فيها بعد رجوع النبى ﷺ من سفره بشهرين وخمسة وعشرين يوما، بعد أن أكمل النبىّ ﷺ خمسا وعشرين سنة وشهرا وعشرة أيام-وقيل: وخمسة وعشرين يوما-خطب النبى ﷺ إلى خديجة بنت خويلد نفسها، وكانت ابنة أربعين سنة-ويقال: خمس وأربعين، ويقال: ثمان وأربعين، ويقال: ست وأربعين، وقيل ثلاثين، ويقال ثمان وعشرين، بسفارة نفيسة ابنة منية أخت يعلى-ويقال بسفارة ميسرة، وقيل غير ذلك-وكان كلّ قوم خديجة حريصا على نكاحها، فلم يقدر (^١) ذلك،/وقد طلبوا وبذلوا لها الأموال.
فأرسلت خديجة نفيسة بنت منية (^٢) دسيسا إلى النبى ﷺ، فقالت: يا محمد، ما منعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدى ما أتزوج به. قالت: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة. ألا تجيب؟ قال: فمن هى؟ قالت: خديجة.
قال: وكيف لى بذلك؟ قالت: علىّ. قال: أفعل (^٣). فذهبت
_________________
(١) كذا فى ت، هـ. وفى م «فلم يقدر على ذلك».
(٢) فى الأصول «بنت يعلى» والتصويب عما سبق، وعن طبقات ابن سعد ١:١٣١ والوفا بأحوال المصطفى ١:١٤٤.
(٣) كذا فى ت، م، والمرجعين السابقين، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٢٣. وفى هـ، وتاريخ الخميس ١:٢٦٤ «افعلى».
[ ١ / ١٣٥ ]
فأخبرتها، فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمّها عمرو بن أسد ليزوّجها، فقال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يخطب خديجة بنت خويلد، هذا الفحل لا يقذع (^١) أنفه.
فحضر ودخل رسول الله ﷺ فى عمومته، ومعه بنو هاشم وسائر رؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال: الحمد لله الذى جعلنا من ذريّة إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معدّ، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس. ثم إن ابن أخى هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل من قريش إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا، فإن كان فى المال قلا فإن المال ظلّ زائل، وأمر حائل، وعارية مسترجعة. ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالى هذا، وهو مع هذا- والله-له نبأ عظيم، وخطر جليل. فتزوجها وأصدقها عشرين بكرة، وقيل اثنتى (^٢) عشرة أوقية ذهبا ونشا (^٣)، والأوقية أربعون درهما، والنش عشرون درهما؛ فذلك خمسمائة درهم.
_________________
(١) كذا فى الأصول بذال معجمة. وفى سبل الهدى والرشاد ٢:٢٢٧ «لا يقدع» بمثناة تحتية مضمومة فقاف ساكنة، فدال مفتوحة، فعين مهملتين. قال فى الصحاح قدعت فرسى أقدعه قدعا: كبحته وكففته.
(٢) فى الأصول «اثنتين وعشرين» والتصويب عن شرح المواهب ١:٢٠٢، وسبل الهدى والرشاد ٢:٢٢٤، لأن ما فى الأصول لا يتفق مع النتيجة.
(٣) النش: نصف أوقية. سبل الهدى والرشاد ٢:٢٢٧.
[ ١ / ١٣٦ ]
ويروى: أن الذى زوج النبى ﷺ خديجة أبوها خويلد.
وذلك فيما ورد أن رسول الله ﷺ ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب عن (^١) أن يزوّجه، فصنعت خديجة طعاما وشرابا ودعت أباها ونفرا من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت خديجة: إنّ محمد بن عبد الله يخطبنى فزوّجنى إياه. فزوّجها، فخلّقته وألبسته حلّة- وكذلك كانوا يفعلون بالآباء-فلما سرّى عنه سكره نظر فإذا هو مخلّق وعليه حلّة، فقال: ما شأنى، ما هذا؟ قالت: زوّجتنى محمد بن عبد الله. قال: أنا أزوّج يتيم أبى طالب!! لا لعمرى.
قالت خديجة: ألا تستحى، تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكرانا؟! فلم تزل به حتى رضى.
وقيل: قال عمّار بن ياسر: كنت تربا للنبى ﷺ وإلفا وخدنا، وإنى خرجت معه ذات يوم حتى إذا كنا بالحزورة جزنا على أخت خديجة-وهى جالسة على أدم تبيعها-فنادتنى، فانصرفت إليها، ووقف لى رسول الله ﷺ، فقالت: أما لصاحبك هذا من حاجة لتزويج خديجة؟ فرجعت إليه فأخبرته، فقال: بلى لعمرى. فذكرت لها قول رسول الله ﷺ، فقالت: أغدوا علينا إذا أصبحنا. فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة، وألبسوا أبا خديجة حلّة وصفّرت لحيته، وكلّمت أخاها، فكلّم أباها-وقد سقى خمرا-فذكر له رسول الله ﷺ ومكانه، وسأله (^٢) أن يزوّجه، فزوّجه خديجة (^٢)، وصنعوا من
_________________
(١) كذا فى م. وفى ت، هـ «من أن».
(٢) كذا فى هـ ودلائل النبوة ١:٣٤١. وفى ت، م «أن يزوجه خديجة وصنعوا».
[ ١ / ١٣٧ ]
البقرة طعاما فأكلنا منه، ونام أبوها ثم استيقظ صاحيا فقال: ما هذه الحلّة وهذه النقيعة (^١) وهذا الطعام؟ فقالت له ابنته التى كانت كلمت عمارا: هذه حلّة كساكها محمد بن عبد الله ختنك، وبقرة أهداها لك، فذبحناها حين زوّجته خديجة. فأنكر أن يكون زوّجه، وخرج يصيح حتى جاء الحجر، وخرجت بنو هاشم برسول الله ﷺ حتى جاءوه فكلّموه، فقال: أين صاحبكم الذى تزعمون أنى زوّجته؟ فبرز له رسول ﷺ، فلما نظر إليه قال: إن كنت زوّجته فسبيل ذلك (^٢)، وإن لم أكن فعلت فقد زوّجته.
ويقال: إن النبى ﷺ وصاحبه الذى سافرا جميعا لخديجة.
انطلقا يتحدثان عند خديجة، فجاءاها فبينما هما عندها إذ دخلت عليهم منشئة من مولدات قريش-ويقال مستنشئة، وهى:
الكاهنة-فقالت: أمحمد هذا!! والذى يحلف به أن جاء لجاء خاطبا. فقال النبىّ ﷺ: كلاّ. فلمّا خرجا. قال له صاحبه: أمن خطبة خديجة تستحى!! فو الله ما من قرشيّة إلا تراك لها كفئا.
فرجعا جميعا (^٣) مرة أخرى (^٣)، فدخلت عليهم تلك المنشئة فقالت:
أمحمد هذا، والذى يحلف به أن جاء لخاطبا. فقال النبىّ ﷺ على حياء-: أجل. فلم تغضب خديجة ولا أختها، فانطلقت إلى
_________________
(١) النقيعة: ما يذبح للضيافة. والطعام يصنع للقادم من السفر. وطعام الرجل ليلة عرسه. (المعجم الوسيط)
(٢) كذا فى الأصول. وفى دلائل النبوة ١:٣٤١،٣٤٢، والسيرة النبوية لابن كثير ١:٢٦٧ «فسبيل ذاك».
(٣) سقط فى ت.
[ ١ / ١٣٨ ]
أبيها خويلد بن أسد-وهو ثمل من الشراب-فقالت له: هذا ابن أخيك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يخطب خديجة-وقد رضيت خديجة-فدعاه فسأله عن ذلك، فخطب إليه فأنكحه، فخلّقت خديجة أباها وحلت عليه حلّة، فدخل عليها رسول الله ﷺ./فلما صحا الشيخ من سكره قال: ما هذا الخلوق، وما هذه الحلّة؟ قالت أخت خديجة: هذه حلّة كساكها ابن أخيك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب حين أنكحته خديجة، وقد بنى بها. فأنكر الشيخ ثم صار إلى أن سلّم ذلك واستحيا. فطفقت رجاز من رجاز قريش تقول:-
لا تزهدى خديج فى محمد … جلد يضئ كأضاة الفرقد (^١)
وقد ردّ هذا القول بأن أباها خويلدا توفّى قبل الفجار.
وقيل إن الذى زوّج النبى ﷺ خديجة أخوها عمرو بن خويلد.
والصحيح المجمع عليه أن عمّها عمرو بن أسد هو الذى زوجها.
وولدت خديجة للنبىّ ﷺ القاسم ثم زينب ثم عبد الله ويقال له الطيّب والطاهر، ولد بعد النبوة-ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية.
_________________
(١) سبل الهدى والرشاد ٢:٢٢٤، وشرح المواهب ١:٢٠١، مع اختلاف بين الثلاثة فى ألفاظ الشطر الثانى.
[ ١ / ١٣٩ ]
ويقال ولدت زينب، ثم القاسم، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، ثم عبد الله. ومات القاسم بمكة-وقد مشى-وهو ابن سنتين، ولما رجع النبىّ ﷺ من جنازته مرّ على العاص بن وائل وابنه عمرو بن العاص، فقال عمرو حين رأى النبى ﷺ: إنى لأشنؤه.
فقال العاص: لا جرم، لقد أصبح محمد أبتر من ابنه، فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ عوضا يا محمد عن مصيبتك بالقاسم ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾
ويقال: إن العاص لما مات عبد الله بن النبى ﷺ قال:
محمد أبتر لا يعيش له ذكر. فأنزل الله ﷿ فيه ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
وفيها ولد طلحة بن عبيد الله ﵁ (^١).
***