فيها أصاب النبى ﷺ رمد شديد، فعولج بمكة فلم يغن
_________________
(١) كذا فى تاريخ الإسلام ٢:٢٣. وقد ورد الشطر الثانى فى الأصول بزيادات لا يقرها الوزن
(٢) دلائل النبوة ١:١٢٢، وسبل الهدى والرشاد ٢:١٧٧.
(٣) بنو مدلج: بطن من كنانة من بنى عبد مناة، وكانوا مشهورين بالقيانة. (هامش الخصائص الكبرى ١:٢٠١)
(٤) طبقات ابن سعد ١:١١٨، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢٤٠.
[ ١ / ٩٣ ]
عنه؛ فقيل لعبد المطلب: إن فى ناحية عكاظ راهبا يعالج الأعين.
فركب إليه وناداه-وديره مغلق-فلم يجبه. فتزلزل به ديره حتى خاف أن يسقط عليه، فخرج مبادرا، فقال: يا عبد المطلب، إن هذا الغلام نبىّ هذه الأمة، ولو لم أخرج إليك لخّر علىّ ديرى، فارجع به واحفظوه لا يغتاله بعض أهل الكتاب. ثم عالجه وأعطاه/ ما يعالج به (^١).
وألقى الله تعالى للنبى ﷺ المحبة فى قلوب قومه. وكل من يراه من الخلق (^١).
وفيها-أو فى التى قبلها أو التى بعدها-خرج عبد المطلب برسول الله ﷺ يستسقون، قالت رقيقة (^٢) بنت أبى صيفى عمرو ابن هاشم بن عبد مناف-وكانت لدة عبد المطلب: تتابعت على قريش سنون جدبة أنحلت (^٣) الضرع والجلد، وأدقّت العظم؛ فبينا أنا ومعى صنوى (^٤) أصغر منى معنا بهمات لنا وربا (^٥) وأعبد يردّون علىّ السّجف، فبينا أنا راقدة-اللهم-أو مهوّمة إذا أنا بهاتف صيّت
_________________
(١) الوفا بأحوال المصطفى ١:١٠١، وسبل الهدى والرشاد ٢:١٨٢.
(٢) كذا فى م، هـ، ودلائل النبوة ١:٣٠٠، والخصائص الكبرى ١:١٩٨، وسبل الهدى والرشاد ٢:١٧٨، وفى ت «رقية».
(٣) كذا فى م، هـ. وفى ت «أذهبت». وفى سبل الهدى والرشاد ٢: ١٧٨، والخصائص الكبرى ١:١٩٨ «أقحلت».
(٤) وفى منال الطالب لابن الأثير ١:٢٠١ «صبوتى» بمعنى الأولاد الصغار.
(٥) كذا فى الأصول، ودلائل النبوة ١:٣٠٠، ولعلها «ربأ» بمعنى المجموع من كل طعام، أو «ربايا» جمع «ربئ وربيئة» للطليعة الذى يرقب العدو من مكان عال لئلا يدهم قومه. (المعجم الوسيط) ولم يرد هذا اللفظ فى رواية منال الطالب ١:٢٠١.
[ ١ / ٩٤ ]
يصرخ بصوت صحل اقشعرّ له جلدى، يقول: يا معشر قريش، إن هذا النبى المبعوث منكم قد أظلتكم أيّامه، وهذا إبّان نجومه، فحى هلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا فيكم رجلا وسيطا طوالا عظاما جساما، أبيض بضّا، أشم العرنين (^١)، أوطف الأهداب، سهل الخدين، له فخر يكظم عليه، وسنه (^٢) يهدى إليه، ألا فليخلص هو وولده، وليدلف إليه من كل بطن رجل، ألا فليشنّوا (^٣) من الماء، وليمسّوا من الطيب، ثم ليستلموا الركن، وليطوفوا بالبيت العتيق سبعا، ثم ليرقوا أبا قبيس، ألا وفيهم الطيّب الطاهر لذاته، ألا فليستسق الرجل وليؤمّن القوم؛ ألا فغثتم-إذا-ما شئتم وعشتم.
فأصبحت-علم الله-مفئودة مذعورة، قد قفّ جلدى ووله عقلى. فاقتصصت رؤياى، ونمّت فى شعاب مكة، فو الحرمة والحرم إن بقى بها أبطحى إلاّ قال: هذا شيبة الحمد هذا شيبة.
وتتامت عنده رجالات قريش، وانفضّ إليه من كل بطن رجل فشنّوا وطيّبوا ومسّوا واستلموا وطافوا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفق القوم يدفّون حوله. ما إن يدرك سعيهم مهلة حتى قرّوا بذروة الجبل، واستكفّوا جنائبه. فقام عبد المطلب فاعتضد ابن ابنه محمدا فرفعه
_________________
(١) العرنين: ما صلب من عظم الأنف حيث يكون الشمم. (المعجم الوسيط).
(٢) كذا فى الأصول، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٢١، وفى دلائل النبوة ١:٣٠١، ومنال الطالب ١:٢٠١، والخصائص الكبرى ١:١٩٨ «وسنة». وفى سبل الهدى والرشاد ٢:١٧٨ «وسنة يهتدى إليها».
(٣) فليشنوا من الماء: أى يغتسلوا به. (سبل الهدى والرشاد ٢:١٨٠)
[ ١ / ٩٥ ]
على عاتقه-وهو يومئذ غلام قد أيفع أو كرب-ثم رفع يديه فقال: اللهم سادّ الخلّة، وكاشف الكربة، أنت عالم غير؟؟؟، ومسئول غير مبخّل، وهذه-اللهم-عبدّاؤك وإماؤك؟؟؟ رات حرمك يشكون إليه سنيهم التى هلكت فيها الظلف والخف، فآسمعنّ اللهم، وأمطر علينا غيثا مريعا مغدقا. فورب الرب ماراموا حتى تفجّرت السماء ماء يهوى بالوادى بثجيجه، فلقد سمعت/ شيخان قريش وجلّتها: عبد الله بن جدعان، وحرب بن أمية، وهشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب: هنيئا لك أبا البطحاء. أى عاش بك (^١) أهل البطحاء (^١) وفى ذلك تقول رقيقة:-
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا … لمّا فقدنا الحيا واجلوّذا المطر
فجاد بالماء جوفى له سبل … سحّا فعاشت به الأنعام والشجر
منّا من الله بالميمون طائره … وخير من بشّرت يوما به مضر
مبارك الوجه يستسقى الغمام به … ما فى الأنام له عدل ولا خطر (^٢)