فيها-ويقال: فى السنة التى قبلها-أسلم حمزة بن عبد المطلب، وكان أعزّ فتى فى قريش وأشده شكيمة؛ فعزّ به رسول الله ﷺ، وكفّت عنه قريش من أذاها قليلا.
وسبب إسلام حمزة ﵁ أنّ أبا جهل مرّ واعترض رسول الله ﷺ وهو جالس عند الصفا فآذاه وسبّه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، فلم يكلّمه رسول الله ﷺ-وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان فى مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك- ثم انصرف فعمد إلى نادى قريش عند الكعبة فجلس معهم، ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشّحا قوسه راجعا من قنّص له- وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة-فلما مرّ بالمولاة قالت: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقى ابن أخيك آنفا من أبى الحكم بن هشام!! وجده ها هنا جالسا فسبّه وآذاه، وبلغ منه، فلم يكلّمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب، فخرج سريعا فدخل المسجد، فرأى أبا جهل جالسا فى القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجّه بها شجّة منكرة، وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟! فردّ ذلك علىّ إن استطعت. وتم حمزة على إسلامه (^١).
ويقال: لمّا ضرب حمزة أبا جهل قامت رجال من قريش من
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ١:١٨٨،١٨٩. وشرح المواهب ١:٢٥٦.
[ ١ / ٢٦٩ ]
بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت. فقال حمزة: وما يمنعنى وقد استبان لى، أنا أشهد أنه رسول الله، وأن الذى يقول حقّ، فو الله لا أنزع فامنعونى إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة؛ فإنى والله لقد سببت ابن أخيه سبّا قبيحا.
ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان فقال: أنت سيد قريش، اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك، للموت خير لك مما صنعت. فأقبل على حمزة يؤنبه وقال: ما صنعت؟! [فقال حمزة:] (^١) اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه فى قلبى وإلا فاجعل لى مما وقعت فيه مخرجا. فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح فغدا على رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخى، إنى قد وقعت فى أمر لا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلى على ما لا أدرى ما هو أرشد هو أم غىّ شديد؟ فحدثنى حديثا فقد اشتهيت يا ابن أخى أن تحدثنى.
فأقبل عليه رسول الله ﷺ فذكّره ووعظه، وخوّفه وبشّره، فألقى الله فى نفسه الإيمان بما قال رسول الله ﷺ؛ فقال: أشهد إنك لصادق شهادة الصّدق، فأظهر يا ابن أخى دينك، فو الله ما أحب أن لى ما أظلت السماء وأنى على دينى الأوّل.
_________________
(١) إضافة يقتضيها السياق. وفى السيرة النبوية لابن كثير ١:٤٤٦ «للموت خير لك مما صنعت. فأقبل حمزة على نفسه وقال: ما صنعت اللهم … الخ».
[ ١ / ٢٧٠ ]
ولما أسلم حمزة عرفت قريش أنّ رسول الله ﷺ قد عزّ وامتنع، وأن عمه حمزة سيمنعه، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالونه منه، وكان ممن أعز الله به الدين. وقال حمزة فى ذلك شعرا (^١).
ثم أسلم بعد حمزة بثلاثة أيام عمر بن الخطاب، وكان رجلا لا يرام ما وراء ظهره، وكان النبىّ ﷺ قال فى الليلة التى فى صبيحتها أسلم عمر بن الخطاب: اللهم أعزّ الدين-أو الإسلام-بأحبّ هذين الرجلين إليك، أبى جهل بن هشام أو عمر ابن الخطاب. فأصبح عمر فجاء إلى رسول الله ﷺ، ثم صلّى ظاهرا، واستجاب الله ﷿ دعاء النبى ﷺ فيه، فامتنع به وبحمزة المؤمنون وعزّوا، وكان ابن مسعود يقول: ما كنا نقدر أن نصلّى عند الكعبة حتى أسلم عمر.
وسبب إسلام عمر ﵁ فيه أربعة أقوال:-
الأول: قال عمر بن الخطاب: كنت جالسا مع أبى جهل بن هشام وشيبة بن ربيعة، فقام أبو جهل فقال: يا معشر قريش، إن محمدا قد شتم آلهتكم، وسفّه أحلامكم، وزعم أن من مضى من آبائكم يتهافتون فى النار تهافت الحمير؛ ألا من قتل محمدا فله علىّ مائة ناقة حمراء وسوداء، وألف أوقية من فضة. فقمت فقلت: يا أبا الحكم: آلضمان صحيح؟ قال: نعم، عاجل غير آجل.
_________________
(١) سيرة النبى لابن هشام ١:١٨٨،١٨٩، ودلائل النبوة ١:٤٥٩، ٤٦٠، والاكتفا ١:٣٠١،٣٠٢، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٤٤٥ - ٤٤٧، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٤٣ - ٤٤٥. وانظر شعر حمزة هناك.
[ ١ / ٢٧١ ]
فقلت: واللات والعزّى؟ قال أبو جهل: نعم يا عمر. فأخذ أبو جهل بيدى فأدخلنى الكعبة فأشهد علىّ هبل-وكان هبل عظيم أصنامهم، وكانوا إذا أرادوا سفرا أو حربا أو سلما أو نكاحا لم يفعلوا حتى يأتوا هبل فيستأمروه-فأشهد عليه هبل وتلك الأصنام، فخرجت متقلدا السيف متنكّبا كنانتى أريد النبى ﷺ، ومررت على عجل وهم يريدون ذبحه (^١)، فقمت [أنظر] (^٢) إليه فإذا صائح يصيح من جوف العجل: يا آل ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح، بلسان فصيح، يدعو إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمدا رسول الله. فقلت (^٣): أن هذا لشأن ما يراد بهذا إلا لحالى (^٣). ثم مررت بصنم (^٤) فإذا هاتف يهتف فى فهم يقول:
يا أيها الناس ذووا الأجسام … ما أنتم وطائش الأحلام
ومسند الحكم إلى الأصنام … فكلكم أراه كالأنعام
أما ترون ما أرى أمامى … من ساطع يجلو لدى الظلام
قد لاح للناظر من تهام … حتى يرى البعار والبهامى
أكرمه الرحمن من إمام … قد جاء بعد الكفر بالإسلام
وبالصلاة والزكا والصيام … والبر والصلات بالأرحام
ويذعر الناس عن الآثام (^٥)
_________________
(١) فى الأصول «قتله». والمثبت عن الخصائص الكبرى ١:٣٣١، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٩٤، وشرح المواهب ١:٢٧٦.
(٢) الإضافة عن المراجع السابقة.
(٣) كذا فى الأصول. وفى المراجع السابقة «فقلت فى نفسى إن هذا الأمر ما يراد به إلا أنا».
(٤) فى الأصول، والخصائص الكبرى ١:٣٣١، وسبل الهدى والرشاد ٢: ٤٩٤ «بغنم». والمثبت عن شرح المواهب ١:٢٧٦.
(٥) وانظر الشعر فى المراجع السابقة مع اختلاف فى بعض الألفاظ.
[ ١ / ٢٧٢ ]
فقلت والله ما أراه إلا أن يراد بى، ثم مررت بهاتف الضمار (^١) وهو يهتف من جوفه فقال:-/
ترك الضمار وكان يعبد وحده … قبل (^٢) الصلاة مع النبى محمد
إن الذى ورث النبوة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتدى
سيقول من عبد الضمار ومثله … ليت الضمار ومثله لم يعبد
فاصبر أبا حفص فإنك لا مرؤ … يأتيك عزّ غير عزّ بنى عدى
لا تعجلنّ فأنت ناصر دينه … حقا يقينا باللسان وباليد
وتظهر دين الله أن كنت مسلما … وتسطح بالسيف الصقيل المهند
جماجم قوم لا يزال حلومها … عكوفا على أصنامها بالمربد (^٣)
قال عمر: فو الله لقد علمت أنه أرادنى، فجئت حتى دخلت على أختى وإذا خبّاب بن الأرتّ عندها وزوجها سعيد بن زيد، فلما رأونى ومعى السيف أنكروا، فقلت لهم: لا بأس عليكم، فدخلت، فقال خبّاب: يا عمر ويحك أسلم. فدعوت بالماء فأسبغت الوضوء، وسألتهم عن محمد. فقالوا: فى دار الأرقم بن أبى الأرقم.
فأتيتهم فضربت عليهم الباب فخرج حمزة بن عبد المطلب، فلما رآنى والسيف صاح بى-وكان الرجل هيوبا-فصمتّ (^٤)، فخرج إلىّ رسول الله ﷺ، فلما رآنى ورأى ما فى وجهى عرف فقال:
_________________
(١) فى الأصول «الضماد». والمثبت عن المراجع السابقة.
(٢) فى الأصول والخصائص الكبرى ١:٣٣١ «بعد الصلاة». والمثبت عن عيون الأثر ١:٧٧، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٩٤، وشرح المواهب ١:٢٧٦.
(٣) فى الأصول «بالمهتد». ولعل الصواب ما اثبتناه.
(٤) كذا فى ت، هـ. وفى م «فصحت به».
[ ١ / ٢٧٣ ]
أستجيب لى فيك يا عمر، أسلم. فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فسرّ رسول الله ﷺ بذلك والمسلمون، فكنت رابع أربعين رجلا ممن أسلم، ونزلت على النبى ﷺ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١) فقلت يا نبى الله اخرج فو الله لا يغلبنا المشركون أبدا. فخرجنا وكبّرنا حتى طاف النبىّ ﷺ، ورجعت معه، فلم أزل أقاتل واحدا واحدا حتى أظهر الله الدين.
الثانى: قا ابن عباس: سألت عمر بن الخطاب: لأى شئ سمّيت الفاروق؟ قال: لما أسلم حمزة قبلى بثلاثة أيام فإذا فلان بن فلان المخزومى فقلت له: أرغبت عن دين آبائك واتّبعت دين محمد؟! قال: إن فعلت فقد فعل من هو أعظم عليك حقا منى.
قلت: من هو؟ قال: أختك وختنك. فانطلقت فوجدت الباب مغلقا وسمعت همهمة (^٢)، ففتح الباب فدخلت، فقلت: ما هذا الذى أسمع منكم؟ قالوا: ما سمعت شيئا. فما زال الكلام بينى وبينهم حتى أخذت برأس ختنى فضربته ضربة وأدميته، فقامت إلىّ أختى فأخذت برأسى (^٣) فقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك.
فاستحييت حين رأيت الدم فجلست وقلت: أرونى هذا الكتاب.
_________________
(١) سورة الأنفال آية ٦٤.
(٢) الهمهمة-يقال همهم الرجل إذا تكلم كلاما خفيا يسمع ولا يفهم محصوله، ويقال همهم الرعد إذا سمع له دوى. (المعجم الوسيط)
(٣) فى الأصول «برأسها». والمثبت عن تاريخ الخلفاء ١١٣، وشرح المواهب ١:٢٧٤.
[ ١ / ٢٧٤ ]
فقالت أختى! إنه لا يمسّه إلا المطهرون، فإن كنت صادقا فقم واغتسل. فقمت فاغتسلت، فجئت فجلست؛ فأخرجوا إلى صحيفة فيها ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قلت أسماء طيبة طاهرة ﴿طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ إلى قوله ﴿لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ (^١) فتعظّمت فى صدرى، وقلت: أمن هذا فرّت قريش؟! ثم شرح الله صدرى إلى الإسلام فقلت ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ فما فى الأرض نسمة أحبّ إلى من رسول الله ﷺ، قلت: أين رسول الله ﷺ؟ قالت: عليك عهد الله وميثاقه أن تجبهه (^٢) بشئ يكرهه؟ قال: نعم. قالت: فإنه فى دار الأرقم بن أبى الأرقم عند الصفا. فأتيت الدار-وحمزة فى أصحابه جلوس فى الدار، ورسول الله ﷺ فى البيت-فضربت الباب، فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب. قال: افتحوا له؛ فإن أقبل قبلنا منه وإن أدبر قتلناه.
فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب. فخرج رسول الله ﷺ فأخذ بمجامع (^٣) ثيابه ثم نتره (^٤) نترة، فما تمالك أن يقع على ركبتيه فى الأرض، فقال: ما أنت بمنته يا عمر؟ قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد
_________________
(١) سورة طه الآيات ١ - ٨.
(٢) كذا فى ت، هـ. وفى م «ألا تجهد بشئ يكرهه».
(٣) كذا فى م، هـ. وفى ت، وشرح المواهب ١:٢٧٥ «بمجمع».
(٤) يقال نتره: أى جذبه أو قذفه فى شدة. (المعجم الوسيط).
[ ١ / ٢٧٥ ]
أن محمدا عبده ورسوله. فكبّر أهل الدار تكبيرة واحدة فسمعها أهل المسجد.
فقلت يا رسول الله: ألسنا على الحقّ إن متنا وإن حيينا؟ قال ﷺ: بلى، والذى نفسى بيده إنكم على الحقّ إن متم وإن حييتم.
قلت: ففيم الاختفاء؟ والذى بعثك بالحق لنخرجنّ. فأخرجناه فى صفّين حمزة فى أحدهما وأنا فى الآخر، له كديد (^١) ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد، فنظرت إلىّ قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم تصبهم مثلها، فسمّانى رسول الله ﷺ من هذا الفاروق؛ أفرق بين الحق والباطل (^٢).
ورويت هذه القصة بمعنى آخر؛ قال عمر بن الخطاب لبعض أصحابه: أتحبون أن أعلمكم كيف كان إسلامى؟ قلنا: نعم.
قال: كنت من أشد الناس على رسول الله ﷺ، فبينا أنا فى يوم حار شديد الحر بالهاجرة فى بعض طرق مكة إذ لقينى رجل من قريش فقال: أين تريد يا ابن الخطاب؟ فقلت: أريد هذا وآلهتى (^٣).
قال: عجبا لك يا ابن الخطاب، أنت تزعم أنك كذا وكذا وقد دخل عليك الأمر فى بيتك!! قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد
_________________
(١) الكديد: التراب الناعم، فإذا وطئ ثار غباره، والمراد أن الغبار كان يثور من مشيهم. (لسان العرب)
(٢) حلية الأولياء ١:٤٠.
(٣) كذا فى هـ. وفى م «والتى». وبياض فى ت. وفى دلائل النبوة ٢:٤ «أريد التى والتى والتى». وفى الخصائص الكبرى ١:٣٢٩ «اريد إلهى وإلهى وإلهى» وعلق المحقق بقوله: أى أريد نصرة آلهتى.
[ ١ / ٢٧٦ ]
أسلمت. فرجعت مغضبا حتى قرعت الباب-وقد كان رسول الله ﷺ إذا أسلم الرجل والرجلان ممن لا شئ لهما يضمّهما إلى الرجل الذى فى يده السعة لينالا (^١) من فضل طعامه، وقد كان ضمّ إلى زوج أختى رجلين-فلما قرعت الباب قيل من هذا؟ قلت:
عمر بن الخطاب. فبادروا فاختفوا منى، وقد كانوا يقرءون صحيفة بين أيديهم تركوها أو نسوها، فقامت أختى تفتح الباب، فقلت:
يا عدوة نفسها، أصبوت؟! وضربتها بشئ فى يدى على رأسها، فسال الدّم، فلما رأت الدم بكت وقالت: يا ابن الخطاب، ما كنت فاعلا فافعل، فقد صبوت. ودخلت حتى جلست على السرير، فنظرت إلى الصحيفة وسط البيت، فقلت: ما هذا؟ ناولينيها. فقالت: لست من أهلها؛ أنت لا تطهر من الجنابة، وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون. فما زلت بها حتى ناولتنيها، ففتحتها فإذا فيها ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت منه، فألقيت الصحيفة، ثم رجعت إلى نفسى فتناولتها فإذا فيها ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت منه، ثم رجعت إلى نفسى فقرأتها حتى بلغت ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٢) إلى آخر الآية. فقلت:
_________________
(١) فى الأصول «لينال». والتصويب عن دلائل النبوة ٢:٤، والخصائص الكبرى ١:٣٢٩.
(٢) سورة الحديد الآيات ١ - ٧. وعلق محقق الخصائص الكبرى على هذا الخبر بقوله: المكتوب فى الصحيفة من سورة الحديد مع أن المعروف أن سورة الحديد مدينة!!.
[ ١ / ٢٧٧ ]
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فخرجوا إلىّ متبادرين وكبّروا وقالوا: أبشر يا ابن الخطاب؛ فإن رسول الله ﷺ دعا يوم الاثنين فقال: اللهم أعزّ دينك بأحبّ الرجلين إليك؛ إما أبو جهل بن هشام وإما عمر بن الخطاب. وإنا نرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك، فأبشر. قلت فأخبرونى أين رسول الله ﷺ؟ فلما عرفوا الصّدق منى قالوا: فى بيت فى أسفل الصفا.
فخرجت حتى قرعت الباب عليهم، فقالوا: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب-وقد علموا من شدّتى على رسول الله ﷺ وما يعلمون بإسلامى-فما اجترأ أحد يفتح الباب حتى قال (^١) افتحوا له؛ إن يرد الله به خيرا يهده. ففتحوا لى الباب فأخذ رجلان بعضدى حتى أتيا بى النبىّ ﷺ فقال: خلّوا عنه. ثم أخذ بمجامع قميصى، ثم جذبنى إليه، ثم قال: أسلم يا ابن الخطاب، اللهم اهده. فقلت:
أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فكبّر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة-وكانوا مستخفين-فلم أشأ أن أرى رجلا يضرب (^٢) ويضرب إلا رأيته ولا يصيبنى من ذلك شئ، فخرجت حتى جئت خالى-وكان شريفا-فقرعت الباب عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: ابن الخطاب. فخرج إلىّ، فقلت: قد علمت أنى قد صبوت؟ قال: أو فعلت/؟ قلت: نعم. قال: لا
_________________
(١) أى رسول الله ﷺ. (تاريخ الخلفاء ١١٢)
(٢) فى هـ «يضرب فيضرب» وفى م «يضرب إلا رأيته». والمثبت عن ت وتاريخ الخلفاء ١٠٩.
[ ١ / ٢٧٨ ]
تفعل. فقلت: قد فعلت. فدخل وأجاف الباب دونى، فقلت: ما هذا بشئ. فذهبت إلى رجل من عظماء قريش فنادينه فخرج إلىّ، فقلت مثل مقالتى لخالى، وقال مثل ما قال، وأجانى الباب دونى، فقلت فى نفسى: ما هذا بشئ؟ إن المسلمين يضربون وأنا لا أضرب. فقال لى رجل: أتحبّ أن يعلم بإسلامك؟ قلت: نعم.
قال: فإذا جلس الناس فى الحجر فأت فلانا-لرجل لم يكن يكتم السر-فقل له فيما بينك وبينه إنى قد صبوت؛ فإنه قلّ ما يكتم السّر. فجئت-وقد اجتمع الناس فى الحجر-فقلت فيما بينى وبينه: إنى قد صبوت. قال: أو فعلت؟ قلت: نعم. فنادى بأعلى صوته إنّ ابن الخطاب قد صبأ. فبادر إلىّ أولئك الناس، فما زلت أضربهم ويضربوننى، واجتمع علىّ الناس حتى قال خالى: ما هذه الجماعة؟ قيل: عمر قد صبأ. فقام على الحجر فأشار بكمّه هكذا؟ ألا إنى قد أجرت ابن أختى. فتكشّفوا عنى. فكنت لا أشأ أن أرى رجلا من المسلمين يضرب ويضرب، فقلت: ما هذا بشئ حتى يصيبنى؛ فأتيت خالى فقلت: جوارك عليك ردّ.
فقال: ما سبب ذلك؟ هل وصل إليك أحد بأذيّة؟ قلت: لا والله، إلا أنى اخترت جوار الله وجوار رسوله على جوار غيره.
فما زلت أضرب وأضرب حتى أعزّ الله الإسلام (^١).
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:٤ - ٦، وعيون الأثر ١:١٢٢ - ١٢٤، وتاريخ الخلفاء ١١٢،١١٣.
[ ١ / ٢٧٩ ]
الثالث: قال عمر بن الخطاب: كنت للإسلام مباعدا، وكنت صاحب خمر فى الجاهلية أحبّها (^١) وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة (^٢) عند دور آل عمر بن عائذ (^٣) بن عمران بن مخزوم، فقلت ليلة أريد جلسائى فى مجلسنا ذلك، فلم أجد فيه منهم أحدا، فقلت: لو أنى جئت فلانا الخمّار-وكان بمكة رجل يبيع الخمر-لعلى أجد عنده خمرا فأشرب منها، فجئته فلم أجده، قلت لو جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين، فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلى-وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاّه بين الركنين الأسود واليمانى-فقلت حين رأيته: والله لو أنى استمعت إلى محمد الليلة حتى أسمع ما يقول، فقلت: لئن دنوت لأسمع منه لأروّعنّه، فجئت الكعبة من قبل الحجر فدخلت عليه (^٤) تحت ثيابها، فجعلت أمشى رويدا- ورسول الله ﷺ قائم يصلى يقرأ القرآن-حتى قمت فى قبلته وما بينى وبينه إلا ثياب الكعبة، فلما سمعت القرآن رقّ له قلبى، فبكيت
_________________
(١) كذا فى الأصول، وسيرة النبى لابن هشام ١:٢٣٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٣٧. وفى سبل الهدى والرشاد ٢:٤٩٦ «أصبها».
(٢) الخرورة: سوق كانت بمكة وأدخلت فى المسجد الحرام لما زيد فيه (سبل الهدى ٢:٢٠٠)
(٣) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:٢٣٢، وسبل الهدى والرشاد ٢:٤٩٦ «عمر بن عبد».
(٤) هذا اللفظ فى الأصول، ولم يرد فى المراجع السابقة.
[ ١ / ٢٨٠ ]
ودخلنى الإسلام/، فلم أزل قائما فى مكانى ذلك حتى قضى رسول الله ﷺ صلاته، ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار بنى (^١) أبى حسين، وكانت طريقه حتى يخرج إلى المسعى، ثم يشتد بين دار عباس بن عبد المطلب وبين دار ابن أزهر بن عوف الزّهرىّ، ثم على دار الأخنس بن شريق حتى يدخل بيته-وكان مسكنه فى الدار الرقطاء-فاتبعته حتى إذا كان بين دار العباس وبين دار ابن أزهر أدركته، فلما سمع حسّى وعرفنى ظنّ أنى إنما اتبعته لأوذيه فقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة؟ قلت: إنى أومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله. فحمدّ الله رسول الله ﷺ وأثنى عليه وقال: قد هداك الله يا عمر. ثم مسح صدرى، ودعا لى بالثّبات، ثم انصرفت، ودخل بيته.
الرابع: قال عمر بن الخطاب ضرب أختى المخاض فأخرجت من البيت، فدخلت فى أستار الكعبة فى ليلة قارّة، فجاء النبىّ ﷺ فدخل الحجر وأعلن بصلاته، فصلّى ما شاء الله ثم انصرف، فسمعت شيئا لم أسمع مثله، فخرجت فاتبعته، فقال: من هذا؟ قلت: عمر. قال يا عمر ما تتركنى ليلا ولا نهارا؟! فخشيت أن يدعو علىّ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: يا عمر استره. فقلت: والذى بعثك بالحق لأعلننّه كما أعلنت الشرك (^٢).
_________________
(١) كذا فى الأصول. وفى سيرة النبى لابن هشام ١:٢٣٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٣٧ «دار ابن أبى حسين».
(٢) حلية الأولياء ١:٤٠، وتاريخ الخلفاء ١١٠.
[ ١ / ٢٨١ ]
قال الحافظ أبو نعيم: وهذه القصة وإن اختلف فيها بعض الألفاظ فقد اتفقت أن الذى أمال عمر إلى الإسلام ما قرع سمعه من القرآن وأخذ بقلبه.
قال ابن عمر: إنى لفى سطح فرأيت الناس مجتمعين على رجل، وهم يقولون: صبأ عمر. فجأء العاص بن وائل-عليه قباء ديباج-فقال: إن كان عمر قد صبأ فمه، أنا له جار. فتفرّق الناس عنه، فعجبت من عزّه (^١).
وفيها-ويقال: فى أول السنة التى بعدها-كبر على قريش ما رأوه من عزّة النبى ﷺ بمن معه، وعزّة أصحابه بالحبشة، وفشوّ الإسلام فى القبائل-وكانوا اجتهدوا فى إخفاء ذلك النور، فأبى الله إلا أن يتمّ نوره-غضبوا على النبى ﷺ وعلى أصحابه. واشتد أذاهم؛ فاجتمعوا وائتمروا، وتعاقدوا وتعاهدوا بينهم على قطيعة الهاشميين والمطّلبيّين؛ ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يخالطوهم. وكتبوا ذلك فى صحيفة؛ كتبها منصور بن عكرمة بن هشام-ويقال: النّضر بن الحارث، وقيل: بغيض بن عامر بن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصىّ-وعلّقوها فى جوف الكعبة هلال المحرم سنة سبع (^٢)؛ توكيدا للأمر على أنفسهم، فدعا رسول الله ﷺ على كاتب
_________________
(١) دلائل النبوة ٢:٨،٩.
(٢) أى من النبوة. (الوفا بأحوال المصطفى ١:١٩٧، وتاريخ الخميس ١: ٢٩٧).
[ ١ / ٢٨٢ ]
الصحيفة، فشلّت يده. ثم غدت قريش على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم، واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة، وزلزلوا زلزالا شديدا.
ولما فعلت قريش ذلك انحاز رسول الله ﷺ وسائر بنى هاشم وبنى المطّلب-خلا أبا لهب-وبنو المطلب وولده فى الشّعب، وخرج اللعين أبو لهب وولده إلى قريش، فظاهرهم على بنى هاشم وبنى المطّلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادّة، فكانوا لا يقدرون على ذلك إلاّ من الموسم إلى الموسم، ولا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى بلغ بهم الجهد، وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشّعب يتضاغون من الجوع. فمن قريش من سرّه ذلك، ومنهم من ساءه، ولم يكن يصل إليهم شئ إلا سرّا؛ حتى إن المطعم بن عدىّ أدخل عليهم فى بعض الأيام ثلاثة أوقار من الطعام، وكان النبىّ ﷺ يشكر له ذلك، وكانت العير تأتى من الشام وعليها الحنطة إلى حكيم بن حزام بن خويلد فيوجهها نحو الشّعب، ثم يضرب أدبارها فتدخل عليهم، فيأخذون ما عليها من الحنطة. وكان هشام بن عمرو (^١) بن ربيعة أوصل قريش لبنى هاشم حين حصروا فى الشّعب؛ أدخل عليهم فى ليلة ثلاثة أحمال طعام، فعلمت بذلك قريش، فمشوا إليه فكلّموه فى ذلك فقال: إنى غير عائد لشئ تحالفتم عليه. ثم عاد الثانية وأدخل حملا أو حملين، فغالظته (^٢) قريش وهمّوا به، فقال أبو سفيان بن حرب: دعوه؛ رجل وصل رحمه، أما إنى أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أجمل.
_________________
(١) فى الأصول «عمر». والمثبت عن سيرة النبى لابن هشام ١:٢٥١، وسبل الهدى ٢:٥٤٣.
(٢) فى الأصول «فغايظنه» والمثبت عن سبل الهدى ٢:٥٤٣، وشرح المواهب ١:٢٩٠.
[ ١ / ٢٨٣ ]
ويقال: إن المشركين لما اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين (^١) الجهد، واشتدّ عليهم البلاء، واجتمعت قريش فى مكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية. فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بنى عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم، ويمنعوه ممن أراد قتله، فاجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حميّة ومنهم من فعله إيمانا ويقينا. فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله ﷺ واجتمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم، ألا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا فى مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق، لا يقبلوا من بنى هاشم أبدا صلحا، ولا تأخذهم فيهم رأفة حتى يسلموه للقتل.
فلبث بنو هاشم فى شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق؛ فلا يتركوا طعاما يقدم مكة ولا بيعا إلا بادروهم فاشتروه؛ يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله ﷺ.
وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله ﷺ فاضطجع على فراشه، حتى يرى ذلك من أراد مكرا به واغتياله، فإذا نوّم الناس أمر أحدا من بنيه، إو إخوته، أو بنى عمه فاضطجع على فراش رسول الله ﷺ، وأمر رسول الله ﷺ أن يأتى بعض فرشهم فينام عليه (^٢).
_________________
(١) كذا فى ت، م. وفى هـ، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٤٣ «المسلمون الجهد».
(٢) دلائل النبوة ٢:٨١، والسيرة النبوية لابن كثير ٢:٤٣،٤٤، وشرح المواهب ١:٢٧٨،٢٧٩.
[ ١ / ٢٨٤ ]
وفيها-ويقال: فى السنة التى بعدها-خرج أبو بكر الصديق ﵁ مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد (^١) لقيه ابن الدّغنة (^٢) -وهو سيد القارة (^٣) -فقال: أين
_________________
(١) برك الغماد: بباء موحدة مفتوحة-وتكسر-فراء فكاف. الغماد: بغين معجمة مكسورة-وقد تضم-فميم فألف فدال: موضع على خمس ليال من مكة مما يلى البحر. (سبل الهدى ٢:٥٤١) والبرك حجارة مثل حجارة الحرة خشنة وعرة يصعب المسلك عليها. (معجم البلدان لياقوت) وفى شرح المواهب ١:٢٨٨ «قال الحازمى: موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن، وقال البكرى: هى أقاصى هجر. وقال الهمدانى: فى أقصى اليمن. قال الحافظ: والأول أولى-إنتهى. وعورض هذا بما رواه ابن إسحاق، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة: استأذن أبو بكر رسول الله فى الهجرة فأذن له فخرج أبو بكر مهاجرا حتى إذا سار يوما أو يومين لقيه ابن الدغنة- الحديث-وسنده حسن أو صحيح، وبين برك الغماد وبين يوم أو يومين تباين كثير. وجمع بأنها لم تعن المكان المخصوص بل مكانا بعيد؛ فإنها تقال فيما تباعد كسعفات هجر، وحوض الثعلب، أو أرادت حتى بلغ أقصى المعمور من مكة؛ فإن برك الغماد فسرت بذلك».
(٢) الدغنة: بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون كما نسبه الحافظ للرواة، وقال، قال الأصيلى: قرأه لنا المروزى بفتح الغين والصواب الكسر. وبضم الدال والغين وتشديد النون عن أهل اللغة، وبه رواه أبوذر فى الصحيح؛ ولذا قال النووى روى بهما فى الصحيح، وفى الفتح ثبت بالتخفيف والتشديد من طريق. وهى أمه وقيل أم أبيه وقيل دايته. وقيل لاسترخاء كان فى لسانه، ومعنى الدغنة المسترخية، وأصلها الغمامة الكثيرة المطر. واختلف فى اسمه فعند البلاذرى من طريق الواقدى عن معمر عن الزهرى أنه الحارث بن يزيد، وحكى السهيلى أنه مالك، وقول الكرمانى سماه ابن إسحاق ربيعة بن ربيع وهم؛ فالذى ذكره ابن إسحاق شخص غير هذا سلمى، وهذا من القارة. (شرح المواهب ١:٢٨٨).
(٣) القارة: قبيلة مشهورة من بنى الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكانوا حلفاء بنى زهرة من قريش، ويضرب بهم المثل فى قوة الرمى، قال الشاعر: *قد أنصف القارة من راماها* (المرجع السابق)
[ ١ / ٢٨٥ ]
تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجنى قومى، فأريد أن أسيح فى الأرض، وأعبد ربى. قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج؛ إنك لتكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحقّ؛ أنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدّغنة، فطاف ابن الدّغنة عشيّته فى أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكلّ، ويقرى الضيف، ويعين على نوائب الحق؟! فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وأنفذوه وأمّنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدّغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه فى داره، فليصلّ بها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ فى غير داره.
ثم بدا لأبى بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز فكان يصلى فيه ويقرأ القرآن؛ فيتقصف (^١) عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يتعجّبون منه وينظرون إليه. وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين؛ فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربّه فى داره، وإنه قد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، وأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا بهذا فانهه، فإن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربّه فى داره فعل، وإن أبى إلا أن يفعل ذلك فاسأله أن يردّ عليك ذمّتك؛ فإنا كرهنا أن نخفر ذمتك، ولسنا مقرّين لأبى بكر بالاستعلان.
_________________
(١) تقصف القوم على الشئ: اجتمعوا وازدحموا عليه. (المعجم الوسيط، وشرح المواهب ١:٢٨٩)
[ ١ / ٢٨٦ ]
فأتى ابن الدغنة إلى أبى بكر فقال: قد علمت الذى عاقدت عليه لك، فإمّا أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلىّ ذمّتى؛ فإنى لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت فى رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإنى أردّ إليك جوارك، وأرضى بجوار الله ورسوله (^١)
وفيها ولد عبد الله بن جعفر (^٢) بالحبشة، وأبو أمامة صدىّ ابن عجلان (^٣)، وسلمة بن الأكوع (^٤).
***