فيها فى رمضان قدم على رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلى مسلما، فبعثه إلى ذى الخلصة (^٤) ليهدمها، وكانت حجرا
_________________
(١) وفى أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٦ «ولما كانت سنة تسع وقع الحج فى ذى الحجة فأرسل النبى ﷺ أبا بكر ﵁ واستعمله على الحج وعلمه المناسك.» وأنظر الخلاف حول ذلك فى شرح المواهب ٣:٨٩.
(٢) هذا هو نتيجة الإنساء. وانظر أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٥، وشفاء الغرام ٢:٤٠، وعبارتهما «فيحجون فى كل شهر حجتين».
(٣) الرياض النضرة ٢:٢٢٨ وفيه «خرجه أبو حاتم والنسائى».
(٤) ذو الخلصة: وهو مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج وكانت بتبالة بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة، وكان سدنتها بنو أمامة من باهلة بن أعصر، وكانت تعظمها وتهدى لها خثعم وبجيلة وأزد السراة ومن قاربهم من بطون العرب من هوازن … وهو اليوم عتبة مسجد تبالة. (الأصنام ٣٤ - ٣٦. وانظر المحبر لابن حبيب ٣١٧، ومعجم بلدان ياقوت.)
[ ١ / ٥٦٧ ]
أبيض ضم له بيت صنم بجيلة وخثعم وأزد السراة فهدمه، فبلغ رسول الله ﷺ ذلك فسجد شكرا لله تعالى (^١).
*** وفيها فى ذى القعدة أعلم النبى ﷺ الناس أنه خارج إلى الحجّ وأمرهم بالخروج معه، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فأصابهم جدرى أو حصبة منعت بعضهم من الحجّ مع النبى ﷺ [فأعلم رسول الله ﷺ] (^٢) أن عمرة [فى] (^٢) رمضان تعدل حجة. وخرج ﷺ من المدينة إلى مكة بعد أن صلى الظهر بالمدينة الشريفة، ومعه جمع من الناس كثير، لا يحصيهم غير خالقهم ورازقهم، فقيل مائة وأربعة عشر ألفا، وقيل أكثر، وقيل تسعون ألفا. حتى حج معه من لم يكن يراه قبلها ولا بعدها، وحصل لهم فضيلة الصّحبة، وأراهم مناسكهم وعلّمهم. وخرج ﷺ على طريق الشجرة فى يوم السبت لأربع- وقيل لخمس-ليال بقين من ذى القعدة، وقيل يوم الخميس، أوست بقين منها، نهارا بعد أن أدّهن وترجل واغتسل وتجرّد فى ثوبين
_________________
(١) وانظر طبقات ابن سعد ١:٣٤٧،٣٤٨، والاستيعاب ١:٢٣٨، وصفة الصفوة ١:٧٤؛ والسيرة النبوية لابن كثير ٤:١٤٩ - ١٥٣، والإصابة ١: ٢٣٢، والخصائص ٢:١٥٩، وتاريخ الخميس ٢:١٤٥،١٩٨؛ وشرح المواهب ٣: ١٠٧.
(٢) سقط فى الأصول والمثبت عن عيون الأثر ٢:٢٧٢.
[ ١ / ٥٦٨ ]
صحاريين (^١): إزار ورداء. وأخرج معه نساءه كلهن فى الهوادج، وصلى العصر بذى الحليفة، ونام بها، وطاف فى ليلته على نسائه ثم اغتسل، فلما أصبح صلى بها الصبح وطيبته عائشة ﵂ بذريرة (^٢) ممسكة.
وولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ: كيف أصنع؟ فقال: اغتسلى واستثفرى (^٣) بثوب وأحرمى.
وصلى رسول الله ﷺ بمسجد ذى الحليفة، ثم أحرم ﷺ-ولم يغسل الطيب، ولبد رأسه-وقلّد بدنه نعلين، وأشعرها فى جانبها الأيمن، وسلت الدم عنها-وكانت هدي تطوّع-وساق ﷺ معه الهدى، وكان عليه ناجية بن جندب الأسلمى، ثم ركب ﷺ راحلته القصوى، وكان عليها رحل عليه قطيفة لا تساوى أربعة دراهم (^٤)، وقال ﷺ: اللهم اجعله حجّا
_________________
(١) فى الأصول «حجازيين» والمثبت عن مغازى الواقدى ٣:١٠٩٠، وطبقات ابن سعد ٢:١٩٣، والإمتاع ١:٥١٢.
(٢) الذريرة: نوع من الطيب مجموع من أخلاط. (هامش عيون الأثر ٢: ٢٧٢، والسيرة النبوية لابن كثير ٤:٣٧٩، والسيرة الحلبية ٣:٣٠٩.)
(٣) فى الأصول «واستذفرى» والمثبت عن عيون الأثر ٢:٢٧٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٤:٢٨٩، والقرى ص ١٣٣، والسيرة الحلبية ٣:٣١٢ وفيها «أى بخرقة عريضة بعد أن تحشو بنحو قطن وتربط طرفى تلك الخرقة فى شئ تشده فى وسطها لتمنع بذلك سيلان الدم كما تفعل الحائض.»
(٤) شرح المواهب ٨:١٥٧.
[ ١ / ٥٦٩ ]
لا رياء فيه ولا سمعة. وأهل حين انبعثت به راحلته من عند مسجد ذى الحليفة قارنا بحجّ وعمرة معا، قبل الظهر بيسير، وقال للناس: ليهل كل منكم بما أحبّ من قران وإفراد وعمرة. وقيل:
إن النبى ﷺ أحرم بالحجّ مفردا، ويقال دخل مكة محرما بعمرة متمتعا، ثم أضاف إليها حجة. وأهل النبى ﷺ: لبّيك اللهم لبّيك، لبيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وأهلّ الناس بهذا الذى يهل به، فلم يردّ عليهم رسول الله ﷺ شيئا. وأمر النبى ﷺ أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية. وصلى الظهر بالبيداء، ثم تمادى يسير المنازل ويؤم أصحابه فى الصلاة (^١) فى أماكن؛ فبناها الناس مساجد وعرفت مواضعها. واستهل هلال ذى الحجة الثامنة أو السادسة من خروجه ﷺ من المدينة.
فلما كان ببطن الرّوحاء (^٢) قال أسامة بن زيد: أتته امرأة فقالت: إن ابنى هذا به لمم منذ سبع سنين، يأخذه فى كل يوم مرّتين. فقال ﷺ: ادنيه. فأدنته منه، فتفل فى فيه وقال: اخرج عدوّ الله، أنا رسول الله. ثم قال لها: إذا رجعنا فأعلمينا ما صنع (^٣).
_________________
(١) فى الأصول «فى الصحارى» والمثبت عن طبقات ابن سعد ٢:١٧٣.
(٢) الروحاء: اسم منهل من المدينة على قرب مرحلتين منها. (القرى ٧٦) وقيل بينها وبين المدينة حوالى أربعين ميلا-وانظر وفاء الوفا ٢:٣١٤.
(٣) الخصائص ٢:٢٠٧.
[ ١ / ٥٧٠ ]
ثم قال: أسيم، انظر هل ترى من خمر لمخرج رسول الله- ﷺ؟ فقلت: يا رسول الله قد دحس الناس الوادى، فما فيه موضع. فقال: انظر هل ترى فيه من نخل أو حجارة؟ فقلت:
يا رسول الله قد رأيت نخلات متفرقات ورضما من حجارة، قال:
انطلق فقل لهن: إن رسول الله ﷺ يأمركن أن تدانين لمخرج رسول الله ﷺ، وقل للحجارة مثل ذلك. فأتيتهن فقلت ذلك لهن، فو الله الذى بعثه بالحق نبيا لقد جعلت أنظر إلى النخلات يخددن الأرض خدا حتى اجتمعن، وأنظر إلى الحجارة يتناقزن حتى صرن رضما خلف النخلات، فأتيته فقلت ذاك له، قال: خذ الإداوة وانطلق، فلما قضى حاجته وانصرف قال: أسيم عد إلى النخلات والحجارة فقل لهن: إن رسول الله ﷺ يأمركن أن ترجعن إلى مواضعكن (^١).
فلما رجع رسول الله ﷺ استقبلته المرأة ومعها كبشان وأقط وسمن، فقالت: يا رسول الله خذ هذا الكبش. فقال لى رسول الله ﷺ: خذ هذا الكبش. فأخذ منه ما أراد (كذا) وردّ. وفى بعض الروايات قال: خذ أحد الكبشين وردّ عليها الآخر. وأخذ السمن والأقط. قال: ففعلت. فقالت: والذى أكرمك ما رأينا شيئا منذ فارقتنا (^٢).
ثم أتاه بعير فقام بين يديه، فرأى عينيه تدمعان، فبعث إلى أصحابه فقال: ما لبعيركم يشكوكم؟ فقالوا: كنا نعمل عليه، فلما
_________________
(١) شفاء الغرام ١:١٩٧، والخصائص ٢:٢٠٤،٢٠٥.
(٢) وانظر الخصائص ٢:٢٠٣ - ٢٠٨.
[ ١ / ٥٧١ ]
كبر وذهب عمله تواعدنا لننحره غدا. فقال رسول الله ﷺ: فلا تنحروه واجعلوه فى الإبل يكون فيها (^١).
وقال الشّريد بن سويد الثقفى: خرجت مع رسول الله ﷺ فى حجة الوداع، فبينما أنا أمشى ذات يوم إذا وقع ناقة خلفى، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ، فقال: الشّريد؟ فقلت: نعم. قال:
ألا أحملك؟ قلت: بلى-وما بى من إعياء ولا لغوب. ولكنى أردت البركة فى ركوبى مع رسول الله ﷺ-فأناخ فحملنى فقال: أمعك من شعر أميّة بن أبى الصّلت؟ قلت: نعم. قال: هات. فأنشدته مائة بيت، كلما أنشدته بيتا قال: إيه حتى أنشدته مائة بيت.
فقال النبى ﷺ: إن كاد ليسلم. ويقال: إن النبى ﷺ لما سمع شعر أميّة قال: عند الله علم أميّة بن أبى الصّلت (^٢).
واستمر ﷺ من الرّوحاء حتى نزل قديدا، فمر بامرأة فى محفتها ومعها ابن لها صغير، فأخذت بعضده وقالت: يا رسول الله، ألهذا حجّ؟ قال ﷺ: نعم ولك أجره (^٣).
وفى هذه الحجة أيضا مرّ بامرأة من خثعم فقالت: إن فريضة الله ﷿ أدركت أبى شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال ﷺ: نعم (^٤).
_________________
(١) الخصائص ٢:٢٠٧.
(٢) السيرة النبوية لابن كثير ١:١٣٧،١٣٨ «وأتبعه بقوله قال ابن صاعد: هذا حديث غريب» وانظر الاستيعاب ٢:٧٠٨، والإصابة ٢:١٤٨.
(٣) القرى ٧٥، والإمتاع ١:٥١٦، وشرح المواهب ٨:٢١٣.
(٤) عيون الأثر ٢:٢٧٧، والقرى ٨٣، والسيرة الحلبية ٣:٣٢٦.
[ ١ / ٥٧٢ ]
ثم سار حتى نزل بسرف، فخرج إلى أصحابه فقال: من لم يكن معه منكم هدى فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدى فلا. فمنهم الآخذ بها والتارك لها ممن لم يكن معه هدى (^١).
ودخل على عائشة فوجدها تبكى، فقال: ما يبكيك؟ قالت: سمعت كلامك مع أصحابك فتمتّعت بعمرة. قال:
وما لك؟ -أو ما بالك؟ -قلت: لا أصلى قال: فلا يضرك، تكونى فى حجّك فعسى الله أن يرزقكها؛ فإنما أنت من بنات آدم؛ كتب الله عليك ما كتب عليهن (^٢).
ثم غربت عليه الشمس بسرف، فجاء إلى ذى طوى فبات بها ليلة الأحد لأربع ليال خلون من ذى الحجة، وصلى بها الصبح.
واغتسل، ثم دخل مكة من أعلاها من ثنيّة كداء نهارا (^٣) على راحلته القصوى، فلما انتهى إلى باب بنى شيبة ورأى البيت رفع يديه فقال: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من عظّمه ممن حجّه واعتمره تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما وبرّا (^٤).
ثم أتى البيت فاستلم الركن وطاف على ناقته الجذعاء، فرمل ثلاثا ومشى أربعا-وهو مضطبع بردائه-يستلم الركن بمحجنه، ثم يعطف المحجن ويقبّله (^٥) حتى فرغ من سبعة.
_________________
(١) عيون الأثر ٢:٢٧٣.
(٢) عيون الأثر ٢:٢٧٣، والسيرة الحلبية ٣:٣١٢،٣١٣، وشرح المواهب ٨:١٦٢.
(٣) عيون الأثر ٢:٢٧٣، وشرح المواهب ٨:١٦٥.
(٤) الإمتاع ١:٥١٧، وشرح المواهب ٨:١٦٥.
(٥) وانظر السيرة الحلبية ٣:٣١٥ مع المرجعين السابقين.
[ ١ / ٥٧٣ ]
فلما فرغ أتى إلى مقام إبراهيم الخليل فجعل المقام بينه وبين البيت وأناخ ناقته عند المقام، فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^١) ثم صلى ركعتين قرأ فيهما «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» و«قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما أتى الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ (^٢) أبدأ بما بدأ الله به. فبدأ بالصّفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحّد (^٣) الله وكبّره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله (^٤) وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبّت قدماه فى بطن الوادى رمل، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال: إنى لو استقبلت من أمرى ما استديرت لم اسق؟؟؟ الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال:/ألعامنا هذا أم لأبد الأبد؟ فشبّك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة فى أخرى وقال: دخلت العمرة فى الحج هكذا- مرتين-بل لأبد الأبد، لا بل لأبد الأبد (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة آية ١٢٥.
(٢) سورة البقرة آية ١٥٨.
(٣) فى الأصول «حمد» والمثبت عن القرى ١٣٤، وشرح المواهب ٨:١٦٨.
(٤) فى الأصول «هو» والمثبت عن المرجعين السابقين.
(٥) عيون الأثر ٢:٢٧٤، والقرى ١٣٤، وشرح المواهب ٨:١٦٨ - ١٧١.
[ ١ / ٥٧٤ ]
وكان عبد الله بن رواحة آخذا بخطام ناقة النبى ﷺ وهو يسعى فجعل يرتجز ويقول:
يا حبذا مكة من وادى … بها أهلى وعوادى
بها أمشى بلا هادى … بها ترتج أوتادى
ورسول الله ﷺ ضاحك من قول ابن رواحة حتى فرغ من سعيه (^١).
وجاء النبىّ ﷺ رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد، وقد لفّه فى خرقة، فقال له النبى ﷺ: يا غلام من أنا؟ فقال: أنت رسول الله. فقال ﷺ: بارك الله فيك. ثم إن الغلام لم يتكلّم بعد ذلك حتى شبّ (^٢).
ثم ذهب النبى ﷺ إلى منزله بالأبطح-وقد ضربت له قبة من أدم-ولم يقرب الكعبة بعد طوافه حتى رجع من عرفة (^٣).
وقدم على من اليمن ببدن النبى ﷺ فوجد فاطمة ممن حلّ ولبست ثيابا صبيغا (^٤) واكتحلت، فأنكر عليّ ذلك عليها، فقالت: أبى أمرنى بهذا. فكان [علي] (^٥) يقول بالعراق: فذهبت
_________________
(١) كذا فى الأصول. والمعروف أن عبد الله بن رواحة لم يكن حيا فى حجة الوداع لأنه ﵁ استشهد فى غزوة مؤتة وكانت فى جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة. (سيرة النبى لابن هشام ٣:٨٢٩، ومغازى الواقدى ٢:٧٦٩، وطبقات ابن سعد ٢:١٢٨، وتاريخ الطبرى ٣:١٠٧، وعيون الأثر ٢:١٥٣.)
(٢) تاريخ الخميس ٢:١٥٣، وشرح المواهب ٥:١٨٥ وفيهما «فكان يسمى مبارك اليمامة».
(٣) السيرة النبوية لابن كثير ٤:٣٣٤ وقال: انفرد به البخارى.
(٤) ثيابا صبيغا: أى مصبوغة غير بيض. شرح المواهب ٨:١٧٣.
(٥) إضافة على الأصول.
[ ١ / ٥٧٥ ]
إلى رسول الله ﷺ محرّشا على فاطمة فى الذى صنعت مستفتيا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنى أنكرت ذلك عليها.
فقال: صدقت، ما قلت يوم فرضت الحج؟ قال: قلت اللهم إنى أهلّ بما أهلّ به رسولك. قال ﷺ: فإن معى الهدي فلا تحل.
وكان جملة الهدى الذى قدم به عليّ من اليمن، والذى أتى به النبى ﷺ من المدينة مائة بدنة (^١).
وأقام النبى ﷺ بمكة محرما يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، وخطب الناس فيه بمكة بعد الظهر، وأطعم النبى ﷺ الحاج كما كانت قريش تصنع.
ثم نهض ﷺ بالحج فصعد الخميس إلى منى ومعه أصحابه، وفى هذا الوقت عند نهوضهم من الأبطح أحرم كلّ من كان أهلّ منهم بالحج، فصلى النبى ﷺ بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وبات بها فصلى بها الصبح يوم الجمعة، ومكث قليلا حتى إذا طلعت الشمس نهض، وأمر ﷺ بقبة من شعر فضربت بنمرة، ثم ركب فسار-ولا تشكّ قريش إلا أنه واقف بالمشعر الحرام بالمزدلفة، كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية-فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر ﷺ بالقصوى فرحّلت له، فأتى بطن الوادى فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، ألا كل شئ من
_________________
(١) السيرة النبوية لابن كثير ٤:٣٣٥، والقرى ١٣٤،١٣٥، وشرح المواهب ٨:١٧٣.
[ ١ / ٥٧٦ ]
أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع، وإن أوّل دم أضع من دمائكم دم إياس بن ربيعة بن الحارث-كان مسترضعا فى بنى سعد فقتلته هذيل-وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله، فاتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه؛ فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فلهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله، وأنتم مسئولون (^١) عنى، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت-فقال ﷺ بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء/ وينكّبها (^٢) إلى الناس ويقول: اللهم اشهد اللهم اشهد-ثلاث مرات-فلما فرغ من الخطبة أمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر والعصر مجموعين ولم يصل بينهما شيئا.
ثم ركب رسول الله ﷺ راحلته القصوى حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته إلى الصخرات. وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا بالهضاب، وقال: كل عرفة موقف إلا
_________________
(١) كذا فى الأصول ومغازى الواقدى ٣:١١٠٣، والإمتاع ١:٥٢٣. وفى القرى ١٣٦، وشرح المواهب ٨:١٧٧ «تسألون».
(٢) كذا فى الأصول، والقرى ١٣٦، وشرح المواهب ٨:١٧٨ - ترجيحا- والمعنى يرددها ويقلبها إلى الناس مشيرا لهم. وفيهما إشارة إلى راوية مسلم وأبى داود «ينكتها» بالتاء المثناة بعد الكاف. وفى مغازى الواقدى ٣:١١٠٣، والإمتاع ١:٥٢٣ «يكبها» أى يقلبها وينكسها.
[ ١ / ٥٧٧ ]
بطن عرنة (^١). ووقف على راحلته يدعو، وأرسل إلى الناس أن يقفوا على مشاعرهم، ونزل عليه ﷺ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ (^٢) ووقف معه مائة وأربعة عشر ألفا، وقيل أكثر: مائة وعشرون ألفا، وقيل أقل: تسعون ألفا، ويقال غير ذلك. ولم يزل النبى ﷺ واقفا عند الصخرات حتى غربت الشمس من يومه، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه ثم دفع وقد ضم زمام ناقته حتى إن رأسها (^٣) ليصيب طرف رحله، ومضى يسير العنق (^٤) فإذا وجد فجوة نصّ (^٥) وكلما أتى ربوة من تلك الروابى أرخى للناقة زمامها قليلا حتى يصعدها، وهو ﷺ يشير بيده اليمنى ويقول: أيها الناس السكينة السكينة. فلما كان عند الشّعب (^٦) الأيسر نزل ﷺ فبال وتوضأ وضوءا خفيفا، ثم ركب حتى أتى المزدلفة فنزل بها وتوضأ، ثم صلى بها المغرب والعشاء بأذان
_________________
(١) زاد مغازى الواقدى ٣:١١٠٣،١١٠٤، والإمتاع ١:٥٢٣ «وكل مزدلفة موقف إلا بطن محسر، وكل منى منحر إلا خلف العقبة.
(٢) سورة المائدة آية ٣.
(٣) فى الأصول «زمامها» والمثبت عن شرح المواهب ٨:١٨٣، وعيون الأثر ٢: ٢٧٦، والقرى ١٣٩، والسيرة الحلبية ٣:٣٢٥.
(٤) العنق: سير بين الإبطاء والإسراع، وقيل سير سهل فى سرعة، وقيل سير سريع، وقيل المشى الذى يتحرك به عنق الدابة. (شرح المواهب ٨:١٨٣،١٨٤)
(٥) النص: السير السريع، وقيل تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها وقيل النص فوق العنق؛ أى أرفع منه فى السرعة. (المرجع السابق)
(٦) وفى الإمتاع ١:٥٢٥، وشرح المواهب ٨:١٨٤ «وهو شعب أذاخر؛ الشعب الذى دون المزدلفة بين المأزمين على يسار الطريق.»
[ ١ / ٥٧٨ ]
واحد وإقامتين-ويقال بأذانين-ولم يسبّح (^١) بينهما شيئا، ثم اضطجع وبات بها، فلما كان السحر أذن للضعفاء من الذرية والنساء أن يأتوا منى قبل حطمة الناس، وقال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس، فلما برق الفجر وتبيّن الصبح صلى الصبح بالناس مغلسا- أو فى انصداع الفجر-بأذان وإقامة، ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فوقف على قزح (^٢)، وقال: كل مزدلفة موقف إلا بطن محسّر. واستقبل القبلة ودعا الله ﷿ وكبره وهلله ووحده، ولم يزل واقفا بها حتى أسفر جدا، ثم سار رسول الله ﷺ قبل أن تطلع الشمس يريد منى، وأردف الفضل بن العباس خلفه، وانطلق أسامة على رجليه فى سباق قريش، وكان الفضل رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما سار النبى ﷺ مرت ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن، فأخذ النبى ﷺ يده فوضعها على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه من الشق الآخر ينظر، فوضع النبى ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر حتى إذا أتى النبى ﷺ محسّرا حرّك (^٣) ناقته قليلا، وسلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى؛ وهى جمرة العقبة، ولم يزل يلبى حتى أتى الجمرة التى عندها الشجرة؛ فرماها من أسفلها من بطن الوادى بعد طلوع الشمس بسبع
_________________
(١) أى لم يصل بينهما شيئا من الصلوات. (عيون الأثر ٢:٢٧٦، والسيرة الحلبية ٣:٣٢٣).
(٢) قزح: قرن يقف عليه الإمام بالمزدلفة، وقيل جبل سمى بقوس قزح. (معجم بلدان ياقوت) وفى شرح المواهب ٨:١٩٠ «جبل صغير بالمزدلفة، وهو المشعر الحرام».
(٣) أى أسرع قليلا. وانظر سبب هذا الإسراع فى شرح المواهب ٨:١٩٢.
[ ١ / ٥٧٩ ]
حصيات مثل حصى الخذف (^١)، التقطها له عبد الله بن عباس (^٢) من موقفه الذى رمى فيه-ويقال التقطها من مزدلفة-وهو ﷺ على راحلته فكبر مع كل حصاة، وقطع التلبية-وهو لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك (^٣) -وكان بلال وأسامة أحدهما ممسك بخطام ناقته والآخر مظلله بثوبه من الحر.
وأنزل النبى ﷺ المهاجرين والأنصار منازلهم، وأمر بالتبليغ، ثم انصرف النبى ﷺ إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر (^٤) منها مما كان أتى به معه من اليمن وما ساقه معه من المدينة، وكانت تمام مائة بدنة، فيها جمل لأبى جهل فى أنفه برة فضة (^٥)، ثم أمر النبى ﷺ من كل بدنة ببضعة، فجعلت فى قدر، فأكلا (^٦) من لحمها وشربا من مرقها، ثم حلق رأسه فأعطى أبا طلحة نصفه، وفرق النصف الثانى على الناس: الشعرة والشعرتين، وأخذ من شاربه وعارضيه، وقلم أظفاره، وأمر بشعره وأظفاره أن
_________________
(١) الخذف: أى الحصى الصغار التى يرمى بها، وأصل الخذف رمى الحصاة بطرفى الإبهام والسبابة. (لسان العرب)
(٢) فى الأصول «ابن عتاب» والمثبت عن عيون الأثر ٢:٢٧٧، والسيرة الحلبية ٣:٣٢٧. وفى شرح المواهب «التقطها له الفضل بن العباس».
(٣) أى لا يضرب عنده أحد، ولا يزجر بالطرد، ولا يقال له إليك إليك؛ كما يفعل عند المتكبرين. (شرح المواهب ٨:١٩٤)
(٤) أى ما بقى من البدن. (المرجع السابق)
(٥) وسبق أن أورد المؤلف جمل أبى جهل ضمن هدى النبى ﷺ فى صلح الحديبية.
(٦) أى رسول الله ﷺ وعلى بن أبى طالب ﵁.
[ ١ / ٥٨٠ ]
يدفنا، وقصّر قوم وحلّق آخرون، فقال ﷺ: رحم الله المحلقين- ثلاثا-وفى كل مرة يقال له:/والمقصرين. فقال فى الرابعة:
والمقصرين (^١).
وضحى بكبشين أملحين، وذبح ﷺ عن نسائه البقر، من اعتمر منهن بقرة (^٢)، وطيّبته عائشة أيضا بطيب ممسك (^٣)، ولبس القميص، ونادى مناديه (^٤): إنها أيام أكل وشرب وذكر الله، ثم نزل النبى ﷺ فأفاض إلى البيت، وطاف طواف الإفاضة ويسمى طواف الصّدر. واختلف أين صلى الظهر يومئذ (^٥). وأتى بنى عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: انزعوا بنى عبد المطلب فلولا أن يغلب الناس على سقايتكم لنزعت معكم. فناولوه دلوا فشرب منه، ثم رجع ﷺ من يومه إلى منى، وخطب الناس فى هذا اليوم-وقيل ثانى يوم النحر-أعاد فيها خطبته بالأمس، وأمرهم بأخذ مناسكهم وأوصاهم، وقال: لعلّى لا أحجّ بعدها، ولعلكم لا ترونى بعد عامى
_________________
(١) الإمتاع ١:٥٢٧، والسيرة الحلبية ٣:٣٢٩، وشرح المواهب ٨: ١٩٦ - ١٩٨. وفيه تحرير للخلاف حول حدوث ذلك فى عمرة الحديبية أم فى حجة الوداع أم فيهما معا.
(٢) السيرة النبوية لابن كثير ٤:٣٧٧، وشرح المواهب ٨:١٩٤،١٩٥.
(٣) السيرة النبوية لابن كثير ٤:٣٧٩.
(٤) وهو حذافة السهمى كما فى مغازى الواقدى ٣:١١٠٩. وفى الإمتاع ١: ٥٢٧ هو عبد الله بن حذافة السهمى وقيل كعب بن مالك.
(٥) الإمتاع ١:٥٢٨، وهذا الخلاف حول وقوع صلاة الظهر هل كانت بمكة أو بمنى. وانظر شرح المواهب ٨:٢٠٧.
[ ١ / ٥٨١ ]
هذا، وقال: يا أيها الناس، أى شهر هذا؟ فسكتوا، فقال ﷺ:
هذا شهر حرام، وأى بلد هذا؟ فسكتوا، فقال ﷺ: بلد حرام، وأى يوم هذا؟ فسكتوا فقال: يوم حرام. ثم قال: إن الله قد حرّم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة شهركم هذا فى بلدكم هذا فى يومكم هذا إلى أن تلقوا ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال ﷺ:
اللهم اشهد. ثم قال: أيها الناس ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ (^١) ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدّة الشهور اثنا عشر شهرا فى كتاب الله، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب الذى يدعى شهر مضر الذى جاء بين جمادى الآخرة وشعبان (^٢)؛ الشهر تسعة وعشرون وثلاثون، ألا هل بلغت؟ فقال الناس: نعم. فقال ﷺ: اللهم اشهد (^٣).
ولتوديعه ﷺ الناس سميت حجة الوداع. وحجة الإسلام، وحجة البلاغ (^٤). وأقام بمنى بقيّة يومه وأيام التشريق ولياليها الثلاث
_________________
(١) سورة التوبة آية ٣٧.
(٢) فى الأصول «رجب» والمثبت عن مغازى الواقدى ٣:١١١٢، والإمتاع ١: ٥٣١، والروض الأنف ٤:٢٤٨.
(٣) وانظر بقية الخطبة فى المرجعين السابقين.
(٤) الإمتاع ١:٥١٠، والسيرة الحلبية ٣:٣٠٧ وفيها «سميت حجة الوداع لأن النبى ﷺ ودع الناس فيها ولم يحج بعدها، وحجة البلاغ لأنه ذكر لهم ما يحل وما يحرم وقال لهم: هل بلغت، وحجة الإسلام لأنه لم يحج من المدينة غيرها.»
[ ١ / ٥٨٢ ]
يرمى الجمار الثلاث فى كل يوم عند الزوال، كل واحدة سبع حصيات بمثل حصى الخذف يكبّر مع كل حصاة،/يبدأ بالدنيا التى تلى مسجد الخيف، ثم الوسطى، ويقف عند كل منهما ويدعو طويلا، ويتضرّع، ثم يرمى جمرة العقبة، ولا يقف عندها، فلما زالت الشمس فى اليوم الثالث من أيام التشريق-وذلك يوم الثلاثاء-نفر النبى ﷺ من منى فنزل بالمحصّب-وهو الأبطح (^١) -فى قبة له به [ضربها] (^٢) مولاه أبو رافع-وكان على ثقله-فصلّى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
ودخل النبى ﷺ على سعد بن أبى وقاص بعد حجه يعوده من وجع اشتد به، فبكى سعد، فقال النبى ﷺ: ما يبكيك؟ فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التى هاجرت منها كما مات سعد ابن خولة. فوضع النبى ﷺ يده على جبهة سعد ثم مسح وجهه وصدره وبطنه، ثم قال: اللهم اشف سعدا، اللهم اشف سعدا، وأتمم له هجرته. فقال سعد: يا رسول الله ادع الله ألا يردنى على عقبى. قال: لعل الله يرفعك وينفع بك ناسا. فقال سعد: يا رسول الله قد بلغ منى الجهد ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثنى إلا كلالة، أفأتصدق بمالى كلّه؟ قال: لا. قلت: بثلثي مالى؟ قال: لا.
قلت: فبشطره؟ قال: لا. قلت: الثلث؟ قال: الثلث، والثلث
_________________
(١) وفى شرح المواهب ٨:٢٠٩ «وهو مكان متسع بين مكة ومنى».
(٢) سقط فى الأصول والمثبت عن عيون الأثر ٢:٢٧٩، والسيرة الحلبية ٣: ٣٣٣، وشرح المواهب ٨:٢٠٩.
[ ١ / ٥٨٣ ]
كثير؛ إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن يأكل أحد أهلك من مالك صدقة، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا أجرت فيها حتى تجعل اللقمة فى فى امرأتك. قال سعد: أخلّف بعد أصحابى. فقال: إنك لن تخلّف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به رفعة ودرجة، ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضرّ بك آخرون، اللهم امض لأصحابى هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة-يرثى له رسول الله ﷺ أن مات بمكة-وخلف معه رجلا وقال: إن مات بمكة فلا تدفنه بها-يكره أن يموت الرجل فى الأرض التى هاجر منها (^١).
ويقال إن النبى ﷺ قدم مكة عام الفتح، فخلّف سعدا مريضا حين خرج إلى حنين، فلما قدم من الجعرانة معتمرا دخل عليه النبى ﷺ وهو وجع مغلوب-القصة-وكلا الروايتين وردت الأولى فى الصحيحين والثانية فى الترمذى (^٢)
ولما نزل النبى ﷺ بالمحصّب دعا عبد الرحمن بن أبى بكر الصدّيق فقال: اخرج بأختك عائشة من الحرم فلتهلّ بعمرة ثم
_________________
(١) فتح البارى ٣:١٦٤ كتاب الجنائز، وصحيح مسلم (فؤاد عبد الباقى) ٣:١٢٥٠ كتاب الوصية، وطبقات ابن سعد ٣:١٤٥، ومغازى الواقدى ٣:١١١٥، ١١١٦، والرياض النضرة ٢:٤٠٢، والإمتاع ١:٥٣٣.
(٢) صحيح الترمذى ٤:٤٣٠ باب ما جاء فى الوصية بالثلث.
[ ١ / ٥٨٤ ]
لتطف بالبيت؛ فإنى انتظركما هاهنا. ورقد ﷺ مرقده إلى أن فرغت عائشة من عمرتها، فلما أتياه أذّن فى الناس بالرحيل، وأمرهم ألا ينصرفوا حتى يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت، ورخّص فى ترك ذلك للحائض التى كانت طافت يوم النحر (^١).
ثم دخل النبى ﷺ إلى مكة سحرا، فطاف طواف الوداع لم يرمل فى شئ منه، ثم وقف على راحلته بالحزورة وقال: والله إنك لخير أرض الله تعالى، وأحبّ أرض الله تعالى إلىّ، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت (^٢). ثم مضى من فوره ذلك راجعا إلى المدينة الشريفة؛ فخرج من الثنّية السّفلى، ثنية كدى (^٣)، واستمر إلى أن وصل المدينة الشريفة لسبع بقين من ذى الحجة أو ثمان.
وفى هذه السنة كان الحج بحمد الله تعالى فى ذى الحجة، واستمر على ذلك، وقال ﷺ: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، فلا شهر ينسأ، ولا عدة تخطأ، وإن الحج فى ذى الحجة إلى يوم القيامة (^٤) -وقال الله تعالى ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ (^٥) وكان أول من أنسأ
_________________
(١) عيون الأثر ٢:٢٨٠، والسيرة الحلبية ٣:٣٣٣،٣٣٤، وشرح المواهب ٨:٢١٢.
(٢) شفاء الغرام ١:٧٤.
(٣) عيون الأثر ٢:٢٨٠؛ والسيرة الحلبية ٣:٣٣٤، وشرح المواهب ٨: ٢١٢،٢١٣.
(٤) أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٦
(٥) سورة التوبة آية ٣٧.
[ ١ / ٥٨٥ ]
الشهور من مضر مالك بن كنانة بن خزيمة؛ وذلك أن مالك بن كنانة نكح إلى معاوية بن ثور الكندي-وهو يومئذ فى كندة-وكانت النّساءة قبل ذلك فى كندة؛ لأنهم كانوا قبل [ذلك] (^١) ملوك العرب من ربيعة ومضر، وكانت كندة من أرداف المقاول، فنسأ ثعلبة بن مالك، ثم نسأ بعده الحارث بن مالك بن كنانة، وهو القلمّس، ثم نسأ بعد القلمّس سرير بن القلمّس، ثم كانت النّساءة فى بنى فقيم من بنى ثعلبة حتى جاء الإسلام، وكان آخر من نسأ منهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن عبد بن فقيم، وهو الذى جاء فى زمن عمر بن الخطاب ﵁ إلى الركن الأسود، فلما رأى الناس يزدحمون عليه قال: أيّها الناس، أناله جار فأخروا [عنه] (^٢) فخففه عمر ﵁ بالدرة ثم قال: أيها الجلف الجافى قد أذهب الله عزّك بالإسلام.
ويقال كان أول من أنسأ الشهور على العرب-فأحلت منها ما أحل وحرّمت منها ما حرم-القلمّس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة، ويقال عديّ بن زيد بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ثم بعده حذيفة بن عبد بن فقيم المذكور قبله، ثم بعده ابنه عيّاد بن حذيفة، ثم ابنه قلع، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه جنادة بن عوف-أدركه الإسلام كما تقدم وأسلم-وكان أبعدهم ذكرا وأطولهم أمدا يقال: إنه أنسأ أربعين سنة (^٣).
_________________
(١) إضافة عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٣.
(٢) إضافة عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٣.
(٣) سيرة النبى لابن هشام ١:٢٨،٢٩، وشفاء الغرام ٢:٣٩،٤٠
[ ١ / ٥٨٦ ]
والذى ينسأ لهم إذا أرادوا ألا يحلوا المحرم قام بفناء الكعبة يوم الصدر فقال: أيها الناس لا تحلو حرماتكم، وعظموا شعائركم؛ فإنى أجاب ولا أعاب (^١) لقول قلته. فهنالك (^١) يحرّمون المحرم ذلك العام، وكان أهل الجاهلية يسمون المحرم صفرا الأول، وصفرا [صفرا] (^٢) الآخرة، ويقولون: صفران، وشهرا ربيع، وجماديان، ورجب وشعبان. وشهر رمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة. فكان ينسأ الإنساء سنة [ويترك سنة] (^٢) ليحلوا الشهور المحرمة، ويحرموا الشهور التى ليست محرمة، وكان ذلك من فعل إبليس؛ ألقاه على ألسنتهم فرأوه حسنا، فإذا كانت السنة التى ينسأ فيها يقوم فيخطب بفناء الكعبة، ويجتمع الناس إليه يوم الصدر، فيقول: يا أيها الناس إنى قد أنسأت العام صفرا الأول-يعنى المحرم-فيطرحونه من الشهور ولا يعتدون به/، ويبدءون العدّة فيقولون: لصفر وشهر ربيع الأول صفرين، ويقولون لشهر ربيع الآخر وجمادى الأولى ربيعين، ويقولون لجمادى الآخرة ورجب جماديين، ويقولون لشعبان رجب. ولشهر رمضان شعبان، ويقولون لشوال شهر رمضان، ولذى القعدة شوال، ولذى الحجة ذا القعدة، ولصفر الأول- وهو المحرم الذى أنسأه-ذا الحجة؛ فيحجون تلك السنة فى المحرم، ويبطل من هذه السنة شهرا ينسئه (^٣).
_________________
(١) فى الأصول «لقوله فهنالك» والمثبت عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٣، وشفاء الغرام ٢:٤٠.
(٢) سقط فى الأصول والمثبت عن المرجعين السابقين.
(٣) أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٣،١٨٤، وشفاء الغرام ٢:٤٠،٤١.
[ ١ / ٥٨٧ ]
ويخطبهم فى السنة الثانية فى وجه الكعبة أيضا فيقول: أيها الناس لا تحلّوا حرماتكم، وعظموا شعائركم؛ فإنى أجاب ولا أعاب لقول قلته، اللهم إنى أحللت دم المحلّين طيّئ وخثعم فى الأشهر الحرم، وإنما أحل دماءهم؛ لأنهم كانوا يعدون على الناس فى الشهر الحرام من بين العرب، فيغزونهم ويطلبون بثأرهم ولا يقفون عن (^١) حرمات الأشهر الحرم كما يفعل غيرهم من العرب، وكان سائر العرب من الحلة والحمس لا يعدون فى الأشهر الحرم على أحد، ولو لقى أحدهم قاتل أبيه أو أخيه، ولا يستاقون مالا إعظاما للأشهر الحرم إلا خثعم وطئ فإنهم كانوا يعدون فى الأشهر الحرم؛ فهنالك يحرّمون من تلك السنة المحرم وهو صفر الأوّل [ثم] (^٢) يعدّون الشهور على عدّتهم التى عدّوها فى العام الأول، فيحجون فى كل شهر حجتين.
ثم ينسأ فى السنة الثانية فينسأ لهم صفرا الأول فى عدتهم [هذه] (^٣) -وهو صفر الآخر فى العدة المستقيمة-حتى تكون حجتهم فى صفر أيضا [حجتين] (^٣) فكذلك الشهور كلها حتى يستدير الحج فى كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم؛ الشهر الذى ابتدءوا منه الإنساء يحجون فى الشهور كلها فى كل شهر حجتين، فلما جاء الله بالإسلام أنزل فى كتابه ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي﴾
_________________
(١) فى الأصول «على» والمثبت عن المرجعين السابقين.
(٢) إضافة عن المرجعين السابقين.
(٣) إضافة عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٥.
[ ١ / ٥٨٨ ]
﴿الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ (^١) وأنزل ﷿ ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (^٢)
ويقال إن نسيئهم الشهر الحرام كان على ضربين أحدهما تأخير شهر المحرم إلى صفر لحاجتهم إلى شنّ الغارات، وطلب الثارات. وثانيهما تأخير الحج عن وقته تحرّيا منهم للسنة الشمسية، فكانوا يؤخرونه فى كل عام أحد عشر يوما وأكثر قليلا حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة؛ فيعود إلى وقته. قاله السهيلى (^٣).
وكانت قريش والعرب يرون مع إنساء الشهور أن أفجر الفجور العمرة فى أشهر الحج. ويقولون: لا تحضروا سوق عكاظ ومجنّة وذى المجاز إلاّ محرمين بالحج. فإذا أرادوا الحجّ والتجارة أحرموا بالحج وتوجهوا إلى سوق عكاظ-وعكاظ وراء قرن المنازل بمرحلة من طريق [صنعاء] (^٤) فى عمل الطائف على بريد منها-وهى سوق لقيس عيلان وثقيف، وأرضها [لنصر] (^٤) ويكون به هلال ذى القعدة، ويقيمون به عشرين ليلة، والناس على مداعيهم وراياتهم منحازين فى المنازل، يضبط كل قبيلة أشرافها وقاداتها، ويدخل
_________________
(١) سورة التوبة آية ٣٧.
(٢) سورة التوبة آية ٣٦.
(٣) الروض الأنف ١:٦٤، وشفاء الغرام ٢:٤١.
(٤) إضافة عن أخبار مكة للأزرقى ١:١٩٠.
[ ١ / ٥٨٩ ]
بعضهم على بعض للبيع والشراء ويجتمعون فى بطن السوق، فإذا مضت العشرون انصرفوا إلى مجنّة، وهى سوق بأسفل مكة، على بريد منها، وهى سوق لكنانة، وأرضها من أرض كنانة، وهى التى يقول فيها بلال رضى الله تعالى عنه:
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة … بفخّ وحولى إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنّة … وهل يبدون لى شامة وطفيل (^١)
وشامة وطفيل جبلان مشرفان على مجنّة. وأقاموا على مجنّة عشر ليال، أسواقهم قائمة، فإذا رأوا هلال ذى الحجة انصرفوا إلى ذى المجاز، وهو سوق لهذيل عن يمين الموقف من عرفة قريب من كبكب، على فرسخ من عرفة، وأقاموا به ثمانى ليال أسواقهم قائمة، ثم يخرجون يوم التروية من ذى المجاز إلى عرفة فيتروّون ذلك اليوم من الماء بذى المجاز، ينادى بعضهم بعضا: تروّوا من الماء لأنه لا ماء بعرفة ولا بالمزدلفة- يومئذ-. وكان يوم التروية آخر أسواقهم. وإنما كان يحضر هذه المواسم بعكاظ ومجنّة وذى المجاز التّجّار ومن كان يريد التجارة، ومن لم يكن له تجارة ولا بيع فإنه يخرج من أهله متى أراد. ومن كان من أهل مكة ممن لا يريد التجارة خرج من مكة يوم التروية فيتروون من الماء. وكان الناس لا يتبايعون فى يوم عرفة ولا أيام منى، فلما أن جاء الله بالإسلام أحلّ الله ذلك لهم؛ فأنزل الله تعالى فى كتابه ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٢).
_________________
(١) أخبار مكة للأزرقى ١:١٩٠.
(٢) سورة البقرة آية ١٩٨.
[ ١ / ٥٩٠ ]
وكانت هذه الأسواق: عكاظ ومجنة وذو المجاز قائمة فى الإسلام، حتى كان حديثا من الدهر. فأما عكاظ فإنها تركت عام خرجت الحروريّة (^١) بمكة مع أبى حمزة المختار بن عوف الأزدى الإباضى فى سنة تسع وعشرين ومائة؛ خاف الناس أن ينهبوا، وخافوا الفتنة فتركت حتى الآن. ثم تركت مجنة وذو المجاز بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة ومنى وعرفة (^٢).
وكان للناس سوق آخر لم يكن فى مواسم الحج ولا فى أشهره، وإنما كان فى رجب، وهو سوق حباشة (^٣)، سوق للأزد، وهى فى ديار الأوصام (^٤) من بارق (^٥) من صدر قنونا (^٦) وحلي (^٧) من
_________________
(١) أخبار مكة للأزرقى ١:١٨٨،١٨٩. والحرورية طائفة من الخوارج تنسب إلى حروراء قرب الكوفة، لأنه كان بها أول اجتماعهم وتحكيمهم حين خالفوا عليا ﵁، وكان عندهم تشدد فى الدين حتى مرقوا منه. وانظر معجم البلدان لياقوت، والمعجم الوسيط.
(٢) أخبار مكة للأزرقى ١:١٩٠.
(٣) حباشة: سوق للعرب فى الجاهلية بتهامة، وقد مر ذكره والتعليق عليه فى أخبار تجارة النبى ﷺ للسيدة خديجة ﵂.
(٤) الأوصام: قربة باليمن، ذكرها الزبيدى باسم الوصم. (هامش الأزرقى ١: ١٩١).
(٥) بارق: واد من أعظم الأودية اتساعا كثير الخيرات كثير القرى، ويسمى وادى شرف بين محايل والقنفذة فى تهامة عسير. (المرجع السابق، وانظر معجم البلدان لياقوت)
(٦) قنونا: واد يمتد من جبال خثعم إلى القنفذة أيضا ويعد من أودية تهامة عسير الكبيرة. (المرجع السابق ومعجم البلدان لياقون.)
(٧) حلى: واد ينتهى إلى مرفأ حلى على ساحل البحر الأحمر، ويبدأ من التقاء وادى ثية مع وادى عوص أمام محايل. (هامش أخبار مكة للأزرقى ١:١٩١.)
[ ١ / ٥٩١ ]
ناحية اليمن، وهى من مكة على ستّ ليال، وهى آخر سوق خربت من أسواق الجاهلية، وكان والى مكة يستعمل عليها رجلا يخرج معه بجند فيقيمون بها ثلاثة أيّام من أوّل رجب متوالية، حتى قتلت الأزد واليا [كان] (^١) من غنىّ بعثه داود بن عيسى بن موسى فى سنة سبع وتسعين ومائة، فأشار فقهاء مكة على داود بن عيسى بتخريبها فخربها وتركت.
وكانت الإفاضة بالحج فى الجاهلية إلى صوفة؛ وصوفة رجل يقال له أخزم بن العاص بن عمرو بن مازن بن الأسد، وكان أخزم قد تصدق بابن له على الكعبة يخدمها، فجعل إليه حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر الخزاعى الإفاضة بالناس على المواقف، وحبشية يومئذ يلى حجابة الكعبة، وأهل (^٢) مكة يصطفون على الموقف (^٢) فيقول [حبشية: أجيزى صوفة. فيقول] (^٣) الصوفى: أجيزوا أيها الناس فيجوزون.
ويقال أن امرأة من جرهم تزوّجها أخزم بن العاص بن عمرو ابن مازن بن الأسد، وكانت عاقرا فنذرت إن ولدت غلاما أن تتصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها ويقوم عليها، فولدت من أخزم الغوث، فتصدقت به عليها، وكان يخدمها فى الدهر الأول مع أخواله من
_________________
(١) إضافة عن المرجع السابق ١:١٩٢.
(٢) كذا فى ت. وفى م، وأخبار مكة للأزرقى ١:١٨٦، وشفاء الغرام ٢: ٣٦ «وأمر مكة يصطف الناس على الموقف.»
(٣) إضافة عن المرجعين السابقين.
[ ١ / ٥٩٢ ]
جرهم، فولى الإجازة بالناس لمكانه من الكعبة. وقالت أمه حين أتمت نذرها وخدم الغوث بن أخزم الكعبة:-
إنى جعلت ربّ من بنيّه … ربيطة بمكة العليّة
فباركنّ لى بها أليّة … واجعله لى من صالح البريّة (^١)
/فولى الغوث بن أخزم الإجازة من عرفة، فإذا دفع بالناس قال:
لاهمّ إنى تابع تباعة … إن كان إثم فعلى قضاعة (^٢)
وولى ولده من بعده فى زمن جرهم وخزاعة حتى انقرضوا، ثم صارت الإفاضة فى عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر فى زمن قريش فى عهد قصىّ، وكانت من [بنى] (^٣) عدوان فى آل زيد بن عدوان يتوارثونه، حتى كان الذى قام عليه الإسلام-كما تقدم فى سنة ثمان أبو سيارة العدوانى وهو عميلة (^٤) بن الأعزل بن خالد بن سعيد بن الحارث ابن زيد بن عدوان.
***