فيها فى غرة ربيع الأول-ويقال فى جمادى الأولى، ويقال فى سنة خمس-كانت غزوة بنى لحيان، وكانوا فى ناحية عسفان.
خرج لهم رسول الله ﷺ فى مائتى رجل، ومعه عشرون فرسا، يطلبهم بأصحاب الرجيع خبيب بن عدىّ ورفيقيه؛ لأنه وجد عليهم وجدا شديدا، فسلك طريق الشام، وورّى على الناس أنه لا يريدهم ليصيب منهم غرّة، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران-واد بين أمج [وعسفان] (^٢) بينه وبين عسفان خمسة أميال-فوجدهم قد حذروا وتمنعوا فى رءوس الجبال-وثمّ أصيب أهل الرجيع، فترحم عليهم ودعا لهم-وأقام يوما أو يومين فبعث سراياه في كل ناحية فلم يظفروا بأحد، وصلى صلاة الخوف؛ فيما رواه أبو هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ نازلا بين ضجنان وعسفان يحاصر المشركين، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هى أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أجمعوا أمركم ثم ميلوا عليهم ميلة واحدة. فجاء جبريل فأمره أن يقسّم أصحابه نصفين فصلّ بطائفة منهم وطائفة مقبلون على عدوهم قد أخذوا حذرهم وأسلحتهم، فتصلى بهم ركعة، ثم يتأخر هؤلاء ويتقدم أولئك، فتصلى بهم ركعة يكون لهم مع رسول الله ﷺ ركعة ركعة وللنبى ﷺ ركعتان.
_________________
(١) وانظر خبر هذه الغزوة فى المراجع السابقة، وسيرة النبى لابن هشام ٣: ٦٩٩ - ٧١٥، وعيون الأثر ٢:٥٥ - ٦٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:١٧٨ - ٢٢٢، والسيرة الحلبية ٢:٦٢٨ - ٦٥٧.
(٢) إضافة على الأصول.
[ ١ / ٤٤٦ ]
ولما أخطأه ﷺ ما أراد من غرّة القوم قال: لو أنا هبطنا عسفان لرأت قريش أنا قد جئنا مكة. فأتاها حتى نزل بها، ثم بعث فارسين من أصحابه-وقيل بعث أبا بكر الصديق-فى عشرة فوارس إلى كراع الغميم ليذعر قريشا، فأتوها فلم يلقوا بها أحدا، ثم انصرفوا.
ثم أقبل رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة.
وفيها فى شهر رمضان-ويقال فى ذى الحجة سنة أربع، وفى الحجة سنة خمس، ويقال فى جمادى الثانية سنة ثلاث-كانت سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبى رافع سلام-وقيل عبد الله-بن أبى الحقيق النّضرى، بحصنه بالحجاز-ويقال بخيبر-وكان ممن حزّب يوم الخندق، ويجعل الجعل (^١) على حرب رسول الله ﷺ، ويؤذيه ويعين عليه. وذلك أن الأوس لمّا قتلت كعب بن الأشرف أرادت الخزرج أن تصنع مثل صنيعهم، فتذاكروا من يعادى رسول الله ﷺ،/فذكروا ابن أبى الحقيق، فاستأذنوا النبى ﷺ فى قتله، فأذن لهم، ونهاهم عن قتل النساء والصبيان.
فخرج ابن عتيك فى أربعة (^٢) نفر معه، وهم: عبد الله بن أنيس-ويقال ابن عتبة، وفيه نظر-وأبو قتادة [الحارث بن ربعى، والأسود] (^٣) بن خزاعى، ومسعود بن سنان، فلما دنوا
_________________
(١) فى الأصول «النفل». وفى طبقات ابن سعد ٢:٩١ «الحفل». والمثبت عن مغازى الواقدى ١:٣٩٤، والإمتاع ١:١٨٦.
(٢) فى الأصول «فى أربع».
(٣) سقط فى الأصول والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٤٦، وشرح المواهب ٢:١٦٥.
[ ١ / ٤٤٧ ]
منه-وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم-قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم وإنى منطلق ومتلطّف للبواب. ثم تقنّع بثوبه كأنه يقضى حاجة-وقد دخل الناس-وقد هتف البواب:
إن كنت تريد أن تدخل [فادخل] (^١) فإنى أريد أن أغلق الباب.
فدخل فكمن، فلما دخل الناس أغلق [البواب] (^١) الباب، ثم علّق الأقاليد على وتد، فقام عبد الله إلى الأقاليد فأخذها [بعد ما رقد] (^١) ففتح الباب.
وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان فى علالىّ له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعد عبد الله فجعل كلما فتح بابا أغلقه على نفسه من داخل وقال: إن القوم نذروا بى لم يخلص إلىّ حتى أقتله. فانتهى إليه فإذا هو فى بيت مظلم وسط عياله لا يدرى أين هو من البيت، فقال: يا [أبا] (^٢) رافع. قال: من هذا؟ فأهوى نحو الصوت فضربه ضربة بالسيف-وهو داهش-فما أغنت شيئا، وصاح، فخرج عبد الله من البيت فمكث غير بعيد ثم دخل إليه، فقال:
ما هذا الصوت يا [أبا] (^٢) رافع؟ فقال: لأمّك الويل؛ إن رجلا فى البيت ضربني قبل بالسيف. فضربه ضربة أثخنته ولم تقتله، ثم وضع ضبيب (^٣) السيف فى بطنه حتى أخذ فى ظهره، فجعل يفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهى إلى درجة له (^٤)، فوضع رجله-وهو
_________________
(١) إضافة عن شرح المواهب ٢:١٦٧، وتاريخ الخميس ٢:١٢.
(٢) سقط فى الأصول والمثبت عن شرح المواهب ٢:١٦٧، وتاريخ الخميس ٢:١٣.
(٣) ضبيب السيف: حده. وانظر تحرير هذا اللفظ فى شرح المواهب ٢:١٦٨.
(٤) فى الأصول «به» والمثبت عن السيرة النبوية لابن كثير ٣:٢٦٤، وشرح المواهب ٢:١٦٨.
[ ١ / ٤٤٨ ]
يرى أنه قد انتهى إلى الأرض-فوقع فى ليلة مقمرة، وانكسرت ساقه فعصبها بعمامته، ثم انطلق حتى جلس على الباب، وقال: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا. فلما صاح الديك قام الناعى على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز. فانطلق إلى أصحابه فقال: النجاء النجاء؛ فقد قتل الله أبا رافع.
ويقال إن ابن عتيك ومن معه دخلوا على ابن أبى الحقيق فى علّية (^١) وقدموا عبد الله بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية. ففتحت له امرأته، فلما رأت السلاح صاحت، فأشاروا إليها بالسيف-ولولا نهى النبى ﷺ إياهم لقتلوها-فسكتت، ودخلوا عليه فلم يعرفوه إلا ببياضه كأنه قبطيّة (^٢)، فاتبدروه بأسيافهم، وتحامل عليه ابن أنيس فى بطنه بالسيف حتى قتله، ثم نزلوا، وصاحت امرأته فتصايح أهل الدار، فاختبئوا فى بعض مناهر (^٣) القوم، وخرج فى آثارهم الحارث أبو زينب فى ثلاثة آلاف-ومعهم النيران-يطلبونهم، فلم يظفروا بهم فرجعوا. ومكثوا فى موضعهم يومين حتى سكن الطلب، ثم خرجوا إلى المدينة.
وفيها قال أبو سفيان لنفر من قريش: ما أحد يغتال محمدا، فإنه يمشى فى الأسواق؛ فيدرك ثأرنا؟ فأتاه رجل من العرب فدخل عليه منزله، وقال له: إن أنت قوّيتنى خرجت إليه حتى أغتاله؛ فإنى
_________________
(١) العلية: غرفة يصعد إليها بسلم. وانظر شرح المواهب ٢:١٦٧.
(٢) القبطية: ثوب من كتان رقيق يعمل بمصر. (شرح المواهب ٢:١٦٦)
(٣) مناهر-جمع منهر، والمنهر طريق فى الحصن نافذ يجرى منه الماء. (لسان العرب)
[ ١ / ٤٤٩ ]
هاد للطريق خرّيت (^١)، ومعى خنجر مثل خافية (^٢) النّسر. قال:
أنت صاحبنا. فأعطاه بعيرا ونفقة وقال: اطو أمرك فإنى لا آمن أن يسمع هذا أحد فينميه إلى محمد. قال العربى: لا يعلم به أحد.
فخرج ليلا على راحلته فسار خمسا وصبّح ظهر الحرة [صبح] (^٣) سادسة، ثم سأل عن رسول الله ﷺ حتى أتى المصلى، فقال له قائل: قد توجه (^٤) إلى بنى عبد الأشهل. فخرج يقود راحلته حتى انتهى إلى بنى عبد الأشهل، فعقل راحلته. ثم أقبل يؤم رسول الله ﷺ، فوجده فى جماعة من أصحابه يتحدث فى المسجد، فدخل، فلما رآه رسول الله ﷺ قال لأصحابه: إن هذا الرجل يريد غدرا، والله حائل بينه وبين ما يريد. فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ: أنا ابن عبد المطلب. فذهب [ينحنى] (^٥) على رسول الله ﷺ كأنه يسارّه. فجذبه أسيد بن الحضير فقال له: تنح عن رسول الله ﷺ، وجذب بداخلة (^٦) إزاره فإذا الخنجر، فقال رسول الله ﷺ: هذا غادر. وسقط فى
_________________
(١) فى الأصول «خرجت» والمثبت من السيرة النبوية لابن كثير ٣:١٣٥.
(٢) الخافية: ريشة صغيرة فى جناح النسر دون العشر ريشات من مقدم الجناح. (شرح المواهب ٢:١٧٧)
(٣) الإضافة عن طبقات ابن سعد ٢:٩١.
(٤) فى الأصول «وجه» والمثبت عن عيون الأثر ٢:١١٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:١٣٥.
(٥) سقط فى الأصول، والمثبت عن السيرة النبوية لابن كثير ٣:١٣٥، وشرح المواهب ٢:١٧٧.
(٦) فى الأصول «ناحية» والمثبت عن المرجعين السابقين، وعيون الأثر ٢: ١١٢. وفى شرح المواهب ٢:١٧٧ «داخلة الإزار: أى طرفه وحاشيته من داخل».
[ ١ / ٤٥٠ ]
يدي العربى، وقال: دمى دمى يا محمد. وأخذ أسيد يلبّبه، فقال رسول الله ﷺ: اصدقنى، ما أنت (^١) وما أقدمك؟ فإن صدقتنى نفعك الصدق، وإن كذبتنى فقد اطلعت على ما هممت به. قال العربى: فأنا آمن؟ قال: أنت آمن. فأخبره خبر أبى سفيان وما جعل له، فأمر ﷺ به فحبس عند أسيد، ثم دعى من الغد فقال: قد أمنتك فأذهب حيث شئت، أو خير لك من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله. قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، يا محمد ما كنت أفرق [من] (^٢) الرجال، فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلى وضعفت نفسى، ثم اطلعت على ما هممت به-فما سبقت به الركبان ولم يعلمه أحد-فعرفت أنك ممنوع، وأنك على الحق، وأن حزب أبى سفيان بن حرب [حزب] (^٣) الشيطان. فجعل النبى ﷺ يتبسم، فأقام أياما، ثم استأذن النبى ﷺ فخرج من عنده، فلم يسمع له بذكر (^٤).
فقال رسول الله ﷺ لعمرو بن أمية الضّمرى [وسلمة بن أسلم (^٥)] بن حريس: اخرجا (^٦) حتى تأتيا أبا سفيان بن حرب،
_________________
(١) أى ما صفتك؟ أو خاطبه خطاب ما لا يعقل لأن هذا فعل ما لا يعقل. (شرح المواهب ٢:١٧٧،١٧٨)
(٢) إضافة عن السيرة النبوية لابن كثير ٣:١٣٦.
(٣) سقط فى الأصول، والمثبت عن المرجع السابق، وشرح المواهب ٢:١٧٨.
(٤) فى الأصول «بذلك» والتصويب عن السيرة النبوية لابن كثير ٣:١٣٦، وشرح المواهب ٢:١٧٨.
(٥) سقط فى الأصول، والمثبت عن المرجعين السابقين.
(٦) فى الأصول «اخرج» والمثبت عن السيرة النبوية لابن كثير ٣:١٣٦.
[ ١ / ٤٥١ ]
فإن أصبتما منه غرّة فاقتلاه. قال عمرو: فخرجت أنا وصاحبى حتى أتينا بطن يأجج فقيدنا بعيرينا، فقال لى صاحبى: يا عمرو، هل لك فى أن نأتى مكة فنطوف بالبيت أسبوعا ونصلى ركعتين؟ فقلت:
إنى أعرف بمكة من (^١) الفرس الأبلق، وإنهم أن رأونا عرفونا، وأنا أعرف أهل مكة أنهم إذا أمنوا اضطجعوا بأفنيتهم، فأبى أن يطيعنى فأتينا مكة فطفنا أسبوعا وصلينا ركعتين، فلما خرجت لقينى معاوية ابن أبى سفيان فعرفنى وقال: عمرو بن أمية!! فأخبر أباه، فنذر بنا أهل مكة وتجمعوا. وهرب عمرو وسلمة، وخرجوا فى طلبهما، واشتدا فى الجبل؛ قال عمرو: فدخلنا غارا فتغيبنا عنهم حتى أصبحنا، وباتوا يطلبوننا فى الجبل، وعمّى الله عليهم أن يهتدوا طريق المدينة، فلما كان الغد ضحوة أقبل عبيد الله بن مالك بن عبيد التيمى (^٢) يختلى لفرسه حشيشا، فقلت لسلمة بن أسلم: إن أبصرنا أشعر بنا أهل مكة-وقد قصروا عنا-فلم يزل يدنو من باب الغار حتى أشرف علينا، فخرجت فطعنته تحت الثدى بخنجرى فسقط، فصاح فأسمع أهل مكة، فأقبلوا بعد تفرقهم، ودخلت الغار وقلت لصاحبى: لا تتحرك، وأقبلوا حتى أتوا عبيد الله بن مالك فقالوا: من قتلك؟ قال: عمرو بن أمية. قال أبو سفيان: قد علمنا أنه لم يأت بعمرو خير-ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا لأنه كان فى آخر رمق،
_________________
(١) فى «ت» «غرة الفرس».
(٢) فى ت «التميمى» والمثبت عن م، وطبقات ابن سعد ٢:٩٤، وعيون الأثر ٢:١١٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:١٣٧، وشرح المواهب ٢:١٧٨.
[ ١ / ٤٥٢ ]
فمات. وشغلوا عنا وعن طلبنا بصاحبهم، فحملوه، فمكثنا ليلتين فى مكاننا ثم خرجنا، فقال صاحبى: يا عمرو بن أمية هل لك فى خبيب بن عدىّ ننزله؟ فقلت: أين هو؟ قال: هو ذاك مصلوب حوله الحرس، فقلت: أمهلنى وتنحّ عنى، فإن خشيت شيئا فانجح إلى بعيرك فاقعد عليه وأت رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، ودعنى فإنى عالم بالمدينة، ثم اشتددت عليه وحللته فحملته على ظهرى، فما مشيت به إلا عشرين ذراعا حتى استيقظوا فخرجوا فى طلب أثرى فطرحت الخشبة فما أنسى وقعها-دب: يعنى صوتها-ثم أهلت عليه التراب برجلى، فأخذت بهم طريق الصفراء (^١)، فأعيوا فرجعوا-وكنت لا أدرى مع بقاء نفسى-فانطلق صاحبى إلى البعير فركب وأتى النبى ﷺ فأخبره، وأقبلت حتى أشرفت على الغميم غميم ضجنان (^٢)، فدخلت فى غار فيه معى قوسى وأسهم وخنجر، فبينا أنا فيه إذ أقبل رجل من بنى بكر من بنى الديل أعور طويل، يسوق غنما ومعزا، فدخل علىّ الغار فقال: من الرجل؟ فقلت: من بنى بكر. فقال: وأنا من بنى بكر. ثم اتّكأ فرفع عقيرته يتغنى يقول:-
_________________
(١) الصفراء-تأنيث الأصفر: قرية كثيرة النخل والعيون والزروع فوق ينبع يجرى فضلها إلى ينبع. وانظر معجم البلدان لياقوت.
(٢) ضجنان-بالتحريك ونونان، جبل بتهامة، وقيل على بريد من مكة، وقيل بين مكة وضجنان خمسة وعشرون ميلا. (مراصد الاطلاع) ويقال حرّة مستطيلة من الشرق إلى الغرب، يمر بها الطريق من مكة إلى المدينة بنعفها الغربى الذى يعرف اليوم بخشم المحسنية. (معالم مكة للبلادى)
[ ١ / ٤٥٣ ]
فلست بمسلم (^١) مادمت حيّا … ولست أدين دين المسلمينا
فقلت فى نفسى: والله إنى لأرجو أن أقتلك. فلما نام قمت إليه فقتلته شر قتلة قتلها أحد قط، ثم خرجت فهبطت، فلما أسهلت فى الطريق إذا رجلان بعثتهما قريش يتجسسان الأخبار، فقلت: استأسرا. فأبى أحدهما فرميته فقتلته، فلما رأى ذلك الآخر استأسر، فشددته وثاقا، ثم أقبلت به إلى النبى ﷺ
وكان قدوم سلمة قبل قدوم عمرو بثلاثة أيام.
فيها رأى النبى ﷺ فى النوم أنه دخل البيت، وحلق رأسه وأخذ مفتاح البيت، وعرّف مع المعرفين؛ فاستنفر أصحابه إلى العمرة، فأسرعوا وتهيئوا للخروج [(^٢) وقدم عليه بسر بن سفيان الكعبىّ فى ليال بقيت من شوال سنة ست، فقدم مسلّما على رسول الله ﷺ زائرا له، وهو على الرجوع إلى أهله، فقال له رسول الله ﷺ: يا بسر، لا تبرح حتى تخرج (^٢)] معنا فإنا إن شاء الله معتمرون، فأقام وابتاع بدنا لرسول الله ﷺ، وكان يبعث بها [إلى] (^٣) ذى الجدر (^٤) حتى حضر خروجه، فأمر بها فجلبت
_________________
(١) فى الأصول «مسلما» والمثبت عن طبقات ابن سعد ٢:٩٤، وعيون الأثر ٢:١١٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:١٣٨، والسيرة الحلبية ٣:١٨٩.
(٢) سقط فى الأصول، والمثبت عن مغازى الواقدى ٢:٥٧٢.
(٣) سقط فى الأصول، والمثبت عن المرجع السابق، والإمتاع ١:٢٧٤.
(٤) ذو الجدر: مسرح على ستة أميال من المدينة بناحية قباء، كانت فيها لقاح رسول الله ﷺ تروح عليه. (معجم البلدان لياقوت).
[ ١ / ٤٥٤ ]
إلى المدينة، وسلّمها إلى ناجية بن جندب الأسلمى ليقدمها إلى ذى الحليفة. واغتسل فى بيته، ولبس ثوبين من نسج صحار، وأحرم ودخل بيته محرما، وكان معه رجل من الأنصار، فوقف الأنصارى بالباب، فقال له: ألا تدخل؟ فقال: أحمسىّ يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: وأنا أحمسىّ، دينى ودينك سواء. فدخل الأنصارى على رسول الله ﷺ لما رآه دخل من بابه، فأنزل الله ﷿ ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها﴾ (^١) وركب راحلته القصوى من عند بابه، وخرج فى ذى القعدة معتمرا-لا يريد حربا-بمن معه من المهاجرين والأنصار. ومن تبعه من الأعراب، وهم سبعمائة- وقيل ألف وخمسمائة، ويقال ألف وأربعمائة، وقيل ألف وستمائة، ويقال ألف وثلاثمائة، وقيل ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلا (^٢) -وخرج المسلمون لا يشكون فى الفتح؛ للرؤيا المذكورة.
وخرج النبى ﷺ ومعه زوجته (^٣) أم سلمة، ولم يخرج معه بسلاح سوى السيوف فى القرب، وقال عمر بن الخطاب: أتخشى يا رسول الله علينا من أبى سفيان بن حرب وأصحابه، ولم تأخذ للحرب عدتها؟! فقال: ما أدرى، ولست أحبّ أحمل السلاح معتمرا. وقال سعد بن عبادة: لو حملنا يا رسول الله السلاح معنا؛
_________________
(١) سورة البقرة آية ١٨٩.
(٢) وانظر هذه الأقوال بأسانيدها فى شرح المواهب ٢:١٨٠.
(٣) فى الأصول «معه بزوجته» والمثبت عن المرجع السابق.
[ ١ / ٤٥٥ ]
فإن رأينا من القوم ريبا كنّا معدّين لهم. فقال: لست أحمل السلاح إنما خرجت معتمرا.
وساق الهدى النبىّ ﷺ وجماعة من أصحابه، منهم أبو بكر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، وسعد بن عبادة./واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم-ويقال نميلة بن عبد الله الليثى-فصلى الظهر بذى الحليفة، ثم دعا بالبدن التى ساق؛ وهى سبعون بدنه، منها جمل لأبى جهل فى أنفه برة (^١) من فضة، فجلّلت (^٢) ثم أشعر (^٣) منها عدة-وهى موجّهات إلى القبلة-فى الشق الأيمن وقلّدها، ثم أمر ناجية بن جندب بإشعار ما بقى، وقلد نعلا [نعلا] (^٤) وأشعر المسلمون بدنهم، وقلدوا النعال فى رقابها، ثم أحرم بالعمرة ولبّى، وقدم أمامه عبّاد بن بشر فى عشرين فارسا-منهم رجال من المهاجرين والأنصار-طليعة.
ولما مرّ رسول الله ﷺ بالأبواء-فى بدئه أو عوده- قال: إن الله قد أذن لمحمد فى زيارة أمه، فأتى رسول الله ﷺ قبر أمه فأصلحه وبكى عنده، وبكى المسلمون لبكاء رسول الله ﷺ، فقيل له [فى ذلك] (^٥) فقال: أدركتنى رحمة رحمتها فبكيت.
_________________
(١) البرة: الحلقة. (السيرة الحلبية ٢:٧١٢).
(٢) جللت: أى ألبست الجل وهو الغطاء. (المعجم الوسيط)
(٣) اشعار البدن: هو أن يحدث جرحا بأسنمتها فيسيل الدم، ثم يضرب صفحة السنام اليمنى بحديدة فتلطخها بدمها؛ إشعارا بأنه هدى. (شرح المواهب ٢: ١٨١).
(٤) إضافة عن مغازى الواقدى ٢:٥٧٣، والإمتاع ١:٢٧٥، والسيرة الحلبية ٢:٦٨٩.
(٥) إضافة عن تاريخ الخميس ١:٢٣٠.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وبلغ المشركين خروج النبى ﷺ فاجتمعوا لصدّه عن المسجد الحرام، وخرجوا إلى بلدح (^١) فعسكروا به وقدموا خالد بن الوليد وعكرمة بن أبى جهل فى مائتى فارس إلى كراع الغميم.
فلما انتهى النبى ﷺ لغدير الأشطاط (^٢) -وراء عسفان- لقيه بسر بن سفيان الخزاعى-وكان دخل مكة فسمع كلامهم وعرف رأيهم-فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل (^٣)، قد لبسوا جلود النمر (^٤)، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وهذا خالد بن الوليد فى خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم. فقال رسول الله ﷺ: يا ويح قريش، لهذا أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بينى وبين الناس؛ فإن أصابونى كان الذى أرادوا، وإن ظفّرنى الله عليهم دخلوا فى الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة، فماذا تظن قريش؟! والله لا أزال أجاهدهم على الذى بعثنى الله له (^٥) أو تنفرد هذه السّالفة.
_________________
(١) بلدح: واد قبل مكة من جهة الغرب، ويطلق على وادى مكة فيما بين الزاهر والحديبية (الشميسى). معجم البلدان لياقوت، ومعالم مكة التاريخية للبلادى.
(٢) فى الأصول «الأشظاظ» والمثبت عن طبقات ابن سعد ٢:٩٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٣٢٩، وشرح المواهب ٢:١٨١، ومعجم البلدان لياقوت.
(٣) العوذ: جمع عائذ، وهى الناقة ذات اللبن، أو التى معها ولدها، والمطافيل التى معها أولادها، وإنما قيل للناقة عائذ وإن كان الولد هو الذى يعوذ بها لأنها عاطف عليه، أو العوذ المطافيل كناية عن النساء معهن أطفالهن: أى أنهم خرجوا بنسائهم معهن أولادهن لإرادة طول المقام، وذلك أدعى لعدم الفرار. (شرح المواهب ٢:١٨٧، والسيرة الحلبية ٢:٦٩٠).
(٤) أى أظهروا العداوة والحقد. (السيرة الحلبية ٢:٦٩٠)
(٥) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٧٥، وعيون الأثر ٢: ١١٤ والسيرة الحلبية ٢:٦٩٢، وتاريخ الخميس ٢:١٧ «به».
[ ١ / ٤٥٧ ]
ثم دنا خالد فى خيله حتى ظهر لأصحاب رسول الله ﷺ، فأمر رسول الله ﷺ عبّاد بن بشر فتقدم فى خيله، فأقام بإزائه، وصف أصحابه.
وحانت صلاة الظهر فصلّى رسول الله ﷺ بأصحابه صلاة الخوف بعسفان، فقال المشركون: لقد أصبنا غرّة، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم فى الصلاة!! فنزلت آية القصر (^١) بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة-والمشركون أمامه-فصفّ خلف رسول الله ﷺ [صفّ] (^٢)، وصف بعد ذلك الصف صفّ آخر، فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذى يليه، وقام الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذى يليه إلى مقام الآخرين، وتقدّم الصفّ الآخر إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصفّ الذى يليه وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذى يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعا فسلّم بهم جميعا (^٣).
فلما أن أمسى النبىّ ﷺ قال لأصحابه: تيامنوا فى هذا العصل (^٤) -موضع منعطف فى الوادى-فإن عيون قريش بمرّ
_________________
(١) وهى قوله تعالى ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ.﴾. إلى آخر الآية ١٠٢ من سورة النساء.
(٢) إضافة يقتضيها السياق.
(٣) ويلاحظ أن المؤلف أغفل سجود الصف الثانى للركعة الأولى.
(٤) فى الأصول «ينامون فى هذا العنصل» وهو من خطأ النساخ، والمثبت عن مغازى الواقدى ٢:٥٨٣، وطبقات ابن سعد ٢:٩٥، والإمتاع ١:٢٨٢. والعصل: الاعوجاج، والمعنى الرمل الملتوى. (النهاية فى غريب الحديث)
[ ١ / ٤٥٨ ]
الظهران وضجنان. ثم قال ﷺ: من يخرج بنا على طريق نخرج به من ظهورهم؟ فقال رجل من المسلمين (^١): أنا يا رسول الله. فسلك بهم طريقا وعرا بين شعاب، فلما خرجوا منه-وشق ذلك على المسلمين-أفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادى، فقال لهم النبى ﷺ: قولوا نستغفر الله ونتوب إليه. فقالوها، فقال ﷺ:
إنها الحطّة التى عرضت على بنى إسرائيل فلم يقولوها.
ويقال إن النبى ﷺ أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهرى الحمض على طريق يخرجه على ثنية المرار والحديبيّة من أسفل مكة، فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت [خيل] (^٢) قريش كثرة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش. وخرج النبى ﷺ حتى إذا سلك فى ثنية المرار ودنا من الحديبية [وقعت يدا ناقته] (^٣) على ثنية تهبطه على غائط القوم فبركت، فقال الناس:
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٧٥، وعيون الأثر ٢: ١١٤، والسيرة الحلبية ٢:٦٩٢، وتاريخ الخميس ٢:١٧ «رجل من أسلم». وفى مغازى الواقدى ٢:٥٨٣،٥٨٤، والإمتاع ١:٢٨٢ «قال بريدة من الحصيب الأسلمى: أنا يا رسول الله عالم بها. فقال ﷺ: اسلك أمامنا. فأخذ بريدة فى العصل قبل جبال سراوع قبل المغرب، فسار قليلا وحار حتى كأنه لم يعرفها قط … فنزل حمزة ابن عمرو الأسلمى فسار قليلا ثم سقط فى خمر الشجر فلا يدرى أين يتوجه … فنزل عمرو بن عبد فهم الأسلمى، فانطلق أمامهم حتى نظر رسول الله ﷺ إلى الثنية فقال: هذه ثنية ذات الحنظل؟ فقال عمرو: نعم».
(٢) إضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٧٥.
(٣) فى الأصول «وقفت ناقته» والمثبت عن مغازى الواقدى ٢:٥٨٧، وطبقات ابن سعد ٢:٩٦، والإمتاع ١:٢٨٣.
[ ١ / ٤٥٩ ]
حل حل-يزجرونها-فأبت أن تنبعث، فقالوا: خلأت (^١) القصوى. فقال النبى ﷺ: ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، إنا والله الذى نفسى بيده لا تدعونى قريش اليوم إلى خطّة (^٢) يسألونى فيها تعظيم حرمات الله وصلة الرحم إلاّ أعطيتهم إيّاها. ثم زجرها فوثبت فعدل بهم راجعا- عوده على بدئه-حتى نزل بنا أقصى الحديبية، على ثمد (^٣) من أثمادها قليل الماء، وقال للناس؛ انزلوا. قالوا: يا رسول الله ما بالوادى من ماء ينزل عليه الناس. فأخرج النبى ﷺ سهما من كنانته فأعطاه البراء بن عازب-وقيل ناجية بن جندب، ويقال خالد بن عبادة الغفارى-فغرزه فى جوف البئر فجاش الماء بالرّواء حتى اغترفوا بأنفسهم جلوسا على شفيره حتى صدروا عنه وكفى جميعهم، حتى ضرب الناس فيه بعطن.
ويقال إن المسلمين عطشوا بالحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة يتوضأ منها إذ خرس (^٤) الناس نحوه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله، ما لنا ماء نتوضأ به ولا نشرب منه إلا ما بين يديك. فوضع رسول الله ﷺ يده على الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشرب المسلمون وتوضئوا.
_________________
(١) خلأت: حرنت وبركت من غير علة. (شرح المواهب ٢:١٨٤)
(٢) خطة: أى خصلة. (المرجع السابق ٢:١٨٥)
(٣) ثمد: حفرة فيها ماء قليل. (السيرة الحلبية ٢:٦٩٣)
(٤) خرس الناس: أى مشوا نحوه صامتين. (المعجم الوسيط).
[ ١ / ٤٦٠ ]
ويقال إن المسلمين نزحوا البئر التى بالحديبية فلم يتركوا فيها قطرة، فبلغ النبى ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء فيه ماء فتوضأ وتمضمض ودعا ثم صبّه فيها فتركوها غير بعيد، ثم إنها أصدرتهم جميعا وركابهم.
فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا به بابن ورقاء فى رجال من خزاعة-وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله ﷺ؛ مسلمها ومشركها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئا كان بمكة-فقال لهم النبى ﷺ مثل قوله لبسر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد؛ إن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت معظّما لحقه. فاتّهموهم؛ فقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها أبدا عنوة علينا، ولا تحدّث بذلك العرب.
وبعث رسول الله ﷺ خراش بن أمّية الخزاعى إلى مكة وحمله على جمل له يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش (^١)، وأرادوا قتله فمنعهم الأحابيش (^٢) حتى أتى رسول الله ﷺ، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله إنى أخاف قريشا على نفسى وليس بها من بنى عدى من يمنعنى، وقد
_________________
(١) الذى تولى عقره عكرمة بن أبى جهل، كما فى مغازى الواقدى ٢:٦٠٠ والامتاع ١:٢٨٩.
(٢) الأحابيش: هم بنو الهون بن خزيمة، وبنو الحارث من عبد مناف بن كنانة، وبنو المصطلق بن خزيمة؛ قيل لهم ذلك لأنهم تحالفوا تحت جبل بأسفل مكة يقال له حبشى هم وقريش على أنهم يد واحدة على من عاداهم ما سجى ليل ووضح نهار ومارسا حبشى، فسموا أحابيش قريش. (السيرة الحلبية ٢:٦٩٥)
[ ١ / ٤٦١ ]
عرفت قريش عداوتى إيّاها وغلظتى عليها، ولكن أدلّك على رجل هو أعزّ منى؛ عثمان بن عفان. فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته.
فخرج عثمان حتى أتى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله بين يديه، وأردفه خلفه، وأجاره حتى بلّغ رسالة رسول الله ﷺ. فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلّغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به. فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ. فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل؛ فدعا النبى ﷺ الناس إلى بيعة الرّضوان، فبايعهم تحت الشجرة-وعمر بن الخطاب آخذ بيده- على ألا يفروا، [وقيل: بايعهم] (^١) على الموت، وضرب بيمينه على شماله وقال: هذه لى وهذه لعثمان إن كان حيّا. فكان كمن شهدها.
ثم إن قريشا بعثوا إلى النبى ﷺ مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بنى عامر بن لؤى، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هذا رجل غادر. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلّمة رسول الله ﷺ بنحو ما كلم به أصحابه. ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله
_________________
(١) إضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٨٠، ومغازى الواقدى ٢:٦٠٣، والإمتاع ١:٢٩١، وعيون الأثر ٢:١١٨، وتاريخ الخميس ٢:٢٠. وانظر الخلاف حول الذى بايع رسول الله ﷺ المسلمين عليه تحت الشجرة، فى شرح المواهب ٢:٢٠٧.
[ ١ / ٤٦٢ ]
ﷺ. فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكنانى-وهو يومئذ سيّد الأحابيش-فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هذا رجل من قوم يتألّهون، فابعثوا الهدى فى وجهه. فبعثوا الهدى،/فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادى فى قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل للنبى ﷺ إعظاما لما رأى، فقال:
يا معشر قريش قد رأيت ما لا يحل صدّه: الهدى فى قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله. قالوا: اجلس فإنما أنت أعرابى لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفى فقال: يا معشر قريش إنى قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه (^١) إلى محمد-إذا جاءكم-من التّعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأنى ولد- وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس-وقد سمعت بالذى نابكم، فجمعت من أطاعنى من قومى، ثم جئت حتى أواسيكم بنفسى.
قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتّهم. فخرج حتى أتى النبىّ ﷺ، فجلس بين يديه فقال: يا محمد جمعت أوباش (^٢) الناس ثم جئت بهم لبيضتك (^٣) لنقضها؛ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله ألاّ تدخلها عليهم عنوة أبدا، وأيّم الله لكأنى بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. قال: وأبو بكر
_________________
(١) فى الأصول «من تبعثه» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٧٨، وعيون الأثر ٢:١١٦، والسيرة الحلبية ٢:٦٩٦.
(٢) أوباش الناس: أى أخلاطهم. (السيرة الحلبية ٢:٦٩٧).
(٣) بيضتك: أى أصلك وعشيرتك (السيرة الحلبية ٦٩٧٢)
[ ١ / ٤٦٣ ]
الصديق خلف رسول الله ﷺ، فقال: امصص ببظر اللات، أنحن ننكشف عنه؟! قال: فمن هذا يا محمد؟ قال: ابن أبى قحافة.
قال: أما والله لولا يد كانت (^١) لك عندى لكافأتك بها ولكن هذه بها. ثم تناول لحية النبى ﷺ، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ فى الحديد، فقرع يده ثم قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل-والله-ألا (^٢) تصل إليك. قال: ويحك ما أفظّك وأغلظك!! فتبسّم رسول الله ﷺ، فقال عروة من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال: يا غدر، وهل غسلت سوأتك (^٣) إلا بالأمس. فكلمه رسول الله ﷺ-وقد رأى ما يصنع به أصحابه: لا يتوضأ وضوءا إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شئ إلا أخذوه-فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إنى جئت كسرى فى ملكه، وجئت قيصر والنجاشىّ فى ملكهما،/والله ما رأيت ملكا قط مثل محمد فى أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشئ أبدا، فرو رأيكم.
_________________
(١) واليد التى كانت لأبى بكر ﵁ عند عروة هى أن عروة تحمل بدية، فأعانه أبو بكر بعون حسن، قيل بعشر قلائص، وكان غيره يعينه بالاثنتين والثلاث- شرح المواهب ٢:١٩٠، وانظر السيرة الحلبية ٢:٦٩٧.
(٢) فى الأصول «لا تصل» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٧٨، مغازى الواقدى ٢:٥٩٥، وعيون الأثر ٢:١١٧، والإمتاع ١:٢٨٧، والسيرة الحلبية ٢:٦٩٧.
(٣) قال ابن هشام فى سيرة النبى ٣:٧٧٩ أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة بن شعبة-قبل إسلامه-قتل ثلاثة عشر رجلا من بنى مالك من ثقيف، فتهايج الحيان من ثقيف: بنو مالك رهط المقتولين، والأحلاف رهط المغيرة: فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية، وأصلح ذلك الأمر. وانظر الخبر بأطول من هذا فى مغازى الواقدى ٢:٥٩٦، والسيرة الحلبية ٢:٦٩٨، وشرح المواهب ٢:١٩١.
[ ١ / ٤٦٤ ]
ثم إن قريشا بعثوا بسهيل بن عمرو أحد (^١) بنى عامر بن لؤى وقالوا: إئت محمدا فصالحه، ولا يكون فى صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تتحدّث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا.
فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه النبى ﷺ قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلم (^٢) فأطال الكلام، وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح.
فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب ﵁ فأتى أبا بكر فقال: أوليس برسول الله؟! أولسنا بالمسلمين؟! أوليسوا بالمشركين؟! قال: بلى. قال: فعلام نعطى الدّنّية فى ديننا؟! فقال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه (^٣) حيث كان؛ فإنى أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد. ثم أتى عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أولسنا بالمسلمين؟! أوليسوا بالمشركين؟! قال: بلى. قال: فعلام نعطى الدّنيّة فى ديننا؟! فقال: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٨١، وعيون الأثر ٢: ١١٨، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٣١٩ «بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بنى عامر ابن لؤى».
(٢) فى الأصول «تكلما وأطالا» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٣: ٧٨١، ومغازى الواقدى ٢:٦٠٥، وعيون الأثر ٢:١١٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٣٢٠.
(٣) الغرز: ركاب الدابة، والمراد هنا اتبع قوله وفعله ولا تخالفه. (هامش عيون الأثر ٢:١١٩)
[ ١ / ٤٦٥ ]
يضيعنى (^١) الله ﷿. ثم دعا رسول الله ﷺ على بن أبى طالب فقال له رسول الله ﷺ: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل ابن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم. فقال رسول الله ﷺ: اكتب باسمك اللهم، هذا ما قاضى (^٢) عليه محمد رسول الله- ﷺ-سهيل بن عمرو. فقال: لو علمنا أنك رسول الله-ﷺ ما منعناك ولا قاتلناك، ولكن اكتب هذا ما قاضى (^٢) عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. فقال النبى ﷺ: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله. ثم قال لعلى: امح رسول الله. قال: والله لا أمحوك أبدا. فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب: هذا ما قاضى (^٣) عليه محمد بن عبد الله، لا يدخل مكة بسلاح إلا [السيوف] (^٤) فى الأقراب، وألا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وألا يمنع أحدا من أصحابه إن أراد أن يقيم فيها.
ويقال إن صفة الكتاب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن (^٥)
_________________
(١) فى الأصول «يصيبنى» والمثبت عن المراجع السابقة.
(٢) فى الأصول «هذا ما قضى». وفى سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٨٢، وطبقات ابن سعد ٢:٩٧، وعيون الأثر ٢:١١٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٣٢٠، والسيرة الحلبية ٢:٧٠٧ «هذا ما صالح» والمثبت عن المواهب اللدنبة وشرحها ٢:١٩٥.
(٣) انظر التعليق السابق.
(٤) إضافة عن مغازى الواقدى ٢:٦١٢، وطبقات ابن سعد ٢:٩٧، والوفا بأحوال المصطفى ٢:٦٩٩.
(٥) فى الأصول «فيهم» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٨٢، وعيون الأثر ٢:١١٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٣٢١. وفى مغازى الواقدى ٢:٦١١، وطبقات ابن سعد ٢:٩٧، والوفا بأحوال المصطفى ٢:٦٩٨ «فيها».
[ ١ / ٤٦٦ ]
الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول (^١) الله من قريش (^٢) بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن أتى قريشا ممن مع رسول (^١) الله-ﷺ-لم يردّوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة (^٣)، وأنه لا إسلال ولا إغلال (^٤)، وكان فى شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحبّ أن يدخل فى عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن فى عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن فى عقد قريش وعهدهم، وأن يرجع عنا عامنا هذا فلا يدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها فتدخلها بأصحابك، وأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف (^٥) فى القرب.
فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو فى الحديد-قد أثقله-إلى رسول الله ﷺ. وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه خرجوا وهم لا يشكّون فى الفتح،
_________________
(١) كذا فى الأصول وفى المراجع السابقة «محمدا».
(٢) فى الأصول «من أصحابه» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٨٢، وعيون الأثر ٢:١١٩، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٣٢١. وفى مغازى الواقدى ٢: ٦١١، وطبقات ابن سعد ٢:٩٧، والوفا بأحوال المصطفى ٢:٦٩٨ «منهم».
(٣) عيبة مكفوفة: صدور منطوية على ما فيها لا تبدى عداوة، وقيل صدور نقية من الغل والخداع منطوية على الوفاء بالصلح. (السيرة الحلبية ٢:٧٠٩).
(٤) لا إسلال ولا إغلال: لا سرقة ولا خيانة. (المرجع السابق)
(٥) فى الأصول «السيف» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٨٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٣٢١، والإمتاع ١:٢٩٨.
[ ١ / ٤٦٧ ]
لرؤيا رسول الله ﷺ، فلما رأوا ما رأوه من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا. فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه ثم قال: يا محمد قد لجّت (^١) القضيّة بينى وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت (^٢). فقام إليه فأخذ بتلبيبه، قال وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أتردونى إلى أهل الشرك فيفتنونى فى دينى؟! فزاد الناس شرّا إلى ما بهم، فقال رسول الله ﷺ: يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عقدا، وإنا لن نغدر بهم.
فوثب (^٣) عمر بن الخطاب مع أبى جندل فجعل يمشى إلى جنبه وهو يقول: اصبر يا أبا جندل؛ فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب-ويدنى قائم السيف منه، يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضنّ الرجل بأبيه-ونفذت القضية.
فلما فرغا من الكتاب-وكان رسول الله ﷺ يصلى فى الحرم وهو مضطرب [فى الحل] (^٤) -فقام رسول الله ﷺ فقال: يا أيها
_________________
(١) لجت القضية: أى وجبت وتمت. (السيرة الحلبية ٢:٧١٠)
(٢) فى الأصول «قاصدك» والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٨٣، وعيون الأثر ٢:١٢٠، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٣٢١، والسيرة الحلبية ٢:٧١٠.
(٣) فى الأصول «فوثب إليه عمر» والمثبت يستقيم به السياق.
(٤) إضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٨٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٣:٣٢٢. والمعنى كانت خيامه مقامة فى الحل. (هامش ابن كثير).
[ ١ / ٤٦٨ ]
الناس انحروا. فما قام أحد، ثم عاد بمثلها، فما قام أحد (^١)، ثم عاد بمثلها فما قام رجل. فرجع رسول الله ﷺ فدخل على أم سلمة، فقال: يا أم سلمة، ما شأن الناس؟ قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمنّ منهم إنسانا، واعمد إلى هديك-حيث كان-فانحر واحلق، فلو فعلت ذلك فعل الناس ذلك. فخرج رسول الله ﷺ-لا يكلّم أحدا-حتى أتى هديه فنحره ثم جلس؛ فقام الناس ينحرون ويحلقون-وبعث الله ريحا عاصفة فاحتملت شعور المسلمين فألقتها فى الحرم.
ولبث ﷺ بالحديبية عشرين يوما، وقيل بضعة عشر، وقيل شهرا ونصف شهر، ثم رجع ﷺ إلى المدينة الشريفة.
فلما رجع رسول الله ﷺ انفلت من مكة أبو بصير بن أسيد ابن جارية (^٢) الثقفى ومعه خمسة نفر، فأتوا رسول الله ﷺ مسلمين مهاجرين، فبعث فى أثرهم الأخنس بن شريق رجلين من بنى منقذ، أحدهما-زعموا-موالى، والآخر من أنفسهم اسمه خنيس (^٣) بن جابر-وكان ذا جلد ورأى فى أنفس المشركين-وجعل لهما الأخنس فى طلبهما أبا بصير جعلا، ولم يرسل أحد من قريش فى
_________________
(١) فى م «رجل».
(٢) فى الأصول «حارثة» والتصويب عن سيرة النبى لابن هشام ٣:٧٨٧ والاستيعاب ٤:١٦١٢، والإمتاع ١:٣٠٢.
(٣) فى الأصول «حبيش» والمثبت عن مغازى الواقدى ٢:٦٢٤، والإمتاع ١:٣٠٣، والسيرة الحلبية ٢:٧١٨.
[ ١ / ٤٦٩ ]
الخمسة الباقين أحدا، فقدم خنيس بن جابر ورفيقه على رسول الله ﷺ فدفع أبا بصير إليهما، فخرجا به حتى إذا كانوا بذى الحليفة سلّ خنيس سيفه ثم هزّه فقال: لأضربن بسيفى هذا فى الأوس والخزرج يوما إلى الليل. فقال له أبو بصير: أو صارم سيفك هذا؟ قال: نعم. قال: ناولينه أنظر إليه. فناوله إياه، فلما قبضه ضربه به حتى برد-ويقال: بل تناول سيف العامرى (^١) بفيه وهو نائم فقطع إساره ثم ضربه به حتى برد-ثم طلب الآخر فجمز. مرعوبا مستحفيا حتى دخل المسجد-ورسول الله ﷺ جالس فيه- تطن الحصباء من شدة سعيه، فقال رسول الله ﷺ: لقد رأى هذا ذعرا. فأقبل حتى استغات رسول الله ﷺ، وجاء أبو بصير يتلوه.
فسلّم على رسول الله ﷺ وقال: وفت ذمّتك؛ دفعتنى إليهما فعرفت أنهم سيعذبونى ويفتنونى عن دينى فقتلت العامرىّ (^٢) وأفلتنى هذا. فقال رسول الله ﷺ: ويل أمّه مسعر حرب لو كان معه أحد. وجاء أبو بصير بسلبه إلى رسول الله ﷺ فقال: خمسه يا رسول الله. فقال: إنى إذا خمسته لم أوف لهم بالذى عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت.
فخرج أبو بصير معه الخمسة نفر الذين قدموا معه من مكة، حتى إذا كانوا بين العيص وذى المروة من أرض جهينة على طريق
_________________
(١) فى الأصول «السيف المنقذى» والتصويب عن مغازى الواقدى ٢:٦٢٥. وخنيس هو من بنى عامر بن لؤى.
(٢) فى الأصول «المنقذى» والتصويب عن المرجع السابق.
[ ١ / ٤٧٠ ]
عيرات قريش مما يلى سيف البحر لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها.
وانفلت من مكة أبو جندل بن سهيل بن عمرو فى سبعين راكبا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبى بصير، وكرهوا أن يقدموا على رسول الله ﷺ فى هدنة المشركين، وكرهوا الثواء بين ظهرانى قومهم؛ فنزلوا مع أبى بصير فى منزل كريه إلى قريش، يقطعون به مادتهم من طريق الشام، واجتمع إلى أبى جندل-حين سمعوا بقدومه-ناس من بنى غفار وأسلم وجهينة، وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل؛ وهم مسلمون. فأقاموا مع أبى جندل وأبى بصير لا تمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها؛ فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب يسألونه ويتضرّعون إليه أن يبعث إلى أبى بصير وأبى جندل بن سهيل، ومن تبعهما فيقدمون عليه. وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه من غير حرج أنت فيه؛ فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا باب إضرار بنا.
فكتب رسول الله ﷺ إلى أبى جندل وإلى أبى بصير يأمرهما أن يقدما عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم ولا يعرضوا لأحد مرّ بهم من قريش وعيراتها. فقدم كتاب رسول الله ﷺ إلى أبى جندل وأبى بصير- وأبو بصير يموت-فمات وكتاب رسول الله ﷺ بيده يقرأه، فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا.
وقدم أبو جندل على رسول الله ﷺ ومعه ناس من أصحابه، ورجع سائرهم إلى أهاليهم، وأمنت عيرات قريش.
***
[ ١ / ٤٧١ ]