فيها كان الفجار الأوّل، وكانت الحروب فيه ثلاثة أيام، وكان أول أمر الفجار أنّ بدر بن معشر (^٢) الغفارى، وكان منيعا مستطيلا بمنعته على من ورد عكاظ، فاتخذ مجلسا بسوق عكاظ وقعد فيه، وجعل يبذخ (^٣) على الناس ويقول:
_________________
(١) طبقات ابن سعد ١:١٢٠، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٣١.
(٢) كذا فى م ومروج الذهب ٢:٢٧٧، والوفا بأحوال المصطفى ١:١٣٤، والسيرة الحلبية ١:٢٠٧. وفى ت، هـ «ابن مضر»، وفى تاريخ الخميس ١:٢٥٥ «ابن مغيث» وفى شفاء الغرام ٢:٩٧ «أبو معشر»
(٣) يبذخ: يفتخر ويتعالى فى فخره، أو يتكبر. (المعجم الوسيط)
[ ١ / ١٠٣ ]
نحن بنو مدركة بن خندف … من يطعن فى عينه لا يطرف/
وهو باسط رجله ويقول: أنا أعزّ العرب، فمن زعم أنه أعزّ العرب فليضربها بالسيف. فوثب رجل من بنى نصر بن معاوية، يقال له الأحمر بن مازن، فضربه بالسيف على ركبته فأندرها، ثم قال:-
خذها إليك أيها المخندف
ثم قام رجل من هوازن فقال:-
نحن ضربنا ركبة المخندف … إذ مدّها فى أشهر المعرف
فتحاور الناس عند ذلك حتى كاد يكون بينهم قتال، ثم تراجع الناس ورأوا أنه لم يكن كبير.
ثم كان اليوم الثانى من الفجار الأول، وسببه أن شبابا من قريش من بنى كنانة رأوا امرأة من بنى عامر وسيمة وضيئة، عليها برقع، وهى فى درع فضل-وكذلك كنّ نساء العرب يفعلن- وهى جالسة فى سوق عكاظ، فأعجبهم ما رأوا من حسن هيئتها، فأطافوا بها وقالوا لها: يا أمة الله أسفرى لنا عن وجهك ننظر إليك.
فأبت عليهم، فقام غلام منهم عارم فجلس خلفها. وحلّ طرف درعها، وشده إلى ما فوق عجزها بشوكة-والمرأة لا تدرى-فلما قامت انكشف درعها عن دبرها، فضحكوا وقالوا: منعتينا النظر إلى وجهك وجدت لنا بالنظر إلى دبرك!! ويقال: قالوا: منعتينا النظر إلى وجهك فقد نظرنا إلى دبرك، فنادت المرأة: يا آل عامر فضحت.
فثاروا بالسلاح، وحملت كنانة واقتتلوا قتالا شديدا، ووقعت بينهم
[ ١ / ١٠٤ ]
دماء، فتوسّطها حرب بن أميّة، وأرضى بنى عامر مثلة صاحبتهم- ويقال: فتحاور الناس ثم ترادّوا ورأوا أن الأمر دون (^١).
ثم كان اليوم الثالث من أيام الفجار الأوّل. وكان سببه أنه كان لرجل من بنى جشم بن بكر دين على رجل من بنى كنانة فلواه، فجرت بينهما خصومة، واجتمع الحيّان (^٢) فاقتتلوا، وحمل ابن جدعان ذلك من ماله.
وكان أبو طالب يحضر أيّام الفجار ومعه رسول الله ﷺ وهو غلام، فإذا جاء هزمت قيس، وإذا لم يجئ هزمت كنانة، فقالوا:
لا أبا لك، لا تغب عنا. ففعل (^٣).