأن الحكم يكون للغالب.» وفى تاريخ الخميس ١:٣٢٦ «وفى عمدة المعانى الآية نزلت فى الزبير، والمقداد، وقيل صهيب وخباب وعمار بن ياسر، وقيل فى على حين نام على فراش رسول ﷺ ليلة الغار.
(٣) فى الأصول «النكر» والمثبت عن سبل الهدى والرشاد ٣:٣٢٨، وتاريخ الخميس ١:٣٢٥، وشرح المواهب ١:٣٢٢.
[ ١ / ٣٦٣ ]
ولما أن اجتمعت قريش على باب رسول الله ﷺ قال أبو جهل: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا ذلك كان له منكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها (^١).
فخرج رسول الله ﷺ-وهم جلوس على الباب-فأخذ حفنة من بطحاء-أو تراب-فى يده ثم قال: نعم أنا أقول ذلك، وأنت أحدهم. وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من «يس» ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (^٢) حتى فرغ من هؤلاء الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ومضى النبى ﷺ إلى حيث أراد أن يذهب (^٣).
فأتى قريشا آت ممّن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمدا. فقال: خبتم وخسرتم؛ قد والله خرج عليكم ما ترك أحدا منكم إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، أفما
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٣٣، والاكتفا ١:٤٤٠، وعيون الأثر ١: ١٧٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٣٠، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٢٧.
(٢) سورة يس الآيات ١ - ٩.
(٣) الاكتفا ١:٤٤٠،٤٤١، وعيون الأثر ١:١٧٩، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢٣٠.
[ ١ / ٣٦٤ ]
ترون ما بكم؟! فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب فنفض التراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليّا على الفراش متسجيا (^١) ببرد رسول الله ﷺ فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائم وعليه برده، فلم يبرحوا كذلك إلى أن أصبحوا، فقام على عن الفراش، فثاروا عليه فلما رأوه عليّا ردّ الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك؟ فقال: لا أدرى-أو قال: لا علم لى به-فعلموا عند ذلك أنه خرج فارا منهم.
ويروى: قال لهم على: أمرتموه بالخروج فخرج. فقالوا: والله لقد صدقنا الذى كان حدّثنا، ولو خرج محمد لخرج علىّ معه.
ويروى أنهم ضربوا عليّا وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة، ثم إنهم تركوه (^٢).
ويروى: أن قريشا كانوا يرمون رسول الله ﷺ بالحجارة، فجعلوا يرمون عليّا بالحجارة كما كانوا يرمون النبى ﷺ؛ فجعل على يتضوّر (^٣)، فيلف رأسه فى الثوب، لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه فقالوا: إنك لئيم؛ كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر وأنت تتضوّر وقد استنكرنا ذلك (^٤).
_________________
(١) كذا فى ت، م. وفى هـ «متشحا».
(٢) الاكتفا ١:٤٤١، وعيون الأثر ١:١٧٩، وتاريخ الإسلام ٢:٢١٦، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٣٠، والإمتاع ١:٣٨،٣٩، وقد مزج المصنف بين ما فى هذه المراجع بالاختيار والتقديم والتأخير. وانظر أيضا سبل الهدى والرشاد ٣: ٣٢٧، والسيرة الحلبية ٢:١٩٤.
(٣) يتضور: يتلوى ويتقلب. (النهاية فى غريب الحديث)
(٤) سبل الهدى والرشاد ٣:٣٢٧.
[ ١ / ٣٦٥ ]
ويروى: أن السبب المانع لقريش من الولوج على النبىّ ﷺ الدار مع قصر الجدار-وإنما جاءوا للفتك به-أنهم همّوا بالولوج عليه فصاحت المرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: إنها للسبة فى العرب أن (^١) يتحدث عنا أنّا نتسور الحيطان على بنات العم وهتكنا ستر حرمنا. فهذا الذى أقامهم بالباب حتى أصبحوا ينتظرون خروجه (^٢).
ولما خرج رسول الله ﷺ من بيته صار إلى بيت أبى بكر الصديق، فخرجا جميعا من خوخة (^٣) فى ظهر دار أبى بكر، فى ليلة الاثنين مستهل ربيع الأول، ولم يعلم بخروجهما سوى علىّ وآل أبى بكر، (^٤) ولم يرافق النبىّ ﷺ أحد من أصحابه غير أبى بكر. ثم عمد النبى ﷺ وأبو بكر (^٤) نحو غار ثور بأسفل مكة فى ليلة الخميس غرّة ربيع الأول-ويقال قد بقى من صفر ثلاثة أيام (^٥).
ويروى: أن أبا بكر جاء وعلىّ نائم، وأبو بكر يحسب أنه نبىّ الله ﷺ فقال: يا نبى الله. فقال له على: إن نبىّ الله قد انطلق
_________________
(١) وهنا انتهى الجزء الأول من نسخة هـ دون إشارة إلى أن ذلك هو آخر الجزء.
(٢) سبل الهدى والرشاد ٣:٣٢٩،٣٣٠، والسيرة الحلبية ٢:١٩٤، وشرح المواهب ١:٣٢٣.
(٣) الخوخة: كوة فى ظهر البيت يدخل منها النور-أو باب صغير وسط باب كبير. (المعجم الوسيط)
(٤) سقط فى ت، والمثبت عن م.
(٥) كذا فى م. وفى ت «ثلاث ليال» وانظر الخلاف حول يوم خروجه من مكة أو من الغار فى شرح المواهب ١:٣٢٥.
[ ١ / ٣٦٦ ]
إلى نحو بئر ميمون (^١) فأدركه: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار (^٢).
وكان أبو بكر أمر ابنه عبد الله أن يتسمّع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر من فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى فى الغار.
ولما توجه النبى ﷺ قبل الغار جعل أبو بكر يمشى مرّة أمام النبى ﷺ ومرة خلفه، ومرة عن يمينه، ومرة عن يساره، ففطن له رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا أبا بكر. ما أعرف هذا من فعلك؟ قال: يا رسول الله، أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرّة عن يمينك ومرة عن يسارك، لا آمن عليك. فقال: يا أبا بكر لو كان شئ أحببت أن يكون بك دونى؟ قال: نعم، والذى بعثك بالحق ما كانت لتكن من ملمّة إلا أحببت أن تكون بى دونك (^٣).
وانتهيا إلى الغار ليلا. ولم يصعد النبى ﷺ الغار حتى تقطّرت قدماه دما؛ لأنه لم يتعود الحفية ولا الرعية ولا الشقوة، وعادت قدما أبى بكر كأنهما صفوان (^٤).
_________________
(١) بئر ميمون: تنسب إلى ميمون بن خالد بن عامر الحضرمى أخى العلاء بن الحضرمى، حفرها بأعلى مكة فى الجاهلية. (معجم البلدان لياقوت) وهى الآن من آبار عين زبيدة. هامش أخبار مكة للأزرقى ٢:٢٢٢.
(٢) السيرة الحلبية ٢:٢٠٥.
(٣) دلائل النبوة ٢:٢٠٩، والسيرة الحلبية ٢:٢٠٣، وتاريخ الخميس ١:٣٢٦.
(٤) الإمتاع ١:٤٠. والصفوان: الحجر الأملس. (المعجم الوسيط).
[ ١ / ٣٦٧ ]
ويروى: أن رسول الله ﷺ مشى ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رآهما أبو بكر أنهما قد حفيتا حمله على كاهله، وجعل يشتد به حتى أتى به فم الغار فأنزله، ثم قال: والذى بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله؛ فإن كان به شئ نزل بى قبلك. فدخل فلم ير شيئا، فحمله فأدخله، وكان فى الغار خرق فيه حيّات وأفاع، فخشى أبو بكر أن يخرج منهن شئ يؤذى رسول الله ﷺ، فألقمه قدمه، فجعلن يضربنه ويلسعنه: الحيات والأفاعى، وجعلت دموعه تتحادر، ورسول الله ﷺ يقول: يا أبا بكر لا تحزن إنّ الله معنا. فأنزل الله سكينته طمأنينة بأبى بكر (^١).
ويروى: لما انتهى النبىّ ﷺ للغار قال أبو بكر: يا رسول الله-والله-لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه ثعبان أو حيّة أو شئ أصابنى دونك. قال: ادخل. فدخله فمسحه، وجعل يلتمس بيده، فكلما رأى جحرا شقّ ثوبه ثم ألقمه الجحر، حتى فعل ذلك بثوبه أجمع، فبقى جحر فوضع عقبه عليه. ويقال:
بقى منها اثنان فألقمهما رجليه-ثم قال لرسول الله ﷺ/:
ادخل. فدخل رسول الله ﷺ، ووضع رأسه فى حجره ونام، فلدغ أبو بكر فى رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله ﷺ، فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ فانتبه،
_________________
(١) كذا فى م. وفى ت «فأنزل الله طمأنينتة بأبى بكر». وفى الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٣٨ «فأنزل الله سكينته أى طمأنينته بأبى بكر» - وانظر دلائل النبوة ٢:٢١٠ والرياض النضرة ١:٩١.
[ ١ / ٣٦٨ ]
فقال: ما لك يا أبا بكر؟ قال: لدغت فداك أبى وأمى، فتفل عليه رسول الله ﷺ فذهب ما يجده، ثم انتقض عليه فكان سبب موته (^١).
فلما أصبح قال له النبى ﷺ: أين ثوبك يا أبا بكر؟ فأخبره بالذى صنع، فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اجعل أبا بكر معى فى درجتى يوم القيامة، فأوحى الله إليه أن قد استجاب (^٢).
ويروى: لمّا انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار (^٣). فدخل واستبرأه، حتى إذا كان فى أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة، فقال: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الجحرة، فدخل فاستبرأ، ثم قال: انزل يا رسول الله. فنزل.
ويروى: لما انتهيا إلى الغار دخل أبو بكر ثم قال: كما أنت يا رسول الله. فضرب برجله فأطار اليمام-يعنى الحمام الطورى- فطاف فلم ير شيئا. فقال: ادخل يا رسول الله. فدخل فإذا فى الغار جحر، فألقمه أبو بكر عقبه مخافة أن يخرج على رسول الله ﷺ منه شئ (^٤).
_________________
(١) الرياض النضرة ١:٨٩، وتاريخ الخميس ١:٣٢٧، وشرح المواهب ١: ٣٣٥.
(٢) الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٣٧، والرياض النضرة ١:٩٠، وسبل الهدى ٣:٣٣٩، والسيرة الحلبية ٢:٢٠٥،٢٠٦، وتاريخ الخميس ١:٣٢٧.
(٣) فى ت، والرياض النضرة ١:٩٢ «الحجرة». والمثبت من م ودلائل النبوة ٢:٢٠٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٣٨.
(٤) الرياض النضرة ١:٩٣.
[ ١ / ٣٦٩ ]
ويروى: أن النبى ﷺ قال لأبى بكر وهما فى الغار: أنائم أنت؟ قال: لا، وقد رأيت صنيعك وقلقك (^١) يا رسول الله فما بالك بأبى أنت وأمى يا رسول الله؟ قال: جحر رأيته قد انهار، فخشيت أن يخرج منه هامة تؤذيك أو تؤذينى. فقال أبو بكر فأين هو؟ فأخبره، فسدّ الجحر، وألقمه عقبه. فقال رسول الله ﷺ:
رحمك الله من صديق؛ صدّقتنى حين كذّبنى الناس، ونصرتنى حين خذلنى الناس، وآمنت بى حين كفر بنى الناس، وآنستنى فى وحشتى؛ فأى منّة لأحد على كمنتك (^٢)؟!
ولما دخل النبى ﷺ الغار واطمأنا فيه. أمر الله الرّاء (^٣) فنبتت على بابه، والعنكبوت فنسجت على بابه عشّا، وحمامتين وحشيتين فعشّشتا على بابه وفرختا فيه. فالحمام الموجود اليوم من نسلهما (^٤).
ويروى: أن النبى ﷺ لما دخل الغار دعا بشجرة كانت أمام الغار فأقبلت حتى وقفت على باب الغار (^٤).
وطلبت قريش النبى ﷺ أشدّ الطلب فى كل مكان؛ طلبوه
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى الرياض النضرة ١:٩٢ «وتقلبك».
(٢) فى المرجع السابق «كمثلك». وانظر تاريخ الخميس ١:٣٢٧.
(٣) الراء-واحدته الراءة: وهى شجرة معروفة، وقيل هى أم غيلان وهى ضرب من العضاة، وقيل من أعلاث الشجر وتكون مثل قامة الإنسان لها خيطان وزهر أبيض يحشى به المخاد فيكون كالريش لخفته ولينه لأنه كالقطن، وقيل هى العشار. (شرح المواهب ١:٣٣١)
(٤) السيرة الحلبية ٢:٢٠٦ - ٢٠٨، وتاريخ الخميس ١:٣٢٧.
[ ١ / ٣٧٠ ]
بأعلى مكة وأسفلها، وشقّ عليهم خروجه، وخرجوا لذلك، فجعلوا يطلبونه بأنفسهم فيما قرب منهم، وأرسلوا من يطلبه فيما بعد عنهم، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم به ويجعلون لهم الجعل العظيم، ونادوا بأعلى مكة وأسفلها: من قتل محمدا وأبا بكر. أو ردّهما أو أحدهما فله مائة من الإبل-ويقال: جعلوا لمن جاء بأحدهما أو قتله ديته- وبعثوا القافة يتبعون أثره فى كل وجه، فوجد الذى ذهب قبل ثور- وهو كرز بن علقمة بن هلال الخزاعى-أثره هناك، فلم يزل يتبعه حتى انتهى إلى الغار، فرأى العنكبوت ناسجة على باب الغار، والحمام مفرخة فيه، فأيقن أن لا أحد فيه، فقال: انقطع الأثر؛ فإما صعد بصاحبكم إلى السماء أو غيض به فى الأرض. فانصرفوا، وقال بعضهم: ادخلوا الغار. فقال أميّة بن خلف: وما أربكم إلى الغار وعليه من نسج العنكبوت ما عليه؟ والله إنى لأرى هذا النسيج أقدم من ميلاد محمد. فنهى النبى ﷺ يومئذ عن قتل العنكبوت وقال: إنها جند من جنود الله. وأشفق أبو بكر واشتد خوفه عند ذلك (^١).
ولما أن صعدت قريش فوق الجبل، وسمع رسول الله ﷺ وأبو بكر أصواتهم فأشفق أبو بكر، وأقبل عليه الهمّ والحزن والخوف، فقال له رسول الله ﷺ: لا تحزن إنّ الله معنا. ودعا رسول الله ﷺ فنزلت عليه-أى على أبى بكر-سكينة من الله؛ لأن النبى ﷺ لم تزل السكينة معه (^٢).
_________________
(١) الاكتفا ١:٤٤٤.
(٢) دلائل النبوية ٢:٢١٤، وشرح المواهب ١:٣٣٦.
[ ١ / ٣٧١ ]
ويروى: أن فتيانا من قريش-من كل بطن رجل-أقبلوا بعصيّهم وهراويهم وسيوفهم حتى إذا كانوا من الغار مقدار أربعين ذراعا تعجّل رجل منهم لينظر فى الغار، فرأى الحمامتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: ما لك لم تنظر فى الغار؟ فقال:
رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار فعلمت أنه ليس فيه أحد. فسمع النبى ﷺ ما قال، فعلم أن الله قد درأ عنه بهما. فدعا لهما النبى ﷺ وشمت عليهما وفرض جزاءهما، وانحدرن فى الحرم ففرخن، فأصل كل حمامة فى الحرم من فراخهما (^١).
وبال أميّة بن خلف عند باب الغار، حتى جرى بوله بين يدى النبى ﷺ وأبى بكر، فأشفق أبو بكر أن يكونوا قد رأوه.
فقال له النبى ﷺ: لا تحزن؛ فإنهم لو رأونا لم يستقبلونا بفروجهم عند البول، ولا تشاغلوا بشئ عن أخذنا. فقال الصديق للنبى ﷺ: لو ولجوا علينا من فم الغار ما كنا نصنع؟ فقال النبى ﷺ:
لو ولجوا علينا منه كنا نخرج من ها هنا. وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر-ولم يكن فيه شق-وانفتح للحين فيه باب واسع بقدرة الله تعالى، وهو فى صخرة جلمد صماء، مما لا يؤثر فيها المعاول: فأما لها الله إلى اليوم ظاهرة لا يشكّ من رآها أنها لو ردّت لسدّت المكان، ولا يختلف أحد أن ذلك الباب لو كان هنا لك حينئذ لرأته قريش جهارا، وبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله لو أنّ
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:٢١٤، والاكتفا ١:٤٤٤،٤٤٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٤٠،٢٤١، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٣٩،٣٤٠، وتاريخ الخميس ١:٣٢٩.
[ ١ / ٣٧٢ ]
أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه. فقال النبى ﷺ: يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما (^١).
وأقام رسول الله ﷺ وصاحبه الصديق فى الغار ثلاث ليال- وقيل: بضعة عشر يوما-يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر، وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، ويكون معهم فيسمع ما يأتمرون به، وما يقولون فى شأن رسول الله ﷺ وأبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر (^٢).
وكان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر يرعى منحة من غنم أبى بكر فى رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيحتلبان حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس؛ يفعل ذلك فى كل ليلة من الليالى الثلاث. وكان عامر بن فهيرة إذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عند النبى ﷺ وأبى بكر إلى مكة أتبع أثره بالغنم حتى يعفى عليه، فيصبح فى رعيان الناس فلا يفطن له أحد (^٣).
وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما (^٣).
_________________
(١) الاكتفا ١:٤٤٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٤٢،٢٤٣، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٤١.
(٢) الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٣٦، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٤٦.
(٣) دلائل النبوة ٢:٢٠٨، والاكتفا ١:٤٤٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٢: ٢٤٦، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٤٤، والسيرة الحلبية ٢:٢١٢.
[ ١ / ٣٧٣ ]
قالت عائشة: لما خرج رسول الله ﷺ، وخرج معه أبو بكر احتمل أبو بكر ماله كلّه-خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم-وانطلق بها معه، فدخل علينا جدّى أبو قحافة-وقد ذهب بصره-فقال: إنى والله لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت قلت: كلا يا أبتى؛ إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. فأخذت أحجارا فوضعتها فى كوّة من البيت كان أبى يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يدك على هذا المال. فوضع يده عليه فقال: لا بأس، إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، فى هذا بلاغ لكم. قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكنى أردت أن أسكن الشيخ بذلك (^١).
وقالت أسماء بنت أبى بكر: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام؛ فوقفوا على باب أبى بكر، فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبى بكر؟ قلت: لا أدرى-والله-أين أبى. فرفع أبو جهل يده-وكان فاحشا خبيثا- فلطم خدّى لطمة طرح منها قرطى، ثم انصرف (^٢).
ولما أن كان النبى ﷺ وصاحبه أبو بكر فى الغار عطش أبو بكر عطشا شديدا، فشكا ذلك إلى النبى ﷺ، فقال له النبى
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٣٨، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٣٨، والسيرة الحلبية ٢:٢١٣،٢١٤. والحديث فيها مروى عن أسماء بنت أبى بكر.
(٢) سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٣٧، والرياض النضرة ١:٨٧،٨٨، وشرح المواهب ١:٣٤٢.
[ ١ / ٣٧٤ ]
ﷺ: اذهب إلى صدر الغار فاشرب. قال أبو بكر: فانطلقت إلى صدر الغار فشربت منه ماء أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وأزكى رائحة من المسك، ثم عدت إلى النبى ﷺ فقال: شربت؟ قلت: نعم. قال: ألا أبشرك يا أبا بكر؟ قلت: بلى يا رسول الله.
قال: إن الله أمر [الملك] (^١) الموكل بأنهار الجنة: أن اخرق نهرا من جنة الفردوس إلى صدر الغار ليشرب أبو بكر. قال أبو بكر، فقلت: يا رسول الله، ولى عند الله هذه المنزلة؟ فقال النبى ﷺ:
نعم وأفضل، والذى بعثنى بالحق نبيّا لا يدخل الجنة مبغضك، ولو كان له عمل سبعين نبيا (^٢).
ولما كان اليوم الثالث حانت من النبى ﷺ التفاتة إلى أعلى الغار، فنظر فيه كوة، ونظر فيها طيرا جاثما لا يأكل ولا يشرب، فعجب أبو بكر من ذلك وقال: وا عجبا لهذا الطير من أين مأكله ومشربه؟ اختلج هذا فى سرّ أبى بكر، فهبط جبريل على النبى ﷺ ونادى: يا محمد، العلىّ الأعلى يقرئك السلام، ويقول لك قد علمت ما اختلج فى سر أبى بكر، فقل له أن يكلم الطّير؛ فإنى قد أمرت الطير أن يتكلّم. فعندها قال النبى ﷺ: يا أبا بكر ما اختلج فى صدرك من أمر هذا الطير؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله عجبت من هذا الطير؛ لنا ثلاثة أيام فى هذا الغار وهو لا يأكل ولا يشرب ولا
_________________
(١) الإضافة عن الرياض من النضرة ١:١٩٥.
(٢) المرجع السابق، والخصائص الكبرى ١:٤٦٣،٤٦٤، والسيرة الحلبية ٢:٢١١، وتاريخ الخميس ١:٣٢٩،٣٣٠.
[ ١ / ٣٧٥ ]
يتحرك. قال النبى ﷺ: هذا جبريل يخبرنى عن ربى أن تكلّم الطير فإنى أمرته أن يكلمك. فقال أبو بكر: أيها الطير. كلمنى بإذن الله ﷿؛ فإنى عبد مملوك مثلك، فأخبرنى من أين مأكلك ومشربك؟ فبكى الطير حتى تساقطت دموعه على الأرض ثم تبسّم فقال: يا أبا بكر اسألنى عما شئت، ولا تسألنى عن هذا؛ فإنه شئ بينى وبين ربى ﷿، لا أريد أن يطلع عليه سواه.
فقال: إن كنت مأمورا بالطاعة فأخبرنى. فقال: يا أبا بكر والذى فلق الحبة وبرأ النسمة، وتردّى بالعظمة. وسمّى نفسه الله؛ لقد خلقنى الله ﷿ فى هذه الكوة قبل أن يخلق أباك آدم، وجعل مأكلى فى كلمات أتكلم بها فأشبع، ومشربى فى كلمات أتكلم بهن فأروى. قال: وما هى؟ قال: إذا جعت لعنت باغضك فأشبع، وإذا عطشت ترضيّت عمن يحبك فأروى. فبكى النبى ﷺ وقال:
يا أبا بكر، ما يحبك إلا مؤمن تقىّ، وما يبغضك إلا منافق شقىّ.
وأصاب يد أبى بكر وهو مع النبى ﷺ وهو فى الغار حجر فقال:-
هل أنت إلا إصبع دميت … وفى سبيل الله ما لقيت (^١)
_________________
(١) وكذا فى تاريخ الإسلام ٢:٢٢١، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٣٨. وفى شرح المواهب ١:٣٣٦ «دخل أبو بكر الغار فأصاب يده شئ فجعل يمسح الدم عن إصبعيه ويقول: هل أنت إلا إصبع دميت وفى سبيل الله ما لقيت وذكر الواقدى وابن هشام أن هذا البيت للوليد بن المغيرة الصحابى لما رجع فى صلح الحديبية إلى المدينة وعثر بحرتها فانقطعت أصبعه، وروى ابن أبى-الدينا أن جعفر لما قتل بمؤته دعا الناس بعبد الله ابن رواحة فأقبل فأصيب أصبعه فارتجز يقول: =
[ ١ / ٣٧٦ ]
ولما مضت ثلاث لرسول الله ﷺ وأبى بكر وهما فى الغار، وسكن عنهما الطلب، وهدأت عنهما الأصوات أتاهما صاحبهما الذى استأجراه ببعيريهما وبعير له، فخرجا من الغار سحر ليلة الاثنين لأربع خلون من ربيع الأول.
وفيه نظر لما سبق أنه ﷺ خرج من مكة يوم الاثنين، فيكون على هذا ليلة الخميس لأربع ليال خلون من ربيع الأول؛ وفى ذلك خلاف (^١).
فلما قرّب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله ﷺ قدّم له أفضلهما ثم قال: اركب فداك أبى وأمى يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: إنى لا أركب بعيرا ليس لى. قال: فهى لك يا رسول بأبى أنت وأمى. قال: لا، ولكن ما الثمن الذى ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا. قال: قد أخذتها بذلك.
قال: هى لك يا رسول الله. فركبا-والناقة التى أخذها رسول الله ﷺ من أبى بكر هى ناقته التى تسمى الجدعاء وهى غير العضباء (^٢).
_________________
(١) = هل أنت إلا أصبع دميت وفى سبيل الله ما لقيت يا نفس إلا تقتلى تموتى هذا حياض الموت قد صليت وما تمنيه فقد لقيت إن تفعلى فعلهما هديت وروى الشيخان وغيرهما عن جندب: بينما نحن مع النبى ﷺ إذ أصابه حجر فدميت أصبعه فقال: هل أنت … البيت-والذى يظهر أنه من إنشاء الصديق، وأن كلا من المصطفى ﷺ والوليد تمثلا به، والممتنع على النبى ﷺ إنشاء الشعر لا إنشاده، وضمنه ابن رواحة شعره المذكور. وانظر سبل الهدى والرشاد ٣:٣٣٩، والسيرة الحلبية ٢:٢٠٦.
(٢) وانظر فى ذلك سبل الهدى والرشاد ٣: ٣٦٠ التنبيه الرابع، وتاريخ الخميس ١: ٣٣٠.
(٣) وقيل هى القصواء، وكانت من نعم بنى قشير، وعاشت بعده ﵇ قليلا، وماتت فى خلافة أبى بكر. (شرح المواهب ١: ٣٢٧، وسبل الهدى والرشاد ٣: ٣٣٧)
[ ١ / ٣٧٧ ]
وكانت أسماء بنت أبى بكر أتتهما بسفرة ونسيت أن تجعل لها عصاما، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السّفرة فإذا ليس فيها عصام، فقالت لأبيها: لا أجد شيئا أربطه إلاّ نطاقى. قال: فشقّيه باثنين، فعلقت السفرة بواحدة وانتطقت بالأخرى؛ لذلك قيل لها ذات النّطاقين (^١).
وانطلق النبى ﷺ وأبو بكر، وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة خلفه ليخدمهما فى الطريق، وحمل أبو بكر معه جميع ماله- وهو ستة آلاف درهم-وسار عبد الله بن أريقط أمامهما على راحلته يهديهما الطريق، فجاز بهما أسفل مكة، ومضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان (^٢)، ثم سلك بهما على أسفل أمج (^٣)، ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا (^٤). قال أبو بكر: دلجنا من مكة ليلا فأحيينا (^٥)
_________________
(١) وفى شرح المواهب ١:٣٢٨ «النطاق: ما يشد به الوسط، وقيل هو إزار فيه تكة، وقيل ثوب تلبسه المرأة ثم تشد وسطها بحبل ثم ترسل الأعلى على الأسفل … وسميت ذات النطاقين لأنها كانت تجعل نطاقا على نطاق، وقيل كان لها نطاقان تلبس أحدهما وتحمل فى الآخر الزاد. قال الحافظ ابن حجر: والمحفوظ أنها شقت نطاقها نصفين فشدت بأحدهما الزاد واقتصرت على الآخر: فمن ثم قيل لها ذات النطاق وذات النطاقين؛ بالإفراد والتثنية بهذين الاعتبارين. وعند ابن سعد-فى حديث الباب-شقت نطاقها فأوكت بقطعة منه الجراب، وشدت فم القربة بالباقى فسميت ذات النطاقين». وانظر سبل الهدى والرشاد ٣:٣٣٧،٣٣٨، والسيرة الحلبية ٢:٢٠٢.
(٢) عسفان: بلدة على ثمانين كيلو مترا شمالى مكة على طريق المدينة، يلتقى فيها واديان فيها آبار عذبة قديمة وانظر (معالم مكة للبلادى ١٨٨،١٨٩)
(٣) أمج: بعد خليص بجهة مكة بميلين، وبعده بميل وادى الأزرق، ويعرف بعران، وأمج لخزاعة، وبه نحو عشرين بئرا يزرع عليها. (وفاء الوفا ٢:٢٤٩).
(٤) قديد: قرية بين مكة والمدينة كثيرة المياة. (وفاء الوفا).
(٥) كذا فى الأصول، ودلائل النبوة ٢:٢٢٥، وسبل الهدى والرشاد ٣: ٣٤٥. وفى الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٣٩ وتاريخ الخميس ١:٣٣١ «فأحثثنا».
[ ١ / ٣٧٨ ]
ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة وصلى (^١) الطريق فلم يمرّ أحد، فضربت ببصرى هل نرى ظلا نأوى إليه، فإذا بصخرة فانتهيت إليها فإذا بقيّة ظل لها فنزلنا تحتها، فسويت للنبى ﷺ مكانا، وفرشت له فروة كانت معى، وقلت اضطجع يا رسول الله حتى أنفض لك ما حولك، فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب، فإذا أنا براعى غنم معه سائمة يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها الذى أريد- يعنى الظل-فسألته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش فسمّاه فعرفته، فقلت: هل فى غنمك من لبن؟ قال: نعم. فقلت:
هل أنت حالب لى؟ قال: نعم. فأمرته فاعتقل شاة منها، ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، وأمرته بنفض كفيه من الغبار، وقال هكذا فضرب إحدى يديه على الأخرى، ومعى إداوة على فمها خرقة، فحلب لى كثبة (^٢) من اللبن، ومعى ماء للنبى ﷺ فى إداوة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، وكنت أكره أن أوقظ النبىّ ﷺ من نومه، فوافقته حين استيقظ فناولته الإداوة فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب حتى رضيت. ثم قال: ألم يأن للرحيل يا أبا بكر؟ قلت: بلى يا رسول الله.
فارتحلنا (^٣) -ويقال إن أبا بكر هو القائل: هل آن الرحيل؟ فارتحلنا.
_________________
(١) كذا فى م، وبياض فى ت، وفى السيرة الحلبية ٢:٢٢٣ «وقام قائم الظهيرة وخلا الطريق فلا يرى فيه أحد».
(٢) كثبة بضم الكاف وسكون المثلثة وفتح الموحدة: أى قدر قدح، وقيل حلبة خفيفة (سبل الهدى والرشاد ٣:٣٦٨) وفى النهاية فى غريب الحديث: كل قليل جمعته من طعام أو لبن أو غير ذلك.
(٣) دلائل النبوة ٢:٢١٥،٢١٦، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٣٩، وتاريخ الإسلام ٢:٢٢٣، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٤٥،٣٤٦.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ومرّ النبى ﷺ وأبو بكر بعبد الله بن مسعود وهو يرعى غنما لعقبة بن أبى معيط، فقال النبى ﷺ: هل عندك لبن تسقينا؟ فقال: إنى مؤتمن؛ فلست بساقيكما. فقال: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قال: نعم. فأتاهما بها،/فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع فمسحه ودعا بالبركة، فجعل الضرع يدر، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة-ويقال بقعب-فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقيا ابن مسعود، ثم قال للضرع:
اقلص. فقلص (^١).
ومرّ النبى ﷺ وأبو بكر أيضا بعبد يرعى غنما فاستسقياه من اللبن، فقال: والله ما عندى شاة تحلب، غير أن ها هنا عناقا حملت أوّل الشتاء. وقد أخدجت (^٢)، وما بقى لها لبن. فقال النبى ﷺ: ائتنا بها. فاعتقلها النبى ﷺ ومسح ضرعها، ودعا الله. وجاء أبو بكر. بمجنّ فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب
_________________
(١) صفة الصفوة ١:٣٩٥،٣٩٦، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٦٤، ٢٦٥، والخصائص الكبرى ١:٣٠٣. وفى السيرة النبوية لابن كثير «إنما ذلك فى بعض الأحوال قبل الهجرة فإن ابن مسعود ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة كما تقدم». وأوردها الخصائص الكبرى فى باب المعجزات والخصائص الواقعة بمكة فيما بين المبعث والهجرة». ويروى عن ابن مسعود أنه قال: لقد رأيتنى لسادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا.
(٢) فى الأصول، ودلائل النبوة ٢:٢٢٥، والخصائص الكبرى ١:٤٧٠ «أخرجت» والمثبت عن عيون الأثر ١:١٩١، وتاريخ الإسلام ٢:٢٢٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٦٤. والإخداج هو الولادة قبل الآوان، ويقال اخدجت الشاة إذا جاءت بولدها ناقص الخلق.
[ ١ / ٣٨٠ ]
فسقى الراعى، ثم حلب فشرب. فقال العبد: بالله من أنت، فو الله ما رأيت مثلك قط؟ قال: أو تراك تكتم علىّ حتى أخبرك؟ قال: نعم.
قال: فإنى محمد رسول الله. قال: أنت الذى تزعم قريش أنه صابئ؟ قال: نعم: إنهم ليقولون ذلك. قال: فأشهد أنك نبى، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبى، وأنا متّبعك. قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك؛ فإذا بلغك أنى قد ظهرت فأتنا.
ومرّ رسول الله ﷺ فى طريقه بأم معبد عاتكة ابنة خالد-وهى بقديد-وكانت امرأة جلدة برزة تحتبى وتقعد بفناء الخيمة، وتطعم وتسقى، فسألوها: هل معها لحم أو لبن أو تمر يشترونه منها؟ فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وإذا القوم مرملون مسنتون (^١)، فقالت: والله لو كان عندنا شئ ما أعوزكم القرى. فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة فى كسر (^٢) الخيمة فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: هذه شاة خلّفها الجهد عن الغنم. قال: فهل بها من لبن؟ قالت: بأبى وأمى أنت إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسح بيده ضرعها، وذكر اسم الله وقال: اللهم بارك لها فى شاتها.
فتفاجّت (^٣) عليه ودرّت واجترت، فدعا بإناء لها يربض (^٤) الرهط
_________________
(١) مرملون مسنتون: أى مجدبون. (السيرة الحلبية ٢:٢٢٤)
(٢) كسر الخيمة: جانبها. (المعجم الوسيط)
(٣) تفاجت: فرجت ما بين رجليها للحلب. (السيرة الحلبية ٢:٢٢٤)
(٤) يربض الرهط: أى يروبهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض، من ربض فى المكان يربض إذا لصق به وأقام ملازما له. (النهاية فى غريب الحديث)
[ ١ / ٣٨١ ]
فحلب فيه ثجّا (^١) حتى علاه الثمال (^٢)، فسقاها فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا ثم شربوا عللا بعد نهل (^٣) حتى أراضوا، ثم شرب آخرهم وقال: ساقى القوم آخرهم شربا، ثم حلب فيه ثانيا-عودا على بدء-حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، واستمرت تلك البركة فيها، ثم بايعها وارتحل عنها.
فقلّ ما لبث أن جاء زوجها أبو معبد أكثم بن الجون (^٤) يسوق أعنزا حيالا عجافا، يتساوكن (^٥) هزلا ما تساوقوا (^٦)، مخّهن قليل لا نقى (^٧) بهن. فلما رأى أبو معبد اللبن بالإناء-وما بالشاة من لبن-عجب وقال: من أين لكم هذا اللبن يا أم معبد، والشاة عازبة (^٨) حيال، ولا حلوب فى البيت؟ فقالت: لا والله إلاّ أنه مرّ بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا.
قال: والله إنى لأراه صاحب قريش الذى يطلب، صفيه لى يا أم معبد.
فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح
_________________
(١) ثجا: أى بقوة لكثرة اللبن. (السيرة الحلبية ٢:٢٢٥)
(٢) الثمال: الرغوة. (المرجع السابق)
(٣) عللا بعد نهل: أى مرة ثانية بعد الأولى. (المرجع السابق)
(٤) وانظر الخلاف حول اسمه فى شرح المواهب ١:٣٤١.
(٥) يتساوكن: هزلن حتى تمايلن فى مشهين من الضعف. (المعجم الوسيط)
(٦) ما تساوقوا: أى ما تتابعوا وتزاحموا فى السير. (المعجم الوسيط)
(٧) النقى: المخ. (المعجم الوسيط)
(٨) عازبة: أى بعيدة المرعى التى لا تأوى إلى المنزل فى الليل. (السيرة الحلبية ٢:٢٢٧).
[ ١ / ٣٨٢ ]
الوجه، لم تعبه ثجلة (^١) ولم تزر به صعلة (^٢)، وسيم قسيم فى عينيه دعج، وفى أشفاره وطف (^٣) وفى صوته صحل (^٤)، أحور أكحل، أزجّ (^٥) أقرن (^٦)، شديد سواد الشعر، فى عنقه سطع (^٧)، وفى لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدّرن، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه (^٨) من طول، ولا تقتحمه (^٩) عين من قصر، غصن بين غصنين؛ فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود (^١٠) محشود (^١١)، لا عابس ولا مفند (^١٢). فقال: هذا هو والله صاحب
_________________
(١) الثجلة: عظم البطن. (السيرة الحلبية ٢:٢٢٧)
(٢) الصعلة: صغر الرأس. (المرجع السابق)
(٣) الوطف: طول فى الأهداب. (سبل الهدى والرشاد ٣:٣٧١).
(٤) الصحل: بحة فى الصوت تجعله غير حاد. (سبل الهدى والرشاد ٣:٣٧٢)
(٥) الأزج: دقيق الحاجبين مقوسهما. (المعجم الوسيط)
(٦) الأقرن: أى مقرون الحاجبين-والمشهور فى وصف حاجبى النبى ﷺ ما فى حديث هند بن أبى هالة: أزج الحواجب سوابغ من غير قرن. قال ابن الأثير: وهو الصحيح وقال غيره إنه المشهور. (شرح المواهب ١:٣٤١،٣٤٢)
(٧) السطع: أى النور. (السيرة الحلبية ٢:٢٢٧)
(٨) لا تشنؤه: أى لا تبغضه لفرط طوله. (المرجع السابق)
(٩) لا تقتحمه عين: أى لا تتجاوزه إلى غيره اختيارا له. (المرجع السابق ٢:٢٢٨)
(١٠) المحفود: الذى يخدمه أصحابه ويعظمونه ويسرعون فى طاعته. (النهاية فى غريب الحديث)
(١١) المحشود: أى له حشد وجماعة. (تاريخ الخميس ١:٣٣٤)
(١٢) لا مفند: لا يكثر اللوم على من وقع منه ذنب. (المرجع السابق)
[ ١ / ٣٨٣ ]
قريش الذى يطلب، ولو صادفته لألتمسنّ أن أصحبه، ولأجهدنّ إن وجدت لذلك سبيلا (^١).
ويروى، قالت أم معبد: طلع علينا أربعة على راحلتين؟؟؟ فنزلوا بى، فجئت رسول الله ﷺ بشاة أريد أن أذبحها، فإذا هى ذات درّ، فأدنيتها منه فلمس ضرعها فقال: لا تذبحيها؟؟؟ أرسلتها وجئت بأخرى فذبحتها، فطبختها لهم، فتغدّى رسول الله ﷺ وأصحابه، وملأت سفرتهم منها ما وسعت سفرتهم، وبقى عندنا لحمها أو أكثره، وبقيت الشاة التى لمس رسول الله ﷺ ضرعها عندنا حتى كان زمان الرّمادة زمان عمر بن الخطاب، وهى سنة ثمانى عشرة من الهجرة. وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا. وما فى الأرض لا قليل ولا كثير (^٢).
ومرّت قريش بأم معبد، وسألوها عن رسول الله ﷺ ووصفوه، فقالت: ما أدرى ما تقولون، غير أنه ضافنى حالب الحائل. فقالوا: ذاك الذى نطلب.
وكان أهل أم معبد يؤرّخون بيوم نزل الرجل المبارك (^٣)
_________________
(١) طبقات ابن سعد ١:٢٣٠،٢٣١، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٤٢ - ٢٤٤، وعيون الأثر ١:١٨٧،١٨٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٦٠ - ٢٦٣، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٤٦ - ٣٤٨، والسيرة الحلبية ٢:٢٢٧،٢٢٨، وتاريخ الخميس ١:٣٣٣، وشرح المواهب ١:٣٤٠ - ٣٤٢.
(٢) الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٤٥ ٢٤٦، والامتاع ١:٤٣.
(٣) السيرة الحلبية ٢:٢٢٨، وشرح المواهب ١:٣٤٢.
[ ١ / ٣٨٤ ]
ولما ارتحل رسول الله ﷺ عن أم معبد تعرّض له سراقة بن مالك بن جعشم المدلجىّ. وكان لمّا خرج رسول الله ﷺ مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش مائة ناقة لمن ردّه عليهم. قال سراقة: فبينما أنا جالس فى نادى قومى أقبل رجل منّا حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مرّوا علىّ آنفا، إنى لأراهم محمدا وأصحابه.
فأومأت إليه. يعنى أن اسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالّة لهم. قال: لعلّه. ثم سكت، فمكثت قليلا ثم قمت فدخلت بيتى، ثم أمرت بفرسى فقيّد لى إلى بطن الوادى، وأمرت بسلاحى من دبر حجرتى، ثم أخذت قداحى التى أستقسم بها، ثم انطلقت فلبست لأمتى، ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها فخرج السّهم الذى أكره؛ «لا يضره (^١)». وكنت أرجو أن أردّه على قريش فآخذ المائة الناقة، فركبت على أثره، فبينا فرسى يشتد بى إذ عثر بى فسقطت عنه، قلت: ما هذا؟ ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره «لا يضره» فأبيت إلا أن أتبعه فركبت فى أثره، فبينا فرسى يشتد عثر بى فسقطت عنه، فقلت: ما هذا؟ ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره «لا يضره» فأبيت إلا أن أتبعه فركبت فى أثره، فلما بدا لى القوم فرأيتهم عثر بى فرسى فذهبت يداه فى الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار؛ فعرفت حين رأيت ذلك أنه
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ٢:٢١٩ «أأضرهم أو لا أضرهم؟ فخرج الذى أكره؛ لا تضرهم» وفى الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٤١ «أضرهم أم لا؟ فخرج الذى أكره».
[ ١ / ٣٨٥ ]
قد منع منى وأنه ظاهر، فناديت القوم: أنا سراقة بن جعشم، أنظرونى أكلمكم، فو الله لا آذيتكم ولا يأتيكم منى شئ تكرهونه.
فقال رسول الله ﷺ لأبى بكر: قل له: وما تبتغى منا؟ فقال لى ذلك أبو بكر. قلت: تكتب لى كتابا يكون آية بينى وبينك. قال:
أكتب له يا أبا بكر. فكتب لى كتابا فى عظم-أو فى خرقة-ثم ألقاه إلىّ فأخذته فجعلته فى كنانتى، ثم رجعت فسكتّ فلم أذكر شيئا مما كان (¬*).
ويروى قال سراقة: جاءنا رسل كفّار قريش يجعلون فى رسول الله ﷺ وفى أبى بكر دية كلّ واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينا، أنا جالس فى مجلس من مجالس قومى بنى مدلج إذ أقبل رجل منهم (^١) حتى وقف علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة إنى قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه. قال سراقة فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقا بأعيننا، ثم قلّ ما لبست فى المجلس ساعة حتى قمت فدخلت بيتى، فأمرت جاريتى أن تخرج بفرسى فتهبطها من وراء أكمة فتحبسها علىّ، وأخذت رمحى: وخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجّه الأرض، وخفضت أعاليه، حتى أتيت فرسى فركبتها
_________________
(١) = *) من أول خبر سراقة إلى هنا ورد فى م قبل خبر مرور النبى ﷺ وأبى بكر بعبد الله بن مسعود ﵄.
(٢) فى ت «منا». والمثبت عن م ودلائل النبوة ٢:٢١٨، والسيرة الحلبية ٢: ٢١٦، وشرح المواهب ١:٣٤٧.
[ ١ / ٣٨٦ ]
فرفعتها تقرّب بى، حتى إذا دنوت منهم عثرت بى فرسى فخررت عنها، فقمت فأهويت بيدى إلى كنانتى فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها: أضرهم أو لا أضرهم؟ فخرج الذى أكره «لا أضرهم» فركبت فرسى-وعصيت الأزلام-فرفعتها تقرّب بى حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ-وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات-ساخت يدا فرسى فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع فى السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذى أكره أن «لا أضرهم» فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسى حتى جئتهم، ووقع فى نفسى-حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم-أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ، فقلت له: إنّ قومك قد جعلوا فيكما الدّية، وأخبرتهم خبر ما يريد الناس بهم، وعرضتّ عليهم الزاد والمتاع. فلم يرزآنى شيئا، ولم يسألانى إلاّ أن قالا: أخف عنا. فسألته أن يكتب لى كتاب موادعة أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب فى رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله ﷺ (^١).
ويروى: أنه لما أدرك سراقة بن مالك بن جعشم النبى ﷺ قال أبو بكر: يا رسول الله، هذا الطلب قد لحقنا. فقال: لا تحزن
_________________
(١) وانظر مع المراجع السابقة الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٤١،٢٤٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٤٦ - ٢٤٨، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٥٢،٣٥٣، وتاريخ الخميس ١:٣٣٢.
[ ١ / ٣٨٧ ]
إنّ الله معنا. حتى إذا دنا فكان بينه وبينهم قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة قال أبو بكر: يا رسول الله هذا الطّلب قد لحقنا. وبكى أبو بكر، فقال النبى ﷺ: لم تبكى؟ قال: أما والله ما على نفسى أبكى، ولكن أبكى عليك. فدعا رسول الله ﷺ فقال: اللهم اكفناه بما شئت. فساخت قوائم فرسه إلى بطنها فى أرض صلد، ووثب عنها وقال: يا محمد قد علمت أنّ هذا عملك، فادع الله أن ينجينى مما أنا فيه؛ فو الله لأعمين على من ورائى من الطّلب، وهذه كنانتى فخذ منها سهما؛ فإنك ستمر على إبلى وغنمى وغلمانى فى موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك. فقال رسول الله ﷺ: لا حاجة لى فيها، ودعا له (^١).
فلما أراد أن يعود عنه قال: كيف بك يا سراقة إن سوّرت بسوارىّ كسرى؟ قال: كسرى بن هرمز؟ قال النبى ﷺ:
نعم. وسأله سراقة أن يكتب له النبىّ ﷺ كتابا، فكتب له أبو بكر-ويقال بل كتبه له عامر بن فهيرة-فى أدم. ورجع يقول للناس: قد كفيتم ما ها هنا، ويردّ عنهم الطلب (^٢).
ويروى: لما تبعهم سراقة بن مالك قال أبو بكر: يا رسول الله أتينا. فقال رسول الله ﷺ: لا تحزن إنّ الله معنا. فدعا عليه
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٤:٣٦٦، ودلائل النبوة ٢:٢١٦، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٤٠، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٥٤، والسيرة الحلبية ٢:٢١٨، ٢١٩، وتاريخ الخميس ١:٣٣١،٣٣٢.
(٢) الإمتاع ١:٤٢، والسيرة الحلبية ٢:٢٢٠،٢٢١، وشرح المواهب ١: ٣٤٨.
[ ١ / ٣٨٨ ]
رسول الله ﷺ فارتطمت فرسه إلى بطنها، فقال: إنى قد علمت أنكما دعوتما علىّ، فادعوا الله لى، فالله لكما أن أردّ عنكما الطلب، فدعا الله فنجّى، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم ما هنا، فلا يلقى أحدا إلا ردّه ووفىّ لهم (^١).
ولما سمع أبو جهل شأن سراقة وما يذكر من أمر رسول الله ﷺ وما رأى من أمر الفرس حين أصابه ما أصابه، وتخوّف أبو جهل سراقة أن يسلم حين رأى ما رأى فقال:
بنى مدلج إنى أخاف سفيهكم … سراقة مستغو لنصر محمد
عليكم به ألاّ يفرّق جمعكم … فيصبح شتّى بعد عزّ وسؤدد (^٢)
يظن سفيه الحىّ أن جاء سهمه … على واضح من سنّة الحقّ مهتد
فأنّى يكون الحق ما قال إن غدا … ولم يأت بالحق المبين المسدد
ولو أنه لم يأت يثرب هاربا … لأسحاه (^٣) وقع المشرفى المهند
ولكنه ولىّ غريبا بسخطة … إلى يثرب متأفّنا (^٤) بعد مولد
فقال سراقة يجيب أبا جهل/:-
أبا حكم والله لو كنت شاهدا … لأمر جوادى إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأنّ محمدا … رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:٢١٧.
(٢) ورد هذا البيت وسابقه فى السيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٤٩ والخصائص الكبرى ١:٤٦٣، وتاريخ الخميس ١:٣٣٣. ولم ترد بقية الأبيات.
(٣) أسحاه: قشره وأزال جلده. (المعجم الوسيط)
(٤) متأفنا: يقال نأفن الرجل أى تخلق بما ليس فيه (المعجم الوسيط)
[ ١ / ٣٨٩ ]
عليك بكفّ القوم عنه فإننى … أرى أمره يوما ستبدوا معالمه
بأمر تودّ النفس فيه بأنها … لو انّ جميع الناس طرّا تسالمه (^١)
ويروى أن أبا بكر الصديق قال فى دخوله الغار مع رسول الله ﷺ، ومسيره معه حين سار، وفى طلب سراقة بن مالك بن جعشم إيّاهم:-
قال النبىّ-ولم يجزع-يوقّرنى … ونحن فى سدفة من ظلمة الغار
لا تخش شيئا فإنّ الله ثالثنا … وقد توكّل لى منه بإظهار
وإنما كيد من تخشى بوادره … كيد الشياطين كادته لكفّار
والله مهلكهم طرا بما كسبوا … وجاعل المنتهى منهم إلى النار
وأنت مرتحل عنهم وتاركهم … إما (^٢) غدّوا وإما مدلج سارى (^٢)
وهاجر أرضهم حتى يكون لنا … قوم عليهم ذوو عزّ وأنصار
حتى إذا الليل وارتنا جوانبه … وسدّ من دون من نخشى بأستار
سار الأريقط يهدينا وأينقه … ينعبن بالقرم نصبا تحت أكوار
يعسفن عرض الثنايا بعد أطولها … وكلّ سهب رقاق الترب موّار
حتى إذا قلت قد أنجدن عارضها … من مدلج فارس فى منصب وار
_________________
(١) فى الاكتفا ١:٤٥٤، والروض الأنف ٢:٢٣٣ بأمر يود الناس فيهم بأسرهم بأن جميع الناس طرا يسالمه وفى دلائل النبوة ٢:٢٢١: بأمر يود النصر فيه بإلبها لوان جميع الناس طرا تسالمه وفى السيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٤٩ بأمر تود النصر فيه فإنهم وإن جميع الناس طرا مسالمة
(٢) بياض فى ت. وكلمات ليس لها معنى فى م. والمثبت عن الاكتفا ١: ٤٥٥، والروض الأنف ٢:٢٣٤، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٥٥.
[ ١ / ٣٩٠ ]
يردى به مشرف الأقطار معتزم … كالسيّد ذى اللّبدة المستأسد الضارى
فقال كرّوا فقلنا إنّ كرّتنا … من دونها لك نصر الخالق البارى
أن يخسف الأرض بالأحوى وفارسه … فانظر إلى أربع فى الأرض غوّار
فهيل لمّا رأى أرساغ مقربه … قد سخن فى الأرض لم تحفر بمحفار
فقال هل لكم أن تطلقوا فرسى … وتأخذوا موثقى فى نصح أسرار
وأصرف الحىّ عنكم إن لقيتهم … وأن أعوّر منهم عين عوّار
فادع الذى هو عنكم كيف عوقنا (^١) … يطلق جوادى وأنتم خير أبرار
فقال قولا رسول الله مبتهلا … يا ربّ إن كان منه غير إخفار
فنجّه سالما من شرّ دعوتنا … ومهره مطلقا من كلم (^٢) آثار/
فأظهر الله إذ يدعو حوافره … وفاز فارسه من هول أخطار
ولقى النبى ﷺ الزّبير فى ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام إلى مكة، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثيابا بيضا (^٣).
ولقى النبىّ ﷺ-أيضا-أوس بن حجر الأسلمى، فحمله
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى الروض الأنف ٢:٢٣٤، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٥٦ فادع الذى هو عنكم كف عورتنا … وفى الاكتفا ١:٤٥٦ فادع الذى هو عنكم كف عدوتنا
(٢) فى الأصول «من كل» والمثبت عن المراجع السابقة.
(٣) دلائل النبوة ٢:٢٢٦، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٤٢، وعيون الأثر ١:١٨٥، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٥٦، وشرح المواهب ١:٣٤٩.
[ ١ / ٣٩١ ]
على جمل، وبعث معه غلاما له يقال له مسعود بن هنيدة ليردّه إليه من المدينة (^١).
ولقى النبىّ ﷺ طلحة بن عبيد وقد قدم من الشام وخرج من المدينة عامدا إلى مكة لمّا ذكر له رسول الله ﷺ وأبو بكر.
فخروجه إما متلقّيا لهما، وإما عامدا [عمرة] (^٢) بمكة، ومعه ثياب من ثياب الشام اشتراها لأبى بكر، فلما لقيه أعطاه الثياب، فلبس رسول ﷺ منها وأبو بكر.
وتلقى النبى ﷺ بريدة بن الحصيب فى سبعين راكبا من أهل بيته من بنى سهم (^٣) فقال نبىّ الله: من أنت؟ قال: أنا بريدة. فالتفت إلى أبى بكر الصديق فقال: يا أبا بكر برد أمرنا وصلح. ثم قال: وممن أنت؟ قال: من أسلم. قال رسول الله ﷺ لأبى بكر: سلمنا. قال: ممن؟ قال: من بنى سهم. قال: خرج سهمك [يا أبا بكر] (^٤) فقال بريدة للنبى ﷺ: من أنت؟ قال:
أنا محمد بن عبد الله رسول الله. فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا
_________________
(١) سبل الهدى والرشاد ٣:٣٥٧.
(٢) الإضافة عن دلائل النبوة ٢:٢٢٦، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٥٦. وانظر فى لقاء النبى ﷺ لطلحة والزبير تاريخ الخميس ١:٣٣٥، وشرح المواهب ١: ٣٤٩.
(٣) زادت الأصول بعد هذا اللفظ «فلقى نبى الله».
(٤) الإضافة عن الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٤٧، وسبل الهدى والرشاد ٣: ٣٥٨، والسيرة الحلبية ٢:٢٣١، وتاريخ الخميس ١:٣٣٥، وشرح المواهب ١: ٣٤٩،٣٥٠.
[ ١ / ٣٩٢ ]
الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا-وكانوا نحو ثمانين بيتا-فصلى رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، فصلّوا خلفه، فلما أصبح قال بريدة للنبى ﷺ: لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء. فحل [بريدة] (^١) عمامته ثم شدّها فى رمح ثم مشى بين يديه، فقال: يا نبى الله تنزل علىّ (^٢). قال النبى ﷺ: إنّ ناقتى هذه مأمورة.
ولما أن مضت ثلاث ليال-وأعمى الله على قريش خبر النبى ﷺ وصاحبه فلم يدروا أين توجّها-أصبح صوت بمكة عاليا بين السماء والأرض، يسمعونه ولا يدرون من يقوله، أقبل من أسفل مكة، يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته ولا يرونه، حتى خرج بأعلا مكة وهو يقول/:-
جزى الله ربّ الناس خير جزائه … رفيقين قالا خيمتى أم معبد
هما نزلا بالبرّ وارتحلا به … فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيالقصىّ ما زوى الله عنكم … به من فعال لا تجازى وسؤدد
ليهن بنى كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلّبت … له بصريح ضرّة الشاة مزبد
فغادرها رهنا لديها لحالب … تدرّ لها فى مصدر (^٣) ثم مورد
_________________
(١) إضافة عن السيرة الحلبية ٢:٢٣١.
(٢) كذا فى ت، والوفا بأحوال المصطفى ١:٢٤٧. وفى م وتاريخ الخميس ١: ٣٣٥ «تنزل على من» وفى السيرة الحلبية ٢:٢٣١ «تنزل علام».
(٣) كذا فى م. وفى ت «مقعد». وانظر الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٤٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٦٢، والخصائص الكبرى ١:٤٦٧،٤٦٨، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٤٩، وتاريخ الخميس ١:٣٣٤، وشرح المواهب ١:٣٤٣. مع اختلاف يسير فى بعض الألفاظ.
[ ١ / ٣٩٣ ]
فلما سمعوا قوله عرفوا حيث توجّه (^١) رسول الله ﷺ، وأن (^٢) وجهتهم إلى المدينة، فأجدّ المسلمون على خيمتى أم معبد حتى لحقوا برسول لله ﷺ (^٢). وأجاب حسان بن ثابت فقال:-
لقد خاب قوم زال عنهم نبيّهم … وقدّس من يسرى إليهم ويغتدى
ترحّل عن قوم فزالت عقولهم … وحلّ على قوم بنور مجدّد
هداهم به بعد الضلالة ربّهم … وأرشدهم، من يتبع الحقّ يرشد
وهل يستوى ضلاّل قوم تسفّهوا … عمى وهداة يقتدون بمهتد
لقد نزلت منه على أهل يثرب … ركاب هدى حلّت عليهم بأسعد
نبىّ يرى ما لا يرى الناس حوله … ويتلوا كتاب الله فى كلّ مشهد
وإن قال فى يوم مقالة غائب … فتصديقها فى ضحوة اليوم أوغد
ليهن أبا بكر سعادة جدّه … بصحبته، من يسعد الله يسعد
ويهن بنى كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمسلمين بمرصد (^٣)
ولما بلغ جندب (^٤) بن ضمرة الجندعى أن النبى ﷺ هاجر قال: لا عذر لى فى مقامى بمكة-وكان ضعيفا-فأمر أهله فأخرجوه إلى التنعيم فمات؛ فأنزل الله ﷿ فيه ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ﴾
_________________
(١) فى الأصول «وجه». والمثبت عن شرح المواهب ١:٣٤٣.
(٢) سقط فى م.
(٣) الوفا بأحوال المصطفى ١:٢٤٤،٢٤٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٢: ٢٦٢، وسبل الهدى والرشاد ٣:٣٤٩، وشرح المواهب ١:٣٤٣، والديوان-مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
(٤) فى الأصول «حيى» والمثبت عن تفسير الطبرى «جامع البيان» ٥: ٢٣٩، وانظر الخلاف حول اسمه فى الإصابة ١:٢٥١،٢٥٢.
[ ١ / ٣٩٤ ]
﴿مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١) الآية. فلما رأى ذلك من كان بمكة ممّن يطيق الخروج خرجوا، فبدر فى طلبهم أبو سفيان فى جماعة من المشركين فردّوهم وسجنوهم، فافتتن منه أناس.
وأقام علىّ بعد النبى ﷺ بمكة ثلاث ليال، أدّى بها الودائع التى كانت عند النبى ﷺ، وقضى ديونه، ثم لحق بالنبى ﷺ، وكان يمشى الليل ويكمن النهار حتى قدم المدينة، فأدرك النبى ﷺ بقباء (^٢).
ولما وصل النبىّ ﷺ إلى المدينة بعث زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكّة ليقدما عليه ببناته؛ فاطمة، وأم كلثوم، وزينب، وزوجته سودة بنت زمعة وابنها، ومولاه أسامة بن زيد، وأمّه حاضنة النبى ﷺ أمّ أيمن بركة، وبعث معهما ببعيرين وخمسمائة درهم-أخذها من أبى بكر-يشتريان بها ما يحتاجان إليه. وبعث أبو بكر معهما عبد الله ابن الأريقط الدّيلى ببعيرين أو ثلاثة، وكتب إلى عبد الله بن أبى بكر أن يحمل أهله، أمّ رومان، وعائشة، وأسماء. فاشترى زيد بالخمسمائة ثلاثة أبعرة بقديد، وقدم مكة فإذا طلحة بن عبيد الله يريد الهجرة، فقدما المدينة على رسول الله ﷺ بابنتيه فاطمة وأم كلثوم، وزوجته سودة، وأسامة بن زيد وأمّه أم أيمن-وحبس أبو العاص بن
_________________
(١) سورة النساء آية ١٠٠.
(٢) سيرة النبى لابن هشام ٢:٣٤٢، والإمتاع ١:٤٨، والسيرة الحلبية ٢: ٢٣٣، وشرح المواهب ١:٣٥٢.
[ ١ / ٣٩٥ ]
الربيع امرأته زينب ابنة النبى ﷺ-وخرج معهم عبد الله بن أبى بكر (^١) بعيال أبيه-فيهم عائشة-فقدموا المدينة.
ويروى: أن عبد الله بن أريقط لمّا رجع إلى مكة أخبر عبد الله بن أبى بكر (^١) بمكان أبيه أبى بكر، فخرج عبد الله بعيال أبيه إليه، وصحبتهم طلخة بن عبيد الله، ومعهم أم رومان أم عائشة، وعبد الرحمن، حتى قدموا المدينة (^٢).
ولما خرج النبىّ ﷺ إلى المدينة همّ بالخروج على أثره صهيب ابن سنان، فصدّه فتيان من قريش، (^٣) فجعل ليله يقوم لا يقعد، فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه-ولم يكن شاكيا-فناموا فخرج، فلحقه منهم (^٣) ناس بعد ما سار بريدا ليردّوه. فقال لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقى من ذهب وتخلون سبيلى وتوفون (^٤) لى؟ ففعلوا:
فبعثهم إلى مكة فقال: احفروا تحت أسكفّة الباب فإن تحتها الأواقى، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلّتين. وخرج حتى قدم على رسول الله ﷺ قباء قبل أن يتحوّل منها، فلما رآنى قال: يا أبا يحيى ربح البيع-ثلاثا-فقلت: يا رسول الله ما سبقنى إليك أحد وما أخبرك إلا جبريل ﵇.
_________________
(١) سقط فى ت.
(٢) طبقات ابن سعد ١:٢٣٧،٢٣٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٣١٤، والإمتاع ١:٤٨،٤٩، والسيرة الحلبية ٢:٢٧٣،٢٧٤، وشرح المواهب ١:٣٧٠.
(٣) سقط فى ت. والمثبت من م والخصائص الكبرى ١:٤٧٣.
(٤) فى م «وتوثقون لى». وفى ت لفظ لا يقرأ. وفى دلائل النبوة ٢:٢٤٦ «وتوثقون لى الله» والمثبت عن السيرة النبوية لابن كثير ٢:٢٢٣.
[ ١ / ٣٩٦ ]
ولما قدم النبىّ ﷺ المدينة أمر بالتاريخ فكتب من حين الهجرة، ويعرف بعام الأذن (^١).
والمشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من أرّخ، وجعل ذلك من المحرّم، وقيل:/ (^٢) يعلى بن أميّة إذ كان باليمن، ويروى: بل أرخ وفاته ﷺ (^٢).
والصحيح أنه من فعل عمر جعله فى سنة سبع عشرة-أو التى قبلها، أو التى بعدها-لمّا التبس عليه الأمر. ففى بعض التواريخ: واستشار الصحابة فى ذلك فأجمعوا على سنة الهجرة وبدءوها بالمحرم (^٣).
وفيها قدم مكة وفد همدان من اليمن مسلمين، وجاءوا لينطلقوا بالنبى ﷺ إلى اليمن، فوجدوا الأنصار قد خرجت به إلى المدينة، فنزلت همدان مكّة.
وفيها مات من المشركين العاص بن وائل السهمى، والوليد بن المغيرة، ولما حضر الوليد بن المغيرة الموت جزع، فقال له أبو جهل:
_________________
(١) كذا فى الأصول، وتاريخ الخميس ١:٣٣٨. ولعله عام الأذان؛ لأن الأذان قد شرع فى العام الأول من الهجرة على المشهور.
(٢) كذا فى الأصول. وفى المواهب ١:٣٥٢ «وقيل أول من أرخ يعلى بن أمية حين كان باليمن-حكاه مغلطاى، ورواه أحمد بإسناد صحيح عن يعلى-قال الحافظ: لكن فيه أنقطاع بين عمرو بن دينار ويعلى. ولم يؤرخوا بالمولد ولا بالمبعث لأن وقتهما لا يخلو من نزاع من حيث الاختلاف فيهما، ولا بالوفاة النبوية لما يقع فى تذكره من الأسف والتألم على فراقه. وقيل بل أرخ بوفاته ﵇؛ حكاه مغلطاى».
(٣) شرح المواهب ١:٣٥٢.
[ ١ / ٣٩٧ ]
يا عم ما يجزعك؟ قال: والله ما بى جزع الموت، ولكنى أخاف أن يظهر (^١) ابن أبى كبشة بمكة. فقال أبو جهل: يا عم لا تخف أنا ضامن ألا يظهر.
***